اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء الخير للشيخ : عبد العزيز بن باز


لقاء الخير - (للشيخ : عبد العزيز بن باز)
لقد دعا الله سبحانه أمة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى التعاون على البر والتقوى، والتعاضد والتماسك فيما بينهم، وأرشد إلى الحفاظ على وحدتهم بترك الاختلاف والشقاق والنزاع، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي المسببة إلى تفريق الأمة.
حقيقة التعاون على البر والتقوى
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وخليله وأمينه على وحيه، وصفوته من خلقه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.أما بعد:فإني أشكر الله عزَّ وجلَّ على ما منّ به من هذا اللقاء بإخوة في الله في هذه الدار، وبأبناء كرام، فأسأله سبحانه أن يجعله لقاءً مباركاً، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعاً، وأن يمنحنا التوفيق لما يرضيه، والعافية من أسباب غضبه، كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه، ويُعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، كما أسأله عزَّ وجلَّ أن يوفق ولاة أمرنا في هذه البلاد لكل خير، وأن ينصر بهم الحق، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يعيذهم من بطانة السوء، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين، وأن يمن على خادم الحرمين الشريفين بالشفاء العاجل، والتوفيق لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد؛ إنه جل وعلا جواد كريم.ثم أشكر إدارة هذه الدار على دعوتي لهذا اللقاء، وأسأل الله أن يبارك في الجميع، وأن يجعل القائمين على هذه الدار من إداريين ومدرسين من أنصار دينه، ومن الدعاة إلى سبيله على بصيرة، وأن يوفق أبنائي الطلبة لكل خير، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يصلح أحوالهم ويجعلهم من أنصار الحق، إنه جلَّ وعَلا جواد كريم.أيها الإخوة والأبناء! يقول الله جلَّ وعَلا في كتابه الكريم: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] ويقول سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] .ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).فوصيتي لنفسي ولكم أيها الإخوة جميعاً ولأبنائي الطلبة: تقوى الله، وأن يستقيم الجميع على دينه، وأن يتفقهوا في دينه، وأن يؤدوا ما أوجب الله عليهم، وأن يدعوا ما حرم الله عليهم، ويتواصوا بهذا في جميع الأحوال، في الليل والنهار، في السفر والإقامة، في الصحة والمرض، علينا أن نتواصى بطاعة الله ورسوله، وبأداء حق الله وترك محارمه، وأن نتواصى بكل خير، وبترك كل شر، كما أوجب الله علينا ذلك في قوله سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] وفي قوله: إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2] أي: جميع الناس في خسران، من جن وإنس، عرب وعجم، شباب وشيب، رجال ونساء؛ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3].هؤلاء هم الرابحون، من الجن والإنس، من الرجال والنساء، من العرب والعجم، من الشباب والشيوخ، الرابحون الناجون السعداء هم الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] آمنوا بالله ورسوله، صدّقوا الله، وأنه ربهم ومعبودهم الحق، وصدّقوا رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام، وأنه رسول الله حقاً إلى جميع الثقلين الجن والإنس، وصدّقوا كل ما أخبر الله به ورسوله من أمر الآخرة، من الجنة والنار والحساب والجزاء، وغير ذلك، هكذا المؤمنون، يؤمنون بالله رباً ومعبوداً بالحق، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ومن سواه لا يُعبد، ويؤمنون بأن رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول الله حقاً إلى جميع الثقلين الجن والإنس، ويؤمنون بكل ما أخبر الله به ورسوله، مما كان وما يكون، ثم يعملون، وهكذا المؤمنون، إيمان وعمل، وذلك بأداء فرائض الله، وترك محارم الله، وذلك من الإيمان، ولكن الله نص عليه؛ لأنه أمرٌ مهم، قد يظن بعض الناس أن الإيمان مجرد التصديق بالقلوب، بل الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، لا بد من الإيمان بالقلوب، ولا بد من الإيمان بالألسنة، ولا بد من الإيمان بالعمل، بأداء فرائض الله وترك محارم الله، الإيمان عن تصديق وإخلاص لله.. عن محبة وتعظيم.. عن متابعة للرسول صلى الله عليه وسلم صادقة، فيؤدي فرائض ربه، ويدع محارمه، فلا يتم الإيمان إلا بهذا، وإذا تيسر للعبد المسارعة إلى الخيرات علاوة على الفرائض، كان ذلك من الدرجات الرفيعة، ومن أسباب أن يكون من المقربين السابقين.ثم من العمل: التواصي بالحق، وهو من الإيمان أيضاً؛ لكن الله نص عليه لعظم شأنه، وإلاَّ فهو من الإيمان، وهو من العمل؛ ولكن لما كان التواصي له شأنه العظيم في منفعة الناس، وفي نقل العلم، وفي توجيه الناس إلى الخير، نص الله عليه، قال: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3] فيجب على أهل الإيمان التواصي بالحق، ولا سيما العلماء، وطلاب العلم والقائمون على دور العلم، لا بد من التواصي بالحق والتناصح، فالأستاذ ينصح، والمدير ينصح، وكل موظف وعامل ينصح في عمله، وفيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين الناس، وهكذا الطالب ينصح في أن يجتهد في تحصيل المعلومات التي طُُلبت منه بكل صدق وبكل إخلاص، ثم يعمل ويجتهد في طلب العلم، ويجتهد في تحقيق ما أُريد منه عن نية صالحة، وعن إخلاص لله، يرجو أن ينفع الله به أمته، ويرجو أن ينفع به نفسه، فينقذها من عذاب الله، بطاعة أوامر الله، وترك نواهي الله.
 

أهمية التفقه في الدين مع المحاسبة والتوبة من المعاصي
فأنتم أيها الأبناء! مطالبون بالجد في طلب العلم، والتفقه في الدين، والعناية بما أُسند إليكم عن صدق وإخلاص، ترجون ثواب الله، وتخشون عقاب الله، وعليكم أن تحاسبوا أنفسكم، وأن تتوبوا إلى الله من كل ما مضى من تقصير وخلل، فالله جلَّ وعَلا قد فتح باب التوبة إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وهو القائل سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].وهو القائل سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25].وهو القائل جلَّ وعَلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم:8].وهو القائل سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر:53] أي: بالذنوب والمعاصي والشرك لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] فهو يدعو عباده سبحانه إلى ألا يقنطوا، يقول لهم: لا تقنطوا، أي: احذروا القنوط، والقنوط هو: اليأس من رحمة الله، واليأس منكر ولا يجوز، والله يقول: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف:87] فلا يجوز القنوط مهما عظمت الذنوب، فباب التوبة مفتوح من الشرك وما دونه، ولكل أحد؛ من الرجال والنساء، من العرب والعجم، من الجن والإنس، فباب التوبة مفتوح.فالواجب البدار بالتوبة من كل ذنب، والتوبة حقيقتها:1- الندم على الماضي من الذنوب.2- الإقلاع منها وتركها والحذر منها.3- العزم الصادق على ألا يعود فيها، تعظيماً لله، وإخلاصاًَ له، ومحبة له، وحذراً من عقابه وغضبه جلَّ وعَلا.. هكذا التوبة.التوبة ندم على الماضي من سيئاتك أيها العبد، وإقلاع منها وترك لها.. تعظيماً لله وخوفاً منه سبحانه وتعالى، وعزم صادق ألا تعود فيها عن إيمان ورغبة وإخلاص لله، وعن صدق وتعظيم.وهذه التوبة بهذه الشروط يمحو الله بها الذنوب، ويكفرها سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها).وهناك شرط رابع للتوبة إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوقين، وهو تحللهم أو إعطاؤهم حقوقهم، كالنهب والسرقة والغصب والقتل، وغير ذلك من حقوق المخلوقين، لا بد من إعطائهم حقوقهم، إن كان قتلاً، فلا بد من تمكينهم من القصاص، أو إعطائهم الدية إذا سمحوا، وإن كان مالاً أعطاهم حقهم من المال أو قيمته إذا تراضوا عليه، وهكذا جميع حقوق المخلوقين لا بد أن تؤدى إليهم، ولا تتم التوبة إلا بذلك؛ إلا إذا رضوا وسمحوا.وهذه الدار هي دار العمل.. هي دار التوبة.. هي دار الإصلاح.. هي دار النظر فيما سلف منك حتى تستدرك، وبعده لا إصلاح ولا حيلة، أنت الآن في دار العمل والواجب على كل مؤمن وعلى كل مؤمنة، وعلى كل ذكر وأنثى، وعلى الجن والإنس، الواجب على الجميع أن يحاسبوا أنفسهم، وأن ينظروا في عيوبهم وتقصيرهم وذنوبهم، وأن يتوبوا إلى الله من ذلك توبة الصادقين، توبةً نصوحاً؛ بالندم على الماضي، والإقلاع من الذنوب، والعزم الصادق على ألا يعود فيها؛ عن إيمان، وعن رغبة، وعن خوف من الله، وعن محبة وتعظيم، لا مجرد مجاملة، ولا تقليداًَ للناس، ولا رياءً وسمعة، ولكن عن صدق وإخلاص لله، ومحبة وتعظيم، يرجو ثوابه، ويخشى عقابه، وهو يدَع الذنوب خوفاً من الله وتعظيماً له، ويندم على ما مضى منها خوفاً من الله وتعظيماً له، ويعزم ألا يعود فيها عزماً صادقاً خوفاًَ من الله وتعظيماً له، ويؤدي الحقوق إلى أهلها من المخلوقين خوفاًَ من الله وتعظيماً له، أو يستحلهم منها إذا سمحوا وهم مكلفون مرشدون، فيسقط حقهم بالسماح.
 

نصائح وتوجيهات للشباب
ثم أنتم أيها الشباب لكم مستقبل، واجب عليكم أن تجتهدوا في طلب العلم النافع، والتفقه في الدين، وأن تسألوا الله أن يصلح أحوالكم، وأن يمن عليكم بالتوفيق، وأن يجعلكم هداة مهتدين، حتى ينفع الله بكم الأمةَ، وحتى تكونوا هداةً للأمة في مستقبلها.الشباب تُعَلَّق عليه آمال كبيرة في نفع الأمة، إذا أصلحه الله؛ الشيوخ يذهبون ويأتي الشباب بدلهم، فإذا أصلح الله الشباب حلوا محل آبائهم وأسلافهم الطيبين، في نصر الحق والدعوة إليه، والقيام بشئون المسلمين، والتوجيه إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم، والتحذير مما فيه هلاكهم وشقاؤهم.
 الشباب.. والمسارعة إلى الخيرات
الشباب من أسبق الناس إلى الخيرات، ومن أبعدهم عن السيئات، فهو قدوة في القول.. قدوة في العمل، كما قال جلَّ وعَلا عن الرسل وأتباعهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].وقال سبـحانـه: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:57-61] سارعوا وسبقوا.قالت عائشة رضي الله عنها: (يا رسول الله، أرأيت قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا؛ ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يُقبل منه) أي: يجتهد في الخيرات، ويعمل، ومع هذا هو خائف، لا يُعجب بعمله، ولا يمن بعمله، بل هو خائف، يعمل ويخاف ألا يُقبل منه، يخاف أن يكون قد قصَّر، يخاف أن يكون ما أدى الواجب على الكمال، هكذا المؤمن يعمل، يصلي ويخاف، يصوم ويخاف، يزكي ويخاف، يجتهد ويقول: أخشى أني قصرتُ، أخشى أني ما فعلتُ، أتى بالواجب وهو على وجل وخوف، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12].ويقول جلَّ وعَلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].فخشيته الكاملة من الرسل وأتباعهم، وهم العلماء، كل مسلم يخشى الله؛ لكن الخشية الكاملة من الرسل وأتباعهم من أهل العلم والإيمان، فالمؤمن يعمل، ويجتهد، ويخشى الله.قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].وقال: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14].وقال جلَّ وعَلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:7-8] ثم قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8].الخشية لا بد منها، عن صدق وإخلاص، تخشى الله في أعمالك كلها، ترجو ثوابه، وتخشى عقابه، وتخلص له، الطالب والأستاذ والشيخ والعجوز وغير ذلك، كل واحد واجب عليه، الشباب والشيب، الرجال والنساء، الكبار والصغار، من المكلفين، الكل يجب عليه أن يخشى الله، وأن يراقب الله في أعماله، وأن يجتهد في أداء فرائض الله، وترك محارم الله، والوقوف عند حدود الله، مع التعاون الصادق على البر والتقوى، ومع التواصي بالحق والصبر عليه.
صفات المؤمنين والمؤمنات
لقد ذكر الله في سورة التوبة صفات المؤمنين والمؤمنات على أكمل وجه، فقال سبحانه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71] هذه صفة المؤمنين والمؤمنات، وهذه أخلاقهم، أكمل أخلاق.وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ [التوبة:71] : الرجال والنساء.بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71] أي: بعضهم ولي أخيه وأخته في الله، والولي ضد العدو، الولي هو: الحبيب، وهو الصاحب، والناصح، يحب له الخير، ويكره له الشر، لا يغشه، ولا يخونه، ولا يكذب عليه، ولا يظلمه، هكذا المؤمن والمؤمنة أولياء، لا غش ولا خداع، ولا كذب ولا ظلم، ولا غير هذا من آثار السوء، بل هم أولياء متحابون في الله، متواصون بالحق، متعاونون على البر والتقوى.يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] : مع كونهم أولياء وأحبة لا يسكتون، إذا رأى من أخيه نقصاً أو منكراً أنكر عليه، أو تقصيراً في واجب أنكر عليه، هذا من مُوْجَب الولاية، ومن مقتضى الإيمان أن تنصح لأخيك، تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر.ثم الصلاة يقيمونها كما أمر الله، يحافظون عليها في أوقاتها في جماعة، ويؤدونها كاملة تامة بما فرض الله فيها، هكذا المؤمنون، شباباً وشيباً، يقيمون الصلاة كما أمر الله في أوقاتها في جماعة، ويؤدون الزكاة كما أمر الله.وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71] نص على الصلاة والزكاة؛ لأنهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والبقية تابعة؛ رمضان، والحج، والجهاد، وغيرها، كله تابع متى وحَّد الله وصدَّق رسوله صلى الله عليه وسلم، واستقام على الصلاة والزكاة أدَّى البقية، أي: إيمانه يدعوه إلى ذلك، ويمنعه مما حرم الله جلَّ وعَلا، قال تعالى: وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71] أي: في جميع ما أمر الله ورسوله.ذكر الصلاة والزكاة، ثم نص على الطاعة بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعد إخباره عنهم بأنهم أولياء، هم أولياء متحابون في الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ثم هم مع هذا يطيعون الله ورسوله في كل شيء.. في الجهاد، وفي بر الوالدين، وفي صلة الرحم، وفي ترك المعاصي، في غير هذا من وجوه الخير، قال تعالى: وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71].ثم قال سبحانه: أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71] وعدهم الرحمة على أعمالهم الطيبة وترك المعاصي، المؤمن يترك المعصية ويؤدي الواجب، فوعدهم الله الرحمة التي منها توفيقهم في الدنيا، وإعانتهم في الدنيا على الخير، ومنها: إدخالهم الجنة، ونجاتهم من النار في الآخرة.فالمؤمنون مرحومون من ربهم بسبب إيمانهم بالتوفيق في الدنيا، وبالنجاة والسعادة في الآخرة.نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأن يمنحنا الفقه في دينه، والثبات عليه، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يصلح جميع المسلمين، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن ينصر بهم الحق، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
 الشباب.. والمسارعة إلى الخيرات
الشباب من أسبق الناس إلى الخيرات، ومن أبعدهم عن السيئات، فهو قدوة في القول.. قدوة في العمل، كما قال جلَّ وعَلا عن الرسل وأتباعهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].وقال سبـحانـه: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:57-61] سارعوا وسبقوا.قالت عائشة رضي الله عنها: (يا رسول الله، أرأيت قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا؛ ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يُقبل منه) أي: يجتهد في الخيرات، ويعمل، ومع هذا هو خائف، لا يُعجب بعمله، ولا يمن بعمله، بل هو خائف، يعمل ويخاف ألا يُقبل منه، يخاف أن يكون قد قصَّر، يخاف أن يكون ما أدى الواجب على الكمال، هكذا المؤمن يعمل، يصلي ويخاف، يصوم ويخاف، يزكي ويخاف، يجتهد ويقول: أخشى أني قصرتُ، أخشى أني ما فعلتُ، أتى بالواجب وهو على وجل وخوف، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12].ويقول جلَّ وعَلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].فخشيته الكاملة من الرسل وأتباعهم، وهم العلماء، كل مسلم يخشى الله؛ لكن الخشية الكاملة من الرسل وأتباعهم من أهل العلم والإيمان، فالمؤمن يعمل، ويجتهد، ويخشى الله.قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].وقال: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14].وقال جلَّ وعَلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:7-8] ثم قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8].الخشية لا بد منها، عن صدق وإخلاص، تخشى الله في أعمالك كلها، ترجو ثوابه، وتخشى عقابه، وتخلص له، الطالب والأستاذ والشيخ والعجوز وغير ذلك، كل واحد واجب عليه، الشباب والشيب، الرجال والنساء، الكبار والصغار، من المكلفين، الكل يجب عليه أن يخشى الله، وأن يراقب الله في أعماله، وأن يجتهد في أداء فرائض الله، وترك محارم الله، والوقوف عند حدود الله، مع التعاون الصادق على البر والتقوى، ومع التواصي بالحق والصبر عليه.
الأسئلة

  حكم ترك دعاء الاستفتاح في الصلاة
السؤال: إذا دخلت مع الإمام قبيل الركوع بقليل، فهل أترك دعاء الاستفتاح لأتمكن من قراءة الفاتحة أم ماذا؟الجواب: نعم، تبدأ بالفاتحة أهم؛ لأن الاستفتاح مستحب، حتى لعلك تدركها، فإن فاتت مع الإمام فلا بأس.المأموم لا حرج عليه، إذا لم يدرك الفاتحة يركع مع الإمام وتجزئه الركعة، والحمد لله، كما جاء في حديث أبي بكرة رضي الله عنه.وفق الله الجميع، وأصلح أعمال الجميع.وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لقاء الخير للشيخ : عبد العزيز بن باز

http://audio.islamweb.net