اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [7] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


شرح كتاب لمعة الاعتقاد [7] - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، تحدى الله ببلاغته العرب الفصحاء فعجزوا، بل تحداهم أن يأتوا ببعضه فأبلسوا، بل وتنزل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله فأخرسوا، بل ضم إليهم جميع الجن والإنس فعاد الجميع خاسرين، ورجعوا خائبين، فسبحان من تفرد بالكمال والجلال والجمال.
إثبات صفة الكلام لله عز وجل بصوت وحرف

 نداء الله لموسى عند تكليمه بصوت يسمعه
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى قال: [وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام ليلة رأى النار فهالته، ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى! فأجاب سريعاً استئناساً بالصوت. فقال: لبيك لبيك ولبيك، أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال: كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى].هذا الأثر إسرائيلي ضعيف لا يؤخذ به، رواه وهب بن منبه ووهب بن منبه معروف بالروايات الإسرائيلية، لهذا فإن هذا المقطع من قصة موسى أورده السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) في تفسير سورة (طه) الآية العاشرة، حيث ذكر أثراً طويلاً جداً بلغ صفحات، وذكر منه هذا، وقال السيوطي : أخرجه أحمد في (الزهد) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه .فإذاً: هذا الأثر رواه وهب بن منبه ، فهو أثر إسرائيلي، وعلى هذا فلا يعتد به، لهذا فالأولى بمثل هذا الأثر أن يطرح ولا يؤخذ به، والقضية التي أشار إليها ابن قدامة رحمه الله تعالى قد وردت لها أدلة أخرى في الأحاديث الصحيحة، فمثل هذه الآثار الإسرائيلية لا يؤخذ بها، بل إنني أرى أن متنها فيه نكارة؛ لأنه قال: فأين أنت، قال: (أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك ...) إلى آخره، وهذا الكلام كلام غير صحيح وغير دقيق لهذا، فما سبق أن ذكرناه كافٍ في بيان ضعف هذه الرواية، وأنها رواية إسرائيلية.
الكلام على القرآن الكريم

 القرآن الكريم له أول وآخر وأجزاء وأبعاض
قال ابن قدامة رحمه الله: [ له أول وآخر ].أي: أن القرآن له أول وله آخر، ونقول: إنه مفتتح بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ومختتم بقوله: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:6]. ثم قال: [وأجزاء وأبعاض]. نقول: القرآن ثلاثون جزءاً، كما نقول: معك جزء من القرآن، ويقول القائل: معي بعض القرآن، أو معي سور منه، أو معي سورة كذا، وهذا كله واضح، فهذا القرآن العظيم تكلم الله به بمشيئته وإرادته.وفي قوله (أجزاء وأبعاض) رد على من يزعم أن كلام الله عز وجل واحد؛ لأن الأشعرية يقولون: كلام الله واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، وإن القرآن والتوراة والإنجيل واحد، لكن لما عبر عنه بالعربية صار قرآناً، وبالعبرية صار توراة، وبالسريانية صار إنجيلاً، وهذا خطأ؛ لأن القول بأن كلام الله واحد لا يتبعض غير صحيح، ولهذا قال لهم العلماء: إذا قلتم إن كلام الله واحد، فموسى لما سمع كلام الله هل سمع كلام الله كله أو بعضه؟ فإن قلتم: بعضه، نقضتم قولكم، وإن قلتم: كله، كان قولكم باطلاً؛ لأنه لا يعقل أن يكون موسى سمع كلام الله كله؛ لأن كلام الله عز وجل لا يتناهى، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27]، ولا مفهوم للعدد هنا، فلو جاء سبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله.إذاً: الصحيح: أن موسى سمع ما كلمه الله سبحانه وتعالى به.
القرآن كلام الله عز وجل كيفما تصرف
قال المصنف رحمه الله: [ متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان ]. فالمتلو بالألسنة هو كلام الله، لكن الألسنة التي تلت والصوت الذي تلي به ينسب للمخلوق.إذاً الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، ولهذا قال: (محفوظ في الصدور)، فإذا قيل: فلان حافظ لكتاب الله تعالى، فهذا المحفوظ هو كلام الله القرآن، لكن صدره وما في صدره من قلب وما في رأسه من دماغ وغير ذلك هذا كله مخلوق، لكن كلام الله تعالى غير مخلوق.فإذا كتب هذا المصحف على الأوراق فهذا المكتوب هو كلام الله.إذاً: هو أينما تصرف وكيفما تصرف فهو كلام الله، أما صوت القارئ، وأما صدر الحافظ، وأما أذن السامع، وأما المداد والحبر، وأما الورق المكتوب به فهذه كلها مخلوقة.
 حفظ الله عز وجل للقرآن وإعجازه وبلاغته
ثم أخذ المصنف يستدل لذلك بالآيات فقال: [ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] ].أي: لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، بل هو تنزيل من حكيم حميد سبحانه وتعالى، والآية واضحة.[ وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] ]. أي: مظاهراً ومساعداً، فلا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل ولا يمكن أن يأتوا بسورة منه ولا بآية، ولهذا صنع وجود الخلاف بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش وهم أفصح العرب تحدياً، وقد حلفوا كل الحلف على معاندته إلا أنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فبقي هذا القرآن معجزة، وهذا أيضاً واضح جداً.
معرفة العرب أن القرآن كلام الله، وطعنهم فيه
ثم قال رحمه الله تعالى: [ وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الذين كفروا: لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ [سبأ:31] ]. وهذا للاستدلال على أن هذا القرآن هو كلام الله، وأن هذا المتلو بالأحرف العربية والكلام العربي هو كلام الله، فهذا يدل على أنه كلام الله، وأن الله تكلم به بحرف وصوت.ثم قال: [ وقال بعضهم: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25]، فقال الله سبحانه وتعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:26] ].وقوله: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25]، معروف أن هذا قاله المشركون، وورد في بعض الروايات أن الذي قال هذا هو الوليد بن المغيرة .وقوله: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25] أي: ما هو إلا قول محمد، وليس كلام الله سبحانه وتعالى، فكذبهم الله سبحانه وتعالى ورد عليهم بقوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:26]، وهذا لبيان أن دعواه أنه قول البشر كذب، بل هو كلام الله سبحانه وتعالى، فكيف يأتي قائل ويقول: هذا كلام محمد، أو يقول: إنه مخلوق؟! بل هو كلام الله منزل غير مخلوق، وهذا نص صريح على أن الله تكلم به، وأنه كلام الله تعالى، ولهذا رد الله على ذلك المشرك الباغي الذي قال: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25]، فمن قال: إنه قول محمد فهو شبيه بـالوليد بن المغيرة الذي قال: إن هو إلا قول البشر، نسأل الله السلامة والعافية.ثم قال المصنف رحمه الله: [ وقال بعضهم هو شعر، فقال الله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69] ].أي: ما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم الشعر، وما ينبغي للرسول أن يكون شاعراً، وإنما هذا الذي بلغكم إياه هو كلام الله سبحانه وتعالى وذكر مبين.فسموه شعراً لأن الشعر أحرف وكلمات، لكن الله سبحانه وتعالى رد عليهم فقال: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69].إذاً: هذا القرآن هو كلام الله وليس كلام شاعر، وهذا يدل على أن العرب كانوا يفهمون من القرآن أنه كلمات شبيهة بكلام العرب وأحرف وكلمات شبيهة بكلام الشعراء، ولهذا قالوا: هو شعر، فرد الله عليهم ببيان أنه ليس بقول شاعر، وأن الرسول لا ينبغي له أن يكون شاعراً، وإنما هو كلام الله سبحانه وتعالى.ويفهم من هذا أن القرآن كلام الله، وأنه كلمات، وأنه حروف، وأن العرب فهموا منه هذا، ولهذا لم يعترضوا على هذا وإنما اعترضوا على أن يكون كلام الله سبحانه وتعالى.أما أولئك المتكلمون فإنهم يقرون أنه من الله، لكن ينكرون أن يكون كلام الله، ولا شك أن كلامهم غير صحيح.ثم قال ابن قدامة رحمه الله: [ فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآناً لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات وحروف وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد إنه شعر ].وهذا كلام واضح الدلالة من ابن قدامة رحمه الله تعالى؛ فهو تعليق جيد بين القضية التي شرحناها قبل قليل، فالعرب على فطرتهم كانوا أفقه -وإن كانوا كفاراً- في مثل هذه المسائل من أولئك المتمسلمين الذين خاضوا في هذه المسائل بلا علم.
 تحدي الله عز وجل للعرب ببلاغة القرآن الكريم
ثم قال رحمه الله تعالى: [ وقال عز وجل: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة:23]].أي: إن كنتم في شك من ذلك فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وابتدعوا نبوة وديانه جديدة، ثم ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، لكنهم لا يستطيعون. ولهذا قال المصنف رحمه الله: [ ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل ].وهذا صحيح، إذ لا يمكن أن يتحداهم إلا بشيء هم يفهمونه، ولهذا افتتح الله السور بالحروف المقطعة، تحدياً للعرب، فلما يقول: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، كأنه يقول: يا أيها العرب! هذا القرآن هو من الحروف التي أنتم تتكلمون بها، وكلامكم كله يرجع إلى هذه الحروف، وهذا القرآن أيضاً هو متلو بهذه الحروف، ومع ذلك هو كتاب الله لا ريب فيه نزله الله على عبده، وهنا في هذه الآية يقول: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، أي: من مثل هذا القرآن العربي، وطبعاً هم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله. الشاهد هنا: أنه لو لم يكن هذا القرآن المتلو هو كلام الله سبحانه وتعالى بكلماته وحروفه لما صح في التحدي أن يقال لهم: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، وهذا بين واضح جداً. ثم قال: [ وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15] ].قوله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [يونس:15]، أي: أن هذا قرآن يتلى عليهم، فإذا تلي عليهم قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15].إذاً: هذا القرآن المتلو ليس كلاماً لمحمد؛ وإلا لما قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15]، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15]؛ لأن هذا وحي من الله سبحانه وتعالى، ولو كان كلاماً من عنده لقال: لا أريد أن أقول إلا هذا! لكن قال: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15]، أي: وإنما هو وحي أوحاه ربي إلي، هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.ولهذا قال المصنف: [ فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم. وقال تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] ].أي: أن القرآن آيات بينات في صدور المؤمنين حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن هذا المحفوظ في الصدور هو كلام الله تبارك وتعالى.
كتابة القرآن الكريم في اللوح المحفوظ
ثم قال: [وقال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:77-79]، بعد أن أقسم على ذلك ].وبداية الآيات: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة:75-78]، أي محفوظ، كما قال تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49]. فما هو هذا الكتاب المكنون الذي (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)؟اختلف العلماء فيه على قولين: قيل: إنه القرآن، أي: المصحف، وقيل: إنه المكتوب في اللوح المحفوظ، وهذا هو الراجح، ولهذا قال: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]. فهذا خبر في أن هذا القرآن في ذلك اللوح المحفوظ، وأن ذلك اللوح المحفوظ لا يقربه إلا المطهرون، وهم الملائكة، لكن على القول الأول أنه المصحف فقد يمسه غير المطهر، بل قد يمسه المشرك، فهذا يرجح أن المقصود بالآية أنه مكتوب في اللوح المحفوظ.إذاً لما كان مكتوباً في اللوح المحفوظ ومسطراً بحروفه وكلماته فهو كلام الله سبحانه وتعالى.
 تحدي الله عز وجل للعرب ببلاغة القرآن الكريم
ثم قال رحمه الله تعالى: [ وقال عز وجل: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة:23]].أي: إن كنتم في شك من ذلك فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وابتدعوا نبوة وديانه جديدة، ثم ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، لكنهم لا يستطيعون. ولهذا قال المصنف رحمه الله: [ ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل ].وهذا صحيح، إذ لا يمكن أن يتحداهم إلا بشيء هم يفهمونه، ولهذا افتتح الله السور بالحروف المقطعة، تحدياً للعرب، فلما يقول: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، كأنه يقول: يا أيها العرب! هذا القرآن هو من الحروف التي أنتم تتكلمون بها، وكلامكم كله يرجع إلى هذه الحروف، وهذا القرآن أيضاً هو متلو بهذه الحروف، ومع ذلك هو كتاب الله لا ريب فيه نزله الله على عبده، وهنا في هذه الآية يقول: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، أي: من مثل هذا القرآن العربي، وطبعاً هم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله. الشاهد هنا: أنه لو لم يكن هذا القرآن المتلو هو كلام الله سبحانه وتعالى بكلماته وحروفه لما صح في التحدي أن يقال لهم: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، وهذا بين واضح جداً. ثم قال: [ وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15] ].قوله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [يونس:15]، أي: أن هذا قرآن يتلى عليهم، فإذا تلي عليهم قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15].إذاً: هذا القرآن المتلو ليس كلاماً لمحمد؛ وإلا لما قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15]، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15]؛ لأن هذا وحي من الله سبحانه وتعالى، ولو كان كلاماً من عنده لقال: لا أريد أن أقول إلا هذا! لكن قال: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15]، أي: وإنما هو وحي أوحاه ربي إلي، هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.ولهذا قال المصنف: [ فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم. وقال تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] ].أي: أن القرآن آيات بينات في صدور المؤمنين حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن هذا المحفوظ في الصدور هو كلام الله تبارك وتعالى.
الحروف المقطعة في القرآن الكريم
ثم قال: [ وقال تعالى: كهيعص [مريم:1]، حم * عسق [الشورى:1-2]، وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة ].أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الكلام أمرين:أحدهما: أن كهيعص [مريم:1]، حروف، وهي من كلام الله، وداخلة في القرآن. وكذلك أيضاً: حم * عسق [الشورى:1-2]، وكذلك ن [القلم:1]، الم [البقرة:1] إلى آخره.وقوله: (وافتتح الله تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة)، أي: أن كل هذه السور افتتحت بهذه الحروف المقطعة، وذكر الله سبحانه وتعالى القرآن بعد كل حروف مقطعة من هذه السور، إلا في موضع واحد، فمثلاً: قال تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، وقال: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص:1]، وقال: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم:1]، وقال: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1]، وقال: حم [الأحقاف:1]، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ [الأحقاف:2]، وهكذا كل السور بعد الحروف المقطعة ذكر فيها القرآن العظيم، وهذا دليل على أن هذه الحروف هي كلام الله، وعلى أن المقصود -والعلم عند الله تعالى- من هذه الحروف: بيان إعجاز القرآن العظيم، وكأن الله يقول للمشركين: هذه هي الحروف، ومع ذلك هذا القرآن العظيم من عند الله سبحانه وتعالى وأنتم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله، وهذا يدل على أن هذا القرآن حروف وكلمات، وأنه كلام الله تعالى.وأما الموضع الذي افتتحت فيه السورة بالحروف المقطعة ولم يذكر بعده القرآن فهي سورة مريم: كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:1-3].فما ذكره بعضهم من أنه لم تذكر الحروف مقطعة إلا ويذكر فيها كلام الله يستثنى منه هذه السورة، وما قصده ابن قدامة رحمه الله تعالى واضح جداً.نكتفي بهذا، ونستكمل -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.والحمد لله رب العالمين.
 تحدي الله عز وجل للعرب ببلاغة القرآن الكريم
ثم قال رحمه الله تعالى: [ وقال عز وجل: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة:23]].أي: إن كنتم في شك من ذلك فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وابتدعوا نبوة وديانه جديدة، ثم ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، لكنهم لا يستطيعون. ولهذا قال المصنف رحمه الله: [ ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل ].وهذا صحيح، إذ لا يمكن أن يتحداهم إلا بشيء هم يفهمونه، ولهذا افتتح الله السور بالحروف المقطعة، تحدياً للعرب، فلما يقول: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، كأنه يقول: يا أيها العرب! هذا القرآن هو من الحروف التي أنتم تتكلمون بها، وكلامكم كله يرجع إلى هذه الحروف، وهذا القرآن أيضاً هو متلو بهذه الحروف، ومع ذلك هو كتاب الله لا ريب فيه نزله الله على عبده، وهنا في هذه الآية يقول: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، أي: من مثل هذا القرآن العربي، وطبعاً هم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثله. الشاهد هنا: أنه لو لم يكن هذا القرآن المتلو هو كلام الله سبحانه وتعالى بكلماته وحروفه لما صح في التحدي أن يقال لهم: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، وهذا بين واضح جداً. ثم قال: [ وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15] ].قوله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [يونس:15]، أي: أن هذا قرآن يتلى عليهم، فإذا تلي عليهم قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15].إذاً: هذا القرآن المتلو ليس كلاماً لمحمد؛ وإلا لما قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15]، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15]؛ لأن هذا وحي من الله سبحانه وتعالى، ولو كان كلاماً من عنده لقال: لا أريد أن أقول إلا هذا! لكن قال: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15]، أي: وإنما هو وحي أوحاه ربي إلي، هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.ولهذا قال المصنف: [ فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم. وقال تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] ].أي: أن القرآن آيات بينات في صدور المؤمنين حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن هذا المحفوظ في الصدور هو كلام الله تبارك وتعالى.
الأسئلة

 تفاوت أجر الذين يقرءون القرآن
السؤال: هل تضعيف الحسنات خاص بمن يتلو القرآن من دون لحن، كما قال المؤلف؟الجواب: لا شك أن قارئ القرآن مأجور، لكن الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به له أجر أكبر، كما ثبت في الحديث: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران)، فالأجر ثابت، لكن الماهر بالقرآن أكثر وأعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [7] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net