اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [4] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


شرح كتاب لمعة الاعتقاد [4] - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون لله عز وجل صفة الوجه، والنفس، والمجيء، والإتيان، والرضا، والمحبة، والغضب، والسخط، والنزول، وذلك على الوجه الذي يليق بالله جل وعلا، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.وقد ضلت في ذلك فرق شتى، فمنهم من حرّف وعطل، ومنهم من شبه ومثل، والحق وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط.
إثبات صفة الوجه لله عز وجل

 الرد على الذين ينكرون صفة الوجه لله تبارك وتعالى أو يؤولونها
ونقف عند صفة الوجه لله سبحانه وتعالى؛ لأنها نموذج لبقية الصفات، فنحن نثبتها ولا نتأولها، والذين انحرفوا في هذا الباب تأولوا هذه الصفة قائلين: إن وجهه هو ذاته، فقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، يعني: إلا ذاته، وهذا تأويل باطل؛ لأن دلالة الوجه على الذات لا شك فيها، ودلالة الصفة على الموصوف لا شك فيها، وأن له ذاتاً ليست كذوات المخلوقين لا شك فيها، لكن أن يقال: إن معنى صفة الوجه لله سبحانه وتعالى هي ذاته، ولا تدل على أن لله وجهاً يليق بجلاله وعظمته، نقول: هذا هو التأويل الخاطئ، بل يجب إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يثبتون الصفة ولا يتأولون ولا يكيفون ولا يمثلون، وإنما يثبتون هذه الصفة لأن الله أخبرنا بها، وهو أعلم بنفسه، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بها وهو صلى الله عليه وسلم أعلم بربه، ومن ثمَّ فنحن نسير على منهاجهم، خاصة وأن سلف الأمة أجمعوا على ذلك.وقد يقول قائل: ولكن يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، فإن بعض المفسرين من السلف قال: أي: قبلة الله، وظن هؤلاء أن قولهم: قبلة الله، إنما هو تأويل لهذه الصفة، ولهذا لما ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (العقيدة الواسطية) التي هي عقيدة جامعة لمسائل عظيمة، وخالفه من خالفه من أهل الكلام، قال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية : أنا أمهلكم ثلاث سنوات، فإن أتيتموني بكلمة واحدة عن السلف رحمهم الله تعالى تخالف ما في العقيدة الواسطية فإنني أعترف لكم بأنني مخطئ. أو كلاماً نحو ذلك؟فبحث المخالفون له، ودعوه إلى مناظرة حول عقيدته الواسطية في قصة ومحنة جرت له رحمه الله تعالى، ولكن الشاهد ما يتعلق بهذه المناظرة فيما نحن بصدده، وهو صفة الوجه لله سبحانه وتعالى.وكانت مناظرته حول الواسطية مع مخالفيه من أهل الكلام، وغالبهم أشعرية رحمهم الله جميعاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فلما جلسنا قالوا لي -وكأنهم كانوا فرحين-: لقد وجدنا عن السلف تأويلاً، قال: فانقدح في ذهني، فقلت: لعلكم تقصدون قول الله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]؟ قالوا: نعم، نقصد هذه الآية، فإن بعض السلف قالوا: فثمَّ قبلة الله، فقال لهم شيخ الإسلام ابن تيمية : هذه الآية ليست من الصفات، وما فسروه به بأن المقصود بها: فثمَّ قبلة الله حق؛ لأن الآية جاءت في سياق بيان القبلة: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، أي: أينما تتجهوا بوجوهكم وتعبدون الله سبحانه وتعالى مخلصين في صلاتكم فثمَّ قبلة الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن سياق الآية دال على هذا.لكن يبقى في الكلام بقية، ألا وهي أن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر من كتبه احتج بهذه الآية، وأثبت منها صفة الوجه لله تبارك وتعالى، فكيف ذلك؟نقول: نعم، الاحتجاج بهذه الآية على إثبات صفة الوجه لله صحيح، وأرجو أن تنتبهوا لهذه المسألة؛ لأنكم ستجدون أنفسكم محتاجين إليها في بعض القضايا التي هي متعلقة بصفات الله سبحانه وتعالى، فكيف تكون هذه الآية حجة؟ هذه الآية سيقت مساق بيان الضد، لكن لا يعبر عنها بنسبة الصفة إلى الله إلا ما صح أن يكون صفة لله.إذاً: قوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] المعنى يدل على القبلة، لكنه قال: (وجه الله) فنثبت من هذا صفة الوجه؛ لأنه ما أتى بهذا التعبير إلا والله سبحانه وتعالى له وجه يليق بجلاله وعظمته، ولهذا اختلف السلف رحمهم الله تعالى في بعض الصفات، مثل صفة الجنب، وذلك عند قوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56]؛ فبعض السلف قال: نأخذ منها إثبات صفة الجنب لله، وبعضهم قال: لا نثبت؛ لأن سياق الآية يدل على أنها تتحسر على ما فرطت في حق الله وطاعة الله، ولم تأت هذه الآية لبيان الصفة، وكلا القولين فيهما حق؛ لأن الذين قالوا: نثبت منها الصفة قالوا: نحن معكم على أن معنى الآية: على ما فرطت في حق الله وطاعة الله، وهذا واضح الدلالة جداً، ولو أراد إنسان أن يشرح هذه الآية وقيل له: تلك النفس التي تتأسف يوم القيامة على ما فرطت، ما معنى قول الله تعالى حكاية عنها: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56]؟ لفسرها: بأنها تتحسر على ما فرطت في الإيمان بالله وطاعة الله والصلاة والعبادة.. وغير ذلك، ويكون التفسير صحيحاً، لكن من قال: إنه يؤخذ منها صفة، قال: لا نصف الله سبحانه وتعالى إلا بما يصح أن يوصف الله سبحانه وتعالى به، ومن ثمَّ فقوله تعالى: (على ما فرطت في جنب الله) يدل على المعنى الذي دل عليه سياق الآية، وأيضاً نستفيد منه: أن لله جنباً يليق بجلاله وعظمته، ولا فرق بين الجنب والساق والقدم والرجل والوجه واليدين والعين، وهذه الصفات كلها دلت عليها أدلة صريحة صحيحة، بعضها في كتاب الله وبعضها في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
إثبات صفة اليدين لله عز وجل
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله سبحانه وتعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] ].وصفة اليدين لله سبحانه وتعالى أيضاً مما وردت أدلته نصاً في كتاب الله تبارك وتعالى في مثل هذه الآية التي استشهد بها الشيخ، ومثل قول الله تبارك وتعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47]، ومثل قول الله تبارك وتعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في أحد ألفاظ البخاري : (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة -يعني: لا ينقصها نفقة- سحاء الليل والنهار)، والسحاء: كثيرة الصب.فقوله: (يد الله ملأى) يدل على إثبات صفة اليد لله سبحانه وتعالى.وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقبض الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله)، على رواية مسلم . وأيضاً حديث الشفاعة حينما يأتي الناس إلى آدم ويقولون له: (وخلقك الله بيده)، فهذه دالة على إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى.والنصوص الواردة في مثل قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] تدل على صفة اليد؛ وهكذا قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71]، ولا تعارض في ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يتكلم عن نفسه، وهو المعظم لنفسه والمعظم لصفاته، أو يقال: أقل الجمع اثنان، فتتفق آية: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71] مع آية: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وآية: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75].
 الرد على المنكرين والمأولين لصفة اليدين لله عز وجل
والمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذه الصفة من المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية يقولون: إن اليد بمعنى القدرة، وأحياناً يفسرونها بمعنى النعمة، وقولهم هذا مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ لأنه تأويل لم يدل عليه دليل، والسلف رحمهم الله تعالى هذه الصفة، ومنعوا من تأويلها.لكن في صفة اليدين لله جاءت النصوص بدلالة قاطعة تمنع من التأويل، وإني والله حتى هذه اللحظة أعجب كيف تجرأ أولئك العلماء الفضلاء على أن يتأولوا قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وقوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]؛ فهذا نص صريح واضح لا يمكن التأويل فيه، ومع هذا قالوا: يداه: نعمته، ما خلقت بيدي: بنعمتي وبقدرتي، وهذا لا يمكن؛ لأن هذا نص صريح في إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى.ولهذا فإنني أقول كما قال من سبقني من أهل العلم: إن تأويلهم لهذه الآية لا وجه له، حتى من دلالة اللغة العربية؛ فقد تكون بعض التأويلات الأخرى -وإن كانت باطلة- لها وجه في اللغة العربية، لكن تأويلهم لليدين تأويل لا وجه له إطلاقاً في اللغة العربية، ولهذا في قول الله تبارك وتعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] جاءت العبارة وجاء التعبير قاطعاً في هذه المسألة؛ فقال أولاً: (خلقت)، فأضاف الفعل إلى نفسه، وعبر بلفظ (الخلق)، والخلق له دلالته الخاصة، ثم قال: (بيدي)، وأضافها إلى نفسه، ثم جاء معبراً بلفظ التثنية، وكل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن تأويل هذه الآية باطل، وإذا تبين بطلان تأويل هذه الآية فإنه دال على أن تأويلاتهم الأخرى لا دليل عليها، حتى ولو كان لها أحياناً وجه بعيد من اللغة، إلا أنه يدل على أن منهجم في التأويل منهج غير صحيح.
إثبات صفة النفس لله عز وجل
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى إخباراً عن عيسى عليه السلام أنه قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116] ].وهذا في إثبات النفس لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] وورد ذلك أيضاً في أحاديث كثيرة جداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)، وأيضاً ورد في الحديث القدسي الصحيح الآخر المشهور: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)، فهذه الآيات والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم دالة على إثبات هذه الصفة، وأهل السنة والجماعة يثبتونها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، لكن ينبغي ألا يفهم منها -وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - أن لله نفساً منفصلة عن الله سبحانه وتعالى، كما يقال بالنسبة للمخلوق: إن له جسداً، وله روحاً تسمى نفساً، فيقولون: خرجت نفسه، يعني: خرجت روحه، فقول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116] لا يفهم منه أن لله نفساً منفصلة عنه، وهذا أيضاً هو الذي تدل عليه النصوص؛ فإن النفس هنا تدل على الصفة وعلى ذات الله سبحانه وتعالى التي لا تشبه ذوات المخلوقين؛ فقوله سبحانه وتعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28] أي: يحذركم ذاته المتصفة بصفاته، وليس هناك صفة منفصلة اسمها النفس، كما قد يتوهم البعض.
 الرد على المنكرين والمأولين لصفة اليدين لله عز وجل
والمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذه الصفة من المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية يقولون: إن اليد بمعنى القدرة، وأحياناً يفسرونها بمعنى النعمة، وقولهم هذا مخالف لمنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ لأنه تأويل لم يدل عليه دليل، والسلف رحمهم الله تعالى هذه الصفة، ومنعوا من تأويلها.لكن في صفة اليدين لله جاءت النصوص بدلالة قاطعة تمنع من التأويل، وإني والله حتى هذه اللحظة أعجب كيف تجرأ أولئك العلماء الفضلاء على أن يتأولوا قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وقوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]؛ فهذا نص صريح واضح لا يمكن التأويل فيه، ومع هذا قالوا: يداه: نعمته، ما خلقت بيدي: بنعمتي وبقدرتي، وهذا لا يمكن؛ لأن هذا نص صريح في إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى.ولهذا فإنني أقول كما قال من سبقني من أهل العلم: إن تأويلهم لهذه الآية لا وجه له، حتى من دلالة اللغة العربية؛ فقد تكون بعض التأويلات الأخرى -وإن كانت باطلة- لها وجه في اللغة العربية، لكن تأويلهم لليدين تأويل لا وجه له إطلاقاً في اللغة العربية، ولهذا في قول الله تبارك وتعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] جاءت العبارة وجاء التعبير قاطعاً في هذه المسألة؛ فقال أولاً: (خلقت)، فأضاف الفعل إلى نفسه، وعبر بلفظ (الخلق)، والخلق له دلالته الخاصة، ثم قال: (بيدي)، وأضافها إلى نفسه، ثم جاء معبراً بلفظ التثنية، وكل ذلك يدل دلالة قاطعة على أن تأويل هذه الآية باطل، وإذا تبين بطلان تأويل هذه الآية فإنه دال على أن تأويلاتهم الأخرى لا دليل عليها، حتى ولو كان لها أحياناً وجه بعيد من اللغة، إلا أنه يدل على أن منهجم في التأويل منهج غير صحيح.
الكلام على صفة المجيء والإتيان

 سبب تأويل المتكلمين للصفات الفعلية والرد عليهم
وبعض المتكلمين تأول مثل هذه الصفات وقال: إنه لا يجوز أن نثبتها لله سبحانه وتعالى؛ لأن الصفات الفعلية التي هي المجيء والإتيان والاستواء والنزول والغضب والرضا وغيرها يلزم منها حلول الحوادث في ذات الله تعالى؛ ومقصودهم بحلول الحوادث أن كل جسم حلت فيه الحوادث والتغيرات -سواء كانت هذه الحوادث سقماً أو مرضاً أو نقصاً أو نحو ذلك أو كانت أفعالاً مثل حركة وتلون وغير ذلك -أنه يكون حادثاً؛ فكل جسم حلت فيه هذه الأشياء فهو دليل على حدوثه! واستدلوا على حدوث العالم بهذه القاعدة، فقالوا: دليلنا على أن العالم حادث، وأنه غير أزلي، وأن كلام الفلاسفة بأن العالم قديم باطل، هو أن هذا العالم فيه متغيرات: شمس وقمر وكوكب وأرض وغير ذلك، هذه المتغيرات تدل على أنه حادث.وبعد أن قرروا هذه القاعدة، واحتجوا بهذا الدليل، وردوا به على الفلاسفة، وظنوا أنهم قصموا ظهور الفلاسفة القائلين بقدم العالم بهذا الدليل، انتكس عليهم هذا الدليل؛ لأنه دليل ضعيف فيما عندهم من عقيدة، فقيل لهم: إذا قلتم إن هذا الدليل صحيح، إذاً الله سبحانه وتعالى أيضاً متصف بهذه الصفات التي أنتم تسمونها حوادث؛ فالله لم يكن مستوياً على العرش فخلق العرش ثم استوى على العرش! والله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، والله يجيء يوم القيامة، إذاً: هذه كلها يلزم منها متغيرات، ويلزم منها الحركة، وهذه صفات الإنسان، فينتفي وجه الاعتراض.وفعلاً هم لما قيل لهم بهذا الاعتراض، قالوا: إذاً ننفي عن الله الصفات الفعلية، وهذا في الحقيقة أمر عجيب جداً!والمشكلة أن هذه القضية نشأت منذ زمن طويل قبل الأشاعرة وقبل الماتريدية، أي أنها نشأت منذ عهد ابن كلاب الذي كان سابقاً قليلاً للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فإن ابن كلاب لما جاء وجد الناس في عصره على طريقتين:الأولى: طريقة أهل السنة والجماعة الذين يثبتون جميع الصفات دون أن يفرقوا فيها بين صفات الذات وصفات الفعل الخبرية وغير الخبرية، بل يثبتون الجميع؛ لأن منهجهم واحد، ولا فرق بين الصفات.الثانية: الجهمية المعتزلة الذين ينفون عن الله جميع الصفات، ولا يفرقون بين العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والعلم والوجه واليدين وغير ذلك؛ فينفون عن الله سبحانه وتعالى جميع الصفات.ونظراً لأنه دخل في باب من أبواب علم الكلام، وهو دليل حدوث العالم واقتنع بذلك الدليل الباطل، نظراً لذلك فإن ابن كلاب أتى بمذهب جديد، جمع فيه بين مذهب السلف ومذهب المعتزلة، فأثبت لله الصفات، لكن نفى عن الله ما يتعلق بمشيئته وإرادته، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- توضيح له في إثبات صفة الكلام لله تبارك وتعالى؛ لكن المهم هنا أن أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى يثبتون لله المجيء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، ويقولون: إنها صفات أفعال، فمجيئه إنما هو بمشيئته وإرادته؛ لأن الصفات لله سبحانه وتعالى على ثلاثة أقسام:القسم الأول: صفات ذاتية يتصف الله بها أزلاً وأبداً، مثل صفة الحياة والعلم ونحوهما.القسم الثاني: صفات فعلية ليست أزلية، وإنما هي متعلقة بإرادته ومشيئته، مثل استوائه على العرش، ومثل مجيئه يوم القيامة، ومثل نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر.القسم الثالث منها: ما هو ذاتي وفعلي، مثل صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، فالله متصف بصفة الكلام أزلاً، وهو سبحانه وتعالى أيضاً يتكلم إذا شاء متى شاء، فهو سبحانه وتعالى متصف بهذه الصفة منذ الأزل، وهو سبحانه وتعالى كلم موسى في ذلك الوقت، أي: بعد أن خلق موسى وكونه في ذلك المكان الذي ذكره الله سبحانه وتعالى بجانب الطور، وقبل ذلك لم يكلمه سبحانه وتعالى، هذه الصفات التي ذكرناها: صفة المجيء والإتيان وغيرها هي من صفات الفعل التي نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، ونقول: هي متعلقة بمشيئته وإرادته.
الكلام على صفة الرضا ونحوها

 إثبات صفة الكره لله عز وجل
قال المصنف رحمه الله: [ وقوله تعالى: كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ [التوبة:46] ].وهذه أيضاً صفة من صفات الله تعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى يكره المعاصي، وكره الله انبعاث هؤلاء المنافقين وخروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله؛ نظراً لما يترتب على خروجهم من الفساد والفتن، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصفة مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وهذا في صحيح البخاري .وقوله: (كره لكم) يدل على إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، كما يليق بجلاله وعظمته.
إثبات صفة النزول لله عز وجل
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى انتقل بعد ذلك إلى السنة فقال: [ ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا) ].قوله: (ومن السنة)، هذا يدل على أن منهج المصنف رحمه الله تعالى هو المنهج الموافق للسلف رحمهم الله تعالى؛ فإنهم يحتجون بالسنة وبأخبار الآحاد في باب العقيدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، فأهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم من الصفات يثبتونها، ومن ذلك صفة النزول التي دلت عليها الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي فيها: (أن الله تبارك وتعالى ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الصبح).وصفة النزول لله سبحانه وتعالى إنما وردت في السنة، ومع هذا فإن السلف رحمهم الله تعالى حدثوا بهذه الأحاديث، ورووها، وأثبتوا ما دلت عليه كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تلزم منها لوازم باطلة، ولا يلزم منها أن يكون نزوله تبارك وتعالى مثل نزول المخلوقين؛ ولهذا ألف العلماء رحمهم الله تعالى كتباً مستقلة في إثبات النزول لله تبارك وتعالى، وهذه الكتب دالة على عناية السلف بهذه الصفة؛ نظراً لأنها ثبتت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونظراً لأن كثيراً من المتكلمين بل عامة المتكلمين تأولوا هذه الصفة بتأويلات باطلة، مثل قولهم: إن الذي ينزل هو أمره أو رحمته، ومثل قولهم: إن الذي ينزل ملك من الملائكة، فبين السلف رحمهم الله تعالى أن هذه الأحاديث إنما دلت على إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى دون أن تشبه صفات المخلوقين، ومن ثمَّ فلا يجوز تأويلها.
 الرد على شبهة انتقال ثلث الليل الآخر من بلد إلى بلد باستمرار
القضية الثانية: اختلاف الليل والنهار، نحن نقطع يقيناً -ونحن في هذا البلد مثلاً- أنه حين يأتي ثلث الليل فإن الله ينزل، ونزوله يدل على قربنا، كما أن نزوله سبحانه وتعالى عشية عرفة يدل على قربه تبارك وتعالى من أهل عرفة، وهذا القرب هو كما يليق بجلاله وعظمته، لكن نثبته لله سبحانه وتعالى حقيقة ولا نتأوله، فنحن نقطع بنزوله في ثلث هذا الليل، وكذلك أيضاً في البلد الآخر الذي سيكون بعد ساعة وساعتين لديهم ثلث أيضاً ينزل كما يليق بجلاله وعظمته؛ والله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه؛ لأنك أصلاً لو تأملت في القضية الزمنية بالنسبة لليل والنهار لوجدتها محددة ومتعلقة بالشمس والأرض، وما يتعلق بمجراتها، لكن ما فوق ذلك الله أعلم به، ومن ثمَّ كون الإنسان يفهم هذا الفهم القاصر، والسماوات والكون كله بالنسبة لله سبحانه وتعالى لا يساوي شيئاً ثم يأتي ليقيس، نقول: هذا فهم خاطئ بالنسبة لك؛ لأنه قاصر غير معظم لله تبارك وتعالى.وأضرب لذلك مثالاً في هذه القضية؛ ليتبين أن الله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه:نحن جميعاً نعلم أن الإنسان منا متصف بصفة السمع، والله سبحانه وتعالى متصف بصفة السمع كما يليق بجلاله وعظمته، لكن تعالوا إلى صفتنا نحن؛ ماذا نستطيع أن نسمع حينما تتعدد الأصوات؟! وكم نستطيع أن نسمع؟! والواحد منا لو تكلم واحد أمامه لسمعه، وإذا تكلم اثنان في وقت واحد بكلامين مختلفين فإنه يسمعهما ولكن لا يستطيع أن يميزهما، وقد يستطيع لكن بصعوبة، لكن افترض أن أمامه عشرة أشخاص كل منهم يتكلم بكلام في قضية مختلفة عن الآخر وفي وقت واحد، فإن هذا الإنسان لا يستطيع أن يميز هذا الكلام، وإذا كان سمعه جيداً قد يميز واحداً منهم؛ لرفعة صوته أو لقربه منه فقط، لكن البقية لا يمكن أن يميز كلامهم، وافترض أن أمامه ألف شخص كلهم يتكلمون بكلام واحد، ويخاطبونه بموضوعات مختلفة؛ فإن هذا عاشر المستحيلات أن يستطيع الإنسان بحسب ما أقدره الله عليه أن يميز كلامهم، لكن هل هذا يعجز الله سبحانه وتعالى؟ الجواب: لا؛ وليس ألف شخص فقط، وإنما يجتمع في يوم عرفة في عرفات أكثر من مليون شخص، وفي غير عرفات أيضاً يجلس من غير الحجاج مئات الملايين من الناس، وكلهم صائمون، وبالنسبة للحجاج كلهم واقفون بعرفات، وكلهم قد رفعوا أكف الضراعة يدعون ربهم تبارك وتعالى بمختلف بأنواع الدعاء، وعلى اختلاف اللغات، ومع ذلك هل يغيب عنه شيء؟ وهل يغيب عن سمعه شيء؟! الجواب: لا يغيب عن سمعه شيء.إذاً: لو جاء إنسان يريد أن يدخل عقله في القضية ويقول: كيف يسمع ربنا تبارك وتعالى؟! وكيف يمكن أن يسمع هذه الأشياء كلها بمختلف اللغات من ملايين الأشخاص؟! فنقول: نعم يستطيع، ولا يعجزه شيء.وهنا موطن العجز بالنسبة للمخلوق؛ فالله سبحانه وتعالى متصف بصفة السمع، وصفة السمع تليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين.وكذلك أيضاً لو جاء قائل يقول: كيف ينزل والوقت في الكرة الأرضية مستمر؟ فنقول: نعم، وليس نزول الله سبحانه وتعالى كنزول المخلوقين، ولا يلزم منه هذا اللازم، ولهذا ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله سبحانه وتعالى يحاسب العباد يوم القيامة)، أي: يحاسب جميع العباد! ولا يعلم عددهم إلا الله، ومع هذا يحاسبهم في ساعة، ويحاضر كل واحد منهم وحده محاضرة خاصة، ويقرره تبارك وتعالى بذنوبه، فكيف يتم هذا؟! بالنسبة لنا نحن البشر لا نستطيع أن نتصور هذا، لكن نؤمن به، ونصدق به؛ لأنه من صفات العليم الخبير سبحانه وتعالى.إذاً: كل ما يخطر في البال من هذه الأمور لا يمكن أن يكون في الله عز وجل، فأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله ينزل، ونزوله حقيقي يليق بجلاله وعظمته، ويعلمون ويوقنون وهم في ثلث الليل الآخر أن الله قريب منهم، ومن ثمَّ تتحرك قلوبهم، وتدمع أعينهم، ويحس الواحد منهم في هذا الوقت بقرب عظيم من ربه سبحانه وتعالى؛ لأنه يوقن بأن الله تبارك وتعالى قد قرب منه، وأنه نزل تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته لا يشبه نزول المخلوقين.ونقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
الأسئلة

 تأليف الإمام البخاري في الأسماء والصفات
السؤال: هل هناك كتاب مستقل للبخاري في الأسماء والصفات؟الجواب: له كتاب في العقيدة وهو مفصول، لكن يغني عنه كتابه (خلق أفعال العباد) وهو كتاب مستقل، وأيضاً آخر كتاب صحيح البخاري ؛ لأن صحيح البخاري اشتمل على عدد كبير من الكتب آخرها كتاب التوحيد، وهو كتاب عظيم جداً في ذلك. والله أعلم.وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [4] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net