اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [6] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


شرح كتاب لمعة الاعتقاد [6] - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
يجب على المرء المسلم أن يؤمن بكل صفات الله عز وجل التي ثبتت في القرآن الكريم، وفي السنة الصحيحة، كما يجب عليه أن يثبتها كما أثبتها السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومن ذلك صفة العلو التي ثبتت بالأدلة المتواترة من الكتاب والسنة والفطرة والعقل. ومن صفات الله الثابتة له أيضاً صفة الكلام، فالله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، بحرف وصوت، ومن تأول ذلك أو حرفه فقد خالف منهج السلف الصالح.
شبهات في مسألة العلو والرد عليها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تـأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله ].هذه العبارة فيها بيان ما سبق أن ذكرنا من منهج السلف رحمهم الله تعالى في هذه القضية، ونحن في الدرس الماضي تحدثنا عن قضية العلو، وذكرنا أن إثبات علو الله سبحانه وتعالى من قضايا العقيدة التي دلت عليها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والفطرة، وأدلة العقول، بل والإجماع؛ فقد أجمع عليها سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.
 إحاطة السماء بالأرض لا تقتضي إحاطة الله بمخلوقاته
الثانية: أن القول بأن السماء محيطة بالأرض لا يقتضي أن يكون الله بذاته محيطاً بمخلوقاته كما ادعى أهل الضلال الذين يكيفون ذات الله سبحانه وتعالى.وإنما نقول: إن هذه الأرض ما هي إلا ذرة صغيرة في الكون تحيط بها ملايين المجرات، وتحيط بها السماوات وفوق السماوات عرش الرحمن سبحانه وتعالى، والله فوق العرش وهو أعظم منها، ولايقدر قدره إلا الله سبحانه وتعالى، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه يقبض السماوات بيمينه، قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، فإذا كانت هذه السماوات وهذه المجرات وما يتبعها مطويات بيمينه، فلا يتصور أحد أن الأرض تحيط بها السماء من كل جانب، وأن الله سبحانه وتعالى له ذات، وهذه الذات بشكل كيت وكيت وهي تحيط بالمخلوقات. وإنما الواجب أن يعلم المرء أن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى، وهذه الأرض وما حولها كلها حقيرة بالنسبة له سبحانه وتعالى.ومن ثمَّ فلا يلزم ذلك اللازم الباطل، ولهذا شبه بعض علماء السلف رحمهم الله تعالى تشبيهاً في هذه المسألة يوضحها فقال: لو أن نسراً طار في السماء، وأمسك برجله شعيرة، فهذه الحبة بالنسبة للنسر تحته، فهل يقتضي هذا أن يكون هذا النسر على هذا النحو محيطاً بالحبة؟ لا يلزم، ولله المثل الأعلى.وقد أخبرنا الله أن السماوات والأرضين كلها مقبوضة بيد الرحمن تبارك وتعالى، وعلى هذا فهي لا تساوي شيئاً، كما ورد في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم).إذاً: الفهم الخاطئ في هذا الأمر نشأ من قصور العقل، ونشأ من التشبيه؛ حيث ظن الإنسان أن الله مثلما نقول: فلك أو جبل أو نحو ذلك، ثم قاس الله سبحانه وتعالى بها، فإذا كانت السماوات بملايين المجرات في يد الرحمن كخردلة في يد أحدهم، فكيف يتصور أحد ذلك التصور الساذج؟! بل نقول: سبحانك يا إلهنا ما أعظمك! وما عبدناك حق عبادتك، ونؤمن بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته، ولا يخطر ببالنا أي شيء من هذا الأمر.فالإيمان الصحيح بالله وأسمائه وصفاته وعظمته يجعل الإنسان يعبد رباً عظيماً رحيماً قديراً خبيراً أحاط بكل شيء علماً، يعبد رباً على العرش استوى استواءً يليق بجلالته وعظمته، يعبد رباً لا تساوي هذه المخلوقات بالنسبة له شيئاً، وإذا آمن بذلك أيقن يقيناً تاماً أنه لا يمكن أن يكون الله إلا في جهة العلو، وأن أي اعتقاد عدا ذلك من حلول كامل أو حلول محدد بشخص أو مكان، أو القول بإن الله لا داخل العالم ولا خارجه أو نحو ذلك، ما هو إلا دوران حول أنواع من الشرك بالله، نسأل الله السلامة والعافية.
شرح أثر مالك بن أنس: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول...)
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى أيضاً: [ سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، فقيل: يا أبا عبد الله : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج ].الإمام مالك ولد سنة (93 هـ)، وتوفي سنة (179 هـ)، والإمام مالك رحمه الله تعالى عاصر بعض البدع التي وجدت في عهده، فدخل عليه في أحد الأيام رجل وهو في المسجد في الحلقة، فقال: يا أبا عبد الله !: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ إذاً: عندنا أمران: الأمر الأول: أن السائل يعلم بأنه ورد في القرآن إثبات الاستواء، وأنه دل عليه قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].الثاني: أن السؤال إنما هو على الكيفية؛ لأنه قال: كيف استوى؟ونحن نقول هذا الكلام لأن جواب الإمام مالك فسره المخالفون لأهل السنة والجماعة تفسيراً خاطئاً، فالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) وفي بعض الروايات أنه قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول)، وهنا قال: (والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).فالإمام مالك قال: (الاستواء غير مجهول) يعني أن معنى الاستواء كما نفقهه، ونحن خوطبنا باللغة العربية، فهذا الاستواء معلوم لنا غير مجهول، لكن ما هو الشيء الذي نجهله ولا نعقله؟ الجواب: هو الكيف، لأننا لا نعلم كيف الله فكذلك لا نعلم كيف صفاته سبحانه وتعالى.وبعض الذين ينكرون استواء الله ويتأولونه بالاستيلاء يجيبون عن هذا ويقولون: إن قول الإمام مالك : (الاستواء معلوم) يعني أنه مذكور في القرآن، فنقول لهم: لو كان قصد الإمام مالك أن الاستواء مذكور في القرآن لاكتفى بكلام السائل؛ لأن السائل أولاً قال: يا أبا عبد الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ ولكان قوله: (الاستواء معلوم) كلاماً لا قيمة له، ولكن السائل سيقول: أنا ما سألتك إلا وأنا أعلم أن الاستواء مذكور في القرآن، لكن أراد الإمام مالك إثبات وبيان قضية منهج السلف رحمهم الله تعالى، ألا وهي أن الاستواء معلوم، أي: نحن نعلم معنى الاستواء بما خوطبنا به في اللغة العربية؛ فإنه بمعنى: علا، وارتفع، واستقر، وصعد، هذه هي الألفاظ الواردة عن السلف رحمهم الله تعالى، وعلى هذا فإن الاستواء معلوم، وأما كونه مذكوراً في القرآن فهذا أمر بدهي، ولا يمكن أن يغفل عنه الإمام مالك ، والسائل نفسه ذكر أن سؤاله إنما هو عن الكيفية، والكيفية غير معقولة.وهذا هو منهج السلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى إثباتاً حقيقياً، ويثبتون ما دلت عليه من معانٍ، ويقولون: إن الكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.وقوله: (والإيمان به واجب)، أي: أن إثبات الاستواء على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واجب، ولا يجوز تأويله.وقوله: (والسؤال عنه بدعة)، أي أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة، وليس المقصود به السؤال عن إثبات الاستواء؛ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث قال فيه: (إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، فهل معنى ذلك ألا نتكلم عن الإيمان بالقدر، ولا نتكلم عن فضل الصحابة؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر القدر وخاض فيه الخائضون بالباطل فلا نتكلم، وإنما نكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، لكن إثبات الإيمان بالقدر أصل من الأصول؛ بل هو ركن من أركان الإيمان، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (...وتؤمن بالقدر خيره وشره). إذاً: قوله هنا: (أمسكوا) أي: عن الخوض فيه بالباطل، وهكذا ذكر الصحابة، هل معنى ذلك أننا لا نذكر الصحابة بشيء أبداً؟ الجواب: لا، وإنما المقصود أنه إذا ذكر الصحابة وتكلم فيما وقع بينهم كما هو ديدن كثير من أهل البدع، فيجب علينا أن نمسك، وألا نخوض في ذلك، وأن نكل ما جرى بينهم إلى الله سبحانه وتعالى، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.وقوله: (ثم أمر بالرجل فأخرج)، أي: أن الإمام مالكاً أمر بهذا الرجل فأخرج تأديباً له وتعليماً لأصحابه؛ لأن أهل البدع يجب ألا يمكنوا من نشر بدعهم، وهذا هو منهج السلف الصالح، فبعض الناس يظن أن فتح الحوار يدل على منهج علمي واقعي، وأنه ينبغي أن يفتح الإنسان الحوار لكل من هب ودب، فمن كان من هؤلاء من أهل البدع فإنه حينما يكون هناك قدرة للمتمسكين بمنهج أهل السنة والجماعة فيجب عليهم ألا يتهاونوا، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه ما ترك صبيغ بن عسل يتكلم بالمتشابهات، وإنما أتى له بعراجين النخل وضربه حتى قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب عني الذي أجد.لكن إذا وجدت البدعة وابتلي بها المسلمون، ولم يكن للمسلمين من أهل السنة والجماعة قدرة على منع الخوض فيها، فحينئذ تشرع مناقشتهم لا أن نفتح نحن الحوار ونقول: تعالوا لنشر بدعكم؛ وذلك لأن البدعة قد يصوغها صاحبها ولا يستطيع الجواب عنها، فتثير في النفس شكاً وريبة، فكيف إذا كان هذا يقع عند المتعلمين؟ فكيف بالعوام؟ وكيف بالنساء؟ وكيف بغيرهم؟ فمثلاً: لو أن إحدى البدع تقام في التلفزيون، ويشاهدها الأطفال والنساء وغيرهم، ونقول لصاحبها: نفتح معك الحوار، وهذا يصلح وهذا يرد، فهذا لا شك أنه سيؤدي إلى بلاء قذر. فمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هو بيان الحق وبيان العقيدة بأدلتها؛ حتى تؤمن النفس ويصفو إيمانها، ولا يخوضون في ذلك إلا عند الضرورات وعند الحاجة، وحينما يكون هناك خطر لا يمكن رده إلا بالنقض والبسط، كما فعل أئمة السلف رحمهم الله تعالى في القرن الثالث والرابع وما بعدهما.
 إحاطة السماء بالأرض لا تقتضي إحاطة الله بمخلوقاته
الثانية: أن القول بأن السماء محيطة بالأرض لا يقتضي أن يكون الله بذاته محيطاً بمخلوقاته كما ادعى أهل الضلال الذين يكيفون ذات الله سبحانه وتعالى.وإنما نقول: إن هذه الأرض ما هي إلا ذرة صغيرة في الكون تحيط بها ملايين المجرات، وتحيط بها السماوات وفوق السماوات عرش الرحمن سبحانه وتعالى، والله فوق العرش وهو أعظم منها، ولايقدر قدره إلا الله سبحانه وتعالى، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه يقبض السماوات بيمينه، قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، فإذا كانت هذه السماوات وهذه المجرات وما يتبعها مطويات بيمينه، فلا يتصور أحد أن الأرض تحيط بها السماء من كل جانب، وأن الله سبحانه وتعالى له ذات، وهذه الذات بشكل كيت وكيت وهي تحيط بالمخلوقات. وإنما الواجب أن يعلم المرء أن الله سبحانه وتعالى على العرش استوى، وهذه الأرض وما حولها كلها حقيرة بالنسبة له سبحانه وتعالى.ومن ثمَّ فلا يلزم ذلك اللازم الباطل، ولهذا شبه بعض علماء السلف رحمهم الله تعالى تشبيهاً في هذه المسألة يوضحها فقال: لو أن نسراً طار في السماء، وأمسك برجله شعيرة، فهذه الحبة بالنسبة للنسر تحته، فهل يقتضي هذا أن يكون هذا النسر على هذا النحو محيطاً بالحبة؟ لا يلزم، ولله المثل الأعلى.وقد أخبرنا الله أن السماوات والأرضين كلها مقبوضة بيد الرحمن تبارك وتعالى، وعلى هذا فهي لا تساوي شيئاً، كما ورد في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم).إذاً: الفهم الخاطئ في هذا الأمر نشأ من قصور العقل، ونشأ من التشبيه؛ حيث ظن الإنسان أن الله مثلما نقول: فلك أو جبل أو نحو ذلك، ثم قاس الله سبحانه وتعالى بها، فإذا كانت السماوات بملايين المجرات في يد الرحمن كخردلة في يد أحدهم، فكيف يتصور أحد ذلك التصور الساذج؟! بل نقول: سبحانك يا إلهنا ما أعظمك! وما عبدناك حق عبادتك، ونؤمن بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته، ولا يخطر ببالنا أي شيء من هذا الأمر.فالإيمان الصحيح بالله وأسمائه وصفاته وعظمته يجعل الإنسان يعبد رباً عظيماً رحيماً قديراً خبيراً أحاط بكل شيء علماً، يعبد رباً على العرش استوى استواءً يليق بجلالته وعظمته، يعبد رباً لا تساوي هذه المخلوقات بالنسبة له شيئاً، وإذا آمن بذلك أيقن يقيناً تاماً أنه لا يمكن أن يكون الله إلا في جهة العلو، وأن أي اعتقاد عدا ذلك من حلول كامل أو حلول محدد بشخص أو مكان، أو القول بإن الله لا داخل العالم ولا خارجه أو نحو ذلك، ما هو إلا دوران حول أنواع من الشرك بالله، نسأل الله السلامة والعافية.
الكلام على صفة الكلام

 أدلة إثبات صفة الكلام لله جل وعلا من القرآن
ثم ذكر المصنف الأدلة على ذلك فقال: [ قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] ].وقوله: (تكليماً) مصدر مؤكد أن هذا التكليم حقيقي.ثم قال: [ وقال سبحانه: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144] ].هذا يدل على أن الله كلمه بكلام مفهوم سمعه: أني اصطفيتك واخترتك على الناس برسالاتي وبكلامي.وهذا يدل على أمرين: الأمر الأول: أن الله كلمه بذلك وقال له: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ [الأعراف:144].الأمر الثاني: أن الله اصطفاه برسالته، واصطفاه بكلامه، ولهذا سمي موسى كليم الله سبحانه وتعالى.وقد ذكرنا أن العلم عند الله سبحانه وتعالى في سبب تسمية موسى كليم الله، مع أن الله كلم محمداً، وكلم آدم، لكن الله كلم موسى على الأرض، وهو على طبيعته البشرية، بخلاف تكليم الله لآدم فإنه كان وهو في السماء، وتكليم الله لمحمد كان عند أن عرج بروحه وجسده إلى السماء، أما تكليمه لموسى فكان وهو على الأرض، ولعل هذه خصوصية لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.ثم قال: [ وقال سبحانه: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253] ].يعني: الرسل، فهذه الآية هي عن رسل الله سبحانه وتعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253]، وهذا واضح.ثم قال: [ وقال سبحانه: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51] ].قوله: (إِلَّا وَحْيًا) المقصود به في هذه الآية كلام الله مباشرة؛ لأنه قال: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى:51]، ثم قال بعد ذلك أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى:51]، فهذه التقسيمات الثلاثة تدل على أن قوله: (( إِلَّا وَحْيًا )) هو تكليم الله سبحانه وتعالى لعبده مباشرة.ثم قال: [ وقال سبحانه: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه:11-12] ].قوله: (( فَلَمَّا أَتَاهَا ))، أي النار (نُودِيَ)، والنداء لا يمكن أن يكون إلا بصوت، والذي ناداه وكلمه هو الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية نص صريح في إثبات كلام الله لموسى، وأن كلامه له بصوت سمعه موسى.ثم قال: [ وقال سبحانه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله ].أي: من تكليم الله لموسى أنه قال: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:12]، وأيضاً من تكليم الله له أنه قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14].وبعض الذين تأولوا صفة الكلام لله يقول: إن الذي كلم موسى ملك، أو إن الشجرة هي التي سمع منها الكلام، وهذا التأويل باطل، ودليل بطلانه أنه لا يمكن أن تقول الشجرة: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14]، أو يقول الملك: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14]، ولو كان كلام الملك أو الشجر لقال: إنه هو الله فاعبده، أو إن ربك الله فاعبده، لكن أن يقول: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14] فهذا نص صريح على أن هذا كلام الله جل وعلا، وقد ذكر هذا الدليل ابن قدامة نفسه في قوله: (وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله). ونكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا، وأن يهب لنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الأسئلة

 منهج السلف في رد الشبهات
السؤال: كيف يكون ذكر الشبه والرد عليها؟ وهل لها ضابط؟ وماذا تعرف عن كتاب (شبهات حول الإسلام) لـمحمد قطب ؟الجواب: منهج السلف رحمهم الله تعالى عدم ذكر الشبهات؛ لأن الشبهة أحياناً تستقر في الذهن، ولا يستقر في الذهن الجواب عليها. وأما كتاب (شبهات حول الإسلام) لـمحمد قطب فـمحمد قطب في كتابه (شبهات حول الإسلام) يرى أنه كان هناك شبه في أيام الاستعمار، فكتب هذا للدفاع عن الإسلام، أما الآن فإن الإسلام ليس بحاجة إلى الدفاع عنه، وهذا في الحقيقة يجب أن يكون منهج المسلمين في كل وقت، فلا يستهينون بدينهم، وإيمانهم، وعقيدتهم، بل الواجب عليهم أن يعتزوا بها.ومن ثمَّ فإن هذا المنهج غير صحيح، لكن إذا صارت القضية منتشرة فترك الشبهة حتى تستقر في النفوس، ثم تختلج ويبحث عن الجواب عنها لا يكون مناسباً، فمثلاً: في مسألة العلو قد ذكرنا شبهتين من شبه أولئك، وما قلناها إلا لأن كثيرين سأل عنها، ولأنني ما طرحت هذه القضية في محاضرة أو درس إلا وجاءني أربعة أو خمسة يسألون عن هذه القضية؛ لأنهم سبق أن نوقشوا فيها، فنحن ذكرناها لذلك، ولم نكن نقصد أن نذكر الشبهة وندافع عنها، وإلا فلو أننا استقصينا شبههم، لعدت بالمئات ولا أقول: بالعشرات، ولأفنينا أعمارنا في ذكرها والجواب عنها، لكن ذكرنا أبرز القضايا التي تعلق في الذهن، خاصة في العصور المتأخرة لما علمت كروية الأرض، وصارت معلومة لدى الجميع، فصارت مثل هذه الشبهة تأتي عند بعض الناس، ويتكلم عنها، فنحن نجيب عنها كما أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه التي تحدث فيها عن هذه القضية؛ لأنها كانت موجودة في زمنه، وأثارها المخالفون من أهل الكلام ومن غيرهم، وإلا فإن منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى واضح كل الوضوح. والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [6] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net