اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صلاح الظاهر والباطن للشيخ : سلمان العودة


صلاح الظاهر والباطن - (للشيخ : سلمان العودة)
يرى الشيخ أن الخطاب الدعوي حالياً يركز على إصلاح الظاهر ولا يهتم بإصلاح الباطن.. وأن الناس عامتهم وخاصتهم يخدعون بالمظاهر ويقَيِّمون الناس على أساسها، وأن التوبة اقتصرت على إصلاح الظاهر، وأن المربين لا يعالجون أمراض القلوب بقدر ما يهتمون بالظاهر.. كما أن بعض الناس يحتج عليك إذا نهيته عن منكر هو عليه بأن التقوى في القلب.. وفي هذا الدرس ذكر العوامل التي يصلح بها الباطن، كالعلم، والعمل الصالح، والاهتمام بالأعمال القلبية، كالحب، والخوف، والرجاء، وغير ذلك.
حقيقة الإنسان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعــد:فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.اقترح علي بعض الإخوة أن تكون هذه المحاضرة حلقة ضمن دروس السلسلة العلمية العامة، ورأيت هذا الاقتراح وجيهاً، وذلك نظراً لأهمية موضوعها وحاجة الكثير من الناس إليه هنا وهناك، ولذلك فإن رقم هذا الدرس هو الحادي والخمسون، وهذه ليلة الخميس الثالث عشر من جمادى الآخرة لسنة (1412هـ) وينعقد هذا الدرس استثناءً في هذا المكان في جامع حي سلطانة، وعنوان هذا الدرس: صلاح الظاهر وصلاح الباطن.الإنسان مظهر ومخبر، وصورة وحقيقة، وهذا أمر معروف تفَّطن له الناس قديماً وحديثاً، ولذلك قال الأول -الشاعر الجاهلي- وهو زهير بن أبي سلمى:وكائن ترى من صامت لك معجبٍ زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم تبق إلا صورة اللحم والدم أي أن الإنسان وهو ساكت قد يعجبك، لكنه إذا تكلم زاد أو نقص بحسب جودة كلامه وقوته وسيلانه أو عكس ذلك، فإذا كان لسان الفتى نصفاً، وكان عقله وقلبه وفؤاده نصفاً آخر، لم يبق منه إلا صورة اللحم والدم، وهو بذلك يلفت النظر إلى أهمية تثقيف الإنسان، وبتقوية عقله، وتعزيز ذهنه، وتحريك قريحته، وكذلك تدريبه على جودة المنطق وصفاء الكلام، قبل أن يكون الاهتمام بمظهره وشكله الذي هو صورة من اللحم والدم، يستوي فيها الإنسان مع غيره من الحيوانات، وهكذا لم يكن المقياس عند الناس -حتى في الجاهلية الأولى- في الإنسان مقياساً ظاهرياً محضاً في شكله وهيئته ومظهره، بل كانوا يقيسون الإنسان بباطنه وحقيقته، قبل أن يقيسوه بمظهره، ولعلنا جميعاً نحفظ تلك القصيدة الطويلة الجميلة، التي قالها العباس بن مرداس السلمي وهو يخاطب بعض بني قومه معاتباً:ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير كم من إنسان يعجبك بمظهره، لكنك إذا ابتليته وقسته ومسسته، لم تجده أهلاًَ لهذا الإعجاب.ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير فما عظم الرجال لهم بفخر ولكن فخرهم كرم وخير بغاث الطير أكثرها فراخاً وأم الصقر مقلات نـزور أي: أن هذه البغاث من الطيور الصغيرة كثيرة الفراخ، لكن الصقور قليلة نـزرة، تلد بين الفينة والأخرى، وشيئاً يسيراً واحداً، ومع ذلك فإنه ثمين نفيس عظيم، لا يقاس ببغاث الطير؛ ولهذا قيل: "إن البغاث بأرضنا يستنسر" أي يتشبه بالنسور وهو لا يقاس ولا يقرن بها.صغار الطير أطولها جسوماً ولم تطل البزاة ولا الصقور لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير وتضربه الوليدة بالهراوي فلا غير لديه ولا نكير يُصرفه الصغير بكل وجه ويحبسه على الخسف الجرير أي: أنه يجر بالحبل، وهو ضخم كبير فلا يُغيَّر ولا يتحرك، ثم قال:فإن أك في شراركم قليلاً فإني في خياركم كثير<
 علاج المظاهر المخالفة للشرع
أقصد من هذا الكلام أن أقول: إنه بالنسبة للأشياء المتعلقة بمظهر الإنسان، إذا كان معتاداً على فعلها أو على تركها، وغيَّر فربما يجد صعوبة أول الأمر، ثم بعد ذلك يصبح الأمر طبيعياً، لتعوَّد الناس على أن فلاناً يعفي لحيته، وانتهت المشكلة خلال أسبوع. لكن أمور المخبر، قلبية ليست بهذه البساطة أبداً، فهي أمور صعبة، وقد يجاهد الإنسان نفسه زماناً طويلاً على علاج مرض من أمراض القلب كالرياء، ويفشل ويخفق في ذلك، حتى أن منهم من يقول: والله إني أعالج نفسي من آفات الرياء مئات المرات، حتى إذا ظننت أني قد نجوت منه وجدت أني قد بليت به من جديد، فعدت أجاهد نفسي بعد ذلك مرات ومرات، وقل مثل ذلك في أمراض القلوب، وهي كثيرة جداً. إذاً: علاج أمراض القلب ليس كعلاج الأمراض الظاهرة، فالأمراض الظاهرة علاجها أيسر، وقد يتركها الإنسان بسهولة، وقد يتركها تصنعاً، وقد يتركها لسبب أو لآخر، لكن أمراض القلوب لا يتركها العبد إلا لله؛ لأن المطلع على القلب هو الله سبحانه، وكذلك إزالتها ليست بالأمر الهين، بل هي أمر صعب يحتاج إلى مجاهدة. ولعلكم من خلال هذا أدركتم جانباً من أهمية علاج مثل هذه الأمور، سواء على مستوى الخاصة أو على مستوى العامة على مستوى طلبة العلم والدعاة والعباد والزهاد أو غيرهم.
التغيير الذي أحدثه الرسول صلى الله عليه وسلم
لكي تدركوا خطورة الموضوع وأهميته؛ أطرح عليكم سؤالاً: عندما جاء الإسلام، وبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هو الذي حدث بالضبط؟ وما هو أعظم تأثير أحدثه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياة الأفراد والأمم والشعوب والجماعات؟ خذ مثالاً ملابس العرب في الجاهلية: كيف كانوا يلبسون؟ أما كان العرب في الجاهلية يلبسون الإزار والرداء؟ بلى! كانوا يلبسون الإزار والرداء. أما كان العرب يلبسون العمامة أحياناً؟ بلى! كان من ملابس العرب في الجاهلية، عمامة بذؤابة أيضاً، وكانوا يلبسون النعال، والخفاف، فهل غير الإسلام هذه الأشياء وقال حرام أن تلبس الإزار والرداء؟ وحرام أن تلبس العمامة؟ أو نلبس الخف أو النعل؟ لا! كل ما فعله الإسلام أنه وضع ضوابط وأسساً بالنسبة للباس، أن يكون مباحاً في نفسه، ألاَّ يكون حريراً للرجال، أن يكون ساتراً، ألاَّ يكون مسبلاً تحت الكعبين، ألا يكون ضيقاً، ألا يكون لباس شهرة. إذاً وَضَعَ الإسلام صفات وضوابط للباس، وأما ما كان معتاداً عندهم في الجاهلية، من ألوان الملابس، فإن الإسلام لم يتدخل في تغييرها، إنما دخل في التعديل بما يتلاءم مع الضوابط والشروط الإسلامية الشرعية.سؤال ثانٍ: جاء الإسلام، وأسماء العرب: طلحة، وسفيان، وأرقط، وعبد الله، ومحمد، وغَير ذلك من الأسماء، فهل الإسلام -عندما جاء- غيَّر هذه الأسماء كلها، وألزم كل مسلم جديد أن يغير اسمه، ويستحدث لنفسه اسماً جديداً غير الاسم السابق؟ الجواب: لا! ونحن نعرف أن كثيراً من أسماء الجاهلية ظلت في الإسلام، صحيح هناك أناس غيّر الرسول عليه الصلاة والسلام أسماءهم.. لأنها أسماء لا تنطبق مع الشروط والمواصفات الشرعية، مثل: ألاَّ يكون هناك تعبيد لغير الله، فإذا كان اسمه عبد المطلب أو عبد العزى غير النبي عليه والصلاة والسلام اسمه، وسماه عبد الله مثلاً. وكذلك إذا كان اسمه فيه تشاؤم، قد يغير اسمه مثلما طلب من حزن تغيير اسمه إلى سهل، ومثله إذا كان الاسم مذموماً شرعاً غيره النبي عليه الصلاة والسلام: فالذين كان اسم الواحد منهم العاصي، مثل العاص بن وائل وغيره، غير النبي صلى الله وعليه وسلم أسماء من أسلم منهم، ومنهم مطيع والد عبد الله بن مطيع، كان اسمه العاصي فسماه النبي صلى الله عليه وسلم مطيعاً، وآخر سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، ومثله أبو جندل، كان اسمه العاص كما ذكر أهل السير، فغير النبي صلى الله عليه وسلم أسماءهم لأنها أسماء مكروهة، لأن المعصية ممنوعة في الشريعة ومذمومة، فيغيره.إذاً: غيَّر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأسماء التي لا تنطبق مع المواصفات والشروط الإسلامية، لكن هل كان كل من أسلم يعطيه اسماً جديداً، أو يقول له: غير اسمك، ما كان هذا شرطاً، متى كان الاسم لائقاً بقي اسمه كما كان من قبل. ونعرف أنه كان في العرب مجموعة ممن تسموا محمداً حتى قبل الإسلام، وخاصة من كانوا على علم بدين أهل الكتاب، وكانوا يتوقعون أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، مثل أمية بن أبي الصلت كان ينتظر أن تكون النبوة له، ولذلك سمى نفسه محمداً، وجماعة سموا أولادهم محمداً رجاء أن يكون أحدهم هو النبي عليه الصلاة والسلام. هل التفت الإسلام عندما جاء إلى أشكال العرب أو المدعوين؛ إلى كون الواحد منهم قصيراً أو طويلاً أو أبيض أو أسود، عربياً أو عجمياً؟ كلا! بل كانت هذه الأشياء غير ذات اعتبار. لما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، وبدأ بدعوته، هل كانت بداية الدعوة هي فقط دعوة إلى تغيير عادات اجتماعية؟ طريقتهم في العلاقة فيما بينهم، وطريقة استقبال الضيوف، وطريقة طبخ الطعام، وطريقة اللقاء، وطريقة الوداع، وطريقة السفر... إلى آخر العوائد مما يسمى بعوائد العرب، هل كانت بداية دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام لما صدع بين أظهرهم: يا معشر العرب! أنتم على عادات قبيحة، وعلى تصرفات غير لائقة، وأنا بعثت لأغير هذه العادات والتقاليد، لا!
 شمولية التغيير
إذاً: دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم دعوة عظيمة غيَّرت قلب الإنسان وعقله ومظهره، غيرت الفرد، وغيرت الجماعة، والدولة، والأمة، كل هذا أحدثه الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا التغيير الذي أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم هو عبارة عن دين كامل مهيمن نظّّم كل شيء، الفرد والمجتمع، المظهر والمخبر، لهذا نقول: حتى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام فإن كل مسألة تمر بالإنسان سواء كانت قضية شخصية أو زوجية أو عائلية أو اجتماعية أو اقتصادية، تتعلق بالرجل أو بالمرأة، بالفرد أو بالمجتمع، -وكل من ألفاظ العموم- كل قضية فلله وللرسول صلى الله عليه وسلم فيها حكم، إما إيجاب أو تحريم، أو إكراه، أو استحباب، أو إباحة، فلا يوجد شيء في الدنيا تقول فيه: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، فهذا غلط، وهذا عمل الجاهلية الأولى. أما الإسلام فليس هناك شيء لقيصر، كل شيء لله، فقيصر وما ملكت يداه لله، ولهذا كان من تلبية المسلمين: لبيك لا شريك لك، وأهل الجاهلية كانوا يقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، أعطوه بعض الحقوق. أما في الإسلام، فليس لله شريك.. والعلمانية تقول: الدنيا لقيصر، والمسجد لله، وهذا كفر بالله وردة عن الإسلام: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] والذي يقول: هذا حلال وهذا حرام، عليه إما أن ينسب ذلك إلى الله والرسول، وإلا فسوف يكون مفترياً على الله: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116]. إذاً: لا يوجد شيء في الدنيا إلا ولربنا جل وعلا ولرسولنا صلى الله عليه وسلم فيه حكم يجب على المسلم التعرف عليه واتباعه والتزامه. وأنا أقول هذا؛ حتى تعرف أنه ليس في الإسلام تهوين في شيء، فلا تهون في المظهر، وتقول: لا يهم! من الذي قال لك: لا يهم؟! لا يتصور أبداً إنسان عنده صلاح في باطنه إلا وعنده صلاح في ظاهره، ولا يتصور صلاح الأفراد إلا بصلاح المجتمع، ولا يتصور صلاح الرعية إلا ويصلح الحاكم، فكل هذه الأشياء مترابطة، والإسلام جاء بإصلاح الجميع. وكما أن الإسلام ضبط لك المظهر، وأمر المسلم بالعناية بشكله الظاهر، فحرم عليه حلق لحيته مثلاً، وكذلك جاء بتعليم معين في قص الشارب أو تقصيره والأخذ منه, حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من لم يأخذ من شاربه فليس منا}؛ ولهذا إذا أراد بعض الناس أن يمدحوا بعضهم، قال: والله الرجال طوال الشوارب! الإسلام لا يمدح بطول الشوارب، ولو كان طول الشوارب مما يمدح به لكان غير الإنسان أولى بهذا، فمن الحيوان المذموم من يكون طويل الشوارب، إنما يأخذ المسلم من شاربه ويقصه.كذلك جاء الإسلام إلى الثياب، ووضع إطاراً عاماً لها، فوضع صفات وشروطاً لا بد من التزامها.وكذلك جاء الإسلام فيما يتعلق بالشعر للرجل والمرأة، بتعليمات لا ندخل في تفاصيلها، سواء في حلق الشعر أو تركه.كذلك جاء الإسلام بسنن الفطرة، كالسواك والاستحداد الذي هو إزالة الشعر الداخل كالإبطين والعانة وغير ذلك من الأشياء التي ينظم فيها مظهر الإنسان، هذا جانب. وبالمقابل جاء بالأشياء الأخرى التي فيها تغيير لعقلية الإنسان، وتغيير لقلبه، فعلَّم الإنسان كيف يعرف ربه، بصفاته وأسمائه وأفعاله جل وعلا.. وبين من هم الأنبياء والمرسلون، وما هي حقوقهم، وماذا يجب على المسلم بالنسبة لهم من الإيمان بهم، ومحبتهم وأتباعهم، وطاعتهم.. إلى آخر ذلك. جاء بالنسبة للدنيا والآخرة، فبيَّن الدار الآخرة: البرزخ والموت وما بعده، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، والجزاء والحساب، وغير ذلك، وجاء بالإيمان بالقضاء والقدر. وأتى بقضايا كثيرة تُنظِّم فهم الإنسان -إن صح التعبير- أو تصحح فهمه وتصوراته عن كل شيء، كما جاء بالنظام الاجتماعي، من تنظيم أمور الزواج والعلاقات وغير ذلك، وجاء بالنظام السياسي الذي يحكم حياة الناس دقيقها وجليلها، ويبين حق الراعي وحق الرعية والعلاقة بينهما، ومراقبة الحاكم ونقده وتصحيحه، وعدم المتابعة على الخطأ، وتعزيز الصواب إلى غير ذلك، فجاء بنظام سياسي كامل، كما أنه نظم علاقة الناس بعضهم ببعض، أفراداً، وجماعات، ودولاً، ونظم علاقاتهم بالكفار سواء كانوا محاربين أو ذميين أو مستأمنين إلى غير ذلك. وكل ذلك مرتبط بالعقيدة الداخلية الموجودة في ضمير الإنسان والتي ينبثق منها التعليم، وهي الرقيب -أيضاً- على أعمال الإنسان، بمعنى لو كانت القضية مجرد قرار صدر بتغيير شيء، فما دام أن عند الإنسان عقيدة فيمكن أن يخالفه في الخفاء وفي السر، وكم من القرارات التي تصدر في طول العالم وعرضه، تصدر علانية وتخالف سراً! وربما يكون من أول من يخالفها هو من أصدرها! لماذا؟ لأن هذا القرار ما صدر عن عقيدة تكون هي الرقيب على أعمال الإنسان وتصرفاته، حتى وهو منفرد، فإنه يراقب الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية، بل هي أشياء مظهرية شكلية غير مرتبطة بعقيدة؛ ولهذا أخطر شيء على حياة الناس هو أمر العقيدة. خذ مثالاً صغيراً، قضية المخدرات، الآن هناك حرب عالمية على المخدرات، ونحن نشارك ضمن هذه الحرب في أجهزة الإعلام، ونضع أوراقاً في الشوارع، ونضع خرقاً، ونضع دعايات في كل مكان، المخدرات سم قاتل، عدو فاحذروه، وعبارات، وتعاون بين الجهات والوزارات وغير ذلك. نحن هنا نعالج في الغالب الأمر الظاهر، لأنني أنا مسئول في جهة معينة -مثلاً- أو في إدارة، أو مدرسة، وجاء أسبوع مكافحة المخدرات، يهمني أن يوجد اسمي أو اسم المدرسة أو اسم المؤسسة أو اسم الجهة، بأنها شاركت في شيء من النشاط، وأن أقدم تقريراً في هذا الأمر! لماذا؟ لأن القضية قضية تعامل بالشكليات، لكن إذا تحول الأمر إلى علاج حقيقي بالقلب، فمعناه أننا نعالج الناس بالتربية الوجدانية، بالإيمان، وبالخوف من الله، فأصبح المؤمن حتى لو كانت المخدرات عنده -مثلاً- أو الخمر في متناول يده، حتى ولو كان في بلاد الكفر والإباحة، فإنه يكف عنها، ليس عجزاً ولا خوفاً من السلطة -أيضاً- إنما خوفاً من الله تعالى، قبل أن يكون خوفاً من المرض أو من الآثار أو من الأضرار؛ فهو يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، والمطلع عليه في جميع الأحوال، وفي جميع التصرفات، فيمتنع ويكف خوفاً من الله تعالى، حتى ولو كانت هذه الأمور تحبها نفسه أحياناً، مثل المشروبات، أو النساء أو غير ذلك، لو كانت في متناول يده كف يده عنها، وتذَّكر قول الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:41].
حرص الإسلام على بناء الإنسان ظاهراً وباطناً
إذاً: بناءُ الإنسان بناءً جديداً هو قبل عملية الفتوح، وقبل الحركة العلمية التي أحدثها الإسلام، وقبل الإبداع الحضاري، وقبل النجاح السياسي، قبل هذا كله، نجح الإسلام في بناء الإنسان، وهذا الإنسان بدوره هو الذي فتح الفتوح بإذن الله، وهو الذي أحدث الحركة العلمية، وهو الذي أبدع في الحضارة، وهو الذي تقدَّم في السياسة، كان هذا النجاح كله أثراً للنجاح في بناء الإنسان، والإنسان كما قال:لسان الفتى نصف ونصفٌ فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فالإنسان ليس بالشكل، وليست تربيته تربية العجول لا يا أخي وليست مسألة رياضة تجتمع فيها الآلاف المؤلفة على المدرجات، تهتف وتصيح وتلوح بالأعلام والشعارات، فتتكدس أجسامهم وتضيع ويصبح لا قيمة لهم، إن بناء الإنسان بناء العقل، والقلب، والروح، والتقوى، والخلق، بحيث تكون أمام إنسان واعٍ عالم عاقل مدرك خلوق فاضل حريص غيور، ومع ذلك لا مانع من الاهتمام بصحته والاهتمام بقوته، وحفظه مما يضره فهذا مطلوب، بل واجب على من ولاه الله أمر المسلمين أن يحرص على وقاية الناس، من كل ما يضر بصحتهم أو بأبدانهم؛ وبطبيعة الحال، من باب أولى أن يحرص على وقايتهم مما يضر بأديانهم أو عقولهم أو أخلاقهم، وهذا باب آخر.
 وسائل إصلاح الظاهر
أما إصلاح الظاهر، فكما قلت: أهم وسيلة لإصلاح الظاهر هي الشجاعة، فإذا كان الإنسان عنده معصية ظاهرة، فأعظم وسيلة لإصلاحها هو أن يكون عنده شجاعة على مواجهة الناس بشيء لم يتعودوه، كإنسان مقصر، عنده معصية، وهي أنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولا ينشر علمه، وإذا كان قادراً على ذلك يقول: أستحي! حسناً فما الحل؟ الحل هو أن تعود نفسك على هذا الأمر، وستجد في أوله إحراجاً وصعوبةً، ولكن بعد ذلك سيكون الأمر عادياً. زمن تعود عليه الناس أنه بشكل معين، لو رأوه على غيره أنكروا وتعجبوا، فعليه أن يسعى إلى إصلاح ظاهره، وسيفاجأ أول الأمر، ثم بعد ذلك يألفون ولا يستنكفون ولا يستنكرون أو يستغربون. ومع التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه، والاحتساب فإنه من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].
وسائل إصلاح الباطن
هناك وسائل كثيرة نذكر منها ما يلي:
 الوسيلة السابعة: الموالاة.
الموالاة: من أعمال القلب التي تتبعها أعمال في الجوارح، تحب ما يحب الله، وتبغض ما يبغض، وقد ذكرنا حديث عائذ بن عمرو قبل قليل لما قال الرسول لـأبي بكر {لئن كنت أسخطتهم، لقد أسخطت ربك} هذا هو الولاء والبراء. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: {آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار} والحديث متفق عليه، لأن الأنصار صاروا رمزاً من رموز الولاء لهذا الدين والجهاد في سبيله والصبر على تضحياته وتكاليفه، فلا يبغضهم إلا منافق، ولا يحبهم إلا مؤمن، ومثلما سبق لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ولهذا قال تعالى في الحديث القدسي: {ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه}.فلا بد من الإقبال على أعمال القلوب ومحاولة إصلاحها.
الأسئلة

 أعمال من لا يهتم بأعمال القلوب
السؤال: اهتمام كثير من الناس بالظاهر وترك العلم بالباطن، كالنية وغيرها؛ هل تقبل أعمالهم؟الجواب: إذا كانت نية الإنسان صالحة في الأصل، فإنها تقبل إن شاء الله تعالى، أما إذا كان قصده الناس، فالله تعالى يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] ويقول يوم القيامة {اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء}!! أسأل الله تعالى أن يكون هذا المجلس في ميزان حسناتنا وأن يتقبله منا، ويعفو عنا ويسامحنا ويغفر لنا، ويثبتنا بقوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. والحمد الله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صلاح الظاهر والباطن للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net