اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [5] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


شرح كتاب لمعة الاعتقاد [5] - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله جل وعلا صفة العجب، والضحك، والعلو، والاستواء، وذلك كما وردت بها الأدلة بيضاء صافية تسر المتقين.
إثبات صفة العجب لله عز وجل
بدأ المصنف رحمه الله تعالى بذكر صفات الله سبحانه وتعالى الثابتة في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: [ ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا) ].وقد سبق الحديث عنه في الدرس الماضي.ثم قال: [ وقوله: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة) ].ومعنى الحديث: أن الله سبحانه وتعالى يعجب من هذا الشاب أنه مع نشاطه وقوة رغباته وشهواته المتعددة لا تكون له صبوة، أي: لا يكون له ذنب، ولا يرتكب كبيرة، ولا يرتكب معصية؛ فيعجب ربنا سبحانه وتعالى من هذا، وهذه الصفة لله سبحانه وتعالى هي كما يليق بجلاله وعظمته؛ لكن هذا الحديث في حد ذاته تكلم فيه العلماء، فهو حديث رواه الإمام أحمد في المسند والطبراني وغيره، لكنه ضعيف وإن قواه بعض العلماء كـالسخاوي في كتابه (المقاصد الحسنة)، لكن يغني عنه دليلان أحدهما في كتاب الله، والثاني في صحيح البخاري ؛ فأما الذي في كتاب الله تعالى فقول الله تبارك وتعالى: (بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)؛ على قراءة ضم التاء، وهذه القراءة سبعية؛ قرأ بها حمزة وخلف والكسائي ، ومن ثمَّ فإنها قراءة صحيحة أنه يجوز القراءة بها.وكذلك ورد في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قصة الصحابي هو وزوجه وضيفهم حين استضافوه وليس معهم من الطعام ما يكفي، فأطفئوا السراج، وأوهموه أنهم يأكلون، وجعل الضيف يأكل حتى شبع، فلما أصبح الصباح قال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي: (لقد عجب ربك- وفي رواية: ضحك ربك - من صنيعكما البارحة بضيفكما)، فقوله: (عجب) نأخذ منه ومن الآية إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى التي هي صفة العجب.والعجب والتعجب أحياناً ينشأ من الجهل، مثل أن يطلع الإنسان على صنعة أو قوة معينة لفارس أو شخص فيعجب من ذلك، وأحياناً يكون العجب لأمر آخر، وهو كون هذا الشيء جاء على صفة غير معروفة وغير متوقعة وإن كان الإنسان لا يجهلها، ولكن بالنسبة لله سبحانه وتعالى نثبت له هذه الصفة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تقاس بصفة المخلوقين، وليس عجبه كعجب المخلوقين؛ فعجب المخلوقين قد ينشأ أحياناً من جهل وأحياناً من قلة فهم لهذه القضية، لكن عجب ربنا سبحانه وتعالى هو صفة تليق بجلاله وعظمته، ولا يترتب عليها جهل، ولا يترتب عليها عدم إدراك ومعرفة لهذا المتعجب منه، بل هي صفة تليق بجلاله وعظمته كما في الحديث الذي تقدم، وفيه أن صحابيين أطعما ضيفهما وتركا نفسيهما، والله سبحانه وتعالى عليم بهما مطلع عليهما، ومع ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عجب ربك من صنيعكما البارحة)، وفي رواية: (ضحك ربك من صنيعكما البارحة)، فعجبه سبحانه وتعالى ليس ناشئاً عن جهل، وإنما هو عجب يليق بجلاله وعظمته، وهذه الصفة نثبتها لله سبحانه وتعالى كغيرها من الصفات، ولا يلزم منها مشابهة المخلوقين.
 

إثبات صفة الضحك لله عز وجل
قال ابن قدامة رحمه الله: [ وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) ].فسر هذا الحديث بأن أحدهما مسلم والآخر كافر، فيقتل الكافر المسلم، ثم إن الكافر يتوب إلى الله تعالى، ويدخل في الإيمان والإسلام، ويحسن عمله فيدخلان الجنة؛ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة).وصفة الضحك نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وليس ضحكه كضحك المخلوقين، فلا نشبه ولا نتأول ولا نكيف، وإنما نثبت له هذه الصفة؛ لأن الذي أخبرنا بها وأثبتها لله هو أعلم الناس بربنا سبحانه وتعالى، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه الصفة يقال فيها مثلما يقال في صفة السمع أو في صفة القدرة أو في صفة العلم أو غير ذلك: نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته.
 

وجوب الإيمان بما صح من الأسماء والصفات من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته ].وهذا أيضاً مهم جداً؛ فإن قوله: (مما صح سنده وعدلت رواته) يعني أننا لا نثبت هذه الصفات من هذه الأحاديث إلا إذا كانت هذه الأحاديث ثابتة بطرق صحيحة رواتها عدول ثقات، ليس فيها انقطاع، وليس فيها شذوذ ولا علل؛ وإنما هي رواية صحيحة ثابتة.ثم قال: [ نؤمن به، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره ].أي: لا نرده كما رده بعض الذين يردون أخبار الآحاد ويقولون: لا نقبلها في باب العقيدة، وكذلك أيضاً لا نجحده لأنه ثبت بطرق صحيحة.وكذلك أيضاً قال: (لا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره)، فهو رد على من يرد السنة، كما أنه رد على من يقبل السنة لكنه يتأول؛ لأن بعض أهل الكلام وبعض المؤولة يقبل السند، ويقول: لا نرد هذا الحديث بل نثبته؛ لأنه وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يتأول هذا الحديث إذا ورد في صفة من صفات الله سبحانه وتعالى؛ فهو لا يرده رداً مجملاً أو رداً كاملاً، وإنما يرده رداً معيناً، بمعنى: أنه يتأوله ذلك التأويل الذي يؤدي إلى نقض ما دل عليه من معنى وما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخبرنا بهذا الحديث وأمثاله.ثم قال بعد أن رد على أهل التأويل: [ ولا نشبهه بصفات المخلوقين ].وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفة ولا يشبهون الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوقين، فلا يقولون: إن صفة الله تعالى كصفة كذا أو كذا من المخلوقات.ثم قال: [ ولا بسمات المحدثين ].أي: علامات المحدثين؛ والمحدثون هم المخلوقون، سواء كانوا بشراً أو ملائكة أو نجوماً أو حجارة أو غير ذلك، فأهل السنة والجماعة لا يشبهون الله سبحانه تعالى بشيء من ذلك.ثم قال: [ ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير ].فلا شبيه له سبحانه وتعالى، ولا نظير له، ولا مثيل ولا مثل، ولهذا استشهد بقوله سبحانه وتعالى: [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ].فنفى عن الله المثل، وأثبت لله الصفات مستشهداً باسميه تبارك وتعالى: السميع .. البصير، وهما دالان على صفة السمع وصفة البصر لله سبحانه وتعالى، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى، وقد سبق بيان ذلك.ثم إن المصنف رحمه الله تعالى قال: [ وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه ].وهذا لنفي التكييف، أي: أن البشر لا يستطيعون أن يكيفوا ذاته ولا صفاته، ولهذا فكل ما توهمه الإنسان في صفة من صفات الله سبحانه وتعالى فإن الله تبارك وتعالى بخلاف ذلك؛ لأن الله تعالى لا يعلم ذاته إلا هو، ولا يعلم صفاته إلا هو سبحانه وتعالى؛ فأهل السنة والجماعة لا يكيفونها، ومهما بلغت خيالات الإنسان ليثبت لله سبحانه وتعالى قريباً من صفة من صفاته فإن الإنسان لا يستطيع ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعظم وأجل مما خطر بالبال، بل هو تبارك وتعالى على خلاف ما خطر ببالك؛ وهذا منهج أهل السنة والجماعة.
 

الكلام على صفة الاستواء

 معنى العرش
والعرش المذكور في الآية هو في اللغة العربية سرير الملك، وفي الاصطلاح هو: عرش الله تبارك وتعالى، وهو مخلوق عظيم جداً خلقه الله تبارك وتعالى، وهو أعلى المخلوقات، وهو سقفها، وتحمله الملائكة، كما قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ [غافر:7]، وكما قال تعالى عن يوم القيامة: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17].فهو أعظم من السماوات وما فيها من مجرات، وهو أعلى المخلوقات وهو سقفها، والله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه استوى على هذا العرش استواء يليق بجلاله وعظمته لا يلزم منه أي لازم باطل، فلا يلزم أن الله محتاج إلى هذا العرش ولا أنه إذا أبعد هذا العرش يسقط من عليه، تعالى الله عما يتوهمه المتوهمون علواً كبيراً بل هو استواء يليق بجلاله وعظمته.
الكلام على صفة العلو

 دليل آخر على العلو
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا وكذا ... -وذكر الخبر إلى قوله- وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك) ].هذا الحديث أيضاً رواه الترمذي وحسنه، وبعض العلماء تكلم في إسناده، ورواه أيضاً أبو داود وابن ماجة وغيرهم.وهذا الحديث أيضاً دال على إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى، ففيه: (أن ما بين السماء إلى السماء مسيرة كذا)، أي: خمسمائة عام؛ ولكن الشاهد قوله: (وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك)، وهذا نص صريح على أن العرش فوق السماوات، وأن الله سبحانه وتعالى فوق العرش، وهذا دليل على إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى.فهذه بعض الأدلة على إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى، وبقيت الإشارة إلى أن الأدلة في هذا كثيرة؛ فأحاديث النزول دالة على العلو، فقوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا) يدل على أن الله في السماء، وهكذا أحاديث العروج والصعود إليه، كما في قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10]، وقوله: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4]، أي: إلى الله سبحانه وتعالى.والنبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين وغيرهما- عرج به إلى الله سبحانه وتعالى حتى بلغ سدرة المنتهى، وكلمه ربه تبارك وتعالى من غير واسطة.وهذه الأدلة تزيد على ألف دليل، وكلها دالة على أن الله سبحانه وتعالى في العلو، ونحن نثبت ذلك ونقول: إن الله سبحانه وتعالى في علو فوق السماوات على العرش استوى، وأنه سبحانه وتعالى فوق خلقه بائن منهم، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.ونكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الأسئلة

 التعريف بالأشاعرة
السؤال: من هم الأشاعرة؟ وما هي معتقداتهم؟الجواب: الكلام حولهم طويل، لكن الأشاعرة والماتريدية لازالوا موجودين في كثير من بلاد العالم الإسلامي، وكثير من الجامعات الرسمية في بعض البلاد الإسلامية يتبنون المذهب الأشعري، ويدرسونه على أنه هو الحقيقة، أو المذهب الماتريدي، وانتشارهم في الحقيقة انتشار كبير جداً؛ ولهذا فإن واجب السلف والمنتسبين إلى السلف أن يغيروا هذه العقيدة، ويبينوا ما فيها بياناً واضحاً.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [5] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net