اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقفات في شهر رمضان للشيخ : سلمان العودة


وقفات في شهر رمضان - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الشيخ -حفظه الله- عن بعض الأمور التي يحتاجها الصائم، فوقف ثلاثين وقفة في مطلع شهر رمضان بين فيها فضل هذا الشهر الكريم وأهمية التزود من فضائله ونفحاته، لأن تزكية النفس في شهر رمضان مطلب كل مسلم لا سيما أن للقرآن فيه طعماً خاصاً ولذة قاهرة ومعاني أصلية، ويعيش المرء فيه مع الله.
وقفة مع آية الصيام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعــد:هذا هو المجلس السابع في سلسلة الدروس العلمية العامة، وينعقد في ليلة الإثنين، التاسع والعشرين من شهر شعبان لعام ألف وأربعمائة وعشرة للهجرة، ومن المحتمل أن تكون هذه الليلة هي آخر ليلة في شهر شعبان، فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للصيام والقيام، وأن يوفقنا للتوبة النصوح، وأن يجعل ما نستقبل من أيامنا خيراً مما استدبرنا، إنه على كل شيءٍ قدير. أيها الإخوة الأكارم: درسنا هذه الليلة درسٌ جديدٌ تحت عنوان: (عشر وقفات في مطلع شهر رمضان) فاعتباراً من هذه الليلة، وعلى مدى شهر رمضان المبارك، فسوف تكون الدروس -إن شاء الله- دروساً أو جلسات رمضانية، نتحدث عن بعض الأمور التي يحتاجها الصائم، وفي هذه الليلة لنا عشر وقفات في مطلع هذا الشهر، وبإذنه تبارك وتعالى في الأسبوع القادم لنا عشر وقفات أخرى، فالوقفات في الأصل عشرون لكن نأخذ منها الليلة عشراً، وسيكون موعد الدرس -إن شاء الله- بعد صلاة التراويح في هذا المسجد في ليلة الإثنين، أي في مثل هذه الليلة من كل أسبوعٍ إن شاء الله تعالى.الوقفة الأولى -أيها الإخوة- هي وقفة مع النص القرآني.
 العلة من الصيام
ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون [البقرة:183] إشارة إلى العلة والحكمة من مشروعية الصيام، وهي تحقيق التقوى للصائم أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184] فهي قليلة بالقياس إلى السنة، فإنها شهر من السنة فهي أياماً معدودة قليلة ليس فيها على الإنسان مشقة ولا ثقل،... إلى آخر الآيات.
أصناف الناس في رمضان
الوقفة الثانية: أصناف الناس في رمضان. والناس في استقبالهم لرمضان على صنفين:
 قومٌ كارهون
وفي مقابل ذلك تجد طائفةً أخرى من الناس يستثقلون هذا الشهر الكريم، ويستعظمون نـزوله بهم إذا نـزل، فهو كالضيف الثقيل، ثم يعدون أيامه وساعاته ولياليه، وهم يعيشون على أعصابهم، ويفرحون بكل يومٍ يمضي وليلة تفوت، حتى إذا قرب العيد بدأت قلوبهم ترفرف فرحاً بقرب خروج هذا الشهر، وذلك لأنهم لم يقدروه حق قدره؛ لأنهم أولاً: اعتادوا على اللذات، والشهوات، من التوسع في المأكل والمشرب والملبس والمنكح، وغيرها.... فضلاً عن اللذات المحرمة، فوجدوا في هذا الشهر مانعاً وقيداً يحبسهم ويحول بينهم وبين لذاتهم؛ فاستثقلوه واستطالوا أيامه ولياليه.ثانياً: لأنهم قومٌ عظم تقصيرهم في الطاعات، حتى إن منهم من لا يؤدي الصلاة، ومنهم من يقصر كثيراً في حقوق الله، فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض العبادات، فوجدتَ كثيراً من الناكثين القاسطين المقصرين بدءوا يترددون على المساجد، ويشهدون الجمع والجماعات إلى غير ذلك، فيستثقلون هذا الشهر؛ لأنهم يلتزمون فيه ببعض الطاعات التي قصروا فيها في غيره. لذلك يذكر المؤرخون -كـابن رجب وغيره- أن ولداً لـهارون الرشيد كان غلاماً سفيهاً، فلما أقبل رمضان ضاق به ذرعاً وبدأ يقول:دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الأنام بقوة على الشهر لاستعديت قومي على الشهر فهو يدعو على رمضان ويقول: عسى ألا أصوم شهراً بعده آخر الدهر، ولو كان يمكن أن أستعين بالناس على هذا الشهر لأتغلب عليه لاستعنت بهم، قال: فأصيب بمرض الصرع، فكان يصرع في اليوم عدةَ مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر بعد ما قال ما قال. وهكذا الذين يستثقلون رمضان لأنهم سيفارقون فيه مألوفهم من الشهوات، ويلتزمون ببعض العبادات، إضافةً إلى ضعف يقينهم بما أعد الله تبارك وتعالى للمؤمنين، فإنهم لا يدركون فضل هذا الشهر ولا يتصورون عظمة الأجر المكتوب لهم، فيه فلا يجدون فيه من اللذة والفرح والسرور ما يجده أصحاب الإيمان.
من معاني الصيام
الوقفة الثالثة: من معاني الصيام. وللصيام -أيها الإخوة- معانٍ ومقاصد عظيمة لو تأملناها لطال عجبنا منها:
 تربية المجتمع
المعنى الرابع من معاني الصيام: تربية المجتمع. ربما يكون الكثير منا -بل لعل الجميع- صام يوماً من الأيام نفلاً، إما أيام البيض أو يوم عاشوراء أو يوم عرفة، أو ما أشبه ذلك.فما هي المقارنة بين صوم النفل وصوم الفرض؟ صوم النفل يتعب فيه الإنسان بعض الشيء ويجد شيئاً من المشقة، أما صوم الفرض فإن الإنسان يقول فيه: سبحان الله! كيف يسر الله تبارك وتعالى لنا الصوم، والله ما كأننا صائمين. هكذا لسان الجميع، ما هو السبب؟ لا شك أن الله تعالى يعين العبد في فرض الصيام ونفله، وإن كانت الإعانة في الفرض أكثر، لكن الإعانة موجودة في الجميع، وإنما من أهم الأسباب -في نظري-: أن الله تعالى جعل صوم رمضان فرضاً على الجميع، ولذلك كلما تلفت الإنسان وجد أن المجتمع صائم، فأنت تخرج للسوق فتجد الناس صائمين، وتذهب لسوق الخضار فتجد الناس صائمين، وتدخل البيت فتجد أهل البيت صائمين، وتذهب إلى المدرسة فتجد زملاءك صائمين، وتذهب للعمل فتجدهم صائمين، فالكل صائم. ولذلك يحس الإنسان بأن الأمر الذي يفعله هو أمر يفعله الجميع، وهذا لا شك مما يجعل الموضوع غير ثقيل على النفس، ولهذا فالإخوة الذين يصومون في مجتمعاتٍ مفطرة، كما يقع لبعض الذين يعيشون في بلاد الغرب، إما لمرض -عافانا الله وإياكم- أو لحاجة أو لضرورة، فإنهم يجدون مشقة عظيمة في صيام رمضان؛ لأن الناس مفطرون هناك، فهو يجد الناس يأكلون في كل مكان، ولا يراعى أن يكون صائماً، فهو مطالب بأن يعمل كما يعمل غيره، ويخرج كما يخرج غيره، ويدخل كما يدخل غيره، من غير مراعاة لكونه صائماً، فيجد في ذلك مشقةً عظيمة، كما حدثنا الإخوة الذين عاشوا هناك في شهر الصيام، لكن في المجتمعات المسلمة الصائمة لا يجد الإنسان هذه المشقة، وفي هذا تربيةٌ للمجتمع. ولذلك رأينا -أيها الإخوة- بأعيننا أن الإنسان حين يذهب في شهر الصيام حتى للمجتمعات المنهمكة في الفساد، ولكن عليها آثار الإسلام وفيها بقايا الإسلام؛ يجد دخول الشهر الكريم مميز تماماً، فإذا دخل الشهر وجدت آثار رمضان ظاهرة على الجميع، حتى الفساق يظهر عليهم آثار الشهر الكريم، ففي ذلك تربية للمجتمع. ولهذا تلاحظون دائماً أن الإسلام يُعنى عنايةً كبيرةً بإصلاح المجتمعات من الفساد -مثلاً- كحادثة فردية، فإن هذه الأخطاء الفردية واقعة في كل مجتمع لا بد منها، حتى المجتمع النبوي مجتمع الصحابة، وقع فيه حالات من الانحراف، وجد إنسان زنا وآخر سرق وثالث شرب الخمر مثلاً، لكن المشكلة حين تتحول هذه المنكرات إلى منكرات معلنة موجودة على الملأ، فتتلوث البيئة العامة، ويصبح الإنسان الذي يريد الخير قد لا يهتدي لأن المجتمع يضغط عليه، ولهذا -أيضاً- تلاحظون أن أعداء الإسلام حريصون على إفساد المجتمع وتلويث البيئة. ولعلكم سمعتم -مثلاً- بما يسمى بالبث المباشر، وكثيراً من تُحدِثَ عن هذا الموضوع، وهو محاولة الدول الغربية أن ترسل بثاً تلفزيونياً إلى البلاد الإسلامية يكون مثل قنوات الراديو -تقريباً- بحيث يكون من الممكن في التلفاز أن يشاهد الإنسان أي محطة، وهذا ليس -كما يتصور البعض- أنه أمر قاب قوسين أو أدنى، لا شك أنه أمر فيه صعوبة وأمامه عقبات، لكنه أمر متوقع، فهم حين يفعلون ذلك وغيره كثير، يحاولون أن يلوثوا البيئة العامة حتى تفسد وتنحرف؛ بحيث أن الذي يريد الصلاح لا يصلح لأن المجتمع يعارضه، فهو إن صلح يصبح ضد التيار كما يقال.وهذا من أعظم مقاصد الصيام، أن الله عز وجل يربي المجتمع الإسلامي بالصيام، بحيث يتحول إلى مجتمعٍ صائم، ولذلك تجد الصغار عندنا يصومون، وتجد الفساق يستترون، وتجد الكفار لا يستطيعون أن يعلنوا الأكل والشرب في الأسواق وعلى الملأ، لأن المجتمع يفرض عليهم هذا الأمر.
فضائل الصيام
الوقفة الرابعة: فضائل الصيام.
 خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك
ومن فضائل الصوم: أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك. وخلوف فم الصائم هي الرائحة التي تخرج من الفم، وهي في الواقع من المعدة، لكن تخرج عن طريق الفم في آخر النهار، بسبب خلو المعدة من الطعام، وهي رائحة مكروهة للخلق؛ لكنها محبوبةٌ للخالق، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك} وفي صحيح مسلم: {أطيب عند الله تعالى يوم القيامة من ريح المسك} وفي هذا دليل على أنه لا بأس أن يتسوك الإنسان بعد الزوال. وهذا هو الرأي الراجح والصحيح في المسألة؛ بل يستحب للإنسان أن يستاك بعد الزوال ولو كان صائماً، فيستاك عند الصلاة وعند الوضوء، ويستاك عند دخول المنـزل، وعند الاستيقاظ من النوم.. إلى غير ذلك من المواضع التي يستحب فيها السواك، لأن الخلوف هذا -أولاً- ليس من الفم وإنما هو من المعدة، وثانياً: أنه أطيب عند الله تعالى يوم القيامة من ريح المسك.وقد ورد في أثر إسرائيلي: إن الله عز وجل لما أمر موسى أن يأتي إليه، أمره أن يصوم ثلاثين يوماً فصام ثلاثين يوماً، فلما انتهى منها وجد رائحة الخلوف في فمه فكأنه أفطر أو استاك، فأمره الله عز وجل أن يصوم عشرة أيام بعدها، وقال له: يا موسى، أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك. فأتمها الله تعالى عشرة أيام، فتم ميقات ربه أربعين ليلة. المهم أن من فضائل الصوم: أن خلوف فم الصائم -وهو أمر مكروه للخلق- أطيب عند الله تبارك وتعالى من ريح المسك، وهكذا جاء في الحديث عن دم الشهيد - مع أن الدم بحد ذاته أمر مستقبح مستقذر، بل هو نجس عند أكثر الفقهاء، لكن قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {إن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يدمي، اللون لون الدم والريح ريح المسك}. ولذلك فإن بكاء المذنبين بين يدي الله عز وجل، هو من أعظم السرور لهم والقربى إلى الله عز وجل، وربما يكون-أحياناً- خيراً من كثير من العبادات والطاعات التي يدل بها العبد ويستعظمها، ويعتبر أنه فعل من جرائها شيئاً عظيماً، بخلاف المنكسرين الباكين بين يدي ربهم، فإن قلوبهم منكسرة، ولذلك ورد في أثرٍ -وإن كان ليس بالقوي- أن الله عز وجل قال لبعض رسله وأنبيائه حين قالوا: أين تكون يارب؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي. ولهذا لا أعظم من الدعاء؛ لأن الدعاء يتحقق فيه انكسار العبد، وافتقاره إلى الله جل وعلا، وخاصةً إذا كان دعاءً عن ضرورةٍ وعن اضطرار: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ [النمل:62].
فضائل شهر رمضان
الوقفة الخامسة: فضائل الشهر الكريم، شهر رمضان. وما سبق إنما هو فضائل الصيام فرضاً أو نفلاً، أما فضائل رمضان فهي:
 في رمضان دعاء مستجاب
ومن فضائل شهر رمضان: أن فيه دعاءً مستجاباً. ولذلك روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه بسند جيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لكل مسلمٍ دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان}. وقد ورد في أحاديث عديدة أن هذه الدعوة عند الإفطار، فليحرص العبد عند إفطاره على أن يستجمع جوامع الدعاء ويدعو بها، وسأتحدث -إن شاء الله- عن جوامع الدعاء في الوقفات القادمة بإذنه تعالى.
من أحكام الصيام
الوقفة السادسة: وقفة سريعة على بعض أحكام الصيام. ولا شك أن الكلام عن أحكام الصيام يطول بل فيه مصنفاتٌ خاصة، ولذلك سأتحدث باختصارٍ وبسرعةٍ -أيضاً- عن بعض هذه الأحكام.
 المفطرات
والمفطرات هي: أولاً: الأكل والشرب والجماع. فإذا تعمد الصائم شيئاً من هذه الأشياء فإنه يفطر بإجماع أهل العلم، وهي مذكورة في القرآن الكريم، ولذلك قال الله عز وجل: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة:187] -أي: النساء بالجماع- وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] فأجمع أهل العلم على أن الأكل والشرب والجماع، هي من المفطرات إذا تعمد الإنسان شيئاً منها، من غير إكراهٍ ولا نسيان.ثانياً: من المفطرات -أيضاً-: القيء عمداً. إفإذا استقاء الإنسان وتعمد أن يستفرغ ما في بطنه فإنه يفطر بذلك، وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: {من استقاء عامداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه} والحديث رواه أبو داود والترمذي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب حقيقة الصيام: إنه حديث صحيح. ومعنى الحديث: أن من تقيأ من غير إرادةٍ فخرج منه القيء من غير قصد فهذا لا قضاء عليه، لكن لو تعمد كأن أدخل أصبعه أو شم شيئاً عن عمدٍ ليتقيأ فإن عليه القضاء، كما أفتى بذلك الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.ثالثاً: ومن المفطرات بالإجماع -أيضاً-: الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت أو نفست فإنه لا يصح منها الصوم، ولذلك جاء في حديث عائشة: {كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة} فدل على أن الحائض لا تصوم ولا يصح منها ذلك. هذه هي المفطرات المشهورة، ويدخل فيها ما كان في معناها، فمثلاً: يدخل في الأكل الإبر المغذية التي يستغني بها الإنسان عن الأكل والشرب، ويدخل في الجماع -من حيث أنه مفطر- الاستمناء عمداً بأي وسيلةٍ كانت فإنه يفطر ولا شك في هذا، ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف.ومن أفطر، فإن كان إفطاره بالجماع في نهار رمضان؛ فإن عليه أربعة أمور: الأول: أن يمسك بقية اليوم؛ لأن هذا الفطر غير مشروع، فيمسك بقية اليوم فلا يأكل ولا يشرب شيئاً. الثاني: التوبة لأن هذا إثمٌ عظيم، فهذا العمل كبيرة من الكبائر يجب التوبة منه.الثالث: أن يقضي يوماً مكان اليوم الذي أفسده.الرابع: الكفارة، وهي عتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يجد أطعم ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه الكفارة. أما إن كان فطره بغير الجماع، بأكلٍ أو شربٍ؛ فإن عليه التوبة والاستغفار، وأن يقضي يوماً مكانه على الراجح من أقوال أهل العلم.
رخص الصوم
الوقفة السابعة: رخص الصوم. فإن في الصوم رخصٌ عديدة رخص الله تبارك وتعالى فيها لنا، منها:
 جواز الفطر في السفر
ومن الرخص: أن المسافر له أن يتمتع برخصة الله تعالى له في الفطر، فإن كان الصوم يشق عليه فالفطر أفضل له، حتى ولو كان مسافراً في سيارة مكيفة، أو مسافراً في طائرةٍ -مثلاً- أو غير ذلك، فإنه يجوز له أن يترخص برخص السفر.
أخطاء الصائمين
الوقفة الثامنة: أخطاء الصائمين ومثالبهم. ولا شك أن الصائمين من أفضل العباد، لكن مع ذلك لا بد من التنبيه على بعض الأخطاء التي يقع فيها الصائمون:
 المبالغة في تناول الأطعمة
وأخيراً: من مثالب الصائمين: المبالغة في تناول الأطعمة. فإننا نجد أن كثيراً من الناس يستعدون لاستقبال رمضان بألوان المطعومات والمشروبات، ويعدون لسحورهم وفطورهم وعشائهم، من أطايب الطعام ما لا يعرفه الناس في غير رمضان، وهذا لا شك أنه يتنافى مع الحكمة الأساسية من مشروعية الصيام، ولذلك تعجبني كلمة ذكرها أحد المصنفين وهو يوبخ الناس، فيقول لهم: "إنكم تأكلون الأرطال، وتشربون الأسطال، وتنامون بالليل ولو طال، وتزعمون أنكم أبطال".وهذا في الواقع حكاية الحال التي يعيشها كثير من الجهال فالإنسان عليه أن يكون مقتصداً في أكله وشربه في رمضان.
وقفة مع بعض الأحاديث الضعيفة
الوقفة التاسعة: وقفة مع بعض الأحاديث الضعيفة التي يتداولها الناس في رمضان.
 حديث سلمان في استقبال رمضان
ومن أكثر الأحاديث شهرة، وهي أحاديثٌ لا تصح: حديث سلمان الفارسي المشهور، الذي يقرأ به الناس في الدروس والكتب، وهو حديثٌ طويلٌ في استقبال شهر رمضان، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: {أتاكم شهر رمضان.. إلى قوله: قد أظلكم شهر عظيمٌ مبارك، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً، من أتى فيه بخصلةٍ من الخير كان كمن أدى فريضةً فيما سواه، ومن أدى فريضةً فيه كان كمن أدى سبعين فريضةً فيما سواه، وهو شهرٌ أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار . إلى آخره} فهذا الحديث -أيضاً- لا يصح، بل هو ضعيف في سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، بل قال أبو حاتم: هذا حديث منكر. وكذلك نقل غيره تضعيفه عن أئمة آخرين.
الوقفة العاشرة
وهي أن ثمة موضوعات رمضانية في طائفةٍ أخرى من القضايا، مثل: قيام رمضان، والتراويح، والعمرة، والعشر الأواخر من رمضان، وكذلك العيد، والدعاء في رمضان والنفقة، وما أشبه ذلك، وهذه سوف أفرد لها جلسة في الأسبوع القادم -إن شاء الله- في مثل هذه الليلة بعد صلاة التراويح. نسأل الله أن يلحقنا وإياكم خيراً.
 حديث سلمان في استقبال رمضان
ومن أكثر الأحاديث شهرة، وهي أحاديثٌ لا تصح: حديث سلمان الفارسي المشهور، الذي يقرأ به الناس في الدروس والكتب، وهو حديثٌ طويلٌ في استقبال شهر رمضان، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: {أتاكم شهر رمضان.. إلى قوله: قد أظلكم شهر عظيمٌ مبارك، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً، من أتى فيه بخصلةٍ من الخير كان كمن أدى فريضةً فيما سواه، ومن أدى فريضةً فيه كان كمن أدى سبعين فريضةً فيما سواه، وهو شهرٌ أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار . إلى آخره} فهذا الحديث -أيضاً- لا يصح، بل هو ضعيف في سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، بل قال أبو حاتم: هذا حديث منكر. وكذلك نقل غيره تضعيفه عن أئمة آخرين.
فضل قراءة القرآن
الوقفة الحادية عشرة: هي مع قول الله عز وجل: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]. فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف} رواه الترمذي وهو حديث صحيح. وعن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه}رواه مسلم.وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران}.وقد أمر الله عز وجل بتلاوة كتابه، وبين أن هذا دأب الصالحين السابقين، فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29-30].
 أخطاء الناس في قراءة القرآن
وحول موضوع القرآن ورمضان، أريد أن أشير إلى بعض الملاحظات الجوهرية. فمن الملاحظات: أن بعض الناس يظنون أن ختم القرآن مقصود لذاته، فيهذ الواحد منهم القرآن هذ الشعر، لا يقف عند معانيه ولا يتدبره ولا يتخشع، ولا يرق قلبه عند معاني القرآن الكريم، إنما يهذه هذاً، وهمه الوصول إلى آخر السورة، أو الوصول إلى آخر الجزء، أو أن ينتهي من قراءة القرآن الكريم، ولا شك أنه ليس لهذا نـزل القرآن، فإن الله يقول في القرآن نفسه: كِتَابٌ أَنـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه [ص:29]. إذاً: المقصود هو التدبر والاتعاظ والاعتبار قال الله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات:50] فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6] ويقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4] فمن الخطأ الكبير أن بعض الناس يهمه أن يهذَّ القرآن هذاً ويختم، وإذا سمع هذه الآثار عن السلف أنهم ختموا في كل يوم مرةً أو في كل يومين مرة، قال: لا بد أن أقتدي بهم، فأصبح يهذُّ القرآن هذاً، لا يقف عند معانيه ولا يتدبره، ولا يخرج الحروف من مخارجها، ولا يعطي الأحكام التجويدية حقها، وهمه أن يختم القرآن، ولا شك أن ختم القرآن ليس مقصوداً لذاته، ولا شك أن كون الإنسان يقرأ بعض القرآن أو جزءاً أو سورةً منه، بتدبر وتفكر وتمعن خير من أن يقرأ القرآن كله دون أن يفهم منه شيئاً. وقد ثبت في موطأ مالك -رحمه الله- أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه جلس في تحصيل سورة البقرة عشر سنوات، فلما أتمها، نحر بدنة. هل ترى أن ابن عمر رضي الله عنه جلس عشر سنوات يتحفظ سورة البقرة؟ كلا! فإن صبيان الكُتَّاب عندنا يحفظون القرآن كله في سنة أو في سنتين، فلم يكن ابن عمر بحاجة إلى أن يجلس عشر سنين يحفظ سورة البقرة. إنما كان رضي الله عنه عشر سنين يحفظ السورة ويتعلم أحكامها ومعانيها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها، ويقف عندما ورد فيها، وهذا هو الذي جعله يستغرق في ضبطها عشر سنين.الملاحظة الثانية: أنه في بعض البلاد يوجد عادات شكلية حول قراءة القرآن، ومن ذلك مصر. فمثلاً: عندهم -خاصةً في الماضي وربما اندرست هذه العادة الآن- عادة يسمونها المساهر، حيث يجلسون في رمضان خاصةً بعد صلاة التراويح إلى السحور، فيأتي ذوو اليسار والغنى الذين أوجد الله عليهم ورزقهم، فيستأجرون قارئاً يقرأ لهم القرآن في بيوتهم، فيجتمع الناس على هذا القارئ، ويرفعون أصواتهم بعد قراءة كل آية بلفظ الجلالة -الله الله- أو الله يكرمك، ربنا يكرمك ويعطونه من هذه الدعوات، ويرفعون أصواتهم بهذه الصيحات، ولا شك أن هذا مخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم لعدة أمور:أولاً: قراءة القرآن بالأجر لا أصل لها، وهذا الذي يقرأ بالأجر الدنيوي ليس له أجر عند الله تعالى مادام قصده من القراءة الأجر من الناس.ثانياً: أن جمع الناس بهذه الطريقة لا تتم به الفائدة، فإن الأصل أن يقرأ الإنسان وحده ليتدبر ويخشع ويتمعن، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم -في السبعة الذين يظلهم الله في ظله- قال: {ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه}.ثالثاً: أن رفع الأصوات عند قراءة القرآن ليس من عادات المؤمنين، ولا يجوز ولا يسوغ، فإن الله عز وجل قال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] صحيح أنهم لا يرفعون أصواتهم عند القراءة، إنما يرفعونها بعد ما يسكت، لكن أيضاً هذا فيه سوء أدب مع القرآن، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه يفعلونه، ففي الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـعبد الله بن مسعود: {اقرأ عليَّ القرآن. قال: قلت يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنـزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأ عليه سورة النساء حتى وصل إلى قول الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41] قال: حسبك الآن، يقول ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان } صلى الله عليه وسلم. هذا هو الخشوع والتأثر بالقرآن، وهذا هو الاعتبار والأدب الواجب مع قراءة القرآن.ومن الأشياء التي تحتاج إلى وقفة فيما يتعلق بالقرآن الكريم: ما يسمى عند الناس اليوم بالختمة، وقد تحدثت عنها في مناسبات أخرى؛ لكن في هذا المناسبة أذكرها، فإن الناس في هذا -كما يقال- طرفان ووسط، وأعني بالختمة: إتمام قراءة القرآن في صلاة التراويح والقيام، ثم الدعاء المعروف، فمن الناس من يقول: هذه بدعة ولا يفصل، ومن الناس من يقول: الختمة سنة ويعمل بها -أيضاً- دون تفصيل. والذي أراه صواباً أنه لا بد من التفصيل في ذلك، فأقول:أولاً: إتمام قراءة القرآن الكريم في صلاة التراويح والقيام مشروع، كما سبق.ثانياً: الدعاء عند ختم القرآن الكريم -أيضاً- مشروع، وقد ثبت من حديث جابر عند أحمد وأبي داود، ومن حديث عمران بن حصين عند الطبراني، وهما حديثان صحيحان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {اقرءوا القرآن وادعوا الله به} وفي لفظ: {وسلوا الله به، فإنه يأتي قوم يتعجلون أجره ولا يتأجلونه} فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ القرآن ونسأل وندعو الله به. إذاً: فالدعاء عند ختم القرآن مستحب، وفي سنن الدارمي بسند جيد أن أنساً رضي الله عنه [[كان إذا ختم القرآن الكريم جمع أهل بيته فدعا بهم]].ثالثاً: هذا الدعاء الذي يقال عند ختم القرآن الكريم ينبغي أن يكون في صلاة الوتر، سواء في التراويح أو في القيام، وذلك لأن الوتر هو المكان الذي ثبت شرعاً أنه مكان للدعاء، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو، ويقنت في وتره، وعلَّم الحسن كما في سنن الترمذي بسند حسن، أنه صلى الله عليه وسلَّم علمه أن يقول: اللهم اهدني فيمن هديت.. إلى آخر الدعاء المعروف. فالسنة في الدعاء أن يكون في الوتر، قبل الركوع أو بعده، فكلاهما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم بعد الركوع.رابعاً: هذا الدعاء لا مانع من إطالته بمناسبة ختم القرآن، بمعنى أن يضاعف الإنسان الدعاء بمناسبة ختم القرآن، ويضيف أدعية تتعلق بالقرآن الكريم، مثل قول بعضهم: اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن الكريم، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل القرآن لنا شفيعاً.. إلى آخر الأدعية الخاصة بالقرآن، وهذه مناسبة جيدة، أن يختار الإنسان أدعية تتعلق بالقرآن الكريم. أما الدعاء الشائع عند الناس الذي يبدأ عندهم بقوله: صدق الله العظيم الذي لم يزل عليماً قديراً... إلى آخر الأدعية التي تبدأ عندهم بصدق الله العظيم، صدق الله، ومن أصدق من الله قيلاً، أو صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ما قال ربنا من الشاهدين، ولما أوجب وألزم غير جاحدين. فهذه لا أصل لها، والأولى بالإنسان أن يتجنبها، خاصةً وقد انتشرت عند الناس حتى ظن بعضهم أنها من السنن، فلو تركها أحد لأنكروا عليه وقاموا في وجهه، وقالوا: لقد خالفت السنة!! وليس لها أصل صحيح. ومما يدخل في المنع: أن بعض الناس يزيد في دعاء ختم القرآن مواعظ وأذكاراً تتعلق بذكر القبر وما يقع فيه من عذاب، وكذلك ذكر الصراط والبعث والجزاء والحساب والجنة والنار وما يقع فيها، ولا شك أن هذا ليس محله، وهو من الاعتداء المنهي عنه، وربما أوصل بعضهم إلى أن تبطل صلاته، لأن بعضهم يحول الدعاء إلى موعظة ويخاطب المصلين بالخطاب المباشر، وهذا يبطل الصلاة بلا شك. فينبغي أن يفرق بين هذا وهذا، فمن يقول: إن الختمة بدعة أو الختمة سنة، كلاهما ينبغي أن لا يتسرع في إطلاق هذه الكلمة، بل لا بد أن يفصل ويبين ما يكون سنة وما ليس بسنة، مع أن الأمر لا ينبغي التشديد فيه -فيما يظهر لي- حتى إن الذين يقرءون دعاء الختمة في التراويح، أعني في صلاة ثنائية في غير الوتر، يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر، كما ثبت عنه مرات، وثبت عنه القنوت في غير صلاة الفجر، في صلاة الظهر والعصر والعشاء في أحاديث كثيرة، فيقولون هذا من هذا، وإن كان هذا لا يقاس عليه، والعبادات ليس فيها مجال للقياس، ولذلك لا أصل للدعاء في صلاة ثنائية فيما أعلم.
القيام
الوقفة الثانية عشرة: هي مع القيام.فكما أن رمضان شهر الصيام فهو شهر القيام، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:1-5] ويقول عز وجل في صفة عبادة المحسنين: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18]. ولذلك ثبت في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل} وفي سنن الترمذي بسند صحيح، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: {لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة سمعت الناس يقولون: جاء محمد جاء محمد، وانجفل الناس إليه -أي هرعوا وركضوا وأسرعوا إليه، وكان عبد الله بن سلام يهودياً لم يسلم بعد- قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنظرت في وجهه، فلما استثبت في وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب. قال: فسمعته يقول: يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام}. وفي رمضان خاصة قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة-: {من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه، كما ثبت ذلك من حديث عائشة في الصحيحين: {أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة فصلى رجال بصلاته، فلما كان من الليلة الثانية كثر الناس فصلوا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الليلة الثالثة أو الرابعة كثر الناس حتى عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصبح ثم قال لهم: قد عرفت مكانكم، ولكنني خشيت أن تفرض عليكم، ما منعني من الخروج إليكم إلا أنني خشيت أن تفرض عليكم، فصلوا -أيها الناس- في بيوتكم} فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة القيام في رمضان ليلتين أو ثلاثاً. وكذلك حديث أبي ذر، الذي رواه أهل السنن وسنده صحيح، قال: {لم يقم بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى بقي سبع ليال، فصلى بنا حتى كان ثلث الليل، فلما كان من الليلة الثانية لم يصل بنا، فلما كان من الليلة الثالثة صلىَّ بنا حتى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -أي: لو صليت بنا بقية الليلة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. ثم قام بهم بعدها صلى الله عليه وسلم الليل كله، قال: حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح} والفلاح هو السحور، يعني صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى خشوا أن يفوتهم السحور.وهاهنا في موضوع قيام الليل في رمضان خاصة، لنا عدة ملاحظات:
 أهمية التوسعة في هذه الأمور
الملاحظة الثالثة في موضوع التراويح: أهمية التوسعة في هذه الأمور على الناس. فإننا نعلم من هدي الإسلام أنه دين اليسر والسماحة، خذ على سبيل المثال: الحديث المتفق عليه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وغيرهما، أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين حج حجة الوداع، كان واقفاً للناس في منىً لا يسأله أحد عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. قال قائل: رميت بعد ما أمسيت؟ قال: افعل لا حرج. حلقت قبل أن أرمي؟ قال: افعل ولا حرج... ولم يسأل صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر، من أعمال الحج مثل الرمي التي تفعل في يوم العيد، والنحر والحلق والطواف، إلا قال: افعل ولا حرج. سألوه عمن قدم الطواف؟ فقال: لا حرج، وسألوه عمن قدم الحلق؟ فقال: لا حرج، وسألوه عمن قدم النحر؟ فقال: لا حرج، لم يسأل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: لا حرج. فكان صلى الله عليه وسلم يحب التوسعة على أمته، وهذا مسلك نجده لعلماء أهل السنة عبر العصور، يكرهون المشقة على الناس، وهكذا يجب علينا في هذا العصر أن نبتعد عن المشقة على الناس في التراويح وغيرها.ومن الابتعاد عن المشقة أن يراعي الإنسان حال المأمومين، فإن كان يشق عليهم أن يصلي بهم عشر تسليمات، صلى بهم خمساً، وهذا أوفق وأقرب للسنة، وإن كان أكثرهم اعتاد على العشر وهي أخف عليهم، لأنه يشق عليهم طول الوقوف فيصلي بهم، عشر تسليمات ولا حرج في ذلك؛ لأنه ليس في صلاة التراويح حد محدود، المهم أن تكون مثنى مثنى، تسلم من كل ركعتين ولا تقرن أربعاً، ثم صل ما يناسبك، وإن كان الأصل في ذلك أن يكون العامة تبعاً لعلمائهم وأئمتهم وطلاب العلم، فليس الأصل أن العامة هم الذي يفرضون على الناس عدد الصلوات، لكن إن كان في ذلك مشقة أو اختلاف فينبغي تجنب ذلك.
رمضان شهر الجهاد
الوقفة الثالثة عشرة: إن رمضان شهر الجهاد. والجهاد -كما تعلمون- ذروة سنام الإسلام، وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجة والتي تليها كما بين السماء والأرض، أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله، وأعلى ذلك الفردوس، فإذا سألتم الله؛ فسلوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تتفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن عز وجل} ففي الجنة مائة درجة هي للمجاهدين في سبيل الله عز وجل، ولذلك فإن رمضان ليس شهر النوم والكسل والبطالة، بل هو شهر الجهاد. خذ على سبيل المثال: حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعظم معركتين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانتا في رمضان، أولاهما: معركة بدر الكبرى، فإنها كانت في شهر رمضان، ومعركة بدر هي الفرقان الذي فرق الله تعالى بها بين عهد الذل والاستضعاف، وبين عهد العزة والتمكين للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم بدر يرفع يديه إلى السماء ويبتهل إلى الله عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبه، وهو يقول: {اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم في الأرض. حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه من ورائه فالتزمه، ووضع رداءه على منكبيه، وقال: يا رسول الله! كفاك مناشدة ربك -أي ارفق بنفسك- فإن الله تعالى منجز لك ما وعد} فنصر الله تعالى رسوله والمؤمنين نصراً مؤزراً تحدثت به الركبان، وكان فرقاناً وفيصلاً بين عهد الذل والاستضعاف، وبين عهد القوة والنصر والتمكين قال الله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:123].المعركة الثانية: هي معركة فتح مكة، وكانت من أخطر وأهم المعارك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن مكة كانت مركز الجزيرة العربية، ومكان الحج والعمرة، والناس يأتونها من كل مكان، فكانت الوثنية تسيطر على مكة على مدى ثمان سنوات بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى منعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية من دخول مكة وأداء العمرة، فلما ذهب عليه الصلاة والسلام إلى مكة ودخلها فاتحاً؛ دانت له الجزيرة العربية كلها. وكان فتح مكة في السنة الثامنة، وفي السنة التاسعة جاءت الوفود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أنحاء الجزيرة العربية تبايعه على الإسلام، ولهذا يصح أن نقول: إن فتح مكة هو الوقت الذي زالت فيه غربة الإسلام، وأصبح الإسلام عزيزاً في أنحاء الجزيرة، وسقطت سلطة الوثنية في هذه البلاد. وكان فتح مكة -أيضاً- في رمضان. وهناك كثير من الفتوحات والمعارك الفاصلة في الإسلام كانت في رمضان، أذكر منها معركة عين جالوت، المعركة التي نصر الله فيها عباده المؤمنين بقيادة المماليك على التتار، وانكسر مدهم وانهزموا بعد ذلك هزيمةً منكرة لم يقم لهم بعدها قائمة. فرمضان هو شهر الجهاد، وهذا يذكرنا بأمرين:
 وجوب نصرة المجاهدين
الأمر الثاني: أننا نعلم أن كثيراً من المسلمين الآن يحملون السلاح، مدافعين عن الحوزة ومنافحين عن الملة. يحدث هذا في أفغانستان، وفي فلسطين، وفي إريتريا، وفي الفلبين، ويحدث -أيضاً- في بلاد إسلامية أخرى، وفي جميع هذه البلاد التي ذكرت، توجد أمم وطوائف من أهل السنة والجماعة، المشهود لهم بالصلاح والورع والتقوى ولزوم الجادة وصلاح المعتقد، وهم يقاتلون عدواً كافراً خاسراً، يهودياً أو نصرانياً أو شيوعياً، وهم بأمس الحاجة إلى أن يكون إخوانهم المسلمون معهم، بالدعاء وبالحماية والنصر، والمال، وبغير ذلك من الوسائل.
رمضان شهر الإنفاق
الوقفة الرابعة عشرة: أن رمضان شهر النفقة والإنفاق. والنفقة عموماً من أعظم أسباب القرب من الله تعالى ودخول الجنة.
 بعض مصارف الصدقة
وفي موضوع الصدقة أود أن أشير إلى مصارف مهمة:المصرف الأول: مصرف المجاهدين في سبيل الله قال الله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّه [التوبة:60] فالمجاهدون في سبيل الله هم أحد الأصناف الثمانية الذين تدفع لهم الزكاة، وقد بينت لكم أن في بلاد الأفغان وفلسطين وإريتريا والفلبين مسلمين ومجاهدين ومرابطين على الثغور، وإذا كنا لم نجاهد معهم، ولم نحمل السلاح معهم، ولم نخلفهم في أولادهم وأزواجهم بخير، فلا أقل من أن نعينهم بما تجود به أيدينا من المال، وهذه أعظم مصارف الزكاة في هذا العصر خاصة، ولذلك ينبغي دعم هؤلاء الإخوة المجاهدين، وبالأسباب والوسائل التي من الممكن أن تصل من خلالها الأموال إليهم بيسر وسهولة.ومن المصارف التي أود أن أشير إليها: الفقراء والمحتاجين من الشباب وطلاب العلم، فإنني أعلم كثيراً من طلاب العلم ­-وقد يكون بعضهم من بينكم، من بين المستمعين- من هم بحاجة إلى مساعدة إخوانهم، من لعوز، أو فقر أو حاجة أو إعسار، أو لأنهم يريدون أن يتزوجوا ولا يجدون ما يكمل لهم مهر الزواج وموؤنته، وفي ذلك إعفاف لهم وتحصين لفروجهم وإكمال لنصف دينهم، وفيه من المصالح مالا يخفى، كما أنه يعين على طلب العلم وتحصيله.وأود أن أشير إلى أن من الجهات التي تتقبل الصدقات والنفقات هي: الجمعيات الخيرية، فإذا وجدت جمعيات خيرية موثوقة، فلا بأس أن يعطيها الإنسان، لأن هذه الجمعيات تتحرى، وعندها ملفات خاصة بالأسر المحتاجة، وتعطيهم رواتب شهرية وتنفق عليهم، وفي هذا البلد أعلم أن القائمين على جمعية البر الخيرية من الناس الموثوقين المعروفين بالخير والاستقامة، والحرص على تحري وضع المال في موضعه الصحيح الشرعي، فينبغي للإنسان الذي يجد المال وربما لا يعرف مصارفه الصحيحة، أن يوكلهم في صرف هذا المال إلى مستحقيه.
رمضان شهر التوبة
الوقفة الخاسة عشرة: رمضان شهر التوبة، وفيه يرجع العباد إلى ربهم.
 شروط التوبة
إخواني الكرام: للتوبة شروط ستة لا بد من توفرها، أسردها سرداً: أولها: الإخلاص لله عز وجل، وأن تكون توبة العبد صالحة خالصة لا يشوبها مقصد دنيوي.ثانيها: أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم وتغرغر، فإن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.ثالثها: أن تكون مصحوبةً بالإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدعي الإنسان التوبة وهو مقيم على المعصية.رابعها: أن يندم الإنسان على ما مضى، فإن التائب نادم، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الندم توبة} فالندم يأكل قلب التائب أكلاً.خامسها: العزم على أن لا يعود إلى الذنب مرةً أخرى، وهذه هي حقيقة التوبة.سادسها: إن كان الذنب يتعلق بحقوق المخلوقين رده إليهم، من مال أو عرض أو أي شيء.
رمضان شهر الدعـاء
الوقفة السادسة عشرة : رمضان شهر الدعاء. والله تعالى يجيب عباده في كل وقت، وخاصةً في رمضان، فقد سبق أن الله تعالى يجيب دعاء الصائم، وللصائم عند فطره دعوة لا ترد.وأود أن أشير إلى خمسة أسباب -ذكرتها في درس بلوغ المرام- لإجابة الدعاء: السبب الأول: اختيار الزمان الفاضل، وذلك كأوقات السحر، وفي أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين الآذان والإقامة، وفي آخر ساعة من الجمعة، وعند دخول الإمام إلى أن تقضى الصلاة، وعند الإفطار، فإن هذه من أوقات إجابة الدعاء.السبب الثاني: اختيار المكان الفاضل، وذلك كالمساجد والأماكن الفاضلة، كـ مكة وغيرها.السبب الثالث: صفة الداعي، كأن يكون الداعي مسافراً، فإن المسافر مستجاب الدعوة، وكونه أباً يدعو لولده، وكونه صائماً يدعو الله عز وجل، وكونه مقاتلاً فإن الدعاء عند التحام الصفين مستجاب، وكذلك كونه مظلوماً فإن دعوة المظلوم لا ترد، يرفعها الله فوق السحاب، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. وكذلك كون الداعي مضطراً، ومعنى الاضطرار وحقيقته: أن يقطع العبد جميع الأسباب والوسائل إلا عن الله جل وعلا، فينقطع إلى الله تعالى بقلبه انقطاعاً تاماً، ويفوض الأمر إليه تفويضاً تاماً، وحينئذٍ يجيبه الله بلا شك ولا امتراء، يقول الله عز وجل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]. مر موسى عليه الصلاة والسلام برجل يدعو الله جل وعلا، فقال موسى: يا رب، والله لو كانت حاجة هذا الرجل عندي لقضيتها. فقال الله عز وجل: يا موسى، أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني وقلبه عند غيري. فأخبر موسى الرجل، فانقطع إلى الله بقلبه، فأجاب الله تعالى دعاءه. فينبغي أن يكون الداعي على حال من الإخبات والانكسار والاضطرار، وألا يكون دعاؤه على سبيل التجربة، يقول عليه الصلاة والسلام: {ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من دعاه بقلب غافل لاهٍ} والحديث جاء بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، فهو حديث حسن.السبب الرابع: صفة الدعاء، مثل أن يكون الداعي متوضئاً متطهراً، مستقبل القبلة رافعاً يديه، يدعو بدعاءٍ ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم، ويكرر الدعوة ثلاث مرات، ويدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فإن هذا من أسباب إجابة الدعاء، وأن يحرص على التزام الأدب النبوي في دعائه، وقد سبق أن تكلمت تفصيلاً عن ذلك في محاضرة عنوانها: آداب الدعاء، وكانت في مثل هذا الشهر من رمضان في العام الماضي. وأود أن أشير في موضوع الدعاء، إلى الاعتداء الذي يقع من كثير من الناس في الدعاء خاصية في هذا الوقت: فمن الناس من يعتدي في إطالة الدعاء بما لا لزوم له، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو بجوامع الدعاء، فمن الاعتداء: أن يطيل الإنسان في الأدعية ويفصل بما لا لزوم له، فتجد بعض الناس يقول: اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، وأخوالنا وخالاتنا، وأعمامنا وعماتنا، ثم يبدأ يعدد الأقارب، فإذا انتهى منهم انتقل إلى الجيران، فإذا انتهى منهم انتقل إلى الزملاء، وهكذا. وهذا قد يستغرق عشر دقائق، وكان يستطيع أن يقول اللهم اغفر لنا ولإخواننا، ولمعارفنا ولأقاربنا ويكتفي. فهذا التفصيل الذي لا لزوم له هو من الاعتداء في الدعاء. ومن الاعتداء: أن يدعو الإنسان بإثم أو قطيعة رحم. ومن الاعتداء: أن يدعو الإنسان بأسماء لله تعالى لم ترد في القرآن ولم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل قول بعضهم: يا غفران يا سلطان، فإن هذا ليس من أسماء الله جل وعلا. ومن الاعتداء في الدعاء: المبالغة في رفع الصوت، حيث وجد في هذا العصر مكبرات الصوت، فتجد الداعي يدعو -أحياناً- في شرق البلد فيسمعه من في غربها، وهذا لا يليق، فالداعي يدعو إن كان لنفسه سراً قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً [مريم:2-3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه} فالعبادة كلما كانت سراً كانت أقرب للصدق والخشوع والإجابة، فإن كنت تدعو لنفسك فادع سراً، أما إن كنت تدعو لغيرك -كأن تكون إماماً تدعو للناس- فادع وارفع صوتك بقدر ما يسمعه المصلون، أما أن تدعو ويسمعك من بشرق الأرض وغربها، فهذا ليس بجيد، وأخشى أن يكون هذا باباً إلى الرياء والإعجاب بالعمل فينبغي تجنبه والحذر منه.السبب الخامس: زوال المانع، فإن الله لا يجيب الإنسان الذي يأكل الحرام، كما ورد في صحيح مسلم: {ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!} فالذي يأكل الحرام من ربا، أو يأكل أموال اليتامى ظلماً، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو بالغش أو بالحلف الكاذب، أو ما أشبه ذلك فلا يستجاب له. وكذلك من أعظم موانع استجابة الدعاء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله تعالى يقول -كما ورد في حديث مروي من طرق-: {يا أيها الناس! مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم} فإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يأمرون أنفسهم ولا أولادهم ولا جيرانهم، ولا يأمرون الناس عامةً في المجتمع، فإن الله تعالى يحرمهم من إجابة الدعاء.
 من أسباب إجابة الدعاء
وأود أن أشير إلى خمسة أسباب -ذكرتها في درس بلوغ المرام- لإجابة الدعاء: السبب الأول: اختيار الزمان الفاضل، وذلك كأوقات السحر، وفي أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين الآذان والإقامة، وفي آخر ساعة من الجمعة، وعند دخول الإمام إلى أن تقضى الصلاة، وعند الإفطار، فإن هذه من أوقات إجابة الدعاء.السبب الثاني: اختيار المكان الفاضل، وذلك كالمساجد والأماكن الفاضلة، كـ مكة وغيرها.السبب الثالث: صفة الداعي، كأن يكون الداعي مسافراً، فإن المسافر مستجاب الدعوة، وكونه أباً يدعو لولده، وكونه صائماً يدعو الله عز وجل، وكونه مقاتلاً فإن الدعاء عند التحام الصفين مستجاب، وكذلك كونه مظلوماً فإن دعوة المظلوم لا ترد، يرفعها الله فوق السحاب، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. وكذلك كون الداعي مضطراً، ومعنى الاضطرار وحقيقته: أن يقطع العبد جميع الأسباب والوسائل إلا عن الله جل وعلا، فينقطع إلى الله تعالى بقلبه انقطاعاً تاماً، ويفوض الأمر إليه تفويضاً تاماً، وحينئذٍ يجيبه الله بلا شك ولا امتراء، يقول الله عز وجل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]. مر موسى عليه الصلاة والسلام برجل يدعو الله جل وعلا، فقال موسى: يا رب، والله لو كانت حاجة هذا الرجل عندي لقضيتها. فقال الله عز وجل: يا موسى، أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني وقلبه عند غيري. فأخبر موسى الرجل، فانقطع إلى الله بقلبه، فأجاب الله تعالى دعاءه. فينبغي أن يكون الداعي على حال من الإخبات والانكسار والاضطرار، وألا يكون دعاؤه على سبيل التجربة، يقول عليه الصلاة والسلام: {ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من دعاه بقلب غافل لاهٍ} والحديث جاء بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، فهو حديث حسن.السبب الرابع: صفة الدعاء، مثل أن يكون الداعي متوضئاً متطهراً، مستقبل القبلة رافعاً يديه، يدعو بدعاءٍ ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم، ويكرر الدعوة ثلاث مرات، ويدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فإن هذا من أسباب إجابة الدعاء، وأن يحرص على التزام الأدب النبوي في دعائه، وقد سبق أن تكلمت تفصيلاً عن ذلك في محاضرة عنوانها: آداب الدعاء، وكانت في مثل هذا الشهر من رمضان في العام الماضي. وأود أن أشير في موضوع الدعاء، إلى الاعتداء الذي يقع من كثير من الناس في الدعاء خاصية في هذا الوقت: فمن الناس من يعتدي في إطالة الدعاء بما لا لزوم له، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو بجوامع الدعاء، فمن الاعتداء: أن يطيل الإنسان في الأدعية ويفصل بما لا لزوم له، فتجد بعض الناس يقول: اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، وأخوالنا وخالاتنا، وأعمامنا وعماتنا، ثم يبدأ يعدد الأقارب، فإذا انتهى منهم انتقل إلى الجيران، فإذا انتهى منهم انتقل إلى الزملاء، وهكذا. وهذا قد يستغرق عشر دقائق، وكان يستطيع أن يقول اللهم اغفر لنا ولإخواننا، ولمعارفنا ولأقاربنا ويكتفي. فهذا التفصيل الذي لا لزوم له هو من الاعتداء في الدعاء. ومن الاعتداء: أن يدعو الإنسان بإثم أو قطيعة رحم. ومن الاعتداء: أن يدعو الإنسان بأسماء لله تعالى لم ترد في القرآن ولم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل قول بعضهم: يا غفران يا سلطان، فإن هذا ليس من أسماء الله جل وعلا. ومن الاعتداء في الدعاء: المبالغة في رفع الصوت، حيث وجد في هذا العصر مكبرات الصوت، فتجد الداعي يدعو -أحياناً- في شرق البلد فيسمعه من في غربها، وهذا لا يليق، فالداعي يدعو إن كان لنفسه سراً قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً [مريم:2-3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه} فالعبادة كلما كانت سراً كانت أقرب للصدق والخشوع والإجابة، فإن كنت تدعو لنفسك فادع سراً، أما إن كنت تدعو لغيرك -كأن تكون إماماً تدعو للناس- فادع وارفع صوتك بقدر ما يسمعه المصلون، أما أن تدعو ويسمعك من بشرق الأرض وغربها، فهذا ليس بجيد، وأخشى أن يكون هذا باباً إلى الرياء والإعجاب بالعمل فينبغي تجنبه والحذر منه.السبب الخامس: زوال المانع، فإن الله لا يجيب الإنسان الذي يأكل الحرام، كما ورد في صحيح مسلم: {ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!} فالذي يأكل الحرام من ربا، أو يأكل أموال اليتامى ظلماً، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو بالغش أو بالحلف الكاذب، أو ما أشبه ذلك فلا يستجاب له. وكذلك من أعظم موانع استجابة الدعاء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله تعالى يقول -كما ورد في حديث مروي من طرق-: {يا أيها الناس! مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم} فإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يأمرون أنفسهم ولا أولادهم ولا جيرانهم، ولا يأمرون الناس عامةً في المجتمع، فإن الله تعالى يحرمهم من إجابة الدعاء.وأود أن أشير إلى خمسة أسباب -ذكرتها في درس بلوغ المرام- لإجابة الدعاء: السبب الأول: اختيار الزمان الفاضل، وذلك كأوقات السحر، وفي أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين الآذان والإقامة، وفي آخر ساعة من الجمعة، وعند دخول الإمام إلى أن تقضى الصلاة، وعند الإفطار، فإن هذه من أوقات إجابة الدعاء.السبب الثاني: اختيار المكان الفاضل، وذلك كالمساجد والأماكن الفاضلة، كـ مكة وغيرها.السبب الثالث: صفة الداعي، كأن يكون الداعي مسافراً، فإن المسافر مستجاب الدعوة، وكونه أباً يدعو لولده، وكونه صائماً يدعو الله عز وجل، وكونه مقاتلاً فإن الدعاء عند التحام الصفين مستجاب، وكذلك كونه مظلوماً فإن دعوة المظلوم لا ترد، يرفعها الله فوق السحاب، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين. وكذلك كون الداعي مضطراً، ومعنى الاضطرار وحقيقته: أن يقطع العبد جميع الأسباب والوسائل إلا عن الله جل وعلا، فينقطع إلى الله تعالى بقلبه انقطاعاً تاماً، ويفوض الأمر إليه تفويضاً تاماً، وحينئذٍ يجيبه الله بلا شك ولا امتراء، يقول الله عز وجل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]. مر موسى عليه الصلاة والسلام برجل يدعو الله جل وعلا، فقال موسى: يا رب، والله لو كانت حاجة هذا الرجل عندي لقضيتها. فقال الله عز وجل: يا موسى، أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني وقلبه عند غيري. فأخبر موسى الرجل، فانقطع إلى الله بقلبه، فأجاب الله تعالى دعاءه. فينبغي أن يكون الداعي على حال من الإخبات والانكسار والاضطرار، وألا يكون دعاؤه على سبيل التجربة، يقول عليه الصلاة والسلام: {ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من دعاه بقلب غافل لاهٍ} والحديث جاء بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، فهو حديث حسن.السبب الرابع: صفة الدعاء، مثل أن يكون الداعي متوضئاً متطهراً، مستقبل القبلة رافعاً يديه، يدعو بدعاءٍ ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم، ويكرر الدعوة ثلاث مرات، ويدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فإن هذا من أسباب إجابة الدعاء، وأن يحرص على التزام الأدب النبوي في دعائه، وقد سبق أن تكلمت تفصيلاً عن ذلك في محاضرة عنوانها: آداب الدعاء، وكانت في مثل هذا الشهر من رمضان في العام الماضي. وأود أن أشير في موضوع الدعاء، إلى الاعتداء الذي يقع من كثير من الناس في الدعاء خاصية في هذا الوقت: فمن الناس من يعتدي في إطالة الدعاء بما لا لزوم له، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو بجوامع الدعاء، فمن الاعتداء: أن يطيل الإنسان في الأدعية ويفصل بما لا لزوم له، فتجد بعض الناس يقول: اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، وأخوالنا وخالاتنا، وأعمامنا وعماتنا، ثم يبدأ يعدد الأقارب، فإذا انتهى منهم انتقل إلى الجيران، فإذا انتهى منهم انتقل إلى الزملاء، وهكذا. وهذا قد يستغرق عشر دقائق، وكان يستطيع أن يقول اللهم اغفر لنا ولإخواننا، ولمعارفنا ولأقاربنا ويكتفي. فهذا التفصيل الذي لا لزوم له هو من الاعتداء في الدعاء. ومن الاعتداء: أن يدعو الإنسان بإثم أو قطيعة رحم. ومن الاعتداء: أن يدعو الإنسان بأسماء لله تعالى لم ترد في القرآن ولم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل قول بعضهم: يا غفران يا سلطان، فإن هذا ليس من أسماء الله جل وعلا. ومن الاعتداء في الدعاء: المبالغة في رفع الصوت، حيث وجد في هذا العصر مكبرات الصوت، فتجد الداعي يدعو -أحياناً- في شرق البلد فيسمعه من في غربها، وهذا لا يليق، فالداعي يدعو إن كان لنفسه سراً قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً [مريم:2-3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه} فالعبادة كلما كانت سراً كانت أقرب للصدق والخشوع والإجابة، فإن كنت تدعو لنفسك فادع سراً، أما إن كنت تدعو لغيرك -كأن تكون إماماً تدعو للناس- فادع وارفع صوتك بقدر ما يسمعه المصلون، أما أن تدعو ويسمعك من بشرق الأرض وغربها، فهذا ليس بجيد، وأخشى أن يكون هذا باباً إلى الرياء والإعجاب بالعمل فينبغي تجنبه والحذر منه.السبب الخامس: زوال المانع، فإن الله لا يجيب الإنسان الذي يأكل الحرام، كما ورد في صحيح مسلم: {ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له!} فالذي يأكل الحرام من ربا، أو يأكل أموال اليتامى ظلماً، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو بالغش أو بالحلف الكاذب، أو ما أشبه ذلك فلا يستجاب له. وكذلك من أعظم موانع استجابة الدعاء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله تعالى يقول -كما ورد في حديث مروي من طرق-: {يا أيها الناس! مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم} فإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يأمرون أنفسهم ولا أولادهم ولا جيرانهم، ولا يأمرون الناس عامةً في المجتمع، فإن الله تعالى يحرمهم من إجابة الدعاء.
مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان
الوقفة السابعة عشرة: مع الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان:
 من أحواله صلى الله عليه وسلم في رمضان
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يفطر يعجل في الإفطار، فيفطر قبل صلاة المغرب ثم يصلي، وكان يؤخر السحور أيضاً، فيتسحر ثم لا يكون بين سحوره وصلاة الفجر إلا وقت يسير. وسافر النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان أسفاراً، منها سفر لغزوة بدر، ومنها سفر لفتح مكة وغيرها، فربما صام وربما أفطر في سفره عليه الصلاة والسلام، ففي صحيح مسلم عن أبي الدرداءقال: {كنا في سفر، في يوم شديد الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة} وفي السنن عن ابن عباس بسند صحيح، أنه قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع صيام أيام البيض في حضر ولا سفر} وربما أفطر صلى الله عليه وسلم في سفره، فكان يفعل هذا تارةً وهذا تارة، وأمر أصحابه مرة بالفطر، ولما أصر بعضهم على الصيام قال: {أولئك العصاة أولئك العصاة} كما في صحيح مسلم.ومما حدث له عليه الصلاة والسلام في رمضان أنه كان يزداد جوده، كما ثبت في حديث ابن عباس كما سبق، ومن الأحكام التي بينها صلى الله عليه وسلم بفعله: أنه كان يدركه الفجر وهو جنب ثم يغتسل ويصوم كما ذكرت عائشة.
السواك وأحكامه
الوقفة الثامنة عشرة: تتعلق بالسواك.والسواك مشروع في كل وقت، خاصة في المواضع التي ورد النص عليها، وهي ستة مواضع.
 مشروعية السواك وأدلته
وأدلة ذلك كثيرة ثابتة في السنة، منها: حديث أبي هريرة في الصحيحين {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة} وفي لفظ: {عند كل وضوء}. ومنها: قول عائشة وقد سئلت: {بأي شيءٍ كان يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك}. ومنها: قول حذيفة: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام من الليل كان يشوص فاه بالسواك}. ومنها: قوله عليه صلى الله عليه وسلم: {السواك مطهرة للفم مرضاة للرب} إلى غير ذلك من الأدلة. فينبغي للمسلم أن يتعاهد السواك في كل وقت، خاصةً في هذه الأوقات، قبل الزوال وبعده، فإن القول الصحيح أن السواك مشروع للصائم قبل الزوال وبعده، عند الوضوء والصلاة، وعند دخول المنـزل، وعند قراءة القرآن، وما أشبه ذلك، هذا هو القول الراجح، لأن قوله عند كل صلاة وعند كل وضوء؛ يشمل ما قبل الزوال وما بعده.أما الأحاديث الواردة في المنع كحديث علي: {استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي} فهو ضعيف، بل هو ضعيف جداً، ومثله: {رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى يستاك وهو صائم} فهو ضعيف أيضاً؛ لكن الصحيح أن السواك مشروع للصائم كما هو مشروع لغير الصائم، قبل الزوال وبعد الزوال.
وقت المسلم في رمضان
الوقفة التاسعة عشر: وقت المسلم في رمضان.ووقت المسلم عموماً ثمين، وفي رمضان خاصةً أثمن وأعظم، ولذلك فإنني أنبه على بعض النقاط المتعلقة بأوقاتنا في رمضان.
 نوم النهار
من الملاحظات: أن كثيراً من الشباب يقضون سحابة نهارهم في النوم، فإذا كان يسهر في الليل فبعد صلاة الفجر يذهبون للتفحيط بالسيارات، وقد وجدتهم، فبدلاً من أن يجلسوا مع المسلمين في مساجدهم حتى ترتفع الشمس، ثم يصلون ركعتين، فينالون الأجر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث عدة حيث يقول: {من صلى الفجر ثم جلس حتى تطلع الشمس وصلى ركعتين كان كأجر حجة وعمرة تامةً تامةً تامة} يذهبون فيقضون ما بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس في التفحيط والضحك واللعب، ثم إذا ارتفعت الشمس ناموا، حتى يأتي وقت العمل أو وقت الدراسة، فيذهبون مضطرين، ثم يعودون لمواصلة النوم إلى وقت الغروب. وهذه مشكلة كبيرة ينبغي تلافيها، فإن الإنسان إذا كان مضطراً إلى أن يقضي جزءاً من نهاره في الدوام، معنى ذلك أنه لابد أن يخصص جزءاً طيباً من الليل للنوم، حتى يكون نهاره معتدلاً، فيستطيع أن يجلس ويصلي الصلوات مع الجماعة، ويبكر إلى المسجد، ويجلس بعض الوقت في النهار ليقرأ القرآن وما أشبه ذلك.وبعض الإخوة ينامون حتى في الدوام، إن كان طالباً فهو ينام في الفصل، وإن كان موظفاً فهو ينام في وقت الدوام، ولا شك أن الراتب الذي أعطي له ليس مقابل نومه على مكتبه؛ وإنما أعطي مرتبه ليخدم المراجعين، ويقوم في مصالح المسلمين، فلا يجوز للإنسان أن يقضي وقت دوامه في النوم.
المرأة في رمضان
الوقفة العشرون: المرأة في رمضان.المرأة كالرجل في رمضان فهن شقائق الرجال، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما يقال في الرجل يقال في المرأة، وهي مطالبة كالرجل بقراءة القرآن والصيام والقيام، والنفقة في سبيل الله والدعاء، إلى غير ذلك من الطاعات والقربات، لكن أشير إلى بعض النقاط الخاصة بالمرأة:
 الغيبة والحذر منها
من الأخطاء التي ينبغي أن تحذر المرأة منها عموماً وفي رمضان خصوصاً: الغيبة، فإن الغيبة ذنب عظيم، بل ذكر القرطبي أن الإجماع قائم على أنها من كبائر الذنوب، قال الله عز وجل: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات:12].
العمرة في رمضان
الوقفة الحادية والعشرون: العمرة وفضلها.
 ملاحظات في موضوع العمرة في رمضان
يلاحظ على سلوك الناس في موضوع العمرة في رمضان ملاحظ عديدة، منها: الأولى: أن بعض الناس -خاصة من الموظفين- يأخذون ما يسمى بالإجازة الاضطرارية للذهاب إلى مكة، وهذا لا يجوز، فإن الإجازة الاضطرارية -في حسب أنظمة الموظفين- إنما تمنح للموظف في حالة اضطرار، مثل حالة وفاة لقريب، أو ما أشبه ذلك، أما أن يأخذها في أمر ليس بضرورة، مثل أن يأخذها ليعتمر فهذا ظاهره أنه محرم.الملاحظة الثانية: أن كثيراً من الناس يسافرون بنساء دون محارم، فقد تسافر المرأة مع غير ذي محرم، ومما عمت به البلوى في هذا الزمن خاصة: أن كثيراً من الأسر يسافرون بخادمات عندهم وهن بدون محرم، فالخادمة جاءت من بلدها من أقصى الدنيا بدون محرم، وتسافر -أيضاً- إلى بيت الله الحرام، بدون محرم وهذا لا يجوز. ولذلك قال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب حج النساء ثم ساق فيه حديث ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها أحد إلا ومعها ذو محرم}. فكل شيء يسمى سفر لا يجوز للمرأة أن تركبه إلا مع ذي محرم، هذا في الحالات العادية. وقال رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إن امرأتي انطلقت حاجةً، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا -أي سفَّر زوجته للحج بدون محرم وذهب للجهاد- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {انطلق فحج مع امرأتك} اترك الجهاد، واذهب لتصحب امرأتك في حجها.ثم ساق البخاري رحمه الله -أيضاً- حديث أبي سعيد الخدري، وهو في مسلم -أيضاً- أنه قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع كلمات فأعجبنني وآنقنني:الأولى: {لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا مع ذي محرم}.والثانية: {لا صوم في يومين يوم الفطر ويوم الأضحى}.والثالثة: {لا صلاة بعد صلاتين بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس}.والرابعة: {لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى}. والشاهد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا مع ذي محرم} وجاء التقييد بيومين.وفي حديث ابن عباس جاء مطلقاً: { لا تسافر المرأة} فكل ما سمي سفراً، ورخص للإنسان فيه برخصة السفر من القصر والفطر وغيرهما، فإنه لا يجوز للمرأة أن تركبه إلا ومعها ذو محرم. ولذلك فإن من الخطأ أن يسافر الإنسان بأجنبية عنه، سواء أكانت بنت عم له أم من الجيران أم كانت خادمةً عنده في بيته.الملاحظة الثالثة: من الأخطاء التي يقع فيها الناس في موضوع العمرة: إهمالهم لأهليهم. فبعض الناس يسافرون ويتركون أولادهم؛ فقد يسافر الأب والأم، والأولاد بحكم أنهم يدرسون في المدرسة لا يذهبون، فيبقون نصف رمضان أو أكثر من ذلك في بلدهم، بدون رقابة عليهم، وقد يكونون من صغار السن، أو المراهقين، وممن يُخشى أن تحدث منهم الحوادث، وهذا من الخطأ يقول النبي: {كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول} فتذهب وتبتغي ما عند الله، وتضيع من ولاك الله أمرهم من الصبية ذكوراً وإناثاً، أو من الشباب المراهقين الذين لا تؤمن غوائلهم وأخطاؤهم، وقد يستفزهم الشيطان، وقد يستجرهم قرناء السوء إلى ما لا تحمد عقباه. ويحدث الخطأ بصورة أخرى، وهي أن الكثير يسافرون بأهليهم إلى مكة، ثم يعتكف الأب في الحرم، أو يقضي غالب وقته في الحرم، ما بين قيام وصلاة ونوم، ويترك الحبل على الغارب لأولاده وبناته، ولذلك رأينا ورأى غيرنا في البيت العتيق، وفي المسجد الحرام، وفي أطهر بقعة على وجه الأرض، من مظاهر التبرج والتفسخ وتضييع البنات الشيء الذي يندى له الجبين وهي أمور محزنة. والواقع أنني قد نبهت على هذا في أكثر من مناسبة؛ لكنني أرى ضرورة التركيز على هذا الأمر، لأنه قد عمت به البلوى في كثير من الأسر المعروفة، التي فيها دين وحياء ومراقبة، ومع ذلك تجدهم يسافرون ببناتهم ثم يتركونهن هناك بلا مراقبة.والذي يجب على الأب والأم -إذا ذهبوا بأولادهم وبناتهم- أن يراقبوهم جيداً ويتابعوهم، فإذا كانون عاجزين عن ذلك فلا معنى لذهابهم بهم إلى الحرم، حيث يكون هناك مجالات كثيرة لاختلاط الرجال بالنساء، وخروج المرأة بكافة الحجج، فتخرج بحجة الذهاب للحرم، وتخرج للسوق أو لتأتي بالطعام، أو إلى الشقة، وتخرج إلى مناسبات عديدة.فإذا كان الأب رجلاً يستطيع أن يحافظ على أولاده وبناته فحبذا، ولا شك أن في الذهاب بهم إلى هناك فائدة وتربية وخير، فهو بلد طيب مبارك ووقت طيب مبارك، تضاعف فيه الحسنات، فهذا أمر محمود، لكن إن كان عاجزاً عن رعايتهم وحياطتهم ومراقبتهم وضبط تصرفاتهم، فليبق حيث هو في بلده ولا داعي لأن يتسبب لنفسه ولغيره بالضرر العظيم. الملاحظة الرابعة: من الملاحظات التي تلحظ في موضوع العمرة: أن كثيراً من الناس خاصة الأئمة، ومن يكونون مرابطين على الثغور في الأمر والنهي والتوجيه والإصلاح والإمامة والحديث؛ يتركون أعمالهم ويذهبون إلى هناك، حيث يعتمرون ويقيمون في العشر الأواخر. ولا شك أن من كان مرتبطاً بإمامة أو حديث أو وعظ، أو وظيفة يحتاج إليها المسلمون؛ فإن الأولى في حقه -بل الأوجب عليه- أن يبقى حيث هو وفي ذلك من الخير ما فيه، فإن احتاج ذهب إلى العمرة على السيارة أو الطائرة يوماً أو يومين، ثم يعتمر ويدعو ثم يعود إلى محله الذي هو فيه. فإنه من غير المناسب أن تخلو المساجد أو المرافق من الوعاظ والمرشدين والمحدثين والأئمة، وهذا يحدث في أفضل الأوقات وهى أوقات العشر، فإذا أحب الإنسان أن يعتمر ويدرك الفضيلة؛ فبإمكانه أن يذهب يوماً أو يومين فيعتمر ويعود إلى عملة، الذي كان فيه.
وقفة مع الاعتكاف
الوقفة الثانية والعشرون حول الاعتكاف.والاعتكاف هو لزوم مسجد بنية مخصوصة لطاعة الله تعالى، وهو مشروع مستحب مسنون باتفاق أهل العلم.
 مكان الاعتكاف
ومما يتعلق بموضوع الاعتكاف أن بعض الباحثين ذهبوا إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة؛ المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم. والصواب أن الاعتكاف جائز في كل مسجد يصلى فيه، ويستحب أن يكون في المسجد الجامع؛ حتى لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة.فإن اعتكف في مسجد غير جامع فإنه يخرج ليصلي الجمعة ثم يعود؛ وذلك لقول الله عز وجل: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187] فدل ذلك على أن الاعتكاف في كل مسجد جائز، إذا كان مسجداً تصلى فيه الفروض الخمسة، فإن كان جامعاً فهو أفضل. أما حديث {لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة} فعلى القول بصحته فإنه مؤول على أن أكمل ما يكون الاعتكاف وأفضل وأوفى ما يكون في هذه المساجد، هذا ما قاله أهل العلم. وقد انقدح في ذهني تأويل آخر للحديث -وهو في ظني حسن- وهو أن معنى الحديث، أن من نذر أن يعتكف في مسجد يسافر إليه فإنه لا يسافر، إلا أن يكون نذر الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فإن الإنسان إذا نذر أن يعتكف في المسجد الحرام -مثلاً- وجب عليه الوفاء باعتكافه، فيعتكف في المسجد الحرام.ولكن لو نذر مثلاً أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز له أن يعتكف في المسجد الحرام؛ لأنه أفضل ومن باب الأولى، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى -فك الله أسره وطهره من رجس اليهود الغادرين الخائنين- جاز له أن يسافر إلى المسجد الأقصى ليعتكف فيه، وجاز له أن يسافر إلى مسجد المدينة، وإلى مسجد مكة، ليعتكف فيهما، لأنهما أفضل من المسجد الأقصى. لكن لو فرض -مثلاً- أنه نذر أن يعتكف في مسجد جواثا، وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة وهو بـالبحرين بـالأحساء والمسجد معروف الآن، فهل يجوز أن يسافر إلى مسجد جواثا ليعتكف فيه؟ لا يجوز أن يسافر ويشد الرحل إليه، لكن يجوز له أن يعوض عن ذلك بأن يعتكف في مسجد من مساجد بلده، أو يسافر إلى أحد المساجد الثلاثة. فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: {لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة } أي: لا اعتكاف ينذر ويسافر إليه؛ ولذلك فإن الأئمة مجمعون خاصةً الأئمة الأربعة، على أنه يعتكف في أي مسجد من المساجد الجوامع، ولا يلزم الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة.ولم يقل أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، إنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله عنه، وواحد أو اثنين من السلف.ومن الملاحظات: في موضوع الاعتكاف، أن بعض الناس يعتبرون الاعتكاف فرصةً للخلوة ببعض أصاحبهم وأحبابهم، وتبادل أطراف الحديث، وكون مجموعة يعتكفون في مسجد، هذا لا حرج فيه؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف، واعتكف معه أزواجه، حتى إن إحدى أمهات المؤمنين اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مستحاضة؛ حتى كانت ترى الدم وهي في المسجد. إذاً: فلا حرج أن يعتكف الإنسان مع صاحبه، أو قريبه أو حبيبه أو صديقه؛ لكن الحرج أن يكون الاعتكاف فرصةً للأحاديث، والسمر، والسهر، والقيل والقال وما أشبه ذلك. ولهذا قال الإمام ابن القيم بعدما تكلم عن الاعتكاف وما يفعله بعض الناس، وما يتوسعون فيه من الكلام وغيره قال: فهذا لون، واعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لون آخر، -أي: مختلف تماماً عن اعتكاف هؤلاء-.ومن الملاحظات: أن بعض الناس يعتكفون ويتركون أعمالهم وواجباتهم، وبعضهم قد يترك عمله الوظيفي الذي كلف به وألزم به، ويذهب ليعتكف.وليس من العدل أن يترك الإنسان واجباً ليفعل السنة، ولذلك يقال لمن اعتكف وترك عمله الوظيفي، إنه يجب عليه أن يقطع الاعتكاف، ويعود إلى عمله الذي ترك.
العشر الأواخر من رمضان
الوقفة الثالثة والعشرون: مع العشر الأواخر. وبادرنا بهذه الوقفة لأن هذا هو الدرس الأخير ضمن هذه الدروس في هذا الشهر -إن شاء الله-.
 نصيحته لأهل بيته صلى الله عليه وسلم
{ وأيقظ أهله} أي: يوقظ أزواجه عليه الصلاة والسلام للقيام، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في سائر السنة؛ لكن كان يوقظهم لقيام بعض الليل.ولهذا جاء كما في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلةً، فصلى ثم قال: {من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسيةٍ في الدنيا عارية يوم القيامة}. وكذلك {كان يوقظ عائشة إذا أراد أن يوتر عليه الصلاة والسلام} لكن في العشر الأواخر كان يوقظهم أكثر وأطول مما كان يوقظهم في بقية الشهور والليالي.
وقفة مع ليلة القدر
الوقفة الرابعة والعشرون: ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر!
 ليلة القدر ليست خاصة بهذه الأمة
وفيما يتعلق بليلة القدر، فإنني أختم موضوعها ببيان أن هذه الليلة ليست خاصةً لهذه الأمة على الراجح، بل هي عامةً لهذه الأمة وللأمم السابقة، لما رواه النسائي عن أبي ذر أنه قال: {يا رسول الله! هل تكون ليلة القدر مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال عليه الصلاة والسلام: كلا، بل هي باقية} وهذا أصح من الحديث الذي ذكرته في الجلسة الماضية عن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار أمته فكأنه تقالها، فأعطي ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر.وعلى فرض صحة حديث مالك، فهو قابل للتأويل، وحديث أبي ذر صريح في أن ليلة القدر تكون مع الأنبياء، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: إِنَّا أَنـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] في ليلة مباركة، الذي أنـزل فيه القرآن، ومن المعلوم أن القرآن يوم أنـزل أنزل بالنبوة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبله لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم نبياً حتى تكون ليلة القدر بالنسبة له.
وقفات مع العيد
الوقفة الخامسة والعشرون: مع العيد.والعيد اسم لكل ما يعتاد، وهي شعارات موجودة عند كل الأمم، فكل أمة على الأرض من الأمم الكتابية، كاليهود والنصارى، أو غيرها، من الأمم الوثنية لها أعياد؛ وذلك لأن العيد يعود إلى فطرة وطبيعة وجبلة ركبت الغرائز والفطر، عليها من أن الناس يحبون أشياءً يتذكرون فيها بعض ما مضى. ولكن الأمم الكافرة أعيادهم ترتبط بأمور دنيوية، مثل قيام دولة، أو سقوط دولة، أو قيام حاكم أو سقوط حاكم أو زواجه أو تتويجه أو ما أشبه ذلك. وقد يحتفلون بمناسبة أخرى كربيع أو غيره، ولليهود أعياد وللنصارى أعياد، كما هو معروف، فعندهم عيد في يو الخميس، يزعمون أنه أنـزلت فيه المائدة على عيسى عليه الصلاة والسلام. وكذلك النصارى لهم أعياد أخرى، مثل عيد ميلاد عيسى عليه الصلاة والسلام، ومثل عيد رأس السنة الذي يسمونه الآن بعيد الكريسمس، ومثل عيد الشكر أو عيد العطاء، ويحتفلون به الآن في جميع البلاد الغربية كـأمريكا وبريطانيا، وغيرها من البلاد التي ورثت النصرانية وإن لم تكن نصرانية حقيقية. وكذلك المجوس والفرس لهم أعياد، مثل عيد المهرجان، وعيد النيروز وغيرها. والرافضة أيضاً لهم أعياد، كعيد الغدير الذي يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع فيه علياً على الخلافة، وبايع فيه الأئمة الإثني عشر من بعده، ولهم فيه مصنفات، حتى إن هناك كتاباً اسمه يوم الغدير يبلغ عشرات المجلدات. ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيراً منهما: عيد الفطر وعيد الأضحى} كما جاء في سنن أبي داود، وسنن النسائي عن أنس بسند صحيح. ولذلك فليس للمسلمين إلا عيد الفطر وعيد الأضحى. قال الشاعر:عيدان عند أولي النهى لا ثالثٌ لهما لمن يبغي السلامة في غدِ الفطر والأضحى وكل زيادة فيها خروجٌ عن سبيل محمدِ قال ذلك رداً على الشاعر الذي يقول: المسلمون ثلاثة أعيادهم الفطر والأضحى وعيد المولد فإذا انتهت أعيادهم فسرورهم لا ينتهي أبداً بحب محمدِ فهذا أضاف عيداً ثالثاً، وهو عيد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فرد شاعرنا بقوله السابق:ولذلك ينبغي إحياء هذه الأعياد واستشعارها وإدراك معناها؛ لأنها شعائر إسلامية ينبغي أن يعلم الجميع أن المسلمين في يوم عيد.
 تنبيهات مهمة حول العيد
ومما ينبغي التنبيه عليه في موضوع العيد أمور: أولاً: بعض الناس يعتقدون مشروعيه إحياء ليلة العيد، ويتناقلون حديثاً ورد من طريقين {أن من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب} وهذا الحديث لا يصح، بل جاء من طريقين أحدهما ضعيف والآخر ضعيف جداً، فلا يشرع تخصيص ليلة العيد بحكم عن غيرها من الليالي، بل من كان يقوم بقية الليالي قام في ليلة العيد كما يقوم في غيرها، أما تخصيصها فلا يشرع. ثانياً: مما ينكر في العيد اختلاط الرجال بالنساء، في المصليات والشوارع والأماكن، ومع الأسف الشديد أن هذا الاختلاط يقع في أقدس البقاع وأفضلها، في المساجد بل وفى المسجد الحرام، ويقع فيه من مظاهر التبرج والسفور ما يحزن كل قلب غيور، وما يجعل الفتنة قاب قوسين أو أدنى، فإن كثيراً من النساء -هداهن الله- يخرجن بأبهى زينة، سافرات كاشفات متبرجات متزينات متعطرات، مع ما في المسجد من شدة الزحام، وفي ذلك من الفتنة والضرر العظيم ما فيه. ولذلك أنصح الشباب إذا صلوا صلاة الفجر يوم العيد، أن لا يخرجوا من المسجد، بل يبقوا حتى يصلوا العيد، ثم يجلسوا حتى يتفرق الناس بعداً عن الفتن العظيمة التي قد تعرض لهم. ثالثاً: مما يحدث في ليلة العيد، أن بعض الناس يجتمعون على الغناء واللهو والعبث، وهذا لا يجوز. ومن المفاسد التي تقع: أن بعض الناس يفرحون لأنهم قد تركوا رمضان وانتهوا من الصيام وهذا خطأ؛ فإن العيد إنما يفرح به لأن الله تعالى قد وفقنا لإكمال عدة الشهر والصيام، وليس الفرح لأننا قد انتهينا من الصيام، وتركنا هذا الأمر الذي يعتقد البعض أنه كان ثقيلاً عليهم.
صدقة الفطر
الوقفة السادسة والعشرون: مع صدقة الفطر.وصدقة الفطر فرض على الذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، كما جاء في حديث ابن عمر وابن عباس المتفق عليه.
 الأصناف الذين يستحقون صدقة الفطر
وصدقة الفطر إنما هي للمساكين خاصة، وليست لأصناف أهل الزكاة الثمانية، بل هي للمساكين خاصة، لما جاء في حديث ابن عباس في الصحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {طهرة للصائم من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين} وهذا الذي رجحه جماعة من أهل العلم، كـابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. وتؤدى هذه الزكاة قبل الخروج إلى الصلاة، ومن أداها قبل العيد بيوم أو يومين فلا حرج، ولا يجوز تأخيرها عن الصلاة، فإن أخرها بعد فإنما هي صدقة من الصدقات.
أحكام القضاء
الوقفة السابعة والعشرون: أحكام القضاء.وفى هذه الوقفة أشير إلى أنواع من الناس:
 أمور تتعلق بالقضاء
فيما يتعلق بالقضاء أشير إلى ثلاث نقاط: الأولى: أن بعض الناس يؤخرون القضاء إلى ما بعد رمضان الآخر، وهذا لا يجوز، لقول عائشة كما في صحيح البخاري: [[كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان، للشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم]] ولأنه يترتب على ذلك تراكم الصيام على الإنسان، ولأن الصيام عبادة موقوتة بالسنة، فلم يجز أن يؤخر إلى السنة التي بعدها. والثانية: أنه لا يشترط التتابع في الصيام، فبعض الناس يعتقدون أن قضاء رمضان يشترط فيه التتابع، وهذا غير صحيح، بل له أن يصوم يوماً ويفطر ثم يصوم وهكذا.والثالثة: أنه يستحب الإسراع في القضاء، لأنه أسرع في إبراء الذمة، وأبعد عن تعرض الإنسان للموت والفوت.
صيام الست من شوال
الوقفة الثامنة والعشرون: صيام الست من شوال، وهو مشروع.
 المبادرة بصيام الست
ويستحب المبادرة بصيام الست من شوال، بحيث يبدأ بها من اليوم الثاني استحباباً، ولو أخر إلى آخر الشهر فلا حرج عليه في ذلك، ولا يصومها من كان عليه قضاء من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال} فالست من شوال تكون بعد قضاء رمضان، وبعض الناس يسمون اليوم الثامن من شوال عيد الأبرار، وهذه بدعة باطلة منكرة، فالأعياد اثنان -كما سلف- لا ثالث لهما.
صيام النفل
الوقفة التاسعة والعشرون: مع صيام النفل.{كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم} ولم يعلم عنه أنه صام شهراً كاملاً غير رمضان، إلا شعبان فإنه كان يصوم أكثره. وكان عليه الصلاة والسلام يتعاهد صيام يوم الإثنين والخميس، ويتعاهد صيام أيام البيض، بل جاء عنه في حديث -وإن كان فيه ضعف- {أنه كان لا يترك صيامها في حضر ولا سفر}. وكان يأمر بصيام أيام البيض أيضاً، فقد أمر بذلك أبا هريرة، وأبا ذر، أمرهم بثلاث: منها: أن يصوموا ثلاثة أيام من كل شهر.وكان عليه الصلاة والسلام قد أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، ونهى عن صيام الدهر فقال:{لا صام ولا أفطر -وقال:- لا صام من صام الأبد} وقال عليه الصلاة والسلام: {من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم}. وكان يأمر بصيام يوم عرفة لغير الحاج، فأما الحاج فيكره له أن يصوم فيه، وقال عليه الصلاة والسلام: {احتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والسنة الباقية}. وكذلك صام عليه الصلاة والسلام عاشوراء، وقال: {لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع} وصيامه عليه الصلاة والسلام النفل كثير.الوقفة الأخيرة: هي الخاتمة -نسأل الله تعالى لنا ولكم حسن الخاتمة- نحن -الآن- مقبلون على النصف الثاني من رمضان، فقد مضى نصفه وبقي نصفه الآخر، وكأنكم به وقد آذن بالرحيل، فالعاقل كل العاقل، والحازم كل الحازم هو من اغتنم ساعاته وأيامه ولياليه، فمن يدري ربما تكونون ممن كتبوا في سجل الأموات في هذا العام، فالبدار البدار، والإسراع الإسراع، والحذر الحذر من التفويت والتفريط ما دمت في زمن الإمكان.
 المبادرة بصيام الست
ويستحب المبادرة بصيام الست من شوال، بحيث يبدأ بها من اليوم الثاني استحباباً، ولو أخر إلى آخر الشهر فلا حرج عليه في ذلك، ولا يصومها من كان عليه قضاء من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال} فالست من شوال تكون بعد قضاء رمضان، وبعض الناس يسمون اليوم الثامن من شوال عيد الأبرار، وهذه بدعة باطلة منكرة، فالأعياد اثنان -كما سلف- لا ثالث لهما.
الأسئلة

  الإجازة الاضطرارية
السؤال: الإجازة الاضطرارية، هل تجزم بتحريم أخذها من أجل العمرة علماً بأنه يجب التأكد من تفسيرها من الديوان؟الجواب: في الواقع أنني سألت بعض المسئولين في الديوان وأكثر من مسئول، وقالوا إنها تؤخذ في حالة الضرورة، مثل حالة وفاة وما أشبه ذلك، وهذا هو الظاهر. ولا شك أن القول بتحريمها مبني على معرفة الحالات التي يجوز فيها أخذ الإجازة الاضطرارية، لكن إن كانت على ظاهره أنها لا تؤخذ إلا للضرورة، فلا يجوز أخذها من أجل أداء العمرة. هذا والله تبارك وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقفات في شهر رمضان للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net