اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح حديث كلكم راع للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين


شرح حديث كلكم راع - (للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين)
من كمال الدين أنه اهتم بجميع مجالات الحياة التي يحتاجها الإنسان، ومن ذلك أنه أوجب على كل إنسان القيام بالمسئولية التي أنيطت به بحسب موقعه ومكانته، وقد اشتمل حديث: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) على جانب كبير من ذلك، بحيث ألقى المسئولية على كل مكلف فيما هو تحت رعايته، وبالتالي حمله إثم التقصير في رعاية ما استرعاه الله عليه.
مسئولية الإمام عن رعيته
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.وبعد:فالكلام في هذه الليلة سيكون على الحديث المشهور، الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري ومسلم .فهذا الحديث المتفق عليه يعطينا أهمية هذه الرعاية، حيث بدأها بعموم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وختمها بالعموم: (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وفصل فيما بين ذلك بذكر أربعة: بذكر الإمام، والرجل على أهل بيته، والمرأة في بيت زوجها، والرجل في مال أبيه، وهذا كنموذج أو مثال لمن عليه رعاية، فيبين صلى الله عليه وسلم هذه الرعاية التي لها أهميتها.فنحب أن نذكر كلاماً على هؤلاء الأربعة الذين ذكروا في الحديث، ثم إذا كان في الوقت سعة، ذكرنا بعض من يلحق بهم ممن هم مؤتمنون على أمر من الأمور الخاصة أو الأمور العامة، حيث إنه صلى الله عليه وسلم عمم أولاً وآخراً، وذلك دليل على أن كل فرد من المسلمين ذكراً أو أنثى فإنه راع.
  رعاية الإمام لرعيته ومسئوليته عنهم
فالإمام في قوله صلى الله عليه وسلم: (الإمام راع، وهو مسئول عن رعيته)، يعم كل من كان إماماً، أي: قدوة يقتدى به، فإذا كان كذلك فإن عليه أن يهتم بمن هو راع عليهم، ومن هو مسئول عنهم من الرعية، فهكذا يكون الراعي.الإمام العام الذي يتولى رعية المسلمين هو خليفة المسلمين وإمام عام لهم، ولا شك أن رعايته آكد، وأن مسئوليته آكد، وأن عليه أن يحرص على الرعية الذين هم تحت ولايته وتحت مسئوليته، فيسير فيهم السيرة الحسنة التي هي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي هي سيرة الخلفاء الراشدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم والسير على نهجهم في قوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).هكذا أرشد إلى سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، واتفق الأئمة على أنهم الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وقد أكثر العلماء من ذكر سِيرهم وسَيرهم، ومن ذكر أعمالهم الصالحة التي يقتدى بها في الأعمال الخيرية، مما يدل على أنهم أسوة وقدوة لمن جاء بعدهم من الأئمة، ليقتدي بهم، ويسترشد بإرشاداتهم ويسير على نهجهم كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره هذا أمر للخاصة والعامة، وليس الأمر خاصاً بالولاة ولا بالأئمة الكبار ولا بالخلفاء ولا بالملوك، بل هو عام لكل من سمع هذا الحديث من الأمة فإنه مأمور بأن يقتدي بهم.ولا شك أن أولى من يقتدي بهم خلفاء الأمة المسلمون، ولاة أمور المسلمين، الذين ولاهم الله تعالى دولاً تفتخر بأنها مسلمة، وتدين بالإسلام، وتأتي بالشهادتين، وتقتدي ظاهراً بتعاليم الإسلام، فإن عليهم أن يكون قدوتهم محمداً صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين الذين هداهم الله تعالى وسدد خطاهم، وساروا في رعاياهم سيرة حسنة، يضرب بعدلهم المثل، فهكذا يكون الأئمة، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن من خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وإن من شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم)، نعوذ بالله أن ندرك هذه الحال!فهكذا أرشد صلى الله عليه وسلم إلى أن الإمام راع، وأنه مسئول عن رعيته.
أقسام الناس في قيامهم بمسئولياتهم تجاه أولادهم
كذلك قوله: (الرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته)، أهل بيته: ذريته ممن هو مولى عليهم، فأولاده من رعيته، ونساؤه وزوجاته من رعيته، وإخوته الذين تحت ولايته من رعيته، وكذلك من في ولايته من خدم أو نحوهم، كلهم داخلون تحت رعيته، وهو مسئول عنهم كلهم، وهؤلاء هم أسرة كل مؤمن غالباً، ومسئوليته أنه يسأل: هل أهملهم أو أدبهم؟ الإهمال: هو الاشتغال بشهواته وبلهوه وسهوه، والإعراض عمن تحت يده، وعدم الاهتمام بإصلاحهم، وعدم تربيتهم التربية الصالحة، فإنه في هذه الحال إذا سئل لم يجد جواباً، وذلك لأن كثيراً من الناس لم يهتموا بهذه المسئولية، فنحب أن نفصل في هذه المسئولية؛ لعظم خطرها، فنقول: إن الناس تجاه المسئولية انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
  الذين يجلبون الشر والفساد لأبنائهم
القسم الثالث: الذين جلبوا لأولادهم الفساد، بدلاً من أن يجلبوا لهم أسباب الصلاح، تنزلاً على رغبة السفهاء، والله تعالى قد نهى أن يؤتى السفهاء الأموال، فقال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5] أي: لا تسلطوهم عليها فيفسدونها، فأهل هذا القسم جلبوا لهم ما يفسدهم، فإن الكثير والكثير الذين جلبوا لأولادهم آلات الأغاني، فامتلأت البيوت بأشرطة الغناء الماجن، وامتلأت بأشرطة الفيديو التي تحمل صوراً خليعة، كذلك امتلأت كثير من البيوت بهذه الأجهزة التي تتلقى القنوات الفضائية التي تبث الشرور، وتمثل الفواحش والمنكرات أمام الشباب والشابات، فكيف تكون حالتهم؟كذلك الذين شغلوا أولادهم باللهو واللعب والغناء والطرب وما إلى ذلك، فجلبوا لهم آلات اللعب، فمن ذلك ما يسمى (بلوت)، أو ما يسمى (كيرم)، أو ما أشبه ذلك، يزعمون أنهم بذلك يرفهون عن أولادهم، ومن ذلك مشاهدة الأفلام الخليعة التي يزعمون -أيضاً- أنها تسلية وترفيه، وأنها تجلب لقلوبهم قوة ونشاطاً وما أشبه ذلك، وما علموا أنها سبب من الأسباب في انحراف أخلاقهم، وفي فساد طباعهم، وفي انحرافهم عن الصراط السوي، لا شك أنهم والحالة هذه يكونون قد تسببوا فيما يفسد أولادهم بدلاً مما يصلحهم.كذلك -أيضاً- بالنسبة إلى نسائهم الذين هم مسئولون عنها، إذا كانوا يأذنون للنساء في أن يخرجن إلى الأسواق التي تزدحم بالرجال ولا يتفقدونها، فتخرج متعطرة متطيبة، وتبدي شيئاً من زينتها، فتبدي كفيها، وقد تبدي ساعديها وعليها الحلي من الأسورة التي تتلألأ في ذارعها، وكذلك خواتمها، وكذلك قد تبدي شيئاً من زينتها، وبعضاً من مفاتن ثيابها التي تفتن بها، وتتشبه بمن هن فاسدات ومن أخبر عنهن النبي صلى الله عليه وسلم ووصفهن بأنهن: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)، فهؤلاء -بلا شك- مسئولون مسئولية كبرى، وذلك لأنهم عرضوا بناتهم ونساءهم وأخواتهم ومولياتهم إلى أن يكن وكر فساد، وربما يتعاطين الفواحش وهم لا يشعرون!وهكذا -أيضاً- يكن سبباً في الفتنة، حيث يفتتن بهن خلق كثير، ولاشك أن هذا كله من الإهمال ومن آثاره، حيث يرضى الوالد وولي الأمر ومن ولاه الله تعالى على أولاده من ذكور وإناث ومن نساء بأن يكن على هذه الهيئة، فهذا عين الإهمال.وهذه حالات الناس في هذه الأزمنة فيما يتعلق بولاية الرجل على أهل بيته، فلو شعر بأنه مسئول في الآخرة عن أهل بيته -أولاده ونسائه- لاهتم لهذه المسئولية وأعطاها حقها.
مسئولية المرأة في رعاية بيت زوجها
أما النوع الثالث من الذين ذكروا في الحديث؛ فهو قوله: (والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها):المرأة -بلا شك- مسئولة، وقد أخبر بأن مسئوليتها في بيت زوجها، فإما أن تكون مصلحة وإما أن تكون مفسدة، وإما أن تكون مهملة، أي: كما يحصل للرجال، فالرجال منهم مصلح ومنهم مفسد ومنهم مهمل، فكذلك النساء.فالمصلحة هي التي تولي أولادها رعاية ومراقبة ونصيحة وتربية صالحة، وتوليهم عناية كبيرة، وإذا غفل عنهم الأب لم تغفل عنهم، بل تتابعهم وتتفقد أحوالهم، وتسألهم وتعلمهم، فإذا أيقظهم الأب للصلاة وخرج، تابعتهم أمهم إلى أن ينتبهوا للصلاة ويخرجوا إذا كانوا ذكوراً، وتتابع الإناث حتى تحبب إليهن العبادات كلها.وهكذا تربيهم كما يربي الرجل أولاده، فتربيهم على الكلام الحسن، وتعاتبهم على الكلام السيئ، فمتى سمعت منهم سباً أو هجاءً أو قذفاً أو عيباً أو لعناً أو شتماً أو كلاماً قبيحاً؛ عاتبتهم على ذلك، وأدبتهم على محبة الكلام الطيب الذي هو ذكر الله وما والاه، والذي هو محبة الخير والتكلم به، فهذه هي المرأة الصالحة، الراعية في بيت زوجها، أي: على أهله.كذلك تحفظ بيت زوجها، فلا تخرج منه إلا بإذن زوجها، أو لحاجة ضرورية، وإذا خرجت أو أذنت لأحد مولياتها من النساء، خرجن وهن محتشمات متسترات غير متبرجات بزينة، فهذا من أسباب صلاحها.كذلك تحفظ زوجها في نفسها، وتحفظ زوجها في بيته، وتحفظه في ماله، فلا تفسد ماله ولا تنفقه في شيء لا أهمية له، أو في شيء يعتبر فساداً، بل تكون هي المراقبة له، وهي تشعر بأنها مسئولة أمام الله تعالى، حتى لو غفل عنها زوجها، ولم يلاحقها ويسألها، فإن الله تعالى هو الذي يسأل المفرط والمهمل.أما المرأة التي تكون مفسدة فهي التي تكلف زوجها أو تطالبه مرة بعد مرة، أن يأتي بآلات اللهو حتى تمتلئ البيوت صحفاً ومجلات خليعة، وكتباً أو رسائل مفسدة، وحتى تمتلئ البيوت أشرطة غناء وآلات لهو وسهو وغير ذلك، فكثير من النساء متى خرجت إلى أولئك الذين أغرموا بأفلام الفساد أخذت تطلب من زوجها: أهل فلان عندهم وعندهم، ونحن نريد أن نكون مثلهم.. وأشباه ذلك، فهذه مفسدة أو ساعية في الفساد.وأما المهملة: فهي التي لا يهمها أمر من ولاها الله تعالى من المسلمين الذين تحت ولايتها، بل وقتها إما أن تزور أهلها أو جيرانها، أو تبقى في بيتها لا يهمها صلاح أو فساد، فهذا دليل على أن المرأة -أيضاً- عليها مسئولية كما على الرجل.
  الذين يجلبون الشر والفساد لأبنائهم
القسم الثالث: الذين جلبوا لأولادهم الفساد، بدلاً من أن يجلبوا لهم أسباب الصلاح، تنزلاً على رغبة السفهاء، والله تعالى قد نهى أن يؤتى السفهاء الأموال، فقال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5] أي: لا تسلطوهم عليها فيفسدونها، فأهل هذا القسم جلبوا لهم ما يفسدهم، فإن الكثير والكثير الذين جلبوا لأولادهم آلات الأغاني، فامتلأت البيوت بأشرطة الغناء الماجن، وامتلأت بأشرطة الفيديو التي تحمل صوراً خليعة، كذلك امتلأت كثير من البيوت بهذه الأجهزة التي تتلقى القنوات الفضائية التي تبث الشرور، وتمثل الفواحش والمنكرات أمام الشباب والشابات، فكيف تكون حالتهم؟كذلك الذين شغلوا أولادهم باللهو واللعب والغناء والطرب وما إلى ذلك، فجلبوا لهم آلات اللعب، فمن ذلك ما يسمى (بلوت)، أو ما يسمى (كيرم)، أو ما أشبه ذلك، يزعمون أنهم بذلك يرفهون عن أولادهم، ومن ذلك مشاهدة الأفلام الخليعة التي يزعمون -أيضاً- أنها تسلية وترفيه، وأنها تجلب لقلوبهم قوة ونشاطاً وما أشبه ذلك، وما علموا أنها سبب من الأسباب في انحراف أخلاقهم، وفي فساد طباعهم، وفي انحرافهم عن الصراط السوي، لا شك أنهم والحالة هذه يكونون قد تسببوا فيما يفسد أولادهم بدلاً مما يصلحهم.كذلك -أيضاً- بالنسبة إلى نسائهم الذين هم مسئولون عنها، إذا كانوا يأذنون للنساء في أن يخرجن إلى الأسواق التي تزدحم بالرجال ولا يتفقدونها، فتخرج متعطرة متطيبة، وتبدي شيئاً من زينتها، فتبدي كفيها، وقد تبدي ساعديها وعليها الحلي من الأسورة التي تتلألأ في ذارعها، وكذلك خواتمها، وكذلك قد تبدي شيئاً من زينتها، وبعضاً من مفاتن ثيابها التي تفتن بها، وتتشبه بمن هن فاسدات ومن أخبر عنهن النبي صلى الله عليه وسلم ووصفهن بأنهن: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)، فهؤلاء -بلا شك- مسئولون مسئولية كبرى، وذلك لأنهم عرضوا بناتهم ونساءهم وأخواتهم ومولياتهم إلى أن يكن وكر فساد، وربما يتعاطين الفواحش وهم لا يشعرون!وهكذا -أيضاً- يكن سبباً في الفتنة، حيث يفتتن بهن خلق كثير، ولاشك أن هذا كله من الإهمال ومن آثاره، حيث يرضى الوالد وولي الأمر ومن ولاه الله تعالى على أولاده من ذكور وإناث ومن نساء بأن يكن على هذه الهيئة، فهذا عين الإهمال.وهذه حالات الناس في هذه الأزمنة فيما يتعلق بولاية الرجل على أهل بيته، فلو شعر بأنه مسئول في الآخرة عن أهل بيته -أولاده ونسائه- لاهتم لهذه المسئولية وأعطاها حقها.
مسئولية الولد عن رعاية أبيه
وأما الرابع: فهو قوله: (الرجل راع في مال أبيه، وهو مسئول عن رعيته).معلوم أن الولد يساعد أباه في ماله، وفي حرفته وفي صنعته، وفي حرثه أو ماشيته أو ما أشبه ذلك، وعليه أن يساعد أباه فيما هو خير، فتارة يكون الأب صالحاً والابن صالحاً فيجتمعان في الصلاح، فيحفظ المال ويصرفه في مصارفه، ويخرج منه حق الله تعالى من زكوات وكفارات وما أشبهها، فيقوم إلى جانب أبيه بحفظ ماله، وتجنيبه المكاسب المشتبهة من غش أو خديعة أو غرر أو كذب في البيع والشراء، أو حلف مع فجور، أو مدح مع كذب، أو ما أشبه ذلك، فيجتمع الولد وأبوه على النصح والإخلاص الذي هو رعاية هذا المال وحفظه.كذلك -أيضاً- في صرفه، فلا يصرف منه إلا ما هو مستحق يتصدق منه الولد ووالده على المستضعفين والمستحقين، واليتامى والمساكين والفقراء والمعوزين، وكذلك يصرف منه في المصالح العامة التي يحبها الله تعالى كالدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي المشاريع الخيرية كالمساجد والمدارس والكتب والنشرات، والأشرطة الإسلامية وما أشبهها، فيكون بذلك صالحاً ومصلحاً.فهذا ممن وفقه الله تعالى -أولاً- في حفظ مال أبيه، وثانياً: في صرفه في مصارفه.أما إذا كان الولد غير مصلح، فالغالب أنه إما أن يهمل ما استرعاه الله من مال أبيه، ولا يهتم به، ولا يحرص عليه مع أنه أمانة، فإما أن يفسده، وذلك أنه يؤمر بأن يصلح فيفسد، وكم حصل من الأبناء من إفساد لأموال آبائهم وإتلافها فيما لا فائدة فيه، فكثير منهم يطاوع ابنه في أن يتاجر إلى بلاد بعيدة، ويزوده بأموال طائلة يفسد تلك الأموال، فيصرفها في حضور مهرجانات ومسارح وأماكن دعارة وأماكن فساد، ولا يشعر بأنه يسبب له الفساد والشر المستطير.هذه هي الأمور الأربعة التي ذكرت في هذا الحديث، ولا شك أن الأمور أكثر، فإنه صلى الله عليه وسلم ما ذكر هذه الأربعة إلا كمثال، فنقول: إن كل وال فإنه راع ومسئول عن رعيته، فالقاضي الذي يتولى الحكم بين المسلمين راع، وعليه أن يعدل في هذه الرعية، قال الله تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58]، وقال الله تعالى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحْقَ [ص:26] يعني: أن الله تعالى جعله حاكماً يحكم بين الناس، ونهاه بقوله: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26]، فلاشك أن من أسباب العدل: أن يشعر القاضي بأنه مسئول عما استرعاه الله تعالى.وكذلك المعلمون الذين يتولون تعليم الأطفال ونحوهم، هم مسئولون عن رعيتهم، فلا يكون هم أحدهم أن يمضي عدة ساعات في التطبيق أو في التدريس، ولا يشعر بما وراء ذلك، بل عليه أن ينصح لمن استرعاه الله تعالى، وهكذا يقال في المدراء ورؤساء المكاتب، ويقال أيضاً في المسئولين والأئمة والمعلمين، وكل من كان له ولاية على أمر فإنه مسئول عن ولايته، فعليه أن يحرص على أدائها كما أمره الله تعالى؛ حتى لا يكون مسئولاً سؤالاً لا يجد له جواباً، أو لا يكون جوابه صواباً.نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ونسأله سبحانه أن يعيننا على أداء ما ائتمننا عليه، وأن ينفع المسلمين بما يعلمون، ويرزقهم العمل به، وأن يعيذنا من علم لا ينفع عملاً ولا يرفع، إن الله على كل شيء قدير.كما نسأله أن يصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وكل من له ولاية على أمر من الأمور، وأن يرزقهم البطانة الصالحة التي تحثهم على الخير وتحذرهم من الشر، وأن يرزقهم الإخلاص في أعمالهم، والاهتمام بما ولاهم الله تعالى وبما استرعاهم عليه، إنه على كل شيء قدير.والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.
  الذين يجلبون الشر والفساد لأبنائهم
القسم الثالث: الذين جلبوا لأولادهم الفساد، بدلاً من أن يجلبوا لهم أسباب الصلاح، تنزلاً على رغبة السفهاء، والله تعالى قد نهى أن يؤتى السفهاء الأموال، فقال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5] أي: لا تسلطوهم عليها فيفسدونها، فأهل هذا القسم جلبوا لهم ما يفسدهم، فإن الكثير والكثير الذين جلبوا لأولادهم آلات الأغاني، فامتلأت البيوت بأشرطة الغناء الماجن، وامتلأت بأشرطة الفيديو التي تحمل صوراً خليعة، كذلك امتلأت كثير من البيوت بهذه الأجهزة التي تتلقى القنوات الفضائية التي تبث الشرور، وتمثل الفواحش والمنكرات أمام الشباب والشابات، فكيف تكون حالتهم؟كذلك الذين شغلوا أولادهم باللهو واللعب والغناء والطرب وما إلى ذلك، فجلبوا لهم آلات اللعب، فمن ذلك ما يسمى (بلوت)، أو ما يسمى (كيرم)، أو ما أشبه ذلك، يزعمون أنهم بذلك يرفهون عن أولادهم، ومن ذلك مشاهدة الأفلام الخليعة التي يزعمون -أيضاً- أنها تسلية وترفيه، وأنها تجلب لقلوبهم قوة ونشاطاً وما أشبه ذلك، وما علموا أنها سبب من الأسباب في انحراف أخلاقهم، وفي فساد طباعهم، وفي انحرافهم عن الصراط السوي، لا شك أنهم والحالة هذه يكونون قد تسببوا فيما يفسد أولادهم بدلاً مما يصلحهم.كذلك -أيضاً- بالنسبة إلى نسائهم الذين هم مسئولون عنها، إذا كانوا يأذنون للنساء في أن يخرجن إلى الأسواق التي تزدحم بالرجال ولا يتفقدونها، فتخرج متعطرة متطيبة، وتبدي شيئاً من زينتها، فتبدي كفيها، وقد تبدي ساعديها وعليها الحلي من الأسورة التي تتلألأ في ذارعها، وكذلك خواتمها، وكذلك قد تبدي شيئاً من زينتها، وبعضاً من مفاتن ثيابها التي تفتن بها، وتتشبه بمن هن فاسدات ومن أخبر عنهن النبي صلى الله عليه وسلم ووصفهن بأنهن: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)، فهؤلاء -بلا شك- مسئولون مسئولية كبرى، وذلك لأنهم عرضوا بناتهم ونساءهم وأخواتهم ومولياتهم إلى أن يكن وكر فساد، وربما يتعاطين الفواحش وهم لا يشعرون!وهكذا -أيضاً- يكن سبباً في الفتنة، حيث يفتتن بهن خلق كثير، ولاشك أن هذا كله من الإهمال ومن آثاره، حيث يرضى الوالد وولي الأمر ومن ولاه الله تعالى على أولاده من ذكور وإناث ومن نساء بأن يكن على هذه الهيئة، فهذا عين الإهمال.وهذه حالات الناس في هذه الأزمنة فيما يتعلق بولاية الرجل على أهل بيته، فلو شعر بأنه مسئول في الآخرة عن أهل بيته -أولاده ونسائه- لاهتم لهذه المسئولية وأعطاها حقها.
الأسئلة

  حكم السماح للنساء بالتسوق وحدهن
السؤال: هل ترك النساء يتسوقن في السوق وحدهن في ظل هذه المنكرات الموجودة من مخالفة حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ أفتونا مأجورين.الجواب: لا شك مع وجود كثرة المنكرات أن هذا يعتبر إهمالاً وإفساداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم منعهن من الخروج إلى المساجد إلا في حالة أن يكن تفلات، مع أنه خروج لطاعة وعبادة، وكذلك -أيضاً- قال الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] ، ومنعهن أن يخرجن إلا لحاجات ضرورية، فعلى هذا فالذين يمكنون نساءهم من دخول تلك الأسواق المزدحمة، ولا تؤمن المرأة أن تفتتن بمن تراه أو أن يفتتن بها؛ يعتبرون مهملين لهؤلاء الرعية، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح حديث كلكم راع للشيخ : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

http://audio.islamweb.net