اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حضارة العبيد للشيخ : محمد حسان


حضارة العبيد - (للشيخ : محمد حسان)
إن الناظر إلى الحضارة العالمية اليوم بقيادة الرجل الغربي يرى البون الشاسع والفرق الواضح بين حضارة الإسلام وبين هذه الحضارة المتعفنة، بل لا يجد وجهاً للمقارنة.. فشتان ما بين الثرى والثريا.. شتان بين حضارة العبيد وبين حضارة الأحرار الأطهار، فقد اعتمد الغرب الكافر في حضارته اليوم على الجانب المادي، متناسياً ومجانباً للجانب الروحي، ولا قوام لأي حضارة إلا بهذين العنصرين معاً.
كلمات لها مغزى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسال الله جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا الجمع المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (إنها حضارة العبيد) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، فأعيروني القلوب والأسماع؛ فإن هذا الموضوع في هذه الأزمة الحرجة التي تمر بها أمتنا من الأهمية بمكان، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية:أولاً: كلمات لها مغزى. ثانياً: حضارة العبيد.ثالثاً: حضارة الإسلام والإنسانية الواحدة.رابعاً: حضارة الإسلام والأخلاق الفريدة الفذة.خامساً: حضارة الإسلام والرفق بالحيوان.وأخيراً: أمانة أطوق بها الأعناق.أخي! أعرني قلبك وسمعك فإن هذا الموضوع في هذا الظرف الحرج من الأهمية بمكان.أولاً: كلمات لها مغزى: أستهل بها الحديث عن هذا الموضوع الخطير الهام، وأقول: لا حاضر لأمةٍ تجهل ماضيها، ولا مستقبل لأمة تنسى فضائلها، وإذا كان الوقوف أمام الماضي للبكاء والنحيب عليه هو شغل الفارغين العاطلين التافهين، فإن ازدراء الماضي بكل ما فيه من خير ونور هو شأن الحاقدين والجاهلين!!ومن السفه أن تنطلي علينا الآن خطط الأعداء الذين حاولوا بكل سبيل أن يحولوا بين أجيال الأمة المعاصرة وبين الماضي المشرق المجيد؛ حتى لا تستمد الأجيال من الماضي المجيد المشرق نوراً يضيء لها طريق المستقبل، وشعلة توقد دروب الحياة، ودماء تتدفق في عروق المستقبل والأجيال.إن كل أمة من أمم الأرض تعتز بماضيها، ولو كان أسود مظلماً كظلام الليل، وتعقد له الاحتفالات، بل وتمنح أبناءها في الوظائف الرسمية العطلات والإجازات لذلك، وإن أحق أمم الأرض بهذا الاعتزاز والفخار بجدارة واقتدار، بل وبشهادة العزيز الغفار، هي أمة نبينا المختار، قال سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]. فَكّرْ جيداً -أيها الحبيب!- في هذه الكلمات؛ لتعلم أنه من الخطر العظيم أن يحال بين ماضينا المشرق وبين مستقبلنا، أسأل الله أن يجعله مستقبلاً زاهراً للإسلام والمسلمين.
 

حضارة العبيد
ثانياً: حضارة العبيد: نعم. إنها حضارة العبيد، إنها الحضارة الخاوية الروح.. إنها الحضارة التي يمتطي جوادها الآن الرجل الغربي؛ ليسوم البشرية كلها سوء العذاب، فلقد شهدت البشرية اليوم في ظل حضارة العبيد من الوحشية ما لا يمكن على الإطلاق أن تجسده كلمات قواميس اللغة!!إن البشرية الآن تشهد من صنوف الوحشية والبربرية في ظل حضارة الرجل الغربي الذي تقدم ليقود العالم كله في ظل تأخر أمة القيادة، تشهد البشرية اليوم من صنوف الوحشية والبربرية والهمجية على يد الرجل الغربي ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها في عالم الغابات.ليست مبالغة، وما عليك إلا أن تنظر إلى الواقع المرير للبشرية المنكودة التي حادت عن منهج ربها ومنهج نبيها صلى الله عليه وآله وسلم.
  أمثلة حية تجسد حضارة الإسلام
جاء في الصحيحين: أن امرأة شريفة من بني مخزوم سرقت، فغضبت قريش وحزنت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يقيم عليها الحد ويقطع يدها، فقالوا: لا، لابد أن يشفع أحد عند رسول الله في هذه المرأة الشريفة حتى لا تقطع يدها فبحثوا: عمن يشفع فقالوا: إنه الحب ابن الحب أسامة بن زيد ، فانطلق أسامة بقلب رقيق ليشفع لهذه المرأة المخزومية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟! وارتقى النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وهو غاضب وقال: أيها الناس! إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).إنه التطبيق العملي للمساواة، وللإنسانية الواحدة!وهذا أبو ذر الغفاري ، رجل من غفار أبيض اللون، وهذا بلال الحبشي رجل من الحبشة أسمر اللون، وكلاهما من أصحاب رسول الله الأخيار، حدث بينهما خلاف واحتد الخلاف، فنظر أبو ذر لـبلال وقال له: يا ابن السوداء! فغضب بلال ، وأنطلق إلى سيد الرجال صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما قال أبو ذر ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، والتفت إلى أبي ذر رضي الله عنه وقال: (أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) -والحديث في الصحيحين- فندم أبو ذر وبكى.انظر إلى هذا الأفق الوضيء، وإلى هذه القمة السامقة التي جسدت هذا الندم حينما وضع أبو ذر خده على الأرض، واستحلف بلالاً رضي الله عنه أن يطأ بنعله على خده الآخر.إنه الإسلام، إنها الحضارة الإسلامية!!أيها الأحبة: لو استطردت في ذكر هذه الأمثلة لطالت الوقفة جداً، واسمحوا لي أن أُذَكِّر أيضاً بهذا المشهد، وتمنيت أن لو سمعه كل زعماء الغرب الفجرة، إنه عمر، وما أدراكم ما عمر؟! عمر بن الخطاب الذي رأى قافلة تدنو من المدينة في الليل، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : يا عبد الرحمن ! هل لك في أجر الليلة؟ قال: ماذا تريد يا أمير المؤمنين؟ فقال: تعال بنا لنحرس هذه القافلة الليلة!!يقول هذا وهو أمير المؤمنين!! فليسمع العالم كله، ولتسمع الحضارة الغربية الكاذبة هذه النّزعة الإنسانية الفريدة!! ويقوم عمر وعبد الرحمن بن عوف يصليان ويحرسان، وفجأة سمع عمر بكاء صبي في القافلة، فدنا عمر من صوت بكاء الصبي، ثم نادى على أم الصبي وقال: اتق الله وأحسني إلى صبيك.طفل يبكي فيحرك قلب الحاكم.. طفل يبكي عند أمه وهي أقرب الناس إليه فيتحرك له قلب أمير المؤمنين.قلب حاكم الدولة يتحرك لبكاء طفل بين أحضان أمه، لا أقول: بين أحضان القنابل والطائرات والدبابات والرشاشات والغابات، بل بين أحضان أمه! فيقترب عمر ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم ينصرف لصلاته، وبعد فترة يسمع بكاء الصبي مرة ثانية، فيدنو عمر من الأم ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم يرجع إلى صلاته، وفي المرة الثالثة يسمع بكاء الصبي فيرجع إلى المرأة ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك فإني أراك أم سوء، فقالت: يا عبد الله! لقد أبرمتني منذ الليلة -أي: لقد أزعجتني، وهي لا تعرف من تخاطب- إنني أفطم الولد عن الثدي كرهاً، فقال عمر : ولم تستعجليه؟ فقالت: لأن عمر بن الخطاب لا يبرم عطاءً إلا لمن فطم عن الرضاعة، فبكى عمر ، وانخلع قلبه لهذه الكلمة، وعاد يجر ثوبه وهو يبكي.يقول عبد الرحمن بن عوف: فما سمع أحد منه قراءة -أي: ما عرف الناس قراءته- في صلاة الفجر من شده بكائه فلما فرغ من صلاته قبض على لحيته وبكى وقال: ويل لـعمر .. يا بؤساً لـعمر .. كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟!كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟! فلتسمع الدنيا.. فليسمع قادة الغرب.. وليسمع قادة المسلمين. ثم يأمر عمر بن الخطاب المنادي أن يمشي بين الناس ويقول: لا تستعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نبرم العطاء لكل من ولد في الإسلام منذ أول يوم! إنها عظمة الإسلام.. إنها الإنسانية الفذة! إنها صورة سامقة مهما أوتيت من البلاغة والفصاحة فلن أستطيع أن أجسد لحضراتكم هذه النّزعة الإنسانية التي جاءت بها حضارة الإسلام، والتي أصَّل قواعدها وأسس بنيانها محمد عليه الصلاة والسلام، وأكتفي بهذا القدر لأُعَرِّجَ على بقية العناصر في عجالة سريعة بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الحضارة الإسلامية والنزعة الأخلاقية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.أما بعد: فيا أيها الأحبة! عنصرنا الرابع من عناصر هذا اللقاء: الحضارة الإسلامية والنّزعة الأخلاقية، وستعجب إذا قلت لك أيها الحبيب: إن الإسلام كان فريداً في أخلاقه حتى عَلَى أرض المعارك وفي ميادين الحروب، مع أن رؤية الدم تثير الدم، ومع أن القتال يثير الحمية في النفوس والانتقام، وبالرغم من ذلك كله أقول: إن الإسلام كان فريداً في أخلاقه حتى في ميادين القتال والحروب الله أكبر.(يغضب النبي حينما يرى امرأة قد قتلت في الميدان، ويأمر الصحابة ألا يفعلوا ذلك)، ويأمر الصديق جيش أسامة ويقول: لا تقتلوا شيخاً، ولا امرأة، ولا رجلاً تفرغ للعبادة في صومعته، ولا تقطعوا شجرة، ولا تذبحوا بقرة إلا للأكل.هذه مُثُلُ الإسلام حتى في عالم الحروب والمعارك.بل ولا يعلم التاريخ أحداً فُعلَ به من الأذى والاضطهاد ما فُعلَ في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. أوذي في مكة.. وضع التراب على رأسه.. وضعت النجاسة على ظهره.. خنق حتى كادت أنفاسه أن تخرج.. طرد من بلده.. حرم من بيته وماله.. أوذي أصحابه أشد الإيذاء، وبالرغم من ذلك، وبعد أن ترك بلده ووطنه وهاجر إلى المدينة ما تركه المشركون حتى في المدينة، بل جردوا عليه السيوف ورفعوها، ولما عاد النبي صلى الله عليه وسلم منتصراً في يوم فتح مكة، ووقف أهل مكة جميعاً بين يديه، قال لهم صاحب الخلق: (ماذا تظنون أَنِّي فاعل بكم؟! قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أقول لكم ما قاله أَخِي يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف:92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وللأمانة العلمية أقول: إن هذا الحديث ضعيف.سبحان الله! حتى في هذه الأوقات الحرجة؟! انظروا إلى أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم: (عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف بعد أن رمي بالحجارة وطرد، وفعل به أهل الطائف أبشع ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، ونزل إليه ملك الجبال وقال له: مرني بما شئت يا رسول الله -فماذا قال صاحب الخلق في هذه الأوقات التي قد يميل القلب فيها إلى التشفي والانتقام، إذ إن الإنسان يشعر بالظلم- فقال: إني لم أبعث لعاناً ولا فحاشاً، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).وطبق الصحابة والمسلمون هذه المبادئ أعظم تطبيق شهدته الأرض وعرفه التاريخ.انظروا ماذا فعل المسلمون يوم أن امتدت الفتوح الإسلامية إلى بلاد سمرقند في عهد عمر بن عبد العزيز ، وأرسل حاكم سمرقند رسالة إلى قاضي القضاة يخبره بأن الفتح الإسلامي لسمرقند فتح باطل؛ لأنهم دخلوا عليهم عنوة، ولم يفرضوا عليهم جزية، ولم ينذروهم بالقتال، وأرسل قاض القضاة إلى عمر بن عبد العزيز ليخبره بذلك، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن أمر قائد الجيوش في سمرقند بالانسحاب فوراً، ولما علم أهل سمرقند أن الجيش قد انسحب بأمر أمير المؤمنين عمر ، خرج أهل سمرقند عن بكرة أبيهم بين يدي الجيش الفاتح المنتصر؛ ليعلنوا جميعاً شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. تاريخ الحروب الإسلامية تاريخ مشرف، فليقرأ الناس التاريخ، وليقفوا جميعاً أمام عبر هذا التاريخ، وأنتم تعلمون ما فعله صلاح الدين بالصليبيين، وتعلمون أنه قدم طبيبه الخاص في أرض المعركة لقائد الحملة الصليبية، لما سمع أنه مريض ولا يوجد من يبذل له الدواء والعلاج، فأرسل له صلاح الدين طبيبه الخاص ليبذل له الدواء والعلاج.ولما صرخت امرأة نصرانية، ورمت بنفسها على خيمة صلاح الدين في الليل، سألها ما الخبر؟ فأخبرته أن أحد أفراد الجيش قد أخذ ولدها، فأمر صلاح الدين أن يرد الجيش -بأي سبيل- هذا الطفل، ولم يهدأ حتى اطمأن بنفسه أن المرأة قد رد إليها طفلها. وتعلمون ما فعله محمد الفاتح بالنصارى الصليبيين في كنيسة -آيا صوفيا- حينما فتح القسطنطينية، فعل ما سيقف التاريخ أمامه وقفة إعزاز وإجلال وإكبار.اقرءوا التاريخ لتعرفوا ما فعله هؤلاء الأطهار الأبرار حتى في المعارك والحروب والميادين. لقد ضرب الإسلام أروع الأمثال في السماحة حتى في أرض المعارك التي تثير فيها رؤية الدم الدماء، وينتشي القادة الفاتحون بسكرة النصر للتشفي والانتقام، ولكن هذا لم يحدث في ظل حضارة الإسلام التي أصل أصولها وأسس بنيانها محمد عليه الصلاة والسلام.
  أمثلة حية تجسد حضارة الإسلام
جاء في الصحيحين: أن امرأة شريفة من بني مخزوم سرقت، فغضبت قريش وحزنت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يقيم عليها الحد ويقطع يدها، فقالوا: لا، لابد أن يشفع أحد عند رسول الله في هذه المرأة الشريفة حتى لا تقطع يدها فبحثوا: عمن يشفع فقالوا: إنه الحب ابن الحب أسامة بن زيد ، فانطلق أسامة بقلب رقيق ليشفع لهذه المرأة المخزومية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟! وارتقى النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وهو غاضب وقال: أيها الناس! إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).إنه التطبيق العملي للمساواة، وللإنسانية الواحدة!وهذا أبو ذر الغفاري ، رجل من غفار أبيض اللون، وهذا بلال الحبشي رجل من الحبشة أسمر اللون، وكلاهما من أصحاب رسول الله الأخيار، حدث بينهما خلاف واحتد الخلاف، فنظر أبو ذر لـبلال وقال له: يا ابن السوداء! فغضب بلال ، وأنطلق إلى سيد الرجال صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما قال أبو ذر ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، والتفت إلى أبي ذر رضي الله عنه وقال: (أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) -والحديث في الصحيحين- فندم أبو ذر وبكى.انظر إلى هذا الأفق الوضيء، وإلى هذه القمة السامقة التي جسدت هذا الندم حينما وضع أبو ذر خده على الأرض، واستحلف بلالاً رضي الله عنه أن يطأ بنعله على خده الآخر.إنه الإسلام، إنها الحضارة الإسلامية!!أيها الأحبة: لو استطردت في ذكر هذه الأمثلة لطالت الوقفة جداً، واسمحوا لي أن أُذَكِّر أيضاً بهذا المشهد، وتمنيت أن لو سمعه كل زعماء الغرب الفجرة، إنه عمر، وما أدراكم ما عمر؟! عمر بن الخطاب الذي رأى قافلة تدنو من المدينة في الليل، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : يا عبد الرحمن ! هل لك في أجر الليلة؟ قال: ماذا تريد يا أمير المؤمنين؟ فقال: تعال بنا لنحرس هذه القافلة الليلة!!يقول هذا وهو أمير المؤمنين!! فليسمع العالم كله، ولتسمع الحضارة الغربية الكاذبة هذه النّزعة الإنسانية الفريدة!! ويقوم عمر وعبد الرحمن بن عوف يصليان ويحرسان، وفجأة سمع عمر بكاء صبي في القافلة، فدنا عمر من صوت بكاء الصبي، ثم نادى على أم الصبي وقال: اتق الله وأحسني إلى صبيك.طفل يبكي فيحرك قلب الحاكم.. طفل يبكي عند أمه وهي أقرب الناس إليه فيتحرك له قلب أمير المؤمنين.قلب حاكم الدولة يتحرك لبكاء طفل بين أحضان أمه، لا أقول: بين أحضان القنابل والطائرات والدبابات والرشاشات والغابات، بل بين أحضان أمه! فيقترب عمر ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم ينصرف لصلاته، وبعد فترة يسمع بكاء الصبي مرة ثانية، فيدنو عمر من الأم ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم يرجع إلى صلاته، وفي المرة الثالثة يسمع بكاء الصبي فيرجع إلى المرأة ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك فإني أراك أم سوء، فقالت: يا عبد الله! لقد أبرمتني منذ الليلة -أي: لقد أزعجتني، وهي لا تعرف من تخاطب- إنني أفطم الولد عن الثدي كرهاً، فقال عمر : ولم تستعجليه؟ فقالت: لأن عمر بن الخطاب لا يبرم عطاءً إلا لمن فطم عن الرضاعة، فبكى عمر ، وانخلع قلبه لهذه الكلمة، وعاد يجر ثوبه وهو يبكي.يقول عبد الرحمن بن عوف: فما سمع أحد منه قراءة -أي: ما عرف الناس قراءته- في صلاة الفجر من شده بكائه فلما فرغ من صلاته قبض على لحيته وبكى وقال: ويل لـعمر .. يا بؤساً لـعمر .. كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟!كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟! فلتسمع الدنيا.. فليسمع قادة الغرب.. وليسمع قادة المسلمين. ثم يأمر عمر بن الخطاب المنادي أن يمشي بين الناس ويقول: لا تستعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نبرم العطاء لكل من ولد في الإسلام منذ أول يوم! إنها عظمة الإسلام.. إنها الإنسانية الفذة! إنها صورة سامقة مهما أوتيت من البلاغة والفصاحة فلن أستطيع أن أجسد لحضراتكم هذه النّزعة الإنسانية التي جاءت بها حضارة الإسلام، والتي أصَّل قواعدها وأسس بنيانها محمد عليه الصلاة والسلام، وأكتفي بهذا القدر لأُعَرِّجَ على بقية العناصر في عجالة سريعة بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
حضارة الإسلام والرفق بالحيوان
وهنا نأتي إلى حضارة الإسلام والرفق بالحيوان، فحتى الحيوان لم يغفل عنه الإسلام، وقبل أن تتغنى أوروبا وأمريكا بجمعيات الرفق بالحيوان أَصل الإسلام أصول الرفق بالحيوان، ففي الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (دخلت امرأة النار في هرة لا هي أطعمتها ولا هي تركتها لتأكل من خشاش الأرض) أي: حبستها حتى ماتت فدخلت النار من أجلها.وقبل أن تتغنى أوروبا وأمريكا بالرفق بالحيوان، جاء في الصحيح: (أن بغياً -امرأة زانية- من بغايا بني إسرائيل مرت على بئر فشربت منه، ثم مر عليها كلب يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فقالت: لقد وقع العطش بهذا الكلب مثل ما وقع بي، فعادت البغي إلى البئر فملأت موقها -أي: خفها- ماء وقدمت إلى الكلب فشرب، فغفر الله لها بذلك غفر الله لها ) من أجل كلب.وأنا أقول: أيها الأحبة: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا؟!!
  أمثلة حية تجسد حضارة الإسلام
جاء في الصحيحين: أن امرأة شريفة من بني مخزوم سرقت، فغضبت قريش وحزنت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يقيم عليها الحد ويقطع يدها، فقالوا: لا، لابد أن يشفع أحد عند رسول الله في هذه المرأة الشريفة حتى لا تقطع يدها فبحثوا: عمن يشفع فقالوا: إنه الحب ابن الحب أسامة بن زيد ، فانطلق أسامة بقلب رقيق ليشفع لهذه المرأة المخزومية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟! وارتقى النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وهو غاضب وقال: أيها الناس! إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).إنه التطبيق العملي للمساواة، وللإنسانية الواحدة!وهذا أبو ذر الغفاري ، رجل من غفار أبيض اللون، وهذا بلال الحبشي رجل من الحبشة أسمر اللون، وكلاهما من أصحاب رسول الله الأخيار، حدث بينهما خلاف واحتد الخلاف، فنظر أبو ذر لـبلال وقال له: يا ابن السوداء! فغضب بلال ، وأنطلق إلى سيد الرجال صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما قال أبو ذر ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، والتفت إلى أبي ذر رضي الله عنه وقال: (أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) -والحديث في الصحيحين- فندم أبو ذر وبكى.انظر إلى هذا الأفق الوضيء، وإلى هذه القمة السامقة التي جسدت هذا الندم حينما وضع أبو ذر خده على الأرض، واستحلف بلالاً رضي الله عنه أن يطأ بنعله على خده الآخر.إنه الإسلام، إنها الحضارة الإسلامية!!أيها الأحبة: لو استطردت في ذكر هذه الأمثلة لطالت الوقفة جداً، واسمحوا لي أن أُذَكِّر أيضاً بهذا المشهد، وتمنيت أن لو سمعه كل زعماء الغرب الفجرة، إنه عمر، وما أدراكم ما عمر؟! عمر بن الخطاب الذي رأى قافلة تدنو من المدينة في الليل، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : يا عبد الرحمن ! هل لك في أجر الليلة؟ قال: ماذا تريد يا أمير المؤمنين؟ فقال: تعال بنا لنحرس هذه القافلة الليلة!!يقول هذا وهو أمير المؤمنين!! فليسمع العالم كله، ولتسمع الحضارة الغربية الكاذبة هذه النّزعة الإنسانية الفريدة!! ويقوم عمر وعبد الرحمن بن عوف يصليان ويحرسان، وفجأة سمع عمر بكاء صبي في القافلة، فدنا عمر من صوت بكاء الصبي، ثم نادى على أم الصبي وقال: اتق الله وأحسني إلى صبيك.طفل يبكي فيحرك قلب الحاكم.. طفل يبكي عند أمه وهي أقرب الناس إليه فيتحرك له قلب أمير المؤمنين.قلب حاكم الدولة يتحرك لبكاء طفل بين أحضان أمه، لا أقول: بين أحضان القنابل والطائرات والدبابات والرشاشات والغابات، بل بين أحضان أمه! فيقترب عمر ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم ينصرف لصلاته، وبعد فترة يسمع بكاء الصبي مرة ثانية، فيدنو عمر من الأم ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم يرجع إلى صلاته، وفي المرة الثالثة يسمع بكاء الصبي فيرجع إلى المرأة ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك فإني أراك أم سوء، فقالت: يا عبد الله! لقد أبرمتني منذ الليلة -أي: لقد أزعجتني، وهي لا تعرف من تخاطب- إنني أفطم الولد عن الثدي كرهاً، فقال عمر : ولم تستعجليه؟ فقالت: لأن عمر بن الخطاب لا يبرم عطاءً إلا لمن فطم عن الرضاعة، فبكى عمر ، وانخلع قلبه لهذه الكلمة، وعاد يجر ثوبه وهو يبكي.يقول عبد الرحمن بن عوف: فما سمع أحد منه قراءة -أي: ما عرف الناس قراءته- في صلاة الفجر من شده بكائه فلما فرغ من صلاته قبض على لحيته وبكى وقال: ويل لـعمر .. يا بؤساً لـعمر .. كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟!كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟! فلتسمع الدنيا.. فليسمع قادة الغرب.. وليسمع قادة المسلمين. ثم يأمر عمر بن الخطاب المنادي أن يمشي بين الناس ويقول: لا تستعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نبرم العطاء لكل من ولد في الإسلام منذ أول يوم! إنها عظمة الإسلام.. إنها الإنسانية الفذة! إنها صورة سامقة مهما أوتيت من البلاغة والفصاحة فلن أستطيع أن أجسد لحضراتكم هذه النّزعة الإنسانية التي جاءت بها حضارة الإسلام، والتي أصَّل قواعدها وأسس بنيانها محمد عليه الصلاة والسلام، وأكتفي بهذا القدر لأُعَرِّجَ على بقية العناصر في عجالة سريعة بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
أمانة أطوق بها الأعناق
وأخيراً أيها الأحبة! فهذه أمانة أطوق بها الأعناق.. أطوق بها الأعناق، أطوق بها أعناق حكامنا.. أطوق بها أعناق علمائنا.. أطوق بها أعناق المسلمين والمسلمات في كل مكان.. أن يظهر حكامنا هذا الإسلام وحقيقته بعدم محاربته بعدم الصد عن سبيل الله، وأن يعلنوا للعالم كله -إذ إن القضية في أيديهم في المقام الأول- حقيقة الإسلام، وأنا أتألم أشد الألم حينما أرى حكام المسلمين في كل مؤتمر من المؤتمرات، بمناسبة وبدون مناسبة، لا يتكلمون إلا عن التطرف والإرهاب.إذاً: ستوصمون أنتم أمام الغربيين بذلك، فدعوكم من هذه النغمة الممجوجة، وبينوا للعالم كله حقيقة الإسلام، وعظمة الإسلام، وعدالة الإسلام، ورحمة الإسلام، وإن وقع من بعض المسلمين بعض الأخطاء فلا ينبغي أبداً أن نركز المجاهر المكبرة على هذه الأخطاء؛ لنعلق على هذه الشماعة الظلم السياسي، والظلم الاجتماعي، والاستبداد الأخلاقي، والفساد الطبقي: تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم:22].سبحان الله! هذه الأفعال تمارس في كل ساعة على خشبة المسرح العالمي، فأين أنتم من التطرف اليهودي في فلسطين؟!!أين أنتم من التطرف الصربي في البوسنة؟!!أين أنتم من التطرف الوثني الشيوعي في الشيشان؟!أين أنتم من التطرف الوثني البقري في كشمير؟!!أين أنتم من التطرف في طاجكستان.. في الصومال.. في كل مكان؟!لا ينبغي أن تركز المجاهر المكبرة على بعض الأخطاء التي قد يقع فيها بعض الشباب، وإنما ينبغي أن نفتح صدورنا لهؤلاء الشباب، وأن يفسح المجال للعلماء المخلصين والدعاة الصادقين ليبينوا الحق لهؤلاء الشباب وليأخذوا بأيديهم إلى ما جاء به الإسلام من عظمة وخلق وعدل ورحمة.هذه أمانة أطوق بها أعناق العلماء: يا علماء الأمة! أنتم مشاعل الهداية، إننا في وقت لا وقت فيه ولا مجال فيه للنفاق ولا للتملق ولا للمداهنة، ولو دامت الكراسي لأحد ما وصلت إليكم.إن الكراسي زائلة، وإن المناصب فانية، وإن أعظم خدمة الآن تقدمونها لدين الله أن تصدقوا الحكام النصيحة، وأن تبذلوا النصيحة الصادقة بأدب.نعم بأدب، فنحن لا نخرج عن قواعد الأدب، بل بأدب وبإجلال وبتواضع واحترام، فلا ينبغي أن تجترنا عنتريتنا على المنابر أو هنا أو هناك لنسفه هذا أو ذاك، لا أبداً، إنما أقول: نبذل النصيحة -أيها العلماء- لهؤلاء الحكام بأدب وإخلاص وبصدق، فإن الوقت لا مجال فيه ألبتة للتملق ولا للمداراة ولا للمداهنة. وأنتم أيها المسلمون! اشهدوا لهذا الإسلام بسلوككم.. بأخلاقكم.. بأعمالكم.. كفانا خطباً، إن الإسلام لن نعيده للأرض بالخطب الرنانة، ولا بالمواعظ المؤثرة، إنما أنت أيها المسلم، وأنت أيتها المسلمة، حولوا الإسلام إلى الواقع، انقلوا الإسلام من المساجد إلى كل مناهج ومناخ الحياة، فلير العالم كله كيف أن المسلمين قد ارتقوا بإسلامهم، إذ إن العالم يحكم الآن على الإسلام من خلال واقعكم أنتم أيها المسلمون، فليشهد الطبيب لإسلامه، وليشهد المهندس لإسلامه، وليشهد العالم لإسلامه، وليشهد الموظف لإسلامه، وليشهد المدرس لإسلامه، ولتشهد المرأة لإسلامها، لابد أن نحول الإسلام في حياتنا كلها إلى منهج حياة وإلى واقع يتحرك في دنيا الناس. اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً.. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين.. اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين.. اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.. ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً.اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم ألف بين قلوبنا، ووحد بين صفوفنا!اللهم إنا نسألك النصرة والعزة والتمكين لإخواننا.. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان.. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان.. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان.. اللهم شتت شمل الصرب يا قوي يا متين!اللهم سلط الكروات على الصرب، وسلط الصرب على الكروات، وأخرج أهل البوسنة والمسلمين من بينهم سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين.. اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين وإجرام المنافقين المجرمين. اللهم ارفع مقتك وغضبك عن الأمة يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه يا منقذ الغرقى! ويا منجي الهلكى! ويا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! ويا دائم المعروف! يا غياث المستغيثين! ويا مفرج الكرب عن المكروبين! ويا كاشف الهم عن المهمومين! فرج الكرب عن أمة سيد النبيين.اللهم فرج كرب أمة سيد النبيين.. اللهم فرج كرب أمة سيد النبيين، وردها إلى الحق رداً جميلاً يا أرحم الراحمين!اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء! اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين برحمتك يا أرحم الراحمين! أيها الأحبة! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو لحن أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
  أمثلة حية تجسد حضارة الإسلام
جاء في الصحيحين: أن امرأة شريفة من بني مخزوم سرقت، فغضبت قريش وحزنت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يقيم عليها الحد ويقطع يدها، فقالوا: لا، لابد أن يشفع أحد عند رسول الله في هذه المرأة الشريفة حتى لا تقطع يدها فبحثوا: عمن يشفع فقالوا: إنه الحب ابن الحب أسامة بن زيد ، فانطلق أسامة بقلب رقيق ليشفع لهذه المرأة المخزومية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟! وارتقى النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وهو غاضب وقال: أيها الناس! إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).إنه التطبيق العملي للمساواة، وللإنسانية الواحدة!وهذا أبو ذر الغفاري ، رجل من غفار أبيض اللون، وهذا بلال الحبشي رجل من الحبشة أسمر اللون، وكلاهما من أصحاب رسول الله الأخيار، حدث بينهما خلاف واحتد الخلاف، فنظر أبو ذر لـبلال وقال له: يا ابن السوداء! فغضب بلال ، وأنطلق إلى سيد الرجال صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما قال أبو ذر ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، والتفت إلى أبي ذر رضي الله عنه وقال: (أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) -والحديث في الصحيحين- فندم أبو ذر وبكى.انظر إلى هذا الأفق الوضيء، وإلى هذه القمة السامقة التي جسدت هذا الندم حينما وضع أبو ذر خده على الأرض، واستحلف بلالاً رضي الله عنه أن يطأ بنعله على خده الآخر.إنه الإسلام، إنها الحضارة الإسلامية!!أيها الأحبة: لو استطردت في ذكر هذه الأمثلة لطالت الوقفة جداً، واسمحوا لي أن أُذَكِّر أيضاً بهذا المشهد، وتمنيت أن لو سمعه كل زعماء الغرب الفجرة، إنه عمر، وما أدراكم ما عمر؟! عمر بن الخطاب الذي رأى قافلة تدنو من المدينة في الليل، فقال لـعبد الرحمن بن عوف : يا عبد الرحمن ! هل لك في أجر الليلة؟ قال: ماذا تريد يا أمير المؤمنين؟ فقال: تعال بنا لنحرس هذه القافلة الليلة!!يقول هذا وهو أمير المؤمنين!! فليسمع العالم كله، ولتسمع الحضارة الغربية الكاذبة هذه النّزعة الإنسانية الفريدة!! ويقوم عمر وعبد الرحمن بن عوف يصليان ويحرسان، وفجأة سمع عمر بكاء صبي في القافلة، فدنا عمر من صوت بكاء الصبي، ثم نادى على أم الصبي وقال: اتق الله وأحسني إلى صبيك.طفل يبكي فيحرك قلب الحاكم.. طفل يبكي عند أمه وهي أقرب الناس إليه فيتحرك له قلب أمير المؤمنين.قلب حاكم الدولة يتحرك لبكاء طفل بين أحضان أمه، لا أقول: بين أحضان القنابل والطائرات والدبابات والرشاشات والغابات، بل بين أحضان أمه! فيقترب عمر ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم ينصرف لصلاته، وبعد فترة يسمع بكاء الصبي مرة ثانية، فيدنو عمر من الأم ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم يرجع إلى صلاته، وفي المرة الثالثة يسمع بكاء الصبي فيرجع إلى المرأة ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك فإني أراك أم سوء، فقالت: يا عبد الله! لقد أبرمتني منذ الليلة -أي: لقد أزعجتني، وهي لا تعرف من تخاطب- إنني أفطم الولد عن الثدي كرهاً، فقال عمر : ولم تستعجليه؟ فقالت: لأن عمر بن الخطاب لا يبرم عطاءً إلا لمن فطم عن الرضاعة، فبكى عمر ، وانخلع قلبه لهذه الكلمة، وعاد يجر ثوبه وهو يبكي.يقول عبد الرحمن بن عوف: فما سمع أحد منه قراءة -أي: ما عرف الناس قراءته- في صلاة الفجر من شده بكائه فلما فرغ من صلاته قبض على لحيته وبكى وقال: ويل لـعمر .. يا بؤساً لـعمر .. كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟!كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟! فلتسمع الدنيا.. فليسمع قادة الغرب.. وليسمع قادة المسلمين. ثم يأمر عمر بن الخطاب المنادي أن يمشي بين الناس ويقول: لا تستعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نبرم العطاء لكل من ولد في الإسلام منذ أول يوم! إنها عظمة الإسلام.. إنها الإنسانية الفذة! إنها صورة سامقة مهما أوتيت من البلاغة والفصاحة فلن أستطيع أن أجسد لحضراتكم هذه النّزعة الإنسانية التي جاءت بها حضارة الإسلام، والتي أصَّل قواعدها وأسس بنيانها محمد عليه الصلاة والسلام، وأكتفي بهذا القدر لأُعَرِّجَ على بقية العناصر في عجالة سريعة بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حضارة العبيد للشيخ : محمد حسان

http://audio.islamweb.net