اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير أواخر سورة البقرة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


تفسير أواخر سورة البقرة - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
القرآن الكريم له فضل عظيم، ومنزلة كبيرة، وقد خص الله تعالى من القرآن الكريم سوراً وآيات لها مزية فضل، ومن ذلك الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، وفيهما عبروعظات بليغة، فينبغي تدبرها وأخذ العظة والعبرة منها، والعمل بها وفق مراد الله عز وجل وشرعه.
تفسير قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض)
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. آيات من كتاب الله عز وجل قد سمعناها في الركعة الأولى من صلاة المغرب، وهي الآيات الأخيرة من سورة البقرة، ومطلع هذه الآيات فيها إثبات الملك لله عز وجل، يقول المولى عز وجل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284] وكأن أصل السياق ما في السماوات وما في الأرض لله، ولكن الله عز وجل قدم شبه الجملة من الجار والمجرور، ثم أتى بأصل الجملة بعد ذلك ليدل على الحق، فقال: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284]، ولم يقل: ما في السماوات وما في الأرض لله؛ ليدل على أن المالك الحقيقي هو الله عز وجل، فإذا كان الله هو المالك الحقيقي للسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن فهو المستحق للعبادة وحده. أما ملكية الخلق لما بين أيديهم فهي ملكية ناقصة، وأصل الملك أن يكون تاماً، فالملك التام لله عز وجل يتصرف في ملكه حيث شاء، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107]، أما المخلوق فهو مقيد الحرية، إذ ليست مطلقة في إنفاق المال، فلا يتصرف إلا بإرادة المولى عز وجل، أو في أبواب قد أمره الله عز وجل بها، فلا يكون بعد هذا القيد أو هذه القيود حراً.والمالك الحقيقي حر في أن يتصرف فيما يملك، وأنت لست حراً بل أنت عبد لله عز وجل، كما أن الله تبارك وتعالى استخلفك وجعلك قائماً على بعض ملكه سبحانه وتعالى، وقيد بقيود، وشرط عليك شروطاً لا تتعداها، فإن تعديتها فقد أعد لك عذاباً إليماً. وهذا السياق الموجود في الآية دل على أن المالك الحقيقي هو الله عز وجل، استفدنا ذلك من الحصر الذي قدم فيه المولى عز وجل الجار والمجرور، وهو قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284].وهذا كقوله تباك وتعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ولم يقل: نعبد إياك، ونستعين إياك فهذا السياق ليس فيه نوع من الحصر، فيجوز أن يكون المعنى: نعبد إياك وغيرك، ونستعين بك وبغيرك، أما معنى سياق الآية: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] أي: لا معبود بحق إلا أنت، وقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أي: لا يستعان بأحد إلا بك، فالاستعانة كلها لله عز وجل وبالله عز وجل، كما أن العبادة لا تصرف إلا لله عز وجل، فمن صرف شيئاً مما يجب صرفه لله عز وجل كان مشركاً بالله عز وجل في الشيء الذي صرفه لغيره سبحانه وتعالى.ولذلك قال الله عز وجل: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22]، ولم يقل: ورزقكم في السماء وما توعدون، ولكنه قدم الجار والمجرور في قوله: وَفِي السَّمَاءِ [الذاريات:22]، لينفي أي شبهة تطرأ على ذهنك أن الرزق في الأرض؛ لأن هذا الرزق في خزائنه تبارك وتعالى، وخزائنه في يده في السماء إن شاء أمسك وإن شاء منع.فالسياق الذي في أول الآية: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:284]، فيه دليل على أن السماوات السبع والأرضين السبع ملك لله عز وجل بما فيها ومن فيها.
 

تفسير قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)
ثم يعقب المولى عز وجل بشيء مما اختص به هو ولم يطلع عليه أحد من خلقه، فقال: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الِلَّهِ [البقرة:284]، فقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا) أي: وإن تظهروا، ( مَا فِي أَنفُسِكُمْ ): بالقول أو بالفعل، يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، وهذه الآية كقوله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وقوله: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء:84].. وغير ذلك من الآيات التي أيقن بها الصحابة رضي الله عنهم أنه: (ما من عامل يعمل عملاً إلا ويحاسبه الله عز وجل عليه)، وهذا السياق لم يكن فيه أي إزعاج للصحابة؛ لأنهم يعلمون علماً يقينياً أن الله تبارك وتعالى سميع، عليم، مطلع على أعمالهم وأقوالهم، وأنه سيحاسبهم في يوم القيامة على ما عملوا، وعلى ما قالوا، ولكن الذي أفزعهم أشد الفزع، هو قول الله عز وجل: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، أي: وإن تظهروا ما دار في نفوسكم أو تخفوه، يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، يعني: في الحالتين يحاسبكم به الله، ولكن السياق أتى باختصار جميل فقال: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284].ولذلك شق على الصحابة حين نزلت هذه الآية مشقة عظيمة جداً، فقالوا: كيف ذلك؟ فذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبركوا وجثوا على ركبهم، وقالوا: (يا رسول الله! أنزلت عليك الآيات، وكلفنا من الأعمال ما نطيق من صلاة وقيام وحج وجهاد وكل ذلك في وسعنا وفي طاقتنا، أما هذه الآية ما نطيقها ألبتة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فنزل قول الله عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]، فلما قالوها وذلّت بها ألسنتهم، أنزل الله عز وجل الآية الناسخة لها وهي قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]). ولذلك أهل العلم اختلفوا اختلافاً عظيماً في قول الله عز وجل: أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، هل هذه الآية منسوخة أو محكمة؟ فذهب جمهرة عظيمة من الصحابة رضي الله عنهم وكثير من أهل العلم منهم: ابن عباس في أحد قوليه، وعبد الله بن عمر ، وعمر بن الخطاب ، وأبو هريرة.. وغيرهم إلى أنها منسوخة بقول الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل)، أي: حديث النفس والهم بالشيء، كأن تحدثك نفسك بأن تفعل شراً، ثم الوازع الإيماني في قلبك يمنعك من فعل هذا لشيء أو حتى من التلفظ به، فعلى مذهب جمهور المحدثين أو مذهب جمهور أهل العلم أن الله لا يحاسبك عليه؛ لأن هذه الآية منسوخة، ولأن هذا الهم وحديث النفس ليس في إمكانك أن تدفعه؛ ولذلك لم يحاسبك الله عز وجل عليه، بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل به)، أي: حتى يتجسد هذا الهم وحديث النفس في صورة قول أو فعله.وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم : (إذا هم عبدي بسيئة فعملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة)، وهذه الدرجة أعظم من الدرجة الأولى، (وإذا هم بحسنة فعملها فاكتبوها عشر حسنات، فإن لم يعملها فاكتبوها له حسنة، والله يضاعف لمن يشاء)، والراجح أن هذه الآية منسوخة، وهو الذي رجحه الشوكاني.. وغيره، وهو الذي أميل إليه. ومن الوسوسة المعفو عنها ما جاء في الحديث: (أن بعض الصحابة أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله! إنا تحدثنا أنفسنا بكلام أحب إلينا أن نخر من السماء من أن نتكلم به، قال: أو ذلك قد وجدتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذاك صريح الإيمان).وعند البخاري من حديث أبي هريرة : (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، من خلق الأرض؟ فيقول الله، ثم يعدد له خلقاً من خلقه سبحانه، فيقول: هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟ فإذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا، وقولوا: آمنا بالله ورسوله)، فهذا الوسواس الذي ربما تحدثك نفسك به قد بينه النبي عليه الصلاة والسلام لك، وبين معه العلاج، وكيف تدفع عنك هذا الشيطان وهذه الوسوسة، ولذلك قال: (إذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله). إذاً: أول علاج أن تستعيذ بالله، وأن تلجأ إلى الله عز وجل في أن يدفع عنك هذا الشر، ثم قال: (وانتهوا) أي: جاهدوا أنفسكم في دفع هذا الشيطان عنكم، ثم قال بإقرار الإيمان: (قولوا أمنا بالله ورسوله)، فهذه ثلاثة علاجات قد حددها النبي عليه الصلاة والسلام لدفع الوسوسة والشيطان عنك.والإمام الطبري ذهب إلى أن هذه الآية محكمة، وقال: إن هذه الآية تعني أن الله عز وجل يخبر جميع الخلائق الكافر منهم والمؤمن بما همت به أنفسهم، فيخبر الكافر ويعذبه، ويخبر المؤمن ويغفر له، وهذا معنى قوله: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:284] أي: المؤمنين، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:284] أي: الكافرين.واستشهد بما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (أن صفوان بن محرز رحمه الله كان يطوف حول الكعبة، فإذا بأقوام أتوا إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو يطوف حول الكعبة، فقالوا: يا عبد الله بن عمر ! أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن النجوى؟ قال: سمعته، قالوا: وما قال؟ قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه، ويقول: عبدي فعلت كذا يوم كذا وكذا، وفعلت كذا يوم كذا وكذا، ويعدد له أفعاله وأقواله التي كان يفعلها ويقولها في الدنيا، حتى يظن المرء أنه قد هلك، فيقول المولى عز وجل: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، أما الكافر فإن الله يقرره بذنوبه ويعذبه) فهذا معنى قول المولى عز وجل: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:284] أي: للمؤمنين بعد تقريرهم بذنوبهم، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:284] أي: الكافرين بعد تقريرهم لذنوبهم.ولكن يعكر هذا الرأي -وهو أن الآية غير منسوخة- قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من نوقش الحساب عذب)، فإن مجرد مناقشة المولى عز وجل لك أنت فعلت كذا وقلت كذا في يوم كذا وفي ساعة كذا يعتبر عذاباً أليماً جداً، فلو أنك أعطيت ولدك مالاً وحاسبته عليه فيما أنفقت هذا المال؟ وما الذي اشتريته؟ لكان الولد في موقف لا يحسد عليه بين يديك، ولله المثل الأعلى فلو أن عبداً وقف بين يدي الله عز وجل يحاسبه على عمله وقوله في حياته الدنيا، لكان هذا أشد العذاب على المرء، وربما يصح للإمام الطبري تصحيح هذا الرأي، إلا أنه يعكر عليه قول جماهير الصحابة أن هذه الآية منسوخة، ولذلك فقد جاء عند الإمام مسلم وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن الله عز وجل ألهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن يقولوا: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال: نعم)، وفي رواية: (قد فعلت).. إلى آخر الدعاء من آخر السورة، وفي كل دعاء يقول المولى عز وجل: (نعم، قد فعلت) وهذا يدل على أن الصحابة لما رفعوا لواء السمع والطاعة تقبل الله عز وجل منهم ذلك، وغفر لهم، ونسخ ما فرضه عليهم في أول الآيات بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286].
 

تفسير قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون..)
وفي قول المولى عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285] لما نزلت هذه الآية قال النبي عليه الصلاة والسلام: (حُقَّ له أن يؤمن)، أخرجه الحاكم من حديث أنس بسند صحيح، والمعنى: وجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن؛ لأن الأنبياء هم أعرف الخلق بالله عز وجل، ما يجب له، وما لا يجوز أبداً في حقه، وما يستحيل، فهم أعرف الخلق بالله؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له)، والذي يعرف المولى عز وجل حق المعرفة يعبده حق العبادة، ولذلك قال المولى عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وكلما ازداد المرء علماً ازداد خشية للمولى عز وجل، والأنبياء هم أعلم الخلق جميعاً وهم أعبد الخلق جميعاً للمولى عز وجل؛ لأنهم أعرف الخلق بالله سبحانه وتعالى.ثم أثنى الله عز وجل على جميع المؤمنين، إلا أنه في الدرجة الأولى موجه للصحابة؛ لأنهم أول من خوطبوا بالقرآن الكريم، فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة:285] عطفهم على الرسول، أي: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربهم، كما آمنوا بالله وملائكته ورسله، فعطف المؤمنين على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه مدح وثناء وتفضل من المولى عز وجل أن جعل أهل الإيمان يوافقون الرسل في أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وإن لم يكن جميع أركان الإيمان قد ذكرت في هذه الآية إلا أنها قد ذكرت في آيات أخرى وأحاديث أخرى كثيرة، فهذا العطف عطف تكريم وتشريف للصحابة، بل ولجميع المؤمنين، فقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285]، والذي أنزل إليه من ربه هو الوحي، فالنبي عليه الصلاة والسلام آمن بالوحي من أوله إلى آخره وعمل به، وكان قدوة لجميع الأنام صلى الله عليه وسلم، وتبعه في هذا الإيمان المؤمنون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة:285].والله تبارك وتعالى سمى نفسه الله، ووصف نفسه بأنه إله الحق، بمعنى المألوه الذي استحق أن يكون إلهاً واحداً في السماء والأرض، وأما ادعاء الألوهية لغير ذلك من المخلوقات فهي ادعاءات كلها كاذبة، فالله تبارك وتعالى هو الرب لا رباً سواه، وهو الإله لا إلهاً غيره، فإذا كان هو الإله وجب توجيه العبادة كلها إليه، وإذا كان هو الرب وجب الإقرار، والاعتراف، والإذعان بين يديه سبحانه وتعالى أنه الخالق، الرزاق، المدبر، لا خالق غيره، ولا رازق سواه. فهنا بيان أن الصحابة شاركوا النبي عليه الصلاة والسلام في أصول هذا الإيمان، وأنهم آمنوا بالله كما آمنوا بالملائكة.
 معنى قوله تعالى: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)
أما قول الصحابة: سمعنا وأطعنا، فإن الطاعة غير السمع؛ لأن الشخص قد يسمع ولا يطيع، فقد يسمع الأمر يوجه إليه ولكنه لا ينفذه فلا يكون في هذه الحالة مطيعاً للأمر، فالسمع هنا بمعنى الإجابة، ولذلك أنت تقول في صلاتك: سمع الله لمن حمده، والمعنى: أجاب الله لحمد من حمده، واستجاب دعاءه، أي: كأنك تقول: إني أحمد الله عز وجل فاستجب لي وتقبل دعائي، فأجاب الله دعاء من حمده، ولذلك قال: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285]، زيادة للتأكيد أن السمع يعني إجابة الدعاء فقال: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا [البقرة:285] أي: نطلب مغفرتك، وعفوك، وصفحك، ولذلك أهل العلم يقولون: إن التائب من المعاصي لابد له من ثلاثة أمور:الأمر الأول: أن يغفر الله تبارك وتعالى له ما تقدم من ذنبه.الأمر الثاني: أن يعينه في الحال على طاعته.الأمر الثالث: أن يعصمه في المستقبل من أن يقع في معصيته.وهذا في قول الله عز وجل مخبراً عن صحابة النبي عليه الصلاة والسلام: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا [البقرة:285] ثم قالوا: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] أي: وإليك المرجع والمآب، وهذه عقيدة قررها الصحابة رضي الله عنهم، وهي اعترافهم وإيمانهم بالبعث والنشور.
تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها..)
فقول الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، والوسع: هو الطاقة، والله عز وجل لا يكلف عبداً من عباده بما لا يطاق، فمنذ نزول هذه الآية لابد وأن تعتقد أن الله تبارك وتعالى لا يمكن أن يكلف عبداً من عباده عملاً أو قولاً ليس في طاقته، ولذلك فإن هذه الآية ناسخة لقول الله عز وجل: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ [البقرة:284]، أي: مما يدور في نفس العبد مما يتعاظم أن ينطق به؛ لأنه متعلق بذات الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي هريرة : (إنك ستعيش حتى يأتيك أقوام يقولون لك: يا أبا هريرة من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ من خلق المطر؟ فتقول: الله، فيقولون لك: هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه: فبينما أنا في المسجد إذ دخل علي قوم من الأعراب فقالوا: أين أبو هريرة ؟ قلت: أنا، قالوا: يا أبا هريرة من خلق السماء؟ فقلت: الله، ثم قالوا: من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ من خلق المطر؟ وعددوا خلقاً من خلق الله وفي كل يقول: الله، قالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله، قال: فتناولت حفناً من حصى فألقيته في وجوههم، وقلت: قوموا عني صدق خليلي صلى الله عليه وسلم).فالذي تحدثه نفسه بشيء في ذات الإله لابد وأن ينصرف عنه ويحسن الظن بربه أنه لن يحاسبه عليه، وما جاهد المرء نفسه في دفع هذا الوسواس وهذا الشيطان، فإن الله لن يحاسبه عليه؛ لأن الله تبارك وتعالى وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد، فوعد الله بخلاف وعيده، فإذا وعد الله بشيء فإنه لابد من الوفاء بهذا الوعد، وإذا أوعدك وهددك بشيء فإن هذا الوعيد وهذا التهديد إن شاء الله عز وجل أنفذه وإن شاء عفا عنه، وهذا من فضله ورحمته تبارك وتعالى.فقول الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] يدل على أن ما تحدثني به نفسي طالما لم أنطق به ولم أتكلم به إذا كان شراً فإن الله لا يحاسبني عليه، وهذه الآية ناسخة للآية الأولى، وهذا تقرير من أول الآيات.
 فضل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة وفضل البقرة وآل عمران والفاتحة
فعند البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)، وهما من أول قول الله عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ [البقرة:285] إلى قوله: فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286]، ومعنى كفتاه، قيل: كفتاه من قيام الليل، وقيل: كفتاه من مس الشيطان، وقيل: كفتاه في الفضل.. وغير ذلك كثير، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (اقرءوا البقرة وآل عمران فإنهما يظللان صاحبهما، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو صفان من طير صواف)، أي: مثل أن يأتي صف طير حمام فيظل من يسير تحته، فكذلك البقرة وآل عمران يأتيان يشفعان للعبد يوم القيامة.ولذلك في حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه الذي كان جميل الصوت، فقد جاء عند البخاري : (قام ليلة يقرأ بسورة البقرة فجالت فرسه)، يعني: كلما قرأ ارتعد الفرس واضطرب، وكان مع أسيد بن حضير ولده الصغير يحيى وكان في مؤخرة رحل الفرس، وخشي على ولده أن تصيبه قدم الفرس، فقال: (فأخذت ولدي وأردت الانصراف غير أني نظرت إلى السماء فوجدت مثل الظلة فيها مصابيح، فارتعد أسيد بن حضير فلما غدا إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له : لقد قرأت يا رسول الله حتى جالت فرسي، فكلما سكت سكنت وكلما قرأت جالت حتى خشيت على ولدي يحيى قال: تلك الملائكة، أما إنك لو قرأت حتى أصبحت لأصبح صبيان المدينة ينظرون إليهم عياناً)، (وكان النبي عليه الصلاة والسلام جالس مع جبريل فإذا باب فتح من السماء لم يفتح من قبل قط، فنظر جبريل عليه السلام فقال: يا محمد! هذا باب من السماء فتح لم يفتح من قبل، فنزل منه ملك؛ حتى أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجلس بين يديه، فقال: يا محمد! لقد أوتيت نورين لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، وإنك ما دعوت بحق منهما إلا استجيب لك).ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن مسعود : (اقرءوا البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، أي: السحرة، فالبيت الذي يقرأ فيه القرآن وخاصة سورة البقرة لا يمكن أن يدخله الشيطان.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 الرد على ما جاء في كتاب (عمر أمة الإسلام)
السؤال: ما رأيكم فيما جاء في كتاب عمر أمة الإسلام؟ الجواب: في الحقيقة أنا رديت عليه من قبل في محاضرتين طويلتين، والكتاب على أية حال فيه خير، وهو في الحقيقة أشبه بكتب أهل الكتاب، وأنا لا أنصح طلاب العلم ولا عامة الناس بقراءة هذا الكتاب أبداً، بل أحذرهم منه؛ لأن الكتاب تعرض لمسألة غيبية استأثر الله تبارك وتعالى بعلمها، وخاض المصنف خوضاً لا يليق بمسلم، فذهب مذهباً غير مرضي في حساب عمر الدنيا، وذهب مذهباً ملتوياً ظناً منه أن أحداً لن يستطيع أن يكتشف لعبته، وقرب ظهور المهدي عليه السلام، فإذا قلنا: إنك تكلمت عن وقت الساعة، قال: لا أنا أتكلم عن عمر الأمة، وهذا يستلزم أمران: إما أن يكون متكلماً عن عمر الدنيا وأنها ستفنى بعد ألف وخمسمائة عام كما قد حدد، أي: بعد سبعين سنة؛ لأنه -على حاسبه- قد مر ألف وأربعمائة وثلاثين سنة هجرية، كأنه أراد أن يقول: هذا عمر الأمة لا عمر الدنيا، قلنا له: ما الفرق بين عمر الدنيا وعمر الأمة؛ لأننا نوقن أن هذه الأمة هي آخر الأمم، فإذا فني عمرها، وانتهى أجلها المؤجل لها عند الله والذي لا يعلمه إلا الله، لابد أن تقوم الساعة مباشرة، فإذا قلنا: فناء الأمة بعد سبعين سنة يلزم من ذلك أن تقول بقيام الساعة، وإذا قال: إنني لا أقول بقيام الساعة، وإنما أتكلم عن أشراط هذه الأمة وفناء هذه الأمة، قلنا له: يلزم من قولك بأن هناك أمة بعد فناء هذه الأمة ستنشأ وتوجد، وبالتالي يلزمك أن تحكم عليهم بأنهم من أهل الفترة وأن الله تبارك وتعالى لا يعذبهم، فكيف تقوم عليهم الساعة؟ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا: (أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق)، فإما أن تقول بوجود أمة بعد هذه الأمة التي تقوم عليها الساعة، وهذا كلام باطل؛ لأن هذه الأمة آخر الأمم وخير الأمم، وإما أن تنسحب من كلامك، والأمر الذي ذهب إليه أنه احتج بأحاديث في الصحيحين، وليست الحجة في الدليل الذي احتج به إنما الحجة فيمن وافقه على هذا الفهم، كما يقول الشاعر:وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكاوهذا هو بيت القصيد، فلو أن أحداً احتج بحديث أو بآية لا بد أن يوافق فهمه لهذه الآية ولهذا الحديث فهم السلف، فإن وافق كان على الحق، وإن خالف كان على الباطل، فإننا نسحب هذا الكلام وهذه القاعدة على فهم المصنف في كتابه: (عمر الأمة) على الأدلة التي ساقها من البخاري ومسلم ، فإن حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي موسى الأشعري في تحديد وقت العصر قد احتج بها البخاري في باب المواقيت تارة، وفي باب الإجارة تارة أخرى، فأين الكلام عن الساعة وأشراطها، وفناء الأمة من كتاب مواقيت الصلاة؟ والحديث إنما أورده الإمام البخاري في باب مواقيت الصلاة ليثبت أن وقت العصر حين أن يكون الظل ضعف المثل، وأنه ينتهي بدخول المغرب، وكذلك أورده في باب الإجارة؛ ليدل على أنك لو استأجرت أجيراً وقلت له: تعمل عندي اليوم وأعطيك ديناراً، وإن لم تتفقا على تحديد الساعة التي ينتهي عندها العمل، فيكون معلوماً سلفاً أن العمل ينتهي في المغرب؛ لأن اللغة تفرق بين ما يسمى باليوم والليلة، فاليوم هو النهار والليلة هي الليل، فلو أنك استأجرت أجيراً وقلت له: تعمل عندي طوال النهار وأعطيك كذا فلا يجوز له أن يأتي الظهر ويقول: قد فرغت من العمل، أو انتهى ما اتفقنا عليه؛ لأنكما قد اتفقتما على العمل في النهار فلا ينتهي إلا بدخول المغرب.الشاهد من هذا: أن الأحاديث التي احتج بها المصنف قد استنبط منها أهل العلم تسعة استنباطات، وأولوها على تسعة أوجه وأنحاء، ثمانية منها مرضية ليس فيها طعون، أما التاسع وهو اعتبار العدد الحسابي في قيام الساعة ففيه طعن ورد، والعدد الحسابي من فهم اليهود والنصارى لا من فهم المسلمين، ولكن زلة قدم الإمام الكبير محمد بن جرير الطبري -عليه رحمة الله- في اعتبار هذا العدد، وصنف رسالة أو تكلم بكلام طويل في مقدمة كتاب: (التاريخ) في إثبات عمر أمة الإسلام، وأنها لا تتعدى الألف عام، وقد أثبت الواقع والزمن، وقد أخطأ الطبري في تقديره؛ لأن الأمة تعدت ما حدده الإمام الطبري بأربعمائة وثلاثين سنة وزيادة، فأتى من بعده السهيلي ونحا نحواً من نحوه، وقد أثبت الواقع كذلك خطأ الإمام السهيلي ، فأتى الإمام السيوطي -عليه رحمة الله- وصنف رسالة سماها: (الكشف أن هذه الأمة لا تتجاوز الألف)، وقال: ولا بأس أن الله عز وجل يمنحها من عنده نصف يوم، كما في حديث سعد بن أبي وقاص عن أبي داود.. وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وإني لأرجو الله ألا يعجز هذه الأمة من نصف يوم)، ونصف يوم بخمسمائة عام.إذاً: خمسمائة عام تضاف إلى الألف سنة فتصبح ألف وخمسمائة عام، مر منها ألف وأربعمائة وثلاثون، والباقي سبعون سنة، ويلزم من هذا أننا نطرق لأهل البدع والإلحاد أن يخرجوا لنا ألسنتهم كما أخرجت روز اليوسف لسانها الطويل الذي هو أطول من لسان الشيطان، وإن شئت فقل من لسان البغلة، إذ قالت: الحق حياتك، فإن القيامة ستقوم بعد سبعين سنة، وجاءت المجلات الإلحادية العلمانية بهذه النكات السخيفة، وهذه الأضحوكات والاستهزاء بكتاب الله عز وجل وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبتاريخ هذه الأمة؛ لأننا الذين طرقنا لهم أن يتكلموا فينا وفي ديننا.ولذلك نحذر كل الحذر أن نكون فتنة للذين ظلموا، هم ظلموا أنفسهم، ولكن لا أقل من أن نكون بعيدين عن هذه الفتنة، وألا نكون سبباً لهذه الفتنة، فهم إذا فتنوا الذين ظلموا فعليهم وزرهم أما نحن فلا نكون سبباً لهذا الضلال المبين، فهذا الكتاب فيه خير عظيم؛ لأنه حث الناس على العمل بالطاعة، وقرب لهم أمر القيامة، ولو كان توقف عند هذا الحد كان جميلاً جداً، والعدل خير كله، والله تبارك وتعالى أثنى على أهل الكتاب قبل أن يذمهم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير أواخر سورة البقرة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net