اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ما هي العبادة ومن نعبد للشيخ : محمد حسان


ما هي العبادة ومن نعبد - (للشيخ : محمد حسان)
العبادة من أجلها خلق الله السماوات والأرض، والجنة والنار، ومن أجلها أرسل الرسل، وأنزل الكتب، والعبادة تسع الحياة كلها، فحياة المؤمن كلها عبادة إن صحت النية، وكانت العبادة الظاهرة أو الباطنة موافقة لهدي النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم.
معنى العبادة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.أحبتي في الله! إن الغاية العظيمة التي من أجلها خلقنا قد بينها لنا ربنا جل وعلا في قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، والعبادة -أيها الأحبة الكرام- ليست أمراً على هامش الحياة، ولكنها الأصل الأول الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، ومن أجله أنزل الكتب، وأرسل جميع الرسل، ومع ذلك فإن كثيراً ممن ينتسبون الآن إلى الإسلام لا يعرفون شيئاً عن هذه الغاية التي من أجلها خلقوا، ولأجلها ابتعثوا!فأردت في هذه الأيام الطيبة المباركة أن أذكر نفسي وأحبابي بهذه الغاية العظيمة، وفي زمان الفتن والشهوات والشبهات تحولت تلك الغاية العظيمة في حياة كثير من الناس إلى أمر هامشي في الحياة.فما هي العبادة؟ ومن نعبد؟ ولماذا نعبد؟ وبماذا نعبد؟الإجابة على هذه الأسئلة الأربعة هو موضوع كلمتنا في هذه اللحظات بإيجاز شديد.أولاً: العبادة في اللغة: الذل، يقال: طريق معبد، أي: طريق مذلل قد وطأته الأقدام، ولكن العبادة التي أمرنا بها الله عز وجل تقتضي إلى جانب الذل: الحب، فهي كما قال شيخ الإسلام : كمال الذل لله مع كمال الحب لله جل وعلا، وقد عرفها رحمه الله تعالى بقوله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين وجهاد المنافقين والمشركين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والتوكل والتفويض والرجاء والإنابة والخشية والاستعانة كل هذا من العبادة.إذاً: العبادة التي خلقنا لها تسع الحياة كلها، فحياة المؤمن كلها عبادة إن صحت النية، وكانت العبادة الظاهرة أو الباطنة موافقة لهدي سيد البشرية صلى الله عليه وسلم.ومن أعظم الأدلة النبوية على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أصحابه فقالوا: (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور -أهل الدثور أي: أصحاب الأموال- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم -سبقونا بالصدقة والبذل والإنفاق والعطاء- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟! إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة -أي: في جماع الرجل لامرأته صدقة- قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك لو وضعها في الحلال فله فيها أجر).
  شروط صحة العبادة
حياة المؤمن كلها عبادة بهذين الشرطين:الأول: أن تصح النية.الثاني: أن تكون العبادة موافقة لهدي سيد البشرية صلى الله عليه وسلم، ومن خلال هذا الفهم الشامل الكامل لمفهوم العبادة يتبين لنا أن كثيراً من الناس قد انحرفوا عن مفهوم العبادة الحق انحرافاً مزرياً، فمنهم من فهم العبادة فهماً جزئياً قاصراً، وظن أن العبادة لا تتعدى الشعائر التعبدية المعروفة كالصلاة والصيام والزكاة والعمرة والحج فحسب، فهو في المسجد متعبد لله بشرعه، فإن خرج من المسجد يتعامل بالربا، ويعاقر الزنا، ويشرب الخمر، ويعق الوالدين، ويسيء إلى زملائه في العمل، وإلى مرءوسه في الوظيفة، وترى امرأته وبناته متبرجات كاسيات عاريات، فهو في المسجد مع الله بوجه وخارج المسجد مع الله ومع الناس بوجه آخر، فهو يمتثل أمر الله في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، ولا يمتثل أمر الله في السورة ذاتها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178]، يمتثل أمر الله في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، ويضيع أمر الله في سورة المائدة ذاتها: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وهذا فَهْمٌ مبتور للعبادة، وفهم ناقص، والله جل علا يقول: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85]، قصور في فهم العبادة.ونرى صنفاً ثانياً قد صرف العبادة لغير الله جل وعلا، فهو يذعن لغير شرع الله، ويذبح لغير الله، ويحلف بغير الله، ويطوف بغير بيت الله تعظيماً لغير الله، ويقدم النذر لغير الله، ويستغيث بغير الله، ويستعين بغير الله، ويلجأ إلى غير الله، ويفوض الأمر إلى غير الله، ويتوكل على غير الله، ويثق في بعض دول الأرض وأمم الأرض أكثر من ثقته في خالق السماء والأرض، منهم من يقول: إذا تعسرت الأمور فعليكم بأصحاب القبور! ومنهم من يقول: إنه ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تدبر نظام الكون وتسير شئونه!! والله جل وعلا يقول: قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران:154]، ومنهم من يقول: إننا الليلة نحتفل بمولد سيدي السيد البدوي المهاب، الذي إن دعي في البر والبحر أجاب، والله جل وعلا يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل:62]، أئله مع الله يجيب المضطر في البر والبحر؟!والله جل وعلا يقول: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17].ومن الناس من صرف العبادة لله -وهذا هو الصنف الثالث- يبتغي بالعبادة وجه الله، لا نشكك في إخلاصه، ولكنه تعبد لله على غير هدي المصطفى، وعلى غير السنة، فعبادته مردودة على رأسه لا قبول لها عند الله جل وعلا، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وفي الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا -أي: في ديننا - هذا ما ليس منه فهو رد)مردود على رأسه لا قبول له عند الله جل وعلا.من أجل ذلك -يا إخوة- شن الإسلام حملة شديدة على الشرك، وعلى صرف العبادة لغير الله، وأصّل تأصيلاً لتوحيد الألوهية في كلمة واحدة، فتوحيد العبادة هو إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة بلا منازع أو شريك؛ امتثالاً عملياً لقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
وجوب عبادة الله وحده وخطورة الشرك
شن الإسلام حملة شديدة على الشرك، وبين أن الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يغفر، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)وفي الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ، فجلس النبي إلى جوار عمه وقال: يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب؟! قال: بل على ملة عبد المطلب ، فخرج النبي من عنده وهو يقول: لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك، فنزل عليه قول الله جل وعلا: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113]).من أجل ذلك ينبغي أن يحدد كل واحد منا الجواب بدقة على هذا السؤال: من نعبد؟وقد يستعجب بعض الإخوة من طرحي مثل هذا السؤال: من نعبد؟! وهل هذا سؤال يستحق الطرح؟!وسيزول عجبك واستنكارك وغرابتك إذا علمت أن العالم مليء بركام هائل من التصورات الفاسدة، والعقائد الباطلة، والآلهة والأرباب والأنداد والطواغيت التي عبدت في الأرض من دون الله جل وعلا، فمن الناس من عبد القمر من دون الله، ومن الناس من عبد الشمس من دون الله، ومن الناس من عبد الجن من دون الله، ومن الناس من عبد الكواكب من دون الله، ومن الناس من عبد الحجارة والأصنام من دون الله عز وجل، بل ومن الناس من عبد التراب، هل تصدقون ذلك؟!روى أبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً أحسن من الأول ألقينا الأول وأخذنا الثاني لنعبده من دون الله جل وعلا! فإذا لم نجد حجراً جمعنا كومة من التراب، وأتينا بغنم لنا فحلبنا على هذا التراب من اللبن ثم طفنا بها! أي: لنعبدها من دون الله جل وعلا! انظر إلى فساد عقول هؤلاء ومقدارها، يعبدون التراب من دون الله عز وجل!ومن الناس من عبد البشر، قال فرعون لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال لهم: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وعبد اليهود عزيراً من دون الله، وعبد النصارى ولازالوا يعبدون المسيح ابن مريم من دون الله، كل طوائف النصارى، ودعك من الدجل الإعلامي، فالملكية واليعقوبية والنصطورية والمارونية كلهم يعبدون عيسى من دون الله جل وعلا، وهذا قانونهم المشهور عندهم بقانون الأمانة الذي يسمونه: سنهوداً، منهم من يقول: عيسى هو الله، ومنهم من يقول: عيسى ابن الله، ومنهم من يقول: عيسى ابن زوج الإله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ولله در ابن القيم إذ يقول:أعباد المسيح لنا سؤالنريد جوابه ممن وعاهإذا مات الإله بصنع قـوم أماتوه فهل هذا إلهويا عجب لقبر ضم رباًوأعجب منه بطن قد حواهأقام هناك تسع من شهورلدى الظلمات من حيض غذاهوشق الفرج مولوداً صغيراًضعيفاً فاتحاً للثدي فاهويأكل ثم يشرب ثم يأتيبلازم ذاك فهل هذا إلهتعالى الله عن إفك النصارىسيسأل كلهم عما افتراهإِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]، والراجح من أقوال المحققين من أهل التفسير وهو قول جمهور المفسرين: أن مريم حملت بعيسى تسعة أشهر كاملة، وإن كنا لا ننكر أن الله عز وجل قادر على أن تحمل مريم بعيسى وتلده في ساعة واحدة، فنحن لا ننكر إمكان ذلك بقدرة الله، ولكن الصحيح أن مريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر، فلما رأى يوسف النجار -الذي اتهم بأنه قد فعل بها الفاحشة- بوادر الحمل تظهر على مريم يوماً بعد يوم عرَّض لها في القول وقال لها: يا مريم ! إني سائلك عن شيء فلا تعجلي علي.فقالت مريم : سل يا يوسف عما شئت، ولا تقل إلا حقاً.فقال لها: يا مريم ! هل يكون زرع بغير بذر؟! وهل يكون نبات بغير مطر؟! وهل يكون ولد بغير أب؟!فقالت مريم : نعم يا يوسف .قال: كيف ذلك يا مريم ؟!قالت: يا يوسف أنسيت أن الله تعالى خلق الزرع يوم خلقه من غير بذر، وخلق النبات يوم خلقه من غير مطر، وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ومن غير أم.قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.لقد خلق الله آدم من غير أب ومن غير أم، وخلق حواء من أب دون أم، وخلق عيسى من أم دون أب، وخلقني وخلقك من أب وأم لتكتمل قدرة الله، وليتبين للخلق جميعاً أن الله على كل شيء قدير.فمن الناس من عبد عزيراً، ومن الناس من عبد عيسى ابن مريم، ولا زالوا في عصر الذرة يعبدونه من دون الله جل وعلا! ومن الناس إلى الآن من يعبدون الأيدلوجيات والنظريات والقوميات والوطنيات والبعثيات، ألم تسمع قول القائل:هبوني ديناً يجعل العرُبْ أمةوسيروا بجثماني على دين برهميأي: على دين إبراهيم الخليل.سلام على كفر يوحد بينناوأهلاً وسهلاً بعده بجهنمألم تسمع قول القائل:آمنت بحزب البعث رباً لا شريك لهوبالعروبة ديناً ما له ثانألم تسمع قول القائل: إن مصر ستظل فرعونية، ولو وقف الإسلام حجر عثرة في طريق فرعونيتنا لنحينا الإسلام جانباً؛ لتبقى مصر فرعونية؟! أقوال خطيرة.إذاً: يزول الإشكال وتزول الغرابة إذا طرحنا هذا السؤال: من نعبد؟
  غنى الله عن العالمين
حدد الجواب: من تعبد؟ لمن تسمع؟ من تطيع؟ سؤال مهم يحتاج إلى تكرار، بل ولا ينبغي أن نمل من طرحه؛ من أجل ذلك شن الإسلام حملة ضارية على الشرك، وبين خطر الشرك، وبين أن التوحيد هو طريق النجاة الأوحد، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وفي رواية عتبان بن مالك : (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله عز وجل)، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].وأنا أقول لكم أيها الأحبة: والله لو تخلى الخلق على وجه الأرض عن عبادة الله جل وعلا ما ضروا إلا أنفسهم، فإن الله غني عن خلقه، لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية، بل إن الكون كله يسبح الله ويوحد الله، انظر إلى السماء وارتفاعها، انظر إلى الأرض واتساعها، انظر إلى الجبال وأثقالها، انظر إلى الأفلاك ودورانها، انظر إلى البحار وأمواجها، انظر إلى كل ما هو متحرك، وإلى كل ما هو ساكن، فوالله إن الكل يقر بتوحيد الله، ويعلن الشكر لله، ولا يغفل عن ذكر مولاه إلا من كفر من الإنس والجن ولا حول ولا قوة إلا بالله.قال جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18]، كل شيء في الكون يسجد لله ويوحد الله عز وجل، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:19-20]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة في الحديث القدسي وفيه: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجداً خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه).
لماذا نعبد الله؟

  نعبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره
ثالثاً: نعبد الله عز وجل طلباً لجنته وخوفاً من ناره، وقد قال بعض أهل التصوف حكاية عن رابعة : اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها! وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني فيها! وإن كنت أعبدك لأنك تستحق أن تعبد لذاتك فلا تحرمني من النظر إلى وجهك الكريم! فقالوا: من عبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره فهو كأجير السوء، إن أخذ الأجرة عمل، وإن لم يأخذ الأجرة لم يعمل.فرد عليهم أهل التحقيق والعلم وقالوا: إن أعرف الناس بالله وبجلاله وبكماله هم الأنبياء والرسل، أليس كذلك؟! بلى، الأنبياء والرسل أعرف الناس بجلال الله، وبقدره، وبكماله، وبعظمته، ومع ذلك عبدوا الله عز وجل وهم يسألونه الجنة، ويستعيذون به من النار، قال قدوة الموحدين وإمام المحققين وخليل رب العالمين إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في دعائه لربه: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشعراء:85]، وقال أيضاً: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء:87]، وهل هناك خزي أخزى من النار يوم يبعثون؟!وهذا إمام الموحدين وقدوة المحققين وأعرف الخلق قاطبة برب العالمين، سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل يوماً صحابياً من أصحابه فقال له: (بم تدعو الله في صلاتك؟ قال: يا رسول الله! أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، بل أدعو الله بدعوتين اثنتين، قال: ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، فإني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، فقال النبي: حولها ندندن) وفي رواية: (وهل تصير دندنتي أنا ومعاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار؟!).وقد جمع الإمام ابن القيم بفهمه الراقي القولين، وأزال الخلاف بين الفريقين، بأسلوب رائع قلما تقف عليه لغير ابن القيم فقال رحمه الله: وسر الخلاف ناتج عن فهم مغلوط لحقيقة الجنة، فالفريق الأول ظن أن الجنة هي دار للنعيم المادي فحسب، الذي هو الأنهار والأشجار والحور والذهب والفضة والحرير إلى آخره.ثم قال ابن القيم : ولكن الجنة اسم لدار النعيم المطلق، وأعلى درجات هذا النعيم هو النظر إلى وجه الرب الكريم، فنعيم الجنة الحقيقي ليس في خمرها ولا في ذهبها ولا في فضتها، ولا في أنهارها ولا في قصورها، ولا في حريرها ولا في حورها، ولكن أعلى نعيم الجنة في النظر إلى وجه الله؛ ولذلك قال الله تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72] أي: أكبر من الجنة بما فيها من نعيم، روى مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تعالى: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة، ونجيتنا من النار؟! فيقول الله عز وجل: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72].ولله در القائل:قليل منك يكفيني ولكنقليلك لا يقال له قليلوفي حديث صهيب وأبي سعيد : (ثم يكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا)، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، أي: الجنة، والزيادة هي: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى في جنات النعيم.إذاً: أيها الأحبة الكرام! نحن نعبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره.
بماذا نعبد الله؟
وأخيراً: بماذا نعبد الله؟والجواب في كلمات قليلة -فلقد أطلت عليكم- نعبد الله عز وجل بما شرعه لنا على لسان نبيه ورسوله المصطفى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وجماع الدين أصلان:الأول: أن نعبد الله وحده لا شريك له.والأصل الثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله، وهذان الأصلان هما حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فبالشهادة الأولى يعرف المعبود عز وجل، وبالشهادة الثانية يعرف الطريق الذي تصل من خلاله إلى المعبود عز وجل ، إذ إن كل الطرق إلى الله مسدودة إلا طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].ولله در القائل:من يدعي حب النبي ولم يفدمن هديه فسفاهة وهراءفالحب أول شرطه وفروضهإن كان صدقاً طاعة ووفاءما العبادة؟ من نعبد؟ لماذا نعبد؟ بماذا نعبد؟أسئلة مهمة تحتاج إلى جواب دقيق صادق من كل مسلم ومسلمة، فهيا حدد لنفسك من الآن جواباً على هذه الأسئلة، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم من الصادقين المخلصين، وأن يختم لنا ولكم بخاتمة الموحدين، وأن يحشرنا في زمرة سيد النبيين. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
  نعبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره
ثالثاً: نعبد الله عز وجل طلباً لجنته وخوفاً من ناره، وقد قال بعض أهل التصوف حكاية عن رابعة : اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها! وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني فيها! وإن كنت أعبدك لأنك تستحق أن تعبد لذاتك فلا تحرمني من النظر إلى وجهك الكريم! فقالوا: من عبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره فهو كأجير السوء، إن أخذ الأجرة عمل، وإن لم يأخذ الأجرة لم يعمل.فرد عليهم أهل التحقيق والعلم وقالوا: إن أعرف الناس بالله وبجلاله وبكماله هم الأنبياء والرسل، أليس كذلك؟! بلى، الأنبياء والرسل أعرف الناس بجلال الله، وبقدره، وبكماله، وبعظمته، ومع ذلك عبدوا الله عز وجل وهم يسألونه الجنة، ويستعيذون به من النار، قال قدوة الموحدين وإمام المحققين وخليل رب العالمين إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في دعائه لربه: وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشعراء:85]، وقال أيضاً: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء:87]، وهل هناك خزي أخزى من النار يوم يبعثون؟!وهذا إمام الموحدين وقدوة المحققين وأعرف الخلق قاطبة برب العالمين، سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل يوماً صحابياً من أصحابه فقال له: (بم تدعو الله في صلاتك؟ قال: يا رسول الله! أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، بل أدعو الله بدعوتين اثنتين، قال: ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، فإني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، فقال النبي: حولها ندندن) وفي رواية: (وهل تصير دندنتي أنا ومعاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار؟!).وقد جمع الإمام ابن القيم بفهمه الراقي القولين، وأزال الخلاف بين الفريقين، بأسلوب رائع قلما تقف عليه لغير ابن القيم فقال رحمه الله: وسر الخلاف ناتج عن فهم مغلوط لحقيقة الجنة، فالفريق الأول ظن أن الجنة هي دار للنعيم المادي فحسب، الذي هو الأنهار والأشجار والحور والذهب والفضة والحرير إلى آخره.ثم قال ابن القيم : ولكن الجنة اسم لدار النعيم المطلق، وأعلى درجات هذا النعيم هو النظر إلى وجه الرب الكريم، فنعيم الجنة الحقيقي ليس في خمرها ولا في ذهبها ولا في فضتها، ولا في أنهارها ولا في قصورها، ولا في حريرها ولا في حورها، ولكن أعلى نعيم الجنة في النظر إلى وجه الله؛ ولذلك قال الله تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72] أي: أكبر من الجنة بما فيها من نعيم، روى مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تعالى: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة، ونجيتنا من النار؟! فيقول الله عز وجل: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72].ولله در القائل:قليل منك يكفيني ولكنقليلك لا يقال له قليلوفي حديث صهيب وأبي سعيد : (ثم يكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا)، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، أي: الجنة، والزيادة هي: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى في جنات النعيم.إذاً: أيها الأحبة الكرام! نحن نعبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ما هي العبادة ومن نعبد للشيخ : محمد حسان

http://audio.islamweb.net