اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [8] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


شرح كتاب لمعة الاعتقاد [8] - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
يجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤمن بقضاء الله عز وجل وقدره، فإنه لا يتم إيمان العبد إلا بذلك، كما أنه يجب أن يؤمن العبد أن الله عز وجل لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، ولا يظلم أحداً، ولذا فلا يجوز الاعتراض على القدر، أو الاحتجاج به على فعل المعاصي.
الإيمان بالقضاء والقدر

 لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى
وجود الخير والشر، والطاعات والمعاصي، والمؤمنين والكفار، هو بإرادة الله سبحانه وتعالى، وهو سبحانه وتعالى خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة.ولهذا يقول هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته الكونية، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى:8]، وقال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، وقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].وكذلك أيضاً ما وراء ذلك من وجود المخلوقات، وإحيائهم، وموتهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وهذه الدنيا، وهذه الأكوان، والبعث بعد الموت، كل ذلك بإرادة الله، ولا يكون لمخلوق فيها إرادة أبداً.ولهذا نجد أن هذه القضية يسلم بها الجميع، وقلما يوجد إنسان ينكرها، حتى الكفار يسلمون بها، ولقد كان مشركو الجاهلية يؤمنون بالقدر، ويصدقون بأن هناك أقداراً، وكذلك أيضاً الكفار اليوم يعلمون أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله سبحانه وتعالى، وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء؛ لأنهم علموا أن الله سبحانه وتعالى قدرها وكتبها على الجميع، فمثلاً: الموت كتبه الله على الجميع، والخلق مهما بلغ طبهم وتقدمهم العلمي إلا أنهم يئسوا عن أن يصلوا إلى جعل الإنسان يبقى مخلداً، أو يبقى زمناً طويلاً يختلف عن الزمن العادي بالنسبة لأعمار الناس، ونحو ذلك.إذاً: هذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله سبحانه وتعالى على الجميع، ومن ثمَّ صاروا يفكرون بأمور أخرى.قال: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره). فلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله سبحانه وتعالى، فوجود السماوات، ووجود الكواكب، ووجود هذه الأرض ببحارها.. بجبالها.. بحيواناتها.. بحشراتها.. بوحوشها.. برياحها.. بأشجارها.. بعبادها.. بإناثها.. بذكورها.. إلى آخره، كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يخرج شيء عن تقديره الكوني السابق، ولا يصدر أحد إلا عن تدبيره سبحانه وتعالى.ولهذا فإن الإنسان يفعل ويتحرك؛ لأن الله تعالى أعطاه إرادة، وأعطاه حرية، وأعطاه قدرة، لكنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله سبحانه وتعالى وإرادته وقدرته. ولهذا قال: (ولا محيد عن القدر المقدور)، وهذا صحيح؛ فكل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله سبحانه وتعالى وكتبه عليه، وهذا يعلمه كل إنسان من حياته، فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع؛ لأن الله سبحانه وتعالى كتبها عليه وقدرها، وهذا الأمر يتساوى فيه المؤمنون والكفار.
كتابة الله عز وجل كل شيء في اللوح المحفوظ
قال المصنف رحمه الله: [ ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور ]. أي: أن الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء في اللوح المحفوظ؛ فإنه سبحانه لما خلق القلم أمره أن يكتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذه هي المرتبة الثالثة من مراتب القدر، التي هي مرتبة الكتابة، فإن الله سبحانه وتعالى كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ.فكل ما نصنعه، وكل ما نعمله فهو مكتوب عند الله سبحانه وتعالى، بل كل ما يجري من حركات الجمادات وغيرها مكتوب في اللوح المحفوظ، حتى الشجرة إذا سقطت منها ورقة بسبب الريح أو بسبب جفافها أو غير ذلك، فإن سقوطها في كتاب مبين، كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، أي: أن أي حبة، وأي رطب، وأي يابس، وأي ورقة تسقط، فكل ذلك في كتاب مبين، فكيف بفعل العباد، وأقوالهم، وحركاتهم، ومجيئهم، وذهابهم... إلى غير ذلك؟! كل ذلك مكتوب مسطر، وهذه هي المرتبة الثالثة.إذاً: المرتبة الأولى هي العلم الأزلي المحيط بكل شيء: فالله يعلم ما أنت قائل أيها العبد! وما الذي ستختاره إذا أعطاك الله الاختيار؛ فإنه سبحانه وتعالى يعلم سابقاً ما الذي ستفعله وتختاره.والمرتبة الثانية: مرتبة المشيئة، وهي: أن الله سبحانه وتعالى ما شاء كان، وما لم يشاء لم يكن، ولا يخرج شيء عن مشيئته.المرتبة الثالثة: الكتابة، وهي أن الله سبحانه وتعالى كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ.
 لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى
وجود الخير والشر، والطاعات والمعاصي، والمؤمنين والكفار، هو بإرادة الله سبحانه وتعالى، وهو سبحانه وتعالى خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة.ولهذا يقول هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته الكونية، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى:8]، وقال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، وقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].وكذلك أيضاً ما وراء ذلك من وجود المخلوقات، وإحيائهم، وموتهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وهذه الدنيا، وهذه الأكوان، والبعث بعد الموت، كل ذلك بإرادة الله، ولا يكون لمخلوق فيها إرادة أبداً.ولهذا نجد أن هذه القضية يسلم بها الجميع، وقلما يوجد إنسان ينكرها، حتى الكفار يسلمون بها، ولقد كان مشركو الجاهلية يؤمنون بالقدر، ويصدقون بأن هناك أقداراً، وكذلك أيضاً الكفار اليوم يعلمون أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله سبحانه وتعالى، وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء؛ لأنهم علموا أن الله سبحانه وتعالى قدرها وكتبها على الجميع، فمثلاً: الموت كتبه الله على الجميع، والخلق مهما بلغ طبهم وتقدمهم العلمي إلا أنهم يئسوا عن أن يصلوا إلى جعل الإنسان يبقى مخلداً، أو يبقى زمناً طويلاً يختلف عن الزمن العادي بالنسبة لأعمار الناس، ونحو ذلك.إذاً: هذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله سبحانه وتعالى على الجميع، ومن ثمَّ صاروا يفكرون بأمور أخرى.قال: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره). فلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله سبحانه وتعالى، فوجود السماوات، ووجود الكواكب، ووجود هذه الأرض ببحارها.. بجبالها.. بحيواناتها.. بحشراتها.. بوحوشها.. برياحها.. بأشجارها.. بعبادها.. بإناثها.. بذكورها.. إلى آخره، كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يخرج شيء عن تقديره الكوني السابق، ولا يصدر أحد إلا عن تدبيره سبحانه وتعالى.ولهذا فإن الإنسان يفعل ويتحرك؛ لأن الله تعالى أعطاه إرادة، وأعطاه حرية، وأعطاه قدرة، لكنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله سبحانه وتعالى وإرادته وقدرته. ولهذا قال: (ولا محيد عن القدر المقدور)، وهذا صحيح؛ فكل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله سبحانه وتعالى وكتبه عليه، وهذا يعلمه كل إنسان من حياته، فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع؛ لأن الله سبحانه وتعالى كتبها عليه وقدرها، وهذا الأمر يتساوى فيه المؤمنون والكفار.
إرادة الله عز وجل الكونية
يقول رحمه الله تعالى: [أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه]. وهذه قضية مسلمة، فكل ما يعمله العباد فإن الله أراده كوناً، والإرادة هنا في قوله: (أراد ما العالم فاعلوه) هي إرادة كونية، فكل ما فعله العباد، ووقع منهم فإن الله سبحانه وتعالى أراده وقدره وشاءه كوناً، فأفعال العباد الواقعة منهم هي مرادة لله سبحانه وتعالى إرادة كونية.وقوله: (ولو عصمهم لما خالفوه) أي: لو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعصهم عن العصيان والمخالفة لما خالفوا، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق الملائكة وجعلهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فصاروا هكذا كما أراد الله لهم: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، فيسبحون ربهم أبداً، ويطيعونه ليلاً ونهاراً؛ لأن الله أراد منهم ذلك.وكذلك أيضاً البشر لو أراد الله سبحانه وتعالى منهم كوناً أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، ولم يبق منهم عاصٍ، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35].
 لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى
وجود الخير والشر، والطاعات والمعاصي، والمؤمنين والكفار، هو بإرادة الله سبحانه وتعالى، وهو سبحانه وتعالى خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة.ولهذا يقول هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته الكونية، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى:8]، وقال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، وقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].وكذلك أيضاً ما وراء ذلك من وجود المخلوقات، وإحيائهم، وموتهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وهذه الدنيا، وهذه الأكوان، والبعث بعد الموت، كل ذلك بإرادة الله، ولا يكون لمخلوق فيها إرادة أبداً.ولهذا نجد أن هذه القضية يسلم بها الجميع، وقلما يوجد إنسان ينكرها، حتى الكفار يسلمون بها، ولقد كان مشركو الجاهلية يؤمنون بالقدر، ويصدقون بأن هناك أقداراً، وكذلك أيضاً الكفار اليوم يعلمون أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله سبحانه وتعالى، وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء؛ لأنهم علموا أن الله سبحانه وتعالى قدرها وكتبها على الجميع، فمثلاً: الموت كتبه الله على الجميع، والخلق مهما بلغ طبهم وتقدمهم العلمي إلا أنهم يئسوا عن أن يصلوا إلى جعل الإنسان يبقى مخلداً، أو يبقى زمناً طويلاً يختلف عن الزمن العادي بالنسبة لأعمار الناس، ونحو ذلك.إذاً: هذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله سبحانه وتعالى على الجميع، ومن ثمَّ صاروا يفكرون بأمور أخرى.قال: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره). فلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله سبحانه وتعالى، فوجود السماوات، ووجود الكواكب، ووجود هذه الأرض ببحارها.. بجبالها.. بحيواناتها.. بحشراتها.. بوحوشها.. برياحها.. بأشجارها.. بعبادها.. بإناثها.. بذكورها.. إلى آخره، كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يخرج شيء عن تقديره الكوني السابق، ولا يصدر أحد إلا عن تدبيره سبحانه وتعالى.ولهذا فإن الإنسان يفعل ويتحرك؛ لأن الله تعالى أعطاه إرادة، وأعطاه حرية، وأعطاه قدرة، لكنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله سبحانه وتعالى وإرادته وقدرته. ولهذا قال: (ولا محيد عن القدر المقدور)، وهذا صحيح؛ فكل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله سبحانه وتعالى وكتبه عليه، وهذا يعلمه كل إنسان من حياته، فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع؛ لأن الله سبحانه وتعالى كتبها عليه وقدرها، وهذا الأمر يتساوى فيه المؤمنون والكفار.
خلق الله عز وجل لكل شيء ومنها أفعال العباد
قال المصنف: [خلق الخلق وأفعالهم].وهذه هي المرتبة الرابعة من مراتب القدر، وهي مرتبة الخلق: أي أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، كما قال تعالى في أكثر من آية: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فالله سبحانه وتعالى خالق لجميع هذه المخلوقات، ولا شريك له سبحانه وتعالى في خلقه، ويدخل في ذلك أفعال العباد، فالله خالق العباد وأفعال العباد.وبذلك يرد على المعتزلة الذين يستثنون من خلقه أفعال العباد، فيقولون: العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والله لا يخلق أفعال العباد، ومن ثمَّ ضل المعتزلة في باب القدر حين أنكروا مرتبة الخلق بالنسبة لأفعال العباد، وأنكروا مرتبة الإرادة، وجعلوا للعبد إرادة مستقلة، حتى قالوا: إذا اختلفت إرادة الله وإرادة العبد فالتي تقع هي إرادة العبد!فقول المصنف: (خلق الخلق وأفعالهم)، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة هو سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد، كما قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، وكما قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، فيدخل في ذلك أفعال العباد.وبهذا يكون المصنف قد أشار إلى مراتب القدر الأربع التي عليها مدار القدر، وكلها مرتبطة بقضية الربوبية، فأولها: علم الله المحيط بكل شيء، ثم مشيئته الشاملة التي لا يخرج عنها أحد، ثم إنه تعالى كتب ما هو كائن في اللوح المحفوظ، ثم إن الله سبحانه وتعالى خالق الخلق جميعاً، ومن ذلك أفعال العباد.وهذا هو الذي يؤمن به أهل السنة والجماعة ويقررونه، ويقولون: إن مقتضى وجود الإيمان بالقضاء والقدر في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، الإيمان بهذه المراتب الأربع.
 لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى
وجود الخير والشر، والطاعات والمعاصي، والمؤمنين والكفار، هو بإرادة الله سبحانه وتعالى، وهو سبحانه وتعالى خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة.ولهذا يقول هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته الكونية، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى:8]، وقال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، وقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].وكذلك أيضاً ما وراء ذلك من وجود المخلوقات، وإحيائهم، وموتهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وهذه الدنيا، وهذه الأكوان، والبعث بعد الموت، كل ذلك بإرادة الله، ولا يكون لمخلوق فيها إرادة أبداً.ولهذا نجد أن هذه القضية يسلم بها الجميع، وقلما يوجد إنسان ينكرها، حتى الكفار يسلمون بها، ولقد كان مشركو الجاهلية يؤمنون بالقدر، ويصدقون بأن هناك أقداراً، وكذلك أيضاً الكفار اليوم يعلمون أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله سبحانه وتعالى، وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء؛ لأنهم علموا أن الله سبحانه وتعالى قدرها وكتبها على الجميع، فمثلاً: الموت كتبه الله على الجميع، والخلق مهما بلغ طبهم وتقدمهم العلمي إلا أنهم يئسوا عن أن يصلوا إلى جعل الإنسان يبقى مخلداً، أو يبقى زمناً طويلاً يختلف عن الزمن العادي بالنسبة لأعمار الناس، ونحو ذلك.إذاً: هذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله سبحانه وتعالى على الجميع، ومن ثمَّ صاروا يفكرون بأمور أخرى.قال: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره). فلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله سبحانه وتعالى، فوجود السماوات، ووجود الكواكب، ووجود هذه الأرض ببحارها.. بجبالها.. بحيواناتها.. بحشراتها.. بوحوشها.. برياحها.. بأشجارها.. بعبادها.. بإناثها.. بذكورها.. إلى آخره، كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يخرج شيء عن تقديره الكوني السابق، ولا يصدر أحد إلا عن تدبيره سبحانه وتعالى.ولهذا فإن الإنسان يفعل ويتحرك؛ لأن الله تعالى أعطاه إرادة، وأعطاه حرية، وأعطاه قدرة، لكنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله سبحانه وتعالى وإرادته وقدرته. ولهذا قال: (ولا محيد عن القدر المقدور)، وهذا صحيح؛ فكل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله سبحانه وتعالى وكتبه عليه، وهذا يعلمه كل إنسان من حياته، فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع؛ لأن الله سبحانه وتعالى كتبها عليه وقدرها، وهذا الأمر يتساوى فيه المؤمنون والكفار.
الأرزاق والآجال مقدرة من عند الله عز وجل
قال المصنف: [وقدر أرزاقهم وآجالهم ].فالله سبحانه وتعالى كتب رزق كل عبد، كما في حديث ابن مسعود الصحيح: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد).قوله: (بكتب رزقه)، أي أنه لا يأخذ الإنسان في هذه الدنيا إلا ما كتب له من الرزق، (وأجله) فإذا جاء أجله لا يتقدم ولا يتأخر، كما قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، فلكل إنسان أجل محدد، حتى الذي قتل ظلماً وعدواناً قد انتهى أجله، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن المقتول لو لم يقتل لعاش. فنحن نقول: بل المقتول قد انتهى أجله، لكن الأسباب مختلفة، فهذا أجله ينتهي على فراشه، وذاك أجله ينتهي بالمرض، وهذا أجله ينتهي بالكبر، وهذا أجله ينتهي بالسقوط من علو، وهذا أجله ينتهي بأن يعتدي عليه معتدٍ فيقتله، لكن الكل أجلهم محدد لا يتأخر أبداً.
 لا يخرج شيء عن مشيئة الله تعالى
وجود الخير والشر، والطاعات والمعاصي، والمؤمنين والكفار، هو بإرادة الله سبحانه وتعالى، وهو سبحانه وتعالى خلق ذلك وقدره لحكم عظيمة.ولهذا يقول هنا: (لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته)، فكل ما يقع ويجري فهو بإرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته الكونية، كما قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى:8]، وقال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:39]، وقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].وكذلك أيضاً ما وراء ذلك من وجود المخلوقات، وإحيائهم، وموتهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وهذه الدنيا، وهذه الأكوان، والبعث بعد الموت، كل ذلك بإرادة الله، ولا يكون لمخلوق فيها إرادة أبداً.ولهذا نجد أن هذه القضية يسلم بها الجميع، وقلما يوجد إنسان ينكرها، حتى الكفار يسلمون بها، ولقد كان مشركو الجاهلية يؤمنون بالقدر، ويصدقون بأن هناك أقداراً، وكذلك أيضاً الكفار اليوم يعلمون أن هذه الأمور مقدرة قدرها الله سبحانه وتعالى، وأكبر دليل على ذلك أنهم قطعوا الأمل في أشياء؛ لأنهم علموا أن الله سبحانه وتعالى قدرها وكتبها على الجميع، فمثلاً: الموت كتبه الله على الجميع، والخلق مهما بلغ طبهم وتقدمهم العلمي إلا أنهم يئسوا عن أن يصلوا إلى جعل الإنسان يبقى مخلداً، أو يبقى زمناً طويلاً يختلف عن الزمن العادي بالنسبة لأعمار الناس، ونحو ذلك.إذاً: هذا دليل على اليقين بأن هذا الأمر كتبه الله سبحانه وتعالى على الجميع، ومن ثمَّ صاروا يفكرون بأمور أخرى.قال: (وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره). فلا يخرج في هذا العالم شيء إلا وقد قدره الله سبحانه وتعالى، فوجود السماوات، ووجود الكواكب، ووجود هذه الأرض ببحارها.. بجبالها.. بحيواناتها.. بحشراتها.. بوحوشها.. برياحها.. بأشجارها.. بعبادها.. بإناثها.. بذكورها.. إلى آخره، كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يخرج شيء عن تقديره الكوني السابق، ولا يصدر أحد إلا عن تدبيره سبحانه وتعالى.ولهذا فإن الإنسان يفعل ويتحرك؛ لأن الله تعالى أعطاه إرادة، وأعطاه حرية، وأعطاه قدرة، لكنه لا يخرج في مجموع ذلك عن تدبير الله سبحانه وتعالى وإرادته وقدرته. ولهذا قال: (ولا محيد عن القدر المقدور)، وهذا صحيح؛ فكل إنسان لا يستطيع أن يحيد عما قدره الله سبحانه وتعالى وكتبه عليه، وهذا يعلمه كل إنسان من حياته، فكم من أمور أراد الإنسان أن يمنعها فما استطاع؛ لأن الله سبحانه وتعالى كتبها عليه وقدرها، وهذا الأمر يتساوى فيه المؤمنون والكفار.
تنزيه الله عز وجل عن الظلم، وإثبات أن كل فعله لحكمة
قال المصنف رحمه الله: [ يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] ].وهذا لبيان قضية مهمة جداً متعلقة بالقدر ألا وهي: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم العباد؛ لأن الوهم قد يخطر أحياناً عند الإنسان، فيقول: إذا أثبتنا هذه المراتب الأربع لله، وكان ما يفعله العباد مكتوباً، فلماذا يعذب هؤلاء وينعم هؤلاء؟ ولماذا فرق بينهم؟فنقول هنا: إن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء برحمته، فهو الذي يمن على عباده ويتفضل عليهم، فمن هداه الله ووفقه للهداية فهذه منة من الله، وقد يمن الله سبحانه وتعالى بما هو أخص من ذلك، مثلما منَّ الله سبحانه وتعالى على الرسل بإرسالهم، قال عز وجل: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء:54]، فهو الذي اختار هؤلاء الرسل، فإذا منَّ الله على رسول فلا يجوز لإنسان أن يعترض، ويقول: لماذا اخترت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن يكون رسولاً، ولم تختر فلاناً أو فلاناً، كما قال بعض المشركين!إذاً: اصطفاء الله لرسله منة، وهداية الله لعباده منة، ومن ثمَّ فإن الذي هداه الله سبحانه وتعالى يجب عليه أن يعترف بهذه المنة، وأن يشكر ربه سبحانه وتعالى عليها شكراً عظيماً، ولهذا فنحن نحمد الله سبحانه وتعالى أن جعلنا مسلمين، فليس بيننا وبين الله نسب، فهاهي أمم الأرض تموج؛ فيها الملاحدة، وفيها اليهود، وفيها النصارى، وفيها عباد الأوثان وغيرهم، ويبلغون الملايين، وتفوق أعدادهم أعداد المسلمين.إذاً: من منَّ الله عليه بالهداية فذلك برحمته.قوله: (ويضل من يشاء بحكمته)، هذا هو الشاهد، وهو أنه سبحانه وتعالى يضل من يشاء، لكن له حكمة في ذلك، فهو سبحانه وتعالى لا يظلم العبد، فقد أقام عليه الحجة، وأعطاه الإرادة والقدرة، وأنزل إليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، حتى وضحت لديه المحجة، ووضح لديه الطريق.ولهذا فإن مما يجب أن يقطع به أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً؛ لأنه ليس بحاجة إلى الخلق، وهذه قضية ربما نشير إليها بعد قليل، لكن أشير هنا إلى أنه سبحانه وتعالى يضل من يشاء بحكمته؛ فله الحكمة البالغة؛ لأنه هو الذي اختار أن يوجد أهل الضلال وأهل الإيمان، ولو شاء لجمعهم على الهدى، لكنه اختار أن يكونوا منقسمين هكذا لحكمة يريدها سبحانه وتعالى، فما هي هذه الحكمة؟ هذه الحكمة قد تكون سراً من أسراره؛ فإن الله سبحانه له الإرادة المطلقة، كما قال عن نفسه لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، ونحن قد نتلمس شيئاً من حكم الله سبحانه وتعالى في ذلك، والله سبحانه وتعالى خلق الخلق وأوجدهم على هذه الحالة لتظهر آثار العبودية، وآثار الطاعة، ولهذا تجد أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يخلق شراً محضاً لا خير فيه، وإنما يخلق الله سبحانه وتعالى الشر النسبي؛ حيث يكون شراً لبعضهم، لكنه خير لبعضهم الآخر.فمثلاً: إبليس شر، فقد يقال: لماذا خلق الله إبليس؟ فنقول: خلقه لحكمة أرادها، ونقول أيضاً: خلقه ليبتلي به عباده، فكيف يميز المطيع من العاصي، وكيف يكون الإنسان لربه مطيعاً، وكيف يكون أنين المذنبين، واستغفار المستغفرين، وعبادة العابدين، وتوبة التائبين لو لم يكن هناك ابتلاء وامتحان بإغواء إبليس؟!ولو نظرنا أيضاً إلى بعض مخلوقات الله لوجدنا أن لله فيها حكمة، فمثلاً: لو جاء واحد وقال: لماذا خلق الله الأفعى أو العقرب، وليس فيها خير أبداً؛ بل إن ضررها كبير؟ فنقول: بل خلقها لحكم لا نعلمها، وإن كنا قد نلمس فيها شيئاً من الحكم، فقد يكون فيها أدوية وشفاء، وقد تكون سبباً للدغ إنسان فيكون شهيداً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واللديغ شهيد).إذاً: لا يوجد شيء خلقه الله سبحانه وتعالى إلا وله فيه حكمة، وأذكر أن أحد الوعاظ دخل على أحد خلفاء بني العباس، فلما دخل عنده وجلس أمامه تسلط ذباب على الخليفة، وصار هذا الذباب يقع على أنف الخليفة، ثم يخرج فيرجع مرة ثانية، ويخرج ويرجع، ويخرج ويرجع، حتى ضاق منه.فقال هذا الخليفة لهذا الواعظ: لماذا خلق الله الذباب؟ فاستحضر الواعظ إجابة لطيفة قال له فيها: خلقه الله ليذل به أنوف الجبابرة! فأعطاه حكمة حاضرة لديه الآن أنه إن تكبر فهذا من أصغر المخلوقات يذله، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ [الحج:73].إذاً: بنص القرآن أن الحكمة في خلق الذباب أن الله سبحانه وتعالى جعله بلاءً، يبتلي به عباده المؤمنين، وهكذا في بقية ما خلقه الله سبحانه وتعالى.إذاً: هو سبحانه وتعالى يضل من يشاء بحكمة، لكنه لا يجبر العباد، ولذا فإن العبد هو الذي يختار ويفعل.
 مسألة تكليف ما لا يطاق
قال المصنف رحمه الله: [ قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ [غافر:17] ].لما كلف الله الإنسان وأمره بالأوامر لم يكلفه ما لا يطيق، وإنما كلف الله الإنسان ما يستطيعه؛ ولذا جاءت التكاليف الشرعية على أحسن نظام، ولذا تجب الصلاة بأركانها، لكن إن لم يستطع القيام فليصل قاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب.ومن لا يستطيع الحج لا يجب عليه الحج، والذي لا يستطيع الصيام يفطر ثم يقضي، أو إذا لم يستطع مطلقاً يطعم، وهكذا جاءت هذه الشريعة، فتكليفات الله وتشريعاته كلها على قدر وسع الإنسان، كما قال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر:17]، أي: كسبته هي، ومذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد تنسب إلى العباد أنفسهم، وإذا قلنا: إن الله هو خالق العباد وأفعال العباد فلا ننسب أفعال العباد إلى الله، وإنما نقول: إن الله خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، لكن الله سبحانه وتعالى قدر الأسباب والمسببات، فمثلاً: الشمس خلقها الله، وإذا تحركت الشمس وجرت فالذي خلق حركتها هو الله، فإذا تحركت الشمس لا نقول: إن الله هو الذي تحرك.وهكذا أيضاً: الذي خلق العبد هو الله، والذي خلق فعل العبد هو الله، لكن إذا فعل العبد طاعة أو معصية فينسب الفعل إلى العبد، وهذا هو المعنى الدقيق الذي غفل عنه المعتزلة وغيرهم؛ لأن الجبرية ظنوا أن كل ما يفعله العبد ينسب إلى الله، وهذا باطل.والمعتزلة ظنوا أن العبد مستقل بفعله، فهو الذي يخلق فعله، وهذا باطل.وأهل السنة والجماعة قالوا: نحن نفرق بين قدرة تقوم بالله، وبين ما هو من مخلوقات الله ومفعولاته المنفصلة عنه، فأفعال العباد من مخلوقات الله المنفصلة عنه، فتنسب إلى أصحابها، والكل خلق لله سبحانه وتعالى.قال المصنف رحمه الله: [ فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً يجزى على حسنه بالثواب، وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره ].وهذا هو المنهج الصحيح في فهم قضية الإيمان بالقضاء والقدر.
الأسئلة

 مكان عقل الإنسان
السؤال: أين يقع عقل الإنسان؛ هل هو في الرأس أو في القلب؟الجواب: لا أدري، لكنهم اختلفوا قديماً في هذا، فبعضهم قالوا: هو في الدماغ، وبعضهم قالوا: هو في القلب، واستدلوا بقوله تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وبحثوا في هذا الموضوع علاقة القلب بالدماغ.. إلى آخره، وهي قضية لعلها سر من أسرار الله تعالى، وإلا فلو تأملنا لوجدنا أن الدماغ الذي في الرأس هو موطن التفكير والتحليل.. إلى آخره، والقلب من الناحية المادية ما هو إلا موطن ضخ للدماء، لكن هناك شعوراً يحسه الإنسان في قلبه، فعندما يحزن الإنسان يقول: أحس بوخزة داخل القلب، ولا يقول: أحس بوخزة داخل الدماغ، فهذا الإحساس سر من أسرار الله سبحانه وتعالى، فما علاقة هذه الروح وأين موضع هذه الروح من الجسد؟ والله تعالى يقول: وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، وهذا يدل على أن القلب له مكانة، لكن علاقته بالدماغ سر من أسرار الله تبارك وتعالى، وقد يحتج محتج بقول الله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف:179]، لكن يحتاج الأمر -والله أعلم- إلى خبر صادق ينفي هذا ويثبت هذا، يعني: أن النصوص دالة على أن القلب له دور عظيم، ولهذا اختلفوا في الموت، متى يتحقق الموت؟ هل يكون بموت القلب، أو يكون بموت الدماغ؟ لأن بعض الأموات يموت دماغه، ولكن يبقى جسمه وقلبه بأجهزة معينة متحركاً، فهل هو يموت بموت القلب أم لا؟ في هذا كلام طويل، ولا أظن أن هناك فائدة فيه.والحمد لله رب العالمين.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [8] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net