اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [128] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان


شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [128] - (للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان)
الله عز وجل هو المصور، والمصورون الذين يضاهون خلق الله هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة؛ لما في عملهم ذلك من مفاسد كثيرة، منها: أنها تفضي إلى تعظيم الشيء المصور، بل وإلى عبادته من دون الله، ولذلك يؤتى بالمصور يوم القيامة فيخلق الله له بكل صورة صورها نفساً، ويؤمر بنفخ الروح فيها، فلا يستطيع، فتكون سبباً في عذابه.
ما جاء في المصورين من الوعيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في المصورين. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة أخرجاه ) ]. المعنى: ما جاء في المصورين من العذاب الشديد، ووجه إدخال هذا الباب في كتاب التوحيد: أن المصور وعد بوعيد شديد يدل على أنه من أهل النار، وأنه يبقى معذباً، ويكلف أن يخلق الصورة التي صورها ويجعل فيها الروح، حتى تكون حية مثل الصورة التي تضاهيها وتشابهها، وهذا ممتنع، وتكليفه لا ينقطع، فيستمر بهذه الحال إلى أن ينفخ فيها الروح، وهذا غير ممكن، ولهذا يقول العلماء: إن هؤلاء وعدوا بعذاب لم يعذب به أحد من الناس، وجاءت نصوص كثيرة في ذلك جداً يتعجب الإنسان من كثرتها، ولكن هذا دليل على أن من قالها يقولها عن وحي، وعن علم غيب مما أعلمه الله جل وعلا بأنه سيكون، ولم تكن الصور قديماً منتشرة ولا كثيرة مثل اليوم، فقد ابتلي بها الناس، فأصبحت لا تجد بيتاً إلا وهو مملوء بالصور، سواءً في الملابس، أو في الأواني، أو في الصحف، أو في الكتب، أو في غير ذلك.وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن البيت الذي فيه صورة لا تدخله الملائكة، والمقصود بهم ملائكة الرحمة، أما الملائكة الذين يسجلون على الإنسان أعماله فهؤلاء يضطرون إلى شيء يكرهونه، ويصبح الإنسان الذي عمل هذا العمل أو رضي به وأقره آثماً، لكونه أكره عباد الله المكرمين على شيء لا يريدونه، ولا ينظرون إليه، ولا يدخلون المنزل الذي هو فيه.ثم في هذا الحديث بين علة التحريم وعلة العذاب، قال: (ومن أظلم) يعني: لا أحد أظلم، (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي) ومعنى يخلق كخلقي: أنه يصور الشيء الذي فيه الروح، (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي) ثم جاء الأمر بالتعجيز فقال: (فليخلقوا ذرة) وهي من أصغر المخلوقات، يعني: فليوجدوا ذرة حقيقة تكون حية فيها روح وحياة، فإن لم يستطيعوا ذلك فليوجدوا من العدم ما هو أقل من هذا وهو حبة شعير، أو حبة بر، فلا يستطيعون، ولو اجتمع كل من في الأرض على أن يوجدوها ما استطاعوا، وهذا تعجيز لهم، ومعنى يضاهئون الله: يشابهونه بأن يوجدوا الصورة التي خلقها الله. فهذا أمر تعجيزي لهم؛ ولهذا استحقوا شدة العذاب، أما إذا كان التصوير لشيء لا روح فيه، فلا بأس به؛ لأنه قال: (ليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة)، فدل على أن الشيء الذي لا روح فيه لا بأس بتصويره مثل: الجبال والشجر وما أشبه ذلك؛ ولهذا لما جاء رجل إلى ابن عباس يستفتيه، وأخبره أنه يعمل الصور، فصار يقول له: ادنو، حتى جلس أمام ركبتيه فقال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)، ثم قال له: إن كنت فاعلاً ولابد فالجبال والشجر، يعني: تصور الجبال والشجر.
  العلة في تحريم التصوير ورفع القبور
قال الشارح رحمه الله: [ قوله: باب ما جاء في المصورين، أي: من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة: وهي المضاهاة بخلق الله؛ لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة:7-9].فالمصور لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان وبهيمة صار مضاهئاً لخلق الله، فصار ما صوره عذاباً له يوم القيامة، وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، فكان أشد الناس عذاباً؛ لأن ذنبه من أكبر الذنوب. فإن كان هذا فيمن صور صورةً على مثال ما خلق الله تعالى من الحيوان، فكيف بحال من سوى المخلوق برب العالمين، وشبهه بخلقه، وصرف له شيئاً من العبادة التي ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه وحده بما لا يستحقه غيره من كل عمل يحبه الله من العبد ويرضاه؟فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكاً له فيما اختص به تعالى وتقدس؛ هو أعظم ذنب عصي الله تعالى به، ولهذا أرسل رسله وأنزل كتبه لبيان هذا الشرك والنهي عنه، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، فنجى الله تعالى رسله ومن أطاعهم، وأهلك من جحد التوحيد واستمر على الشرك والتنديد، فما أعظمه من ذنب! إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]. قال الشارح رحمه الله: [قوله: (ولـمسلم عن أبي الهياج) الأسدي حيان بن حصين (قال: قال لي علي) هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قوله: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته). فيه التصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً لذلك. أما الصور فلمضاهاتها لخلق الله. وأما تسوية القبور فلما في تعليتها من الفتنة بأربابها وتعظيمها، وهو من ذرائع الشرك ووسائله، فصرف الهمم إلى هذا وأمثاله من مصالح الدين ومقاصده وواجباته، ولما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحظور، وعظمت الفتنة بأرباب القبور، وصارت محطاً لرحال العابدين المعظمين لها، فصرفوا لها جل العبادة من الدعاء والاستعانة والاستغاثة والتضرع لها، والذبح لها والنذور، وغير ذلك من كل شرك محظور. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له بحيث لا يجتمعان أبداً، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن تتخذ عيداً، وهؤلاء يتخذونها أعياداً ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي فذكر حديث الباب وحديث ثمامة بن شفي وهو عند مسلم أيضاً قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها). وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب. ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه كما روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه). ونهى عن الكتابة عليها كما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن تجصيص القبور وأن يكتب عليها)، قال الترمذي : حديث حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره. ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود عن جابر أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه) وهؤلاء يزيدون عليه الآجر والجص والأحجار، قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الآجر على قبورهم. والمقصود: أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعياداً، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب؛ مناقضين لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم محادين لما جاء به، وأعظم من ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهي من الكبائر، وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه. قال أبو محمد المقدسي : ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ ولأن فيها تضييعاً للمال في غير فائدة، وإفراطاً في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام. قال: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور؛ لهذا الخبر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) متفق عليه؛ ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها. انتهى. وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا،ً ووضعوا لها مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه: مناسك حج المشاهد، مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام].
الرد على المتعلقين بالقبور
قال الشارح رحمه الله: [ ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهية، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعله النصارى عند قبره، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرءون منهم، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [الفرقان:17-18]، قال الله تعالى للمشركين: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ [الفرقان:19]، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة:116]، وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:40-41] ]. من المعلوم أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه وحده، والإنسان خلق عابداً، فلابد له من العبادة، ولا ينفك عن العبادة بحال من الأحوال، فإن لم يعبد الله عبد الشيطان ولابد، فإما أن يعبد الإنسان ربه، ويفعل ما أمر به، ويلقى الجزاء من الله والثواب، وتكون حياته سعيدة، وعاقبته حميدة، أو ينصرف عن أمر الله وما خلق له ويكون عابداً للشيطان، أو عابداً لشهواته أو للمظاهر الأخرى من مظاهر الدنيا، حتى الذين يزعمون أنهم متحررون، وأنهم ملحدون، ولا يؤمنون بدين ولا بإله ولا بجزاء ولا ببعث؛ لا ينفكون عن العبادة، فهم يعبدون رؤساءهم وكبراءهم وطغاتهم، ويعبدون شهواتهم، ثم إن كثيراً من الناس الذين أرسل الله جل وعلا إليهم الرسل كانوا منصرفين عن عبادة الله والإخلاص له في الدعاء والرغبة والرهبة والخوف والرجاء، وإنما يعبدون الله بالأمور الظاهرة الجلية، مثل كون الرب جل وعلا هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وهو الذي يتصرف في المخلوقات وفي الكون وحده؛ لأنهم لا يستطيعون أن ينكروا هذا، ولا يستطيعون أن يجعلوا أحداً من الخلق مشاركاً لله جل وعلا في ذلك، فانصرفوا إلى أمر آخر، وهو أنهم صاروا يتعلقون بالأولياء، ويقولون: إنهم يشفعون لنا، ويتوسطون لنا عند الله جل وعلا، ونحن نطلب منهم التوسط والشفاعة وهم يقربونا إلى الله زلفى، فهذا هو أصل شرك المشركين، وإلا لا يوجد عاقل يعبد مخلوقاً مثله؛ لأنه يملك له كل ما طلب منه، ويصرف عنه كل ما خافه ورهبه، لا يوجد مثل هذا، وإنما الموجود جعل بعض المخلوقين وسائط يجعلهم بينه وبين ربه، ويزعم بأن الطلب عن طريقهم أقرب إلى الإجابة؛ تسويلاً من الشيطان،وتحسيناً من العقل، وقياساً على ما هو موجود بين الخلق؛ لأن الخلق تعارفوا على أنه إذا كان هناك عظيم من الناس -رئيس أو ملك أو أمير- فالإنسان العادي لا يذهب إليه رأساً ويطلب منه، بل لابد أن يأتي إلى من هو قريب منه، كوزير، أو قريب، أو صديق فيتقدم إليه ويطلب منه أن يتوسط له عنده ويشفع له، فقاسوا رب العالمين على هذا في الأصل، فصاروا يتعلقون بالأولياء، ويطلبون منهم الشفاعة، ويطلبون منهم الوساطة، وهذا هو الشرك الذي أرسل الله جل وعلا الرسل للإنذار منه، ودعوة الناس إلى الإقلاع عنه، وجعل الدعاء والطلب لله وحده، ولا يكون بين العبد وبين ربه وساطة، فالله جل وعلا يعلم ما في النفوس، وهو مطلع على عباده، ويسمع كلامهم، ويرى تقلباتهم، ولا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فيجب أن ينزلوا فقرهم به، وأن يسألوه بلا واسطة، وأن يتعلقوا به، ويعلقوا به حاجاتهم وكل ما يهمهم، وهذه هي العبادة التي يجب أن تكون لله جل وعلا. ومن هذا الباب أصبح كثير من المسلمين يذهب أحدهم إلى القبور زاعماً أن أصحابها أولياء أو أنبياء، فيطلب منهم الوساطة، ويطلب التشفع، ويطلب أن يقربوه إلى الله، وهو يقول بزعمه: هذا أقرب إلى الإجابة!
  دعاء أصحاب القبور شرك أكبر
قال الشارح رحمه الله: [ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلاً ]. أما دعاؤهم سواءً دعاهم للشفاعة، أو دعاهم بأن يتوسطوا له عند الله في شيء حاضر، أو دعاهم استقلالاً؛ فهذا هو الشرك الأكبر، أما دعوة الله بهم كأن يقول: يا رب! أسألك بوليك الفلاني، أو أسألك بنبيك، أو أسألك بجبريل، أو أسألك بفلان وفلان؛ فهذا وإن لم يكن شركاً إلا أنه من البدع التي تكون طريقاً إلى الشرك، لأننا قلنا: إن الأصل في العبادة أن تكون مشروعة وإلا فهي باطلة، وهذا لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، ولم يأمر به، ولم يقره، بل نهى عنه، فإذاً هو ليس مشروعاً، بل هو من البدع، فسؤال الله بالغير بدعة لا تجوز، أما أن يسأل الغير أن يتوسط له عند الله فهذا شرك، ولا أحد يعتقد أن أحداً من الخلق مشارك لله في الملك والتصرف، هذا لا يوجد؛ لأن الأمر في هذا ظاهر جلي، فالله هو المتصرف وحده، فالذي يسأل الميت أو الغائب، أو يسأل الحي الموجود ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، فهذا أشرك بالله جل وعلا شركاً أكبر، ولكن كونه يسأل الله به فيقول: أسألك بفلان أو بجاه فلان فهذا بدعة، وهو سؤال بشيء أجنبي عنك، لا صلة لك به، كقول كثير من الناس: نسألك -يا ربنا- بجاه نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذا قيل له: هذا ما يصلح، قال: أليس للنبي صلى الله عليه وسلم جاه عند الله عظيم؟ نقول: بلى، له جاه عظيم عند الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا ما أمرنا أن نسأله بجاهه، وجاهه كعمله، فهل يسوغ لك أن تسأل الله بعمل فلان، أو بحج فلان، أو بصلاة فلان، أو بصوم فلان؟ ما يصلح؛ لأن صومه له، وحجه له، وعمله له، وكذلك جاهه له، والجاه نتيجة العمل، فمن كان أتقى لله وأعبد كان جاهه أعظم عند الله. فالمقصود أن من الناس من يتعلق بالخلق دائماً، إما أن يسألهم، وإما أن يسأل بهم، أما سؤالهم بأن يتوسطوا له عند الله، أو يعطوه مطلوبه، أو يزيلوا عنه مرهوبه، فهذا شرك أكبر، وأما سؤال الله بهم فهذا بدعة قد تجر إلى الشرك، وتكون وسيلة إلى الشرك.
فضل زيارة المقابر وآداب زيارتها
قال الشارح رحمه الله: [وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (زوروا القبور فإنها تذكر الموت). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر) رواه أحمد والترمذي وحسنه ]. ينبغي لزائر القبور أن يقول هذا الدعاء ونحوه، كأن يقول: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، وهذا الاستثناء (إن شاء الله) إما للتبرك أو للمكان أي: أنه يكون في هذا المكان، أما اللحوق فهو أمر متحقق لابد منه، فلابد أن يموت ويلحقه، (نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم)، هكذا ينبغي أن يقول، أما أن يذهب ويقول: أسألك يا فلان! أن تعمل كذا، وتعطينا كذا، أو تتوسط لنا، أو تشفع لنا، فهذا عكس المشروع الذي شرعه النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك كون الإنسان يذهب إلى القبر ويتحرى العبادة عنده، يعني: يعبد الله عند هذا القبر، ويظن أن العبادة عنده أفضل، وأنها أرجى للعبادة، ويقول: أنا ما أعبد صاحب القبر، ولكن أعبد الله عند هذا الولي تبركاً، والعبادة عنده أولى من غيرها، فهذا ضلال، وهذا بدعة من أعظم البدع، وهي من وسائل الشرك ودواعيه التي تدعو إليه، فإنه أولاً يقول: أذهب أعبد الله عند القبر، ثم يتدرج به الأمر حتى يعبد صاحب القبر ويدعوه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث عبد الله بن عمر والذي في الصحيح: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا فيها)، ويقول: (فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) يعني: أن القبور ليست محلاً للعبادة، والمعنى: لا تجعلوا البيوت مشبهة بالقبور مهجورة من العبادة؛ من الصلاة ومن القراءة، لا تجعلوها بهذه المثابة، وليس المعنى: لا تقبروا موتاكم في البيوت، فهو ما أراد هذا صلوات الله وسلامه عليه، بل معناه: لا تعطلوا بيوتكم من العبادة فتهجروها فتكون شبيهةً بالقبور، فالقبور متقرر عندهم أنها مهجورة من العبادة، لا يتعبد عندها، فالعبادة محلها غير القبر؛ ولهذا يتفق العلماء على أن الصلاة لا تصح في المقبرة، بل هي من المواضع التي لا تصح الصلاة فيها. وكذلك كونه يوضع قبر في المسجد، فهذا يجعل الصلاة فاسدة باطلة، ولا تصلح الصلاة فيه، فإذا وضع القبر في المسجد وجب أن ينبش ويخرج منه، أما إذا بني المسجد على القبر وجب أن يهدم هذا المسجد؛ لأن القبور لا يجوز البناء عليها، ولا تجوز الكتابة عليها، ولا رفعها بحيث تتميز عن غيرها، ولا وضع شيء يدعو إلى الانتباه ولفت الأنظار إليها، وكل هذا جاء النهي عنه خوفاً من التعلق بها؛ لأنها محل للفتنة. [ فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئاً مما يعتمده أهل الشرك والبدع، أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟ وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك ]. معنى كلام الإمام مالك رحمه الله ورضي عنه أن أول هذه الأمة صلح بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك آخرها لا يصلح إلا بهذا الدين، لن تصلح الأمة إلا به، والذي جاء به هو عبادة الله وحده، وتوحيده وإخلاص الدعاء والقصد والتعلق به وحده، هذا هو أعظم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما أخذ به الصحابة أحياهم الله جل وعلا، وصاروا بعدما كانوا مشركين دعاة خير وهدى، ونور الله قلوبهم بالعلم والتقى، فصاروا يدعون إلى عبادة الله، ويخرجون الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهكذا إذا أخذ آخر هذه الأمة بما أخذ به أولئك؛ يحصل لهم ما حصل لهم؛ لأن الله جل وعلا يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، لا صلة بين العبد وبين ربه إلا بالتقى والطاعة فقط، والأنساب والوظائف والرئاسات والأموال والأبهات ما تفيد شيئاً عند الله، (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فمن كان قلبه تقياً، وعمله مرضياً على وفق شرع الله؛ فهذا الذي يرضاه الله جل وعلا، وبهذا يحصل الصلاح لنفسه ولمن يدعوه ويستجيب له إلى هذا الطريق.
  دعاء أصحاب القبور شرك أكبر
قال الشارح رحمه الله: [ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلاً ]. أما دعاؤهم سواءً دعاهم للشفاعة، أو دعاهم بأن يتوسطوا له عند الله في شيء حاضر، أو دعاهم استقلالاً؛ فهذا هو الشرك الأكبر، أما دعوة الله بهم كأن يقول: يا رب! أسألك بوليك الفلاني، أو أسألك بنبيك، أو أسألك بجبريل، أو أسألك بفلان وفلان؛ فهذا وإن لم يكن شركاً إلا أنه من البدع التي تكون طريقاً إلى الشرك، لأننا قلنا: إن الأصل في العبادة أن تكون مشروعة وإلا فهي باطلة، وهذا لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، ولم يأمر به، ولم يقره، بل نهى عنه، فإذاً هو ليس مشروعاً، بل هو من البدع، فسؤال الله بالغير بدعة لا تجوز، أما أن يسأل الغير أن يتوسط له عند الله فهذا شرك، ولا أحد يعتقد أن أحداً من الخلق مشارك لله في الملك والتصرف، هذا لا يوجد؛ لأن الأمر في هذا ظاهر جلي، فالله هو المتصرف وحده، فالذي يسأل الميت أو الغائب، أو يسأل الحي الموجود ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، فهذا أشرك بالله جل وعلا شركاً أكبر، ولكن كونه يسأل الله به فيقول: أسألك بفلان أو بجاه فلان فهذا بدعة، وهو سؤال بشيء أجنبي عنك، لا صلة لك به، كقول كثير من الناس: نسألك -يا ربنا- بجاه نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذا قيل له: هذا ما يصلح، قال: أليس للنبي صلى الله عليه وسلم جاه عند الله عظيم؟ نقول: بلى، له جاه عظيم عند الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا ما أمرنا أن نسأله بجاهه، وجاهه كعمله، فهل يسوغ لك أن تسأل الله بعمل فلان، أو بحج فلان، أو بصلاة فلان، أو بصوم فلان؟ ما يصلح؛ لأن صومه له، وحجه له، وعمله له، وكذلك جاهه له، والجاه نتيجة العمل، فمن كان أتقى لله وأعبد كان جاهه أعظم عند الله. فالمقصود أن من الناس من يتعلق بالخلق دائماً، إما أن يسألهم، وإما أن يسأل بهم، أما سؤالهم بأن يتوسطوا له عند الله، أو يعطوه مطلوبه، أو يزيلوا عنه مرهوبه، فهذا شرك أكبر، وأما سؤال الله بهم فهذا بدعة قد تجر إلى الشرك، وتكون وسيلة إلى الشرك.
تجريد السلف للتوحيد
قال الشارح رحمه الله: [ ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا، ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حين يدعو عند القبر فإن الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره: (الدعاء هو العبادة)، فجرد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء لأصحابها، والاستغفار لهم والترحم عليهم ]. وهذا الذي ينبغي أن يفعله الزائر للنبي صلى الله عليه وسلم، إذا زاره وسلم عليه وأراد أن يدعو لنفسه، ينبغي أن يستقبل القبلة؛ لأن القبلة هي قبلة الدعاء، ولا يستقبل القبر خوفاً من أن يتشبه بالمشركين الذين يدعون القبور، وربما يراه الجاهل فيظن أنه يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا شرك، وفيه تشبه بالمشركين في الصورة، وهذا ممنوع لا يجوز، بل ينبغي له أن يبتعد عن إضلال الغير، ولو بالشيء الموهوم، حتى لا يكون قدوة في أمر لا يجوز. ولم يكن السلف يتحرون الدعاء عند القبر، ولا يقصدونه، بل كانوا ممتثلين لأمره صلى الله عليه وسلم حيث قال لهم: (لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي أينما كنتم)، والعيد اسم لما يتردد عليه، ويعتاد المجيء إليه، سواء كان مكاناً أو زماناً، فما تردد واعتاد الناس مجيئه من الزمن صار عيداً، وما ترددوا عليه من مكان صار عيداً، فالعيد يكون للمكان وللزمان، فنهى صلوات الله وسلامه عليه عن ذلك وقال: (صلوا علي أينما كنتم)، فالصحابة فهموا هذا، وكانوا يتمكنون من الدخول على القبر بكل سهولة، ومع هذا لم يذهبوا إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه، بل كان أحدهم إذا دخل المسجد صلى عليه، ولم يتجه إليه، ولم يرفع يديه ويقول: أنا أسلم عليه؛ لأنهم يعرفون أن هذا لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به، بل لم يكونوا يترددون عليه للسلام.فالمقصود أن السلف فهموا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا ممتثلين لأمره، مبتعدين عن نهيه، ولاشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بما يأمر الله جل وعلا به، ورسالته ودعوته أن تكون العبادة لله وحده، وسيأتي الكلام على هذا المعنى في الباب الثاني مما يلي هذا الباب إن شاء الله.
  دعاء أصحاب القبور شرك أكبر
قال الشارح رحمه الله: [ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلاً ]. أما دعاؤهم سواءً دعاهم للشفاعة، أو دعاهم بأن يتوسطوا له عند الله في شيء حاضر، أو دعاهم استقلالاً؛ فهذا هو الشرك الأكبر، أما دعوة الله بهم كأن يقول: يا رب! أسألك بوليك الفلاني، أو أسألك بنبيك، أو أسألك بجبريل، أو أسألك بفلان وفلان؛ فهذا وإن لم يكن شركاً إلا أنه من البدع التي تكون طريقاً إلى الشرك، لأننا قلنا: إن الأصل في العبادة أن تكون مشروعة وإلا فهي باطلة، وهذا لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، ولم يأمر به، ولم يقره، بل نهى عنه، فإذاً هو ليس مشروعاً، بل هو من البدع، فسؤال الله بالغير بدعة لا تجوز، أما أن يسأل الغير أن يتوسط له عند الله فهذا شرك، ولا أحد يعتقد أن أحداً من الخلق مشارك لله في الملك والتصرف، هذا لا يوجد؛ لأن الأمر في هذا ظاهر جلي، فالله هو المتصرف وحده، فالذي يسأل الميت أو الغائب، أو يسأل الحي الموجود ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، فهذا أشرك بالله جل وعلا شركاً أكبر، ولكن كونه يسأل الله به فيقول: أسألك بفلان أو بجاه فلان فهذا بدعة، وهو سؤال بشيء أجنبي عنك، لا صلة لك به، كقول كثير من الناس: نسألك -يا ربنا- بجاه نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذا قيل له: هذا ما يصلح، قال: أليس للنبي صلى الله عليه وسلم جاه عند الله عظيم؟ نقول: بلى، له جاه عظيم عند الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا ما أمرنا أن نسأله بجاهه، وجاهه كعمله، فهل يسوغ لك أن تسأل الله بعمل فلان، أو بحج فلان، أو بصلاة فلان، أو بصوم فلان؟ ما يصلح؛ لأن صومه له، وحجه له، وعمله له، وكذلك جاهه له، والجاه نتيجة العمل، فمن كان أتقى لله وأعبد كان جاهه أعظم عند الله. فالمقصود أن من الناس من يتعلق بالخلق دائماً، إما أن يسألهم، وإما أن يسأل بهم، أما سؤالهم بأن يتوسطوا له عند الله، أو يعطوه مطلوبه، أو يزيلوا عنه مرهوبه، فهذا شرك أكبر، وأما سؤال الله بهم فهذا بدعة قد تجر إلى الشرك، وتكون وسيلة إلى الشرك.
تصوير حال عباد القبور وما هم فيه من خسران وبوار
قال الشارح رحمه الله: [ وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، وإسناده جيد، ورواته ثقات مشاهير.وقوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيت ونهى عن تحري النافلة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم. ثم إن في تعظيم القبور واتخاذها أعياداً من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله، وغيرة على التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن (ما لجرح بميت إيلام).فمن المفاسد: اتخاذها أعياداً، والصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الدين وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيداً، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرءوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعاً سجداً، يبتغون فضلاً من الميت ورضواناً، وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسراناًفلغير الله -بل للشيطان- ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة ذوي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيهاً له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟! ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن، إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقد قربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضاً ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجراً وافراً وحظاً، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة المتخلف إلى البيت الحرام فيقول: لا ولا بحجك كل عام! هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال ويدور في الخيال، وهذا مبدأ الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه، يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يئول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
  دعاء أصحاب القبور شرك أكبر
قال الشارح رحمه الله: [ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلاً ]. أما دعاؤهم سواءً دعاهم للشفاعة، أو دعاهم بأن يتوسطوا له عند الله في شيء حاضر، أو دعاهم استقلالاً؛ فهذا هو الشرك الأكبر، أما دعوة الله بهم كأن يقول: يا رب! أسألك بوليك الفلاني، أو أسألك بنبيك، أو أسألك بجبريل، أو أسألك بفلان وفلان؛ فهذا وإن لم يكن شركاً إلا أنه من البدع التي تكون طريقاً إلى الشرك، لأننا قلنا: إن الأصل في العبادة أن تكون مشروعة وإلا فهي باطلة، وهذا لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، ولم يأمر به، ولم يقره، بل نهى عنه، فإذاً هو ليس مشروعاً، بل هو من البدع، فسؤال الله بالغير بدعة لا تجوز، أما أن يسأل الغير أن يتوسط له عند الله فهذا شرك، ولا أحد يعتقد أن أحداً من الخلق مشارك لله في الملك والتصرف، هذا لا يوجد؛ لأن الأمر في هذا ظاهر جلي، فالله هو المتصرف وحده، فالذي يسأل الميت أو الغائب، أو يسأل الحي الموجود ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، فهذا أشرك بالله جل وعلا شركاً أكبر، ولكن كونه يسأل الله به فيقول: أسألك بفلان أو بجاه فلان فهذا بدعة، وهو سؤال بشيء أجنبي عنك، لا صلة لك به، كقول كثير من الناس: نسألك -يا ربنا- بجاه نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذا قيل له: هذا ما يصلح، قال: أليس للنبي صلى الله عليه وسلم جاه عند الله عظيم؟ نقول: بلى، له جاه عظيم عند الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا ما أمرنا أن نسأله بجاهه، وجاهه كعمله، فهل يسوغ لك أن تسأل الله بعمل فلان، أو بحج فلان، أو بصلاة فلان، أو بصوم فلان؟ ما يصلح؛ لأن صومه له، وحجه له، وعمله له، وكذلك جاهه له، والجاه نتيجة العمل، فمن كان أتقى لله وأعبد كان جاهه أعظم عند الله. فالمقصود أن من الناس من يتعلق بالخلق دائماً، إما أن يسألهم، وإما أن يسأل بهم، أما سؤالهم بأن يتوسطوا له عند الله، أو يعطوه مطلوبه، أو يزيلوا عنه مرهوبه، فهذا شرك أكبر، وأما سؤال الله بهم فهذا بدعة قد تجر إلى الشرك، وتكون وسيلة إلى الشرك.
مسائل باب ما جاء في المصورين

 وجوب طمس الصور
[ المسألة السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت ]. إذا وجدت الصورة الواجب أنها تطمس، يعني: تمسح بشيء يزيلها أو يحكها أو ما أشبه ذلك، وجاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وجد فيها صوراً، ووجد فيها صورة إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام فقال: (قاتلهم الله! لقد علموا أنهما لم يستقسما بها).

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [128] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

http://audio.islamweb.net