اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقفات مع قصة طالوت وجالوت للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


وقفات مع قصة طالوت وجالوت - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
لقد أعطى الله سبحانه طالوت الملك على بني إسرائيل مع فقره وعدم انتسابه إلى من يستحق الملك في عرفهم، فالله تعالى يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم، وقد أعطى سبحانه بعد ذلك الملك والحكمة لداود عليه السلام.وفي قصة طالوت وجالوت من العبر أن العاقبة للمتقين الصادقين الصابرين، المنقادين لأوامره سبحانه، المجتنبين لنواهيه، وفيها العظة والعبرة لأبناء الصحوة الإسلامية أن يثبتوا على الدين الصحيح والعقيدة السليمة، والله ناصرهم ومهلك عدوهم، وممكن لهم في الأرض ما استقاموا على دينه.
بين يدي قصة طالوت وجالوت
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي).. إلى آخر الحديث.وهذا يدل على أن أعظم أمة من الأمم إرسالاً للنبوة هم بنو إسرائيل، والله عز وجل خصهم بأنبياء لم يخص قوماً غيرهم، ومع هذا فهم يؤثرون الضلال، ويؤثرون الحيرة والتيه، بل هم الذين فعلوا بأنبيائهم الأفاعيل، أقاموا عليهم فقتلوهم وضربوهم وآذوهم، بل وحملوهم على الهجرة من بلاد إلى بلاد أخرى، فعلوا ما لم تفعل أمة بنبيها، وهذا منتهى الفساد في الأرض، فمحاربة الأنبياء والمرسلين إنما هي فرع عن محاربة الله تبارك وتعالى.وقد ذكر الله عز وجل قصصاً لبني إسرائيل في القرآن الكريم، وما أكثرها، نجتزئ منها قصة في هذا اليوم؛ لنأخذ منها العبرة والعظة.قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:246-249].. إلى آخر الآيات.هذه القصة فيها عبرة عظيمة جداً، فهي تحكي واقع المسلمين اليوم.فقوله: (كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء) أي: يرسل الله تبارك وتعالى في بني إسرائيل نبياً تلو نبي، بل ربما أرسل عدة أنبياء في وقت واحد، وفي مكان واحد، كما أرسل إلى بني إسرائيل موسى وهارون، وكما أرسل إلى بني إسرائيل داود وسليمان.. وغير ذلك من الأنبياء.فالله عز وجل كان يرسل العدد من الأنبياء في بني إسرائيل في الوقت الواحد؛ للقيام بأعمال بني إسرائيل، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، والدلالة على الله عز وجل، ولكنهم أعرضوا وجحدوا في كل مرة، ومع كل نبي.
 

تعنت بني إسرائيل مع أنبيائهم وسبب عدم قبولهم مبدئياً تملك طالوت عليهم
قال وهب بن منبه عليه رحمة الله: كانت بنو إسرائيل فترة من الزمان على الطريق المستقيم، وعلى تعاليم موسى عليه السلام، حتى فعلوا فعلتهم المنكرة -ولم يذكر أي فعلة منكرة، وفعالهم المنكرة لا تكاد تقع تحت حصر، ولكنهم لعلهم ارتكبوا فعلة عظيمة أعظم من كل ما يمكن أن نتصوره-، فضرب الله عز وجل عليهم الذلة والهوان، وكانوا من قبل لا يحاربون جيشاً إلا غلبوهم وانتصروا عليهم، ولكنهم لما فعلوا فعلتهم، ما قام عليهم أحد إلا قتلهم، حتى شردهم ملك ظالم من ملوك المشركين في الأرض شرقاً وغرباً، ثم اجتمعوا في أرض فلسطين. قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ [البقرة:246] من هو هذا النبي؟ قيل: هو يوشع بن نون، وليس كذلك، فإن يوشع كان بعد موسى عليه السلام وهارون مباشرة، وإنما كانت القصة في زمن داود عليه السلام، ولم يكن يوحى إليه بعد، والمعروف عند أهل السير والتاريخ أن بين داود وموسى عليه السلام أكثر من ألف عام، فداود إنما أرسل بعد موسى بأكثر من ألف عام، فالقصة متأخرة جداً في بني إسرائيل، ولذلك قال وهب بن منبه : لما كانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب ، والملك في سبط يهودا، نظر اليهود -وهم أتباع موسى- في سبط لاوي بن يعقوب فلم يجدوا منهم أحداً إلا امرأة حاملاً، فأخذوها وحبسوها في بيت حتى تلد رجاء أن ترزق بولد أو غلام يبايعه بنو إسرائيل على النبوة كأنها بيعة، وكانت تدعو الله عز وجل أن يرزقها بغلام، وأن ينبته نباتاً حسناً، فاستجاب الله عز وجل دعاءها وولدت غلاماً وسمته شمعون، وفي رواية: سمته شمويل، فلما بلغ شمعون أو شمويل سن النبوة، وهو في الغالب سن الأربعين، أوحى الله عز وجل إليه، فاجتمعت عنده بنو إسرائيل، وقالوا: يا نبي الله، ألا ترى ما نحن فيه من ذل وهوان، فعين لنا ملكاً نقاتل معه في سبيل الله، فنظر هذا النبي بعين البصير ببني إسرائيل على جهة الخصوص، وبالناس عامة، فرأى أن الحماس وحده لا يكفي، ولكن هذا الشعب الطويل المترامي الأطراف أصر على أن يعين لهم شمويل ملكاً يقاتلون معه أهل الظلم والطغيان، وكانوا هم أتباع موسى عليه السلام، فعين لهم هذا النبي طالوت ملكاً، ولكنه قبل أن يعينه قال لهم: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246] هل أنتم على يقين لو كتب وفرض عليكم القتال أنكم ستقاتلون حقاً؟ والمعلوم أنهم قوم بهت وظلم وطغيان وردة، وأنهم لا يفون بوعد ولا عهد، فهو قال لهم: هل أنتم على يقين مما توعدون به الآن؟ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246] فهم حددوا الهدف الذي لأجله يقاتلون بقولهم: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246] يعني: هذا القتال إنما هو لإعلاء راية الله عز وجل.وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا [البقرة:247]، وهذا هو الفصل الثاني، وإن شئت فقل: هو المطلب الثاني.قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا [البقرة:247] يعني: كيف يكون لهذا الصعلوك الملك علينا، وإنما الملك فينا يعرف في سبط يهودا ، وليس طالوت من سبط يهودا ، وهم أصحاب الملك في بني إسرائيل، ولا هو من سبط لاوي بن يعقوب وهم أهل نبوة، كما أنه كذلك لم يؤت سعة من المال فهو فقير، والملك يحتاج لغني ينفق من ماله على المملكة؟! فكيف أيها النبي تعين علينا رجلاً بغير مؤهلات؟ كيف تملك علينا رجلاً لم يتخرج من مملكة يهودا ، ولا من سبط لاوي بن يعقوب ؟!وهذا شبه ما يحصل الآن عندنا: كيف يتعين الدعاة ولم يتخرجوا من جامعة الأزهر، وليس معهم إجازة بحمل العلم الشرعي من الأزهر؟ كأن هذا تخصص لم يأذن الله عز وجل إلا به، وأما من تعلم العلم في غير الأزهر ولو كان من الأنبياء مشافهة، فإنه لا يصلح في هذا الزمان للدعوة إلى الله عز وجل، ما لم يكن خريجاً من الأزهر!ما أشبه اليوم بالبارحة، وصرنا نقول الآن كلاماً قالته بنو إسرائيل من قبل: قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ [البقرة:247].يعني: هذا رجل فقير، ثم إنه يعمل سقاء بعد الفجر ودباغ بعد الظهر، أو بعد العصر، يعمل في مهن حقيرة، فكيف يكون ملكاً علينا؟ فرد عليهم نبيهم: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:247]، إذا كنتم حقاً وتؤمنون بالله عز وجل وتصدقون نبوتي، فأنا ما عينته من عندي، ولكن الله تعالى هو الذي اصطفاه عليكم، ثم إنه أعطاه المؤهلات الحقيقية للملك، وهي: أنه جعله عالماً، وجعله قوياً شديداً حسن المنظر، وهذه مؤهلات الملك، كيف يكون ملكاً لا علم له، وكيف يكون ملكاً ضعيفاً هزيلاً يخر أمام تهديدات الأعداء؟ قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:247].فالله تبارك وتعالى يفعل في خلقه ما يشاء، لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، هو الذي اختاره فكيف لا تختارونه أنتم لأنفسكم؟ والله عز وجل واسع الفضل، يهب لمن يشاء العلم ويحرم من يشاء، ويهب لمن يشاء الفضل ويحرم من يشاء، فالله عز وجل عالم وعليم بمن يستحق الملك ممن لم يستحقه؛ ولذلك اصطفاه عليكم لعلمه الأزلي السابق أنه أولى منكم بالملك، فكيف تعترضون على الله عز وجل، وعلى شمويل النبي الذي أخبركم باصطفاء الله عز وجل لهذا الرجل عليكم؟فلما رأى النبي إعراضهم أراد أن يبين لهم آية من آيات الله عز وجل، كما أخبر الله عز وجل عنه بقوله: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ [البقرة:248]، أي: أن العلامة القوية على أن الله هو الذي اصطفاه وجعله عليكم ملكاً: أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:248]، أي: علامة من العلامات وأمارة من الأمارات؛ أن يأتيكم التابوت الذي كان معكم من قبل موسى عليه السلام، وموسى عليه السلام أخذ هذا التابوت ممن كان قبله، وسلمه إلى آبائكم، ووضع فيه آثاره وآثار أخيه هارون، كما أنه وضع فيه رضاض الألواح التي ألقاها. لما قامت المقتلة العظيمة بين بني إسرائيل وبين ملوك الشرك في زمان طالوت وفي زمان شمويل أُخِذَ منهم ذلك التابوت؛ فحزنوا عليه حزناً شديداً؛ لأنهم كانوا إذا نظروا في هذا التابوت أصابتهم السكينة والوقار والحلم.. وغير ذلك من مظاهر نور الله عز وجل.فلما أُخِذَ منهم التابوت حزنوا عليه حزناً شديداً، فقال لهم نبيهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [البقرة:248] أي: على يديه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، فلما تولى طالوت الملك نزلت بهذا التابوت بين يدي طالوت والناس ينظرون إليه، فحينئذ آمنوا وصدقوا بأن طالوت هو الملك الذي اصطفاه الله عز وجل، وأن شمويل صادق فيما زعم وفيما أخبر عن ربه، قال: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة:248].يعني: كانت الملائكة تحمل هذا التابوت، والتابوت في قرية من قرى الشام، قيل: هي قرية من قرى فلسطين على جهة بيت المقدس؛ ولذلك يتمسك اليهود إلى الآن بأن فلسطين أرض يهودية، وهيهات لهم أن تكون كذلك، فإن أرضاً فتحها المسلمون قديماً أو حديثاً إنما هي أرض المسلمين؛ لأن الإسلام هو دين الله عز وجل الأوحد، والله تبارك وتعالى لا يقبل من أحد ديناً إلا دين الإسلام.
 

ابتلاء الله تعالى لجنود طالوت بالنهر ومدى صبرهم وثباتهم أمام هذا الابتلاء
لما آمن بنو إسرائيل بـطالوت وكذلك بشمويل لم يبق أمام طالوت إلا أن يقاتل بمن معه هؤلاء المشركين، قال: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ [البقرة:249] أي: لما ميز طالوت الجنود الذين معه، وأراد أن ينطلق بهم إلى القتال قال لهم قبل أن ينطلقوا: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [البقرة:249] أي: إن الله سيختبركم بنهر، وأنتم عطشى في غاية العطش تكادون أن تهلكوا منه، لكنكم لابد أن تصبروا وألا تشربوا منه، فإن شربتم منه فإنكم لستم جنوداً لي، والجهاد يحتاج إلى صبر في المأكل والمشرب وعند لقاء العدو، وعند النظر إلى بارقة السيوف في ضوء القمر، أو في حر الشمس.ثم قال: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي [البقرة:249] أي: من شرب من هذا النهر وهو نهر الشريعة المعروف الآن بنهر الأردن، فمن شرب منه منكم أيها الجنود فليس من جنودي وأتباعي.قال السدي وقتادة: كان الجند مع طالوت قبل أن ينطلق ثمانين ألفاً، فلما قال طالوت لجنوده: (فمن شرب منه فليس مني) أي: لا يتبعني من شرب منه، يعني: أنتم لا تصلحون للجهاد إذا خالفتم الأمر وارتكبتم النهي، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:249] قال السدي : شرب منه ستة وسبعون ألفاً. وجاء عن البراء بن عازب رضي الله عنه فيما رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي تحت باب رفع الأمانة.قال البراء بن عازب : (كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نقول: إن عدة أصحاب محمد في بدر هم عدة أصحاب طالوت لما قاتل جالوت ، قيل: كم؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر).فيكون قول السدي وقتادة.. وغيرهما موافقاً لرواية البراء ، بل أكثر من ستة وسبعين ألفاً الذين شربوا من هذا النهر.وقوله: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249] أي: إلا من أخذ شيئاً يسيراً من هذا النهر بيده فشرب فلا حرج عليه حينئذ، والله تعالى يعفو عنه.يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كان الذي شرب منه لم يرو، والذي اغترف روي تماماً.بركة طاعة الأمراء في طاعة الله عز وجل، جعلها سبحانه محكاً واختباراً وابتلاء وامتحاناً، فإذا نجحوا فيه، فإنهم لما بعده أنجح، وإذا رسبوا فيه، فإنهم لما بعده أرسب وأفشل، فكيف لا يصبر المرء على العطش، ويصبر بعد ذلك على لقاء العدو؟!فجعل لهم هذا النهر ليختبر قوة إيمانهم، فرسبوا رسوباً سحيقاً، ولذلك قال: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي [البقرة:249] أي: لا يتبعني في هذا الجيش.
 

موقف القلة القليلة الذين مع طالوت من جالوت وجنوده
بعد أن عبر طالوت النهر بهذه القلة القليلة التي معه، إذا بـجالوت أعظم الطغاة في زمانه يلقاهم في جيش كثير جداً أفزع القوم، ولذلك اعتذر أصحاب طالوت فقالوا: لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249] يعني: يا طالوت، نحن نرجو أن تعبر بنا النهر مرة أخرى، ونحن قد كنا عبرنا معك النهر، فهذا دليل على صدقنا، ولكن هذا العدد لا قبل لنا به، فنحن نعتذر الآن، ونرجو ألا تخوض بنا المعركة. قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:249] والظن هنا بمعنى: اليقين، ولا يكون اليقين إلا عند أهل العلم بكتاب الله، وبسنن الأنبياء، قال الذين يوقنون أنهم ملاقوا ربهم: أيها الجهال الأغبياء كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والنصر هو من عند الله عز وجل، نعم، العدة والعتاد والقوة والشجاعة هي من عدد الحرب، ولكن إذا أراد الله عز وجل أن ينصر فئة على فئة فلا راد لهذا النصر: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249].في مثل هذا الموطن ينتصر المؤمنون على عدوهم؛ لأنهم آمنوا وتوكلوا على الله، فبسبب طاعتهم وإيمانهم بهذا النبي، واتباعهم لأوامر ملكهم وأميرهم في الجهاد لابد وأن النصر حليفهم أو الشهادة، ولذلك المؤمن يدور بين أمرين كلاهما حسن في ملاقاته للعدو: أن ينصره الله، فهذا مغنم عام، أو أن يقتل، فالشهادة.وهذا هارون الرشيد رحمه الله تعالى الذي صوره المصورون أنه عربيد سكير قاتلهم الله أنى يؤفكون، صوروه بتصاوير شتى، ولكنه كان رجلاً صالحاً يحج عاماً ويغزو آخر، كان إذا أرسل سرية أرسل معها كتاباً إلى زعيم الشرك والكفر، يقول فيها: إني أرسلت إليك جيشاً هو أحرص على الموت حرصك أنت وجيشك على الحياة. فما موقف هذا الملك من هذه الرسالة؟ هذه رسالة كفيلة بتدميره نفسياً قبل لقائه، ومن ذلك رسالته إلى ملك الروم قال فيها: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم إني أرسلت إليك جيشاً أوله عندك وآخره عندي، فالجواب ما ترى لا ما تسمع.الله أكبر! كلمات جبارة قوية تزلزل قلوب الأعداء بغير لقاء. وأما بلاد المسلمين اليوم فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا عقائد، ولا أحكام، ولا طاعة، ولا إيمان، ولا عز ولا نصر ولا تمكين ولا سؤدد، ولا شيء من مظاهر العز والنصر والتمكين، إنما كله ذل في ذل، وهوان في هوان، وخور وضعف ومهانة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249].أي: معية الله عز وجل أعظم من كل معية، فثبات هذه الفئة المؤمنة أمام هذا الجيش العرمرم دليل على أنه عز وجل معها، ينزل الملائكة يقاتلون معهم ويثبتونهم، يثبتون الأقدام عند اللقاء، ويربطون الجأش.كان عدد المسلمين في بدر يربو على الثلاثمائة شيئاً يسيراً في مقابلة ألف من صناديد أهل مكة، أتوه إلى بدر لمقاتلته، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ينوي قتالاً مع استعدادهم ومع ما معهم من العدة والعتاد للقاء محمد عليه الصلاة والسلام وجيشه بغتة.والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم عين اليقين أن النصر من عند الله عز وجل، ولذلك رفع يديه إلى السماء، وظل يدعو حتى سقط رداؤه الشريف من على كتفه عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: (يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً).فتناول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه الرداء فوضعه على كتفيه وهو يبكي، ويبشر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله سيفي له ما وعده من النصر والتمكين، وكان الوعد قد نزل من قبل.وانتصر المسلمون نصراً مؤزراً، فليست غزوة من الغزوات في تاريخ البشرية لها من الفوائد والأعاجيب كغزوة بدر، مع قلة الناس، ولكن الإيمان يزلزل الجبال، كان الواحد بأمة؛ ولذلك لما أخطأ أحدهم بعد ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)؛ بسبب ثباتهم في غزوة بدر، فقد ثبتوا وألحقوا الهزيمة المنكرة بأعداء الله ورسله.أما حنين فكان عدد المسلمين كثيراً جداً، واغتروا بكثرتهم: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25].وإليكم قصة هذا الذئب الذي دخل في سباق مع السلحفاة، فقال: أنام شيئاً، ثم أقوم فألحق السلحفاة وأسبقها، فكان كلما استيقظ من نومه قال: الوقت مبكر، أنام وقتاً آخر، ثم أدرك السلحفاة وأسبقها، فبقي الذئب نائماً حتى بلغت السلحفاة النهاية والهدف.كذلك لا يحل لقائد أن يستهين بعدوه مهما كان قليلاً، أو كان غير مسلح، فإن معظم الداء أتي من هذا، ويأتي من هنا، ولذلك أرى الله عز وجل المؤمنين في هذا الزمان آية من الآيات، لما استهانوا بهذه الفئة الكافرة القليلة من اليهود، أذاق اليهود كأس الهوان والذل للمسلمين وهم فوق المليار، ولكن هذا المليار كم منهم لا يثبت عند اللقاء؟! فمثلاً: أنتم أيها المصلون الذين رفعتم راية التوحيد، هل تثبتون حقاً عند اللقاء؟ إن غالب من أتى إلى هذا المسجد إنما أتى ليصلي الجمعة، فمن الناس من يأتي إلى هذا المسجد في هذا التوقيت، وهو لا يصلي إلا الجمعة فقط، ظناً منه أن صلاة الجمعة تجب ما كان من تفريط في الصلاة طوال الأسبوع.ومن الناس من لفظته أقاربه وأهله وأولاده، فأراد أن يستريح شيئاً، ولا مكان للراحة إلا في بيت الله عز وجل؛ لأنه لا يحاسبه على الجلوس فيه أحد، فأراد أن يستريح من قبل الجمعة بساعتين إلى وقت صلاة العصر، ثم يهيم على وجهه بعد ذلك بغير صلاة ولا صيام ولا عبادة.ذكر ابن الجوزي في بعض كتبه أنه قال لولده: قف على باب المسجد، فمن صلى الجمعة فادعه للغداء عندي، قال: يا أبتِ كيف يسع بيتنا لهذا العدد ولم نستعد؟ قال: يا بني، لست أعني بهؤلاء، وإنما من خرج من المسجد فقل له: بأي آيات قرأ الإمام في الصلاة؟ ففعل الولد فما أجابه إلا سبعة، فأخذهم وانطلق بهم إلى بيت أبيه، فقال: يا بني أصدقت أنه لم يصل الجمعة إلا هؤلاء؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وشواهد الفساد والباطل في الأمة كثير جداً، ثم نأمل أن تدركنا رحمة الله عز وجل!!أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
 

وقفات مع قصة طالوت وجالوت
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد:فهذه وقفات نقفها مع قصة طالوت وجالوت فيها إنارة الطريق لأهل الصحوة الإسلامية في هذه البلاد.. وفي غيرها.
 قصة طالوت وجالوت عزاء للصحوة الإسلامية
الوقفة العاشرة والأخيرة: والثمرة أن هذه القصة فيها عزاء للصحوة الإسلامية مع ضعفها ومع سوء أدبها مع الله عز وجل حكاماً ومحكومين.بل قد وصلنا إلى زمان يتبنى فيه الكفر والإلحاد، ويحارب فيه أهل الإيمان والعلم، فتحقق فينا قوله عليه الصلاة والسلام: (ستكون سنوات خداعات -أي: في آخر الزمان- يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويتكلم فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة).الرجل التافه الصعلوك الحقير الغبي السوري حيدر حيدر يتكلم في أمر العامة، ويسب الله ويسب الرسول ويسب القرآن، ومع ذلك فإن جهات كثيرة تتبناه، بل صحف وجرائد ومجلات تنشر كتابه الآن كل يوم أحد، فصلاً فصلاً، وإلى الآن نشروا منه بابين، رغماً عن كل مسلم، فمن لم يعجبه فليضرب برأسه على الجدار!أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقفات مع قصة طالوت وجالوت للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net