اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [3] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


شرح كتاب لمعة الاعتقاد [3] - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
اعلم أن السلف الصالح هم أعلم الأمة بكتاب ربها، وهم أدرى الناس بسنة نبيها، فلا تتجاوز أمرهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولا تخض في أمور هم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل -لو كان فيها- أحرى، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا فيه بما يكفي، فما فوقهم محِسِّر، وما دونهم مقصر.
كلام السلف رحمهم الله في الحد والغاية
أحب أن أقف وقفة عند عبارة سابقة سأل عنها البعض، ألا وهي قول ابن قدامة رحمه الله تعالى: [ ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ].ابن قدامة رحمه الله يقرر هنا منهج أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته، وهو أنهم يثبتون ما أثبته الله وأثبته رسوله من غير نقص، سواء كان هذا النقص بنفي أو تعطيل.. أو نحو ذلك، ويثبتونها بغير زيادة، فلا يأتون من عند أنفسهم بصفات ولو ظنوها حسنى، ولا بأسماء ولو ظنوها حسنى، فلا يأتون بشيء لم يرد ليصفوا الله سبحانه وتعالى به، بل صفات الله سبحانه وتعالى عمادها التوقيف على ما ورد، أي: أننا نثبت ما ورد إثباته، وننفي ما ورد نفيه، ونتوقف عما لم يرد إثباته ولا نفيه.ثم إن المصنف هنا قال: (بلا حد ولا غاية)، ومقصوده رحمه الله أننا نثبت لله سبحانه وتعالى هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، ونقول: إن صفاته ليست لها غاية، أي: ليس لعلم الله غاية ومنتهى، كما أنه ليس لكلام الله سبحانه وتعالى أيضاً غاية ومنتهى، فالله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، يعلم ما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما أن كلامه تعالى لا ينقضي، ولهذا قال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله [لقمان:27]، وفي الآية الأخرى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:109].قال العلماء في تفسير هاتين الآيتين: إن العدد غير مراد، فلا يعني أنه لو جئنا بسبعة أبحر نفدت كلمات الله، بل لو جئنا بسبعة وسبعة وسبعة ما نفدت كلمات الله أبداً، ومعنى الآيتين: أننا لو قطعنا الأشجار التي على الأرض وبرينا غصونها وأعوادها لتتحول إلى أقلام ثم تحول البحر إلى مداد وحبر وكتب بتلك الأقلام بذلك المداد كلمات الله ما نفدت كلمات الله أبداً.وهذا من عظمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن لكل مخلوق منتهى، أما الخالق سبحانه وتعالى فلا منتهى لأمره وعلمه ولا لكلامه سبحانه.ولهذا فإن ربنا تبارك وتعالى عظيم عظمة لا يمكن أن يتصورها مخلوق، ومهما تصور المخلوق فالله أعظم من ذلك، وأقرب مثال على ذلك أننا إذا قلنا: إن السماوات والأرض كلها بمجراتها وأفلاكها في يد الرحمن سبحانه وتعالى كخردلة في يد أحد، تبين بذلك كيفية عظمة الله سبحانه وتعالى، وكيف أننا لا نستطيع ولن نستطيع أن نقدر قدره سبحانه وتعالى.وقول ابن قدامة : (إن صفاته نثبتها بلا حد ولا غاية) أي: لا نجعل لصفاته منتهى، فهو العظيم الذي لا عظيم فوقه سبحانه وتعالى.ولكن كلمة الحد هنا كلمة فيها إجمال، ولهذا ورد عن بعض السلف إثبات الحد لله سبحانه وتعالى، فأين ورد إثبات الحد؟ وما معناه؟ وما هو القول الحق في هذه المسألة؟نقول: ورد إثبات الحد لله سبحانه وتعالى في باب الاستواء، فقد سئل عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: هل نثبت أن الله على العرش استوى؟فقال: نعم، نثبت أن الله على العرش استوى.فقال السائل: بحد؟قال: بحد.فما الذي قصده ابن المبارك وغيره من السلف من إثبات الحد لله؟الذي قصده هؤلاء هو أن يثبتوا الفارق بين المخلوق والخالق، فنحن مخلوقون مربوبون نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى فوقنا، ونصدق بأنه على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى.ولكن قد يخطر ببال بعض عوام الناس، أو ببال بعض الصوفية الحلولية، أو ببال بعض الذين يقولون: إن الله في كل مكان، أن الله عظيم لا منتهى لعظمته، وإذا كان لا منتهى لعظمته في ذاته فإننا مهما تصورنا شيئاً فالله يمكن أن يكون أعظم من ذلك، والنتيجة: أنه لا يصبح هناك فارق بين الخالق وبين المخلوق، فأراد هؤلاء العلماء أن يقرروا البينونة بين الخالق والمخلوق حتى يردوا على الحلولية وعلى الاتحادية وعلى غيرهم من الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق.فهؤلاء قالوا: نؤمن بأن الله على العرش استوى، ونؤمن ببينونة الله عن خلقه، وهذه البينونة مقتضاها -كما أشار بعضهم- أن يكون لله حد لا يعلمه إلا هو، حتى نفصل بين الخالق وبين المخلوق.ولهذا سئل بعض السلف: بحد؟ فقال: نعم، بحد لا يعلمه إلا هو، أي: من باب إثبات البينونة بين الخالق وبين المخلوق، أما إذا أطلقنا هذا الأمر على قول هؤلاء العلماء، وقلنا: إن الله عظيم وبلا حد، فقد يتوهم متوهم أن هذه المخلوقات داخلة في الله سبحانه وتعالى.فأراد أن يبين هذه البينونة التي دلت عليها النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بين الخالق وبين المخلوق.وبعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا: كلمة الحد لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ فنحن لا نطلقها، ولا نقول: بحد، وإنما نقول: على العرش استوى، ونثبت لله الصفات، ونتوقف في هذا.إذاً: انتهينا إلى خلاصة مهمة في هذا الباب مفادها: أن من السلف من لم يطلق لفظ الحد، وكأن عبارة ابن قدامة هنا موحية بهذا القول، ولهذا قال: بلا حد ولا غاية؛ لأن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وبعض السلف أثبت الحد لله، لكن حداً لا يعلمه إلا هو سبحانه، وإنما أثبتوه للرد على الحلولية وللرد على كثير ممن ينكر علو الله سبحانه وتعالى واستواءه على العرش، وليثبتوا البينونة بين الخالق والمخلوق، ولهذا نقول: إن لفظ الحد من الألفاظ المجملة، فنستفسر هذا الذي يثبت لفظ الحد: فإن كان يقصد أن الله يحده شيء، فنحن نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء، والله سبحانه وتعالى لا يقدر قدره إلا هو، وإن قصد بلفظ الحد بيان البينونة بين الخالق والمخلوق، وأن الله تعالى على العرش استوى، ليس على الأرض بذاته سبحانه وتعالى، وإنما علمه أحاط بكل شيء، فنقول: المعنى الذي أثبته صحيح، ولكن إثباتك للفظ الحد لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فنلحق لفظ الحد بلفظ الجسم والجهة والحيز.. ونحو ذلك، ونستفصل قائلها، فإن أراد معنىً صحيحاً قبلنا المعنى، وإن أراد معنىً باطلاً رددنا الكل، ونتوقف في إثبات هذه الألفاظ حتى ترد في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
 

كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في الوقوف عندما وقف عنده الصحابة
قال المصنف رحمه الله: [ وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: قف حيث وقف القوم ].وهذا الكلام مروي عن عمر بن عبد العزيز في كثير من كتب السنة.وأحب أن أذكر بأن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى له موقف فريد مع أهل البدع، فقد اشتهر رحمه الله تعالى بالعدل، ووصفت بأنها راشدة، فكأنها تابعة لخلافة الخلفاء الراشدين؛ وإن كانت ولايته زمنها يسير إلا أنه حرص على أن يعود بالأمة إلى المنهج الحق والصدق في كثير مما انحرفت عنه، وإلا فالأمة الإسلامية في وقته كانت في غالب أمورها سائرة على المنهج الصحيح، لكن وقع شيء من الظلم وبعض الانحراف، خاصة لما نشأ التفرق والخلاف بين الطوائف والأحزاب ونحو ذلك، فأراد عمر بن عبد العزيز أن يعود بالأمة إلى منهج الصواب.وحاول رحمه الله تعالى محاولة جادة، ووفق في ذلك أيما توفيق.ولكن من الأمور التي كنت أحب أن تفرد ببحث أو دراسة: موقف عمر بن عبد العزيز من المخالفين ومن أهل البدع وتعامله معهم، وهذا النص الذي نقله ابن قدامة هو من أصول موقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
 حال من خالف منهج السلف الصالح
ثم قال رحمه الله تعالى: [ فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر ].أراد رحمه الله تعالى أن يبين أن منهجهم وسط، فمن أراد أن يغلو ويثبت غير ما أثبتوه، ويظن أنهم أنقصوا بعض الحاجات، فإنه غالٍ عنهم، غير متبع لطريقتهم، ومن دونهم قصر ولم يأخذ بجميع ما جاءوا به، وإنما اكتفى ببعضه ونحو ذلك، فهو مقصر.ولهذا فلفظة (محسر) هنا ترجع إلى بعض المعاني اللغوية، فإن المقاتل الذي ليس عليه درع ولا على رأسه مغفر يسمى حاسراً.ولهذا في قصة بني قينقاع كان يقول أحد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم: يا محمد أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع تضرب أعناقهم مرة واحدة، هذا لا يكون.فقوله: حاسر، يعني: ليس معهم سلاح، وليس عليهم دروع، وليس على رءوسهم المغفر الذي يتقون به ضرب السيوف، فهم حُسَّر، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى بالنسبة للسماء: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك:1-4].ومعنى (حَسِيرٌ): كليل ضعيف من شدة النظر؛ فإن الإنسان إذا نظر واشتد نظره إلى شيء، ولم ينته فيه إلى أمر، رجع إليه البصر حسيراً كليلاً؛ لأنه لم يصل إلى غاية، وهذا واضح، فالإنسان منا لو قال له قائل: انظر هنا على بعد خمسة عشر أو عشرين كيلو في ذلك الجبل، ففيه بقعة كذا، ولنفترض -مثلاً- أننا ننظر إليها بالناظور، فجاء هذا الإنسان ينظر بالعين المجردة إلى الجبل، فسيرى الجبل، لكن حين يريد أن ينظر إلى البقعة البيضاء أو السوداء أو نحو ذلك تجده ينظر وينظر وينظر وينظر، ثم في النهاية يكل بصره.هذا الإكلال جاء من شدة المبالغة في النظر.وهنا يقول عمر بن عبد العزيز : فما فوقهم محسر، أي: من أراد أن يقول أنا أفضل من الصحابة ويثبت ما لم يثبتوه، ويعمل ما لم يعملوه مما فيه هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فهو محسر، فيرجع كليلاً، ولهذا قيل: إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.حتى في باب العبادة نرى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه لما عزم على دوام الصيام أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بالأهون، ولكنه قال: (أنا أستطيع أكثر من ذلك)؛ وما زال يتدرج به حتى قال له: (صم يوماً وأفطر يوماً؛ لا أفضل من صيام داود)، فـعبد الله بن عمرو كان في شبابه قوياً فاستطاع، لكنه في آخر عمره قال: (ليتني أطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) مع أن الأمر كله سنة لكنه لا يريد أن يتخلى عن أمر فارق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.فالمهم أن الإنسان إذا غلا في الأمر انتهى به في النهاية إلى الضعف والعجز؛ ولهذا فإن الغلو مردود، والتقصير مردود؛ لأن التقصير معناه التخلي عن بعض الأمور وعن بعض القضايا التي ورد بها الشرع ووردت بها أدلة الكتاب والسنة، كما أن الغلو فيها يؤدي إلى هذا، ومنهج السلف رحمهم الله تعالى وسط في كل الأمور: وسط في باب العبادات.. وسط في باب المعاملات.. وسط في باب الأحكام.. وسط في باب العقائد.. وسط بين الملل.. وسط بين جميع الطوائف؛ فإنك تجد إما طائفة غالية في هذا الباب أو مقصرة، فإما إفراط وإما تفريط، ومنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط، وهذا هو الذي أشار إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.ولهذا قال شارحاً ذلك: [ لقد قصر عنهم قوم فجفوا ].فالجافي هو المقصر؛ لأن المقصر هو الذي أعرض، فكأنه أعرض عن بعض منهجهم.ثم قال: [وتجاوزهم آخرون فغلوا].وهذا تفسير للعبارة السابقة.ثم قال: [وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم].أي: إن أولئك السلف والصحب الكرام رحمهم الله تعالى كانوا بين ذلك على طريق مستقيم.
وصية الأوزاعي رحمه الله باتباع آثار السلف وترك آراء الرجال
ثم نقل كلمة الإمام الأوزاعي فقال: [وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه].وهو أحد الأئمة المشهورين، وله فقه عظيم، وهو من أئمة التابعين المشهورين رحمه الله تعالى، متوفى سنة (157هـ).يقول: [ عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ].وهذه وصية لجميع العلماء، فقوله: (عليك) أي: الزم، (بآثار من سلف) أي: آثار السلف رحمهم الله تعالى، (وإن رفضك الناس) أي: وإن ابتعد عنك الناس أو رفضوا مقالك أو رفضوا منهجك أو رفضوا طريقتك فلا تعبأ بهم، فما دمت سائراً على منهج السلف فلا تعبأ بهؤلاء.ثم قال: [ وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول ].أي: إياك أن تجعل معتمدك آراء الرجال ولو زخرفوه وحسنوه بالعبارات المنمقة وغيرها، وتترك الكتاب والسنة.لكن آراء الرجال إذا كانت شارحة أو موضحة لمنهج السلف الصالح فإن الاطلاع عليها مما يعين على ذلك؛ لكن إذا كانت آراء الرجال وزخرفتهم للقول وتنميقهم له مخالفة لما ورد من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فاحذر ذلك حذراً شديداً.
 حال من خالف منهج السلف الصالح
ثم قال رحمه الله تعالى: [ فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر ].أراد رحمه الله تعالى أن يبين أن منهجهم وسط، فمن أراد أن يغلو ويثبت غير ما أثبتوه، ويظن أنهم أنقصوا بعض الحاجات، فإنه غالٍ عنهم، غير متبع لطريقتهم، ومن دونهم قصر ولم يأخذ بجميع ما جاءوا به، وإنما اكتفى ببعضه ونحو ذلك، فهو مقصر.ولهذا فلفظة (محسر) هنا ترجع إلى بعض المعاني اللغوية، فإن المقاتل الذي ليس عليه درع ولا على رأسه مغفر يسمى حاسراً.ولهذا في قصة بني قينقاع كان يقول أحد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم: يا محمد أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع تضرب أعناقهم مرة واحدة، هذا لا يكون.فقوله: حاسر، يعني: ليس معهم سلاح، وليس عليهم دروع، وليس على رءوسهم المغفر الذي يتقون به ضرب السيوف، فهم حُسَّر، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى بالنسبة للسماء: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك:1-4].ومعنى (حَسِيرٌ): كليل ضعيف من شدة النظر؛ فإن الإنسان إذا نظر واشتد نظره إلى شيء، ولم ينته فيه إلى أمر، رجع إليه البصر حسيراً كليلاً؛ لأنه لم يصل إلى غاية، وهذا واضح، فالإنسان منا لو قال له قائل: انظر هنا على بعد خمسة عشر أو عشرين كيلو في ذلك الجبل، ففيه بقعة كذا، ولنفترض -مثلاً- أننا ننظر إليها بالناظور، فجاء هذا الإنسان ينظر بالعين المجردة إلى الجبل، فسيرى الجبل، لكن حين يريد أن ينظر إلى البقعة البيضاء أو السوداء أو نحو ذلك تجده ينظر وينظر وينظر وينظر، ثم في النهاية يكل بصره.هذا الإكلال جاء من شدة المبالغة في النظر.وهنا يقول عمر بن عبد العزيز : فما فوقهم محسر، أي: من أراد أن يقول أنا أفضل من الصحابة ويثبت ما لم يثبتوه، ويعمل ما لم يعملوه مما فيه هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فهو محسر، فيرجع كليلاً، ولهذا قيل: إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.حتى في باب العبادة نرى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه لما عزم على دوام الصيام أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بالأهون، ولكنه قال: (أنا أستطيع أكثر من ذلك)؛ وما زال يتدرج به حتى قال له: (صم يوماً وأفطر يوماً؛ لا أفضل من صيام داود)، فـعبد الله بن عمرو كان في شبابه قوياً فاستطاع، لكنه في آخر عمره قال: (ليتني أطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) مع أن الأمر كله سنة لكنه لا يريد أن يتخلى عن أمر فارق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.فالمهم أن الإنسان إذا غلا في الأمر انتهى به في النهاية إلى الضعف والعجز؛ ولهذا فإن الغلو مردود، والتقصير مردود؛ لأن التقصير معناه التخلي عن بعض الأمور وعن بعض القضايا التي ورد بها الشرع ووردت بها أدلة الكتاب والسنة، كما أن الغلو فيها يؤدي إلى هذا، ومنهج السلف رحمهم الله تعالى وسط في كل الأمور: وسط في باب العبادات.. وسط في باب المعاملات.. وسط في باب الأحكام.. وسط في باب العقائد.. وسط بين الملل.. وسط بين جميع الطوائف؛ فإنك تجد إما طائفة غالية في هذا الباب أو مقصرة، فإما إفراط وإما تفريط، ومنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط، وهذا هو الذي أشار إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.ولهذا قال شارحاً ذلك: [ لقد قصر عنهم قوم فجفوا ].فالجافي هو المقصر؛ لأن المقصر هو الذي أعرض، فكأنه أعرض عن بعض منهجهم.ثم قال: [وتجاوزهم آخرون فغلوا].وهذا تفسير للعبارة السابقة.ثم قال: [وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم].أي: إن أولئك السلف والصحب الكرام رحمهم الله تعالى كانوا بين ذلك على طريق مستقيم.
مناظرة عبد الله بن محمد الأذرمي في خلق القرآن
ثم قال رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الله بن محمد الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها! قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟! فقال الرجل: فإني أقول: قد علموها؛ قال: أفوسعهم ألا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه أو لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت؟! فانقطع الرجل، فقال الخليفة -وكان حاضراً-: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم ].قوله: (الأذرمي)، الصحيح: أنه بالذال، أي: الأذرمي ، وهو إمام مشهور اسمه: عبد الله بن محمد الأذرمي ، تتلمذ على وكيع بن الجراح وسفيان بن عيينة وغيرهم، روى عنه أبو داود ، وروى عنه النسائي وعبد الله ابن الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي وغيرهم، وهذا العالم الفاضل مترجم في (تهذيب التهذيب) في اسم:عبد الله، وقد أشار ابن حجر في (تهذيب التهذيب) إلى هذه القصة التي معنا؛ كما أن ياقوت في (معجم البلدان) لما جاء إلى مدينة أذرمة ترجم لهذا العالم، وأشار إلى هذه القصة.وقول ابن قدامة: (لرجل تكلم ببدعة) هذا الرجل هو شيخ المعتزلة في وقته أحمد بن أبي دؤاد ، والبدعة التي جرى حولها النقاش هي بدعة القول بخلق القرآن؛ ومنهج هذا الإمام في مناقشة أحمد بن أبي داؤد منهج قوي جداً، ولقد وفق في أسلوب العرض أيما توفيق.
 من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلا وسع الله عليه
قال ابن قدامة رحمه الله تعليقاً: [ وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت؛ فلا وسع الله عليه ].فما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون لهم بإحسان يجب أن يتبع.وقوله: (بإحسان)؛ لأنه قد وجد في التابعين من كان منحرفاً، لأنه لم يتبع الصحابة رضي الله عنهم بإحسان، فلا يتبع.وقوله: (والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم)، ولا شك أن من أعظم علامات الرسوخ في العلم هو أن يرجع الإنسان فيما لم يعلم إلى من يعلم؛ ولهذا كل من كان راسخاً في العلم فإنه يقول عن الشيء الذي لا يعلمه: لا أدري؛ فالإمام مالك وهو الإمام مالك سئل عن أربعين مسألة؟ فأجاب عن أربع، وقال عن ست وثلاثين منها: لا أعلم، فكيف بباب أخبار الصفات؟ فالراسخ في العلم هو الذي يقف عند الخبر الصادق، وهذا لا شك أنه من أعظم الرسوخ في العلم.وقوله: (من تلاوة آيات الصفات)، يعني: الواردة في القرآن العظيم.وقوله: (وقراءة أخبارها) أي: أخبار الصفات الواردة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان الأئمة يتلون القرآن، ويعلَّمونه الناس، وإذا مروا على آيات الصفات لا يعطلونها ولا يشبهونها، وإنما يثبتونها، لكن جاء من بعدهم وقال: إذا جئتم عند قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27] وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال: قفوا ولا تفهموا من الآية ظاهرها؛ لأن هذه الآية لو وقفنا عند ظاهرها لوقعنا في التشبيه، ولذا يقول: استوى بمعنى استولى، ووجهه بمعنى ذاته؛ وهكذا يعمل فيها تأويلاً، والأئمة من قبله كانوا يقرءونها ويتلونها ويفسرونها بلا تأويل.وكذلك أيضاً قراءة أخبار الصفات: كان الأئمة يحدثون بالأحاديث ولا يفرقون بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات، وإنما كانوا يحدثون بها جميعاً؛ وتعلمون أن مناهج الأئمة في تخريج الحديث على أقسام:منهم من صنف الحديث على الأبواب، مثلما فعل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، فهؤلاء بوبوا: الصلاة.. الزكاة.. الإيمان.. القدر.. إلى آخره.ومنهم من ذكر الأحاديث حسب الأسانيد، إما حسب أسانيد الصحابة، مثل مسند الإمام أحمد وغيره من المسانيد، أو حسب معجم شيوخه، مثل معجم الطبراني في الصغير، فالذي ذكر أسانيد الصحابي -كالإمام أحمد بن حنبل مثلاً- يذكر كل مرويات هذا الصحابي، ولا يفرق بين العقيدة ولا بين غيرها، ولا يقول: لا تقل إلا أحاديث الأخبار والأحكام فقط، أما أحاديث الصفات فهذه أمرها عظيم، ونخاف أن تشبهوا، ونخاف أن تمثلوا، لم يقل أحد منهم ذلك، بل كانوا يقرءونها ويوردونها ويتلونها ويحدثون بها، ولا يفرقون بينها وبين غيرها من الأحاديث، وهذا منهجهم.ثم قال: (وإمرارها كما جاءت)، ثم دعا عليه في الأخير فقال: (فلا وسع الله عليه).قوله: (إمرارها كما جاءت) سبق أن شرحناها في عبارة سابقة، أي: أنهم يوردونها كما جاءت بالإثبات؛ فيثبتونها ويثبتون ما دلت عليه من معنى، لكن كيفية هذه الصفة يفوضون علمه إلى الله سبحانه وتعالى، وكما قلنا سابقاً: فإن عبارة أمروها كما جاءت، أو تمر كما جاءت ليست حجة لأهل التفويض؛ لأن الأئمة ذكروها حتى في غير باب الصفات، وقد سبق شرح ذلك في الدرس الأول.ونقف عند ما ذكره من نماذج الصفات، ونستكمل -إن شاء الله- في الدرس القادم.
الأسئلة

 الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد والأحكام
السؤال: هل أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد؟ وما رأيك فيمن يقول: إن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد؟الجواب: هذا منهج ضخم جداً من مناهج أهل البدع وعلى رأسهم المعتزلة، ومن المؤسف حقاً أن كثيراً من متكلمي الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية الذين تبنوا عقائد الأشعرية والماتريدية يميلون إلى هذه القضية، وهي أن أخبار الآحاد يؤخذ بها في باب الأحكام، لكنها تفيد الظن، ومن ثمّ لا يؤخذ بها في باب العقائد، وهذا المنهج لا شك أنه منهج مخالف تمام المخالفة لمنهج السلف.وأما حكاية الخلاف في هذه القضية، فإن كثيراً منهم يحكي أن الجمهور يرون أنه لا يفيد العلم، ولا يحتج به في باب العقائد؛ وقلة من الحنابلة أو من غيرهم يرون أنه يفيد العلم ويحتج به في باب العقائد؛ وحكاية الخلاف بهذه الطريقة حكاية معكوسة، بل إن جماهير العلماء يرون أنه يفيد العلم، ويحتج به في باب العقيدة، وقلة ممن تبنى مذاهب المتكلمين من المعتزلة ومن غيرهم قالوا: إنه يفيد الظن، ولا يحتج به في باب العقيدة، ومن تأمل أحوال الأمة الإسلامية في نقلهم لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتفرغ جهابذة العلماء وخاصة علماء الجرح والتعديل يقطع بأن القضية ليست خبر آحاد، وإنما القضية قضية تبديل الرسالة؛ لأن من قال: إنها تفيد الظن، وقال: لا يحتج بها في باب العقائد، معناه أنه جعل لنفسه سلماً للطعن في جميع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونتيجتها: أن الله سبحانه وتعالى لم يبلغ، ولم يرسل إلينا هذا بطريقه الصحيح!أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ الصحابة، والصحابة بلغوها من بعدهم، ووصل إليهم بالأسانيد والطرائق الصحيحة، والإمام البخاري استخرج صحيحه سبعة آلاف حديث من أكثر من ستمائة ألف حديث، والإمام أحمد بن حنبل كان يحفظ مئات الألوف من الأحاديث الموضوعة المكذوبة الضعيفة.فالقضية ليست سهلة، القضية ممحصة ومبينة، ومن ثم فإن القول بأن أخبار الآحاد لا يحتج بها في العقائد يناقض ما كان على عهد الصحابة والقرون الثلاثة المفضلة؛ وجماهير العلماء كلهم في منهجهم يقررون أن خبر الآحاد إذا كان صحيحاً ثابتاً بالإسناد الصحيح، ليس فيه علة، وليس فيه شذوذ، ولم يتكلم العلماء فيه؛ فهو يفيد العلم، ومن ثمَّ نأخذ به في باب العقيدة كما نأخذ به في أي باب من أبواب الأحكام الأخرى؛ وتفصيل هذا لعله تأتي له مناسبة أخرى.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح كتاب لمعة الاعتقاد [3] للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net