اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هموم فتاة ملتزمة للشيخ : سلمان العودة


هموم فتاة ملتزمة - (للشيخ : سلمان العودة)
في هذه الأوضاع التي كثرت فيها وسائل الفساد أصبحت الفتاة الملتزمة تواجه هموماً ومصاعب كثيرة، تحتاج إلى من يضع لها الحل المناسب، الذي يتناسب مع طبيعة المرأة والعصر.وقد قام الشيخ سلمان العودة -حفظه الله- بجمع ما يصل إليه من الرسائل التي تحكي كثيراً من مشاكل المرأة الدعوية والزوجية والعائلية، وعرضها في هذا الدرس بأسلوب شيق ممتع، مع وضع الحلول المناسبة لها.
معنى الالتزام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.هذا الدرس الثامن والأربعون من" الدروس العلمية العامة" في ليلة الإثنين 26/جمادى الأولى/ 1412للهجرة.والعنوان" هموم ملتزمة". من نعني بكلمة ملتزمة. إننا نعني بها تلك الفتاة التي آمنت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبياً ورسولاً، ورضيت بمنهج الله تعالى وشريعته ديناً ودرباً وطريقاً، فلم ترض بقوانين الشرق والغرب ولا تقاليدها، وإنما رضيت أن تكون أسوتها وقدوتها هن النسوة المؤمنات الصالحات من أمهات المؤمنين ونساء الصحابة والتابعين. فليست هي تلك الفتاة التي أخذت الدين تقليداً عن آبائها وأجدادها، وهي تشعر أنه عبءٌ ثقيل تتمنى أن تلقيه عن كاهلها صباحاً أو مساءً، ولا تلك الفتاة التي أخذت من دينها بظاهره، وغفلت عن باطنه وحقيقته، فإن الدين كلٌ، مظهر ومخبر، سلوك وعقيدة، ولا ينبغي ولا يجوز للإنسان أن يفرط ببعض الكتاب: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة:85]. وهذه قصيدة للشاعر العشماوي في وصف بعض التناقض الموجود عند بعض البنات والنسوة، يقول: هذي العيونُ وذلك القــدُّ والشيحُ والريحـانُ والنـَّـدُّ من أين جئتِ؟ أَأَنْجَبَتْكِ رؤىً بيضٌ فأنتِ الزهـرُ والـوردُ قالت وفي أجفانِها كَحَـــلٌ يُغري وفـي كلماتهـا جِـدُّ عربيــةٌ حُريتـي جَعَلَـتْ مـني فتـاةً مالـهـا نـدُّ أغشى بقاعَ الأرضِ ما سَنَحَتْ لي فرصَـةٌ بالنفـس أعتـدُّ عربيةٌ.. فسألتُ: مسلمــةٌ؟ قالت: نعم، ولخالقي الحمـدُ! فسألتها والحزن يَعْصِـف بي والنارُ في قلـبي لهــا وقْـدُ من أين هذا الزِّيُّ ما عَرَفَـتْ أرضُ الحجازِ ولا رأت نَجْـد?! هـذا التبـذُّل يا محدّثــتي سـهمٌ من الإلـحاد مرتَـدُّ! فتـنمَّرَتْ ثم انْثَنَـتْ صَـلَفًا ولسانُها لسِبابهـا عَبْــدُ قالـت: أنا بالنـفسِ واثقـةٌ حريَّتي دون الهــوى سـدُّ فأجـبتُها والنـارُ تَلْفَحُـني: أخشــى بأن يتناثَرَ العِقـدُ! ضِـدَّانِ يا أُختاه ما اجتمعـا: دينُ الهدى، والكفرُ والصَـدُّ والله مـا أزْرى بأمتِـنــا إلا ازدواجٌ ما لـه حـدٌّ!
 

مصادر موضوع هموم فتاة ملتزمة
وبين يدي الحديث يتساءل البعض من الإخوة عن مصادر هذه المادة التي سأقدمها لكم الآن، فأقول: بعد كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذين بهما نسترشد ونستهدي في كل طرق الحياة، فمعظم هذه المادة من رسائل الأخوات، واستفساراتهن، وكتاباتهن إليًَّ، فلهن مني التحية والسلام والدعاء، فبدءًا من العنوان وهو (هموم ملتزمة) هو اقتراحٌ من إحدى الأخوات، ومرورًا بالموضوعات، وانتهاءً ببعض الأسئلة التي أحضرتها معي، وأرجو أن يكون ثمة وقت للإجابة عليها أو على بعضها، وقد حرصت أن يكون كل ذلك مما عملته أيديهن. تقول إحداهن في مطلع اقتراحها للموضوع: إن الملتزمة بحاجةٍ ماسة إلى من يأخذ بيدها، ويطور لها التزامها، وبالذات مع شعورنا بأن هناك من الواعين من يعتقد أن تحجُّب الفتاة وتركها لمشاهدة التلفاز هو النقطة الأخيرة التي تقف عندها.. وليتهم يعلمون أن معظم الملتزمات يملكن كل شيءٍ إلا الفكر والفهم السليم! فهكذا تقول الأخت.وإذا كنا نوافق أن كثيرًا من الناس يظنون أن الالتزام ينتهي عند حد الحجاب وترك مشاهدة التلفاز، مع أن الواقع أن المسلم أو المسلمة لايزالان في جهاد وترقٍّ إلى الموت، تصديقًا لقول الله عز وجل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]. فالالتزام ليس مرحلة يتجاوزها الإنسان إلى غيرها.. كلا! وليس قضيةً ينتهي عندها المرء! بل إن الالتزام هو محاولة مستمرة تظل مع الفتى ومع الفتاة إلى الممات، حتى في ساعة الموت يجاهد الإنسان نفسه ويعبد ربه: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]. ومادام أن الروح في الجسد، ومادام أن النَّفس يتردد؛ فأمام الإنسان ألوان وألوان من المجاهدات والمصابرات والمدافعات؛ يحتاج الرجل إليها، وتحتاج المرأة إليها.ولكننا لا نوافق تلك الأخت، على أن معظم الملتزمات يملكن كل شيءٍ إلا الفكر والفهم السليم، فإن كثيرًا من الأخوات الملتزمات يملكن-بحمد الله- قدرًا جيدًا من الفهم السليم، ويملكن عقولاً ناضجة، ويملكن مواهب قوية، نسأل الله لنا ولهن جميعًا الثبات.أما العناوين فهي كالتالي: أولاً: المرأة والالتزام. ثانياً: من صفات الداعية. ثالثاً: من مشكلات الدعوة النسائية. رابعاً: عقبات في الطريق. خامساً: موضوعات وكتب.
 

المرأة والالتزام
إن المرأة بطبيعتها أكثر تأثرًا بالخير والشر، وبما يحيط بها من الرجل؛ ولذلك نعرف خطر استغلال تلك الأجهزة العامة -أجهزة الزور المسماة بأجهزة الإعلام- في التخريب، وتأثير تلك الأجهزة في عقلية المرأة خاصة مع بقاء المرأة في المنـزل، ووجود الفراغ الذي تعيشه جزءاً من الوقت، فكثيرٌ من النساء تعتكف عند هذا الجهاز، ومنه تتناول ثقافتها وعلمها، بل وحتى معلوماتها عن دينها، فهي إنما تتلقاها بواسطة هذا الجهاز من خلال بعض الأقوال، وبعض الآراء، وبعض الأطروحات، وبعض الأمور التي تقدم لها.إن من الواجب: أن تُستخدم الوسائل العلنية العامة في مخاطبة النساء كالشريط، والكتاب، والمحاضرة المتخصصة.. بل والمدرسة والجامعة، حتى أقول: والسوق، وكلَّ وسيلة متاحة مباحة، فإنه ينبغي أن يستخدمها الدعاة إلى الله تعالى في الوصول إلى عقول النساء، وقلوبهن، ومخاطبتهن بآيات الله تعالى والحكمة.
 أهمية تعليم الفتاة الملتزمة
وبعض الإِخوة يَعتبون عليَّ، ويقولون: لماذا تحرض النساء على الاستمرار في الدراسة-مثلاً- أو على مواصلة العمل، وخاصة من المتدينات؟والجواب: أقول لإخوتي وأخواتي: إننا في مجتمعٍ لا ننفرد نحن بصياغته وصناعته؛ بل هو مجتمعٌ فيه صناع كثيرون، ذوو عقول شتى، ومذاهب مختلفة، وآراءٍ متباينة؛ بل ونظرياتٍ واتجاهاتٍ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار- كما يقال- فإذا توقفت الملتزمة عند حدٍ معينٍ فغيرها لا يتوقف. ومعنى ذلك أننا حين ننصح المتدينات بترك الدراسة -مثلاً- أو ترك مجالات العمل والتأثير؛ فإننا سمحنا لكل الفئات، وكل الطبقات، وكل الاتجاهات التي لا تسمع لنا أصلاً- لها بأن تنمو وتتوغل وتتغلغل في المجتمع، ووضعنا سدًّا منيعًا أمام العنصر الوحيد الذي يمكن أن يساهم بشكلٍ جيدٍ في ضبط المسيرة، أو يساهم في تحجيم الشر والفساد، ولا أعتقد أن ثمة خدمةً يمكن أن نقدمها للعلمانيين بالمجان أكثر من هذه الخدمة، ولا توجد خدمة يمكن أن نقدمها لأصحاب النوايا السيئة وصرعى الشهوات أعظم من هذه الخدمة، وليس هناك أعظم من أن تصبح التجمعات النسائية بجامعاتها وبكلياتها ودراساتها ومعاهدها وندواتها وأعمالها خالية من الفتاة الملتزمة، التي ترفع راية الدين، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.و أقل ما يمكن أن تقوم به تلك الملتزمة هو: أن تشعر المجتمع بما يجري داخل تلك المجتمعات النسائية، وما يكون وراء الكواليس، ووراء الستار.إنَّ العلماء والدعاة-بل والعامَّة- أحوج ما يكونون إلى من يقول لهم: إنه يجري في أوساط النساء كيت، وكيت، وكيت، فأين دوركم؟ وما مجالكم؟ وأين هي أصواتكم؟ فإخبارهم بما يحصل ويحدث داخل تلك الأسوار هو أقل ما يجب.ومع ذلك أقول أيها الإخوة وأيتها الأخوات: إنني أعتقد أن زمن الشكوى المجردة قد انتهى، أو كاد أن ينتهي، وأعني بذلك أن دور الخيرين والخيرات لا يجوز أبداً أن يتوقف عند مجرد رفع الشكاوى للجهات المختصة: حصل كذا، وحصل كذا، وحصل كذا، وأقول: إن هذا الدور الذي يقف عند مجرد الشكوى فقط.. قد انتهى، أو كاد أن ينتهي لأسبابٍ أهمها:أولاً: إنه لو كان هناك إصرار من القمم على منع رياح التغيير والفساد لأحكموا غلق النوافذ، والمسئولون الصغار دائماً وأبداً يتلمسون مواقف الكبار، وردود فعلهم، ومدى حزمهم، أو تساهلهم، ولذلك يقال في النكت والطرائف: إذا أردت أن تعرف مدى قوة المسئول في بلدٍ؛ فانظر في سلوكِ البقال، فإذا صار بينك وبين البقال مشاجرة، فقلت له: إن فعلت وإلا رفعتك إلى مدير الشرطة، أو إلى المحافظ، أو إلى الأمير، فإن وجدته اضطرب وارتبك وخاف فاعرف أن هذا دليل القوة والعدل، وأن سيف الحق صارم، أما إن قال لك: ارفع وافعل ما شئت، وأمامك هيئة الأمم المتحدة، وأمامك وأمامك... فاعلم أن الأمر دليلٌ على التراخي. ثانياً: ضغوط الناس لا يمكن إهمالها بحالٍ من الأحوال، فنحن -الآن- في عصرٍ صار للجماهير فيه تأثيرٌ كبير، فأسقطوا زعماء كباراً، وهزوا عروشاً، وحطموا أسواراً وحواجز، وما زالت صورة العُزَّل الذين يواجهون الدبابات بصدورهم في الاتحاد السوفيتي، بعدما قام الإنقلاب الشيوعي الأخير الذي فشل، ما زالت صور أولئك العزل يتدافعون في وجوه الدبابات بالآلاف، بل بعشرات الآلاف حتى استطاعوا، وهم لا يملكون ولا رصاصة واحدة أن يقفوا في وجه ذلك الانقلاب ويفشلوه، ما زالت هذه الصورة ماثلة للأذهان، وقد رآها العالم كله حيةً في شرقه وغربه. فإذا كان المجتمع الذي نعيش فيه مجتمعاً منقسماً، وهذه حقيقة: فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ النمل:45] والإنقسام إلى حق وباطل، ومهتدٍ وضال، ومؤمنٍ وفاجر، هذا أمر لا خيار فيه، ولا حل له، ولا يعني أن هناك سعياً إلى تمزيق المجتمع، بل هو سعي إلى تسمية الأمور بأسمائها الحقيقة، ووضع الأمر في نصابه.فإذا كان المجتمع منقسماً -وهذه حقيقة- فيجب أن يمارس الخيرون كافة الوسائل لتحقيق قناعاتهم الشرعية. والشكوى وسيلة لا يمكن أن نهون منها أو من شأنها، ولكنها من أضعف الوسائل خاصةً إذا لم يكن معها غيرها. لكن يستطيع الأخيار أن يمارسوا دورهم كغيرهم. فكما أن تلك الفتاة المنحرفة المشبعة بأفكار الغرب واتجاهاته، استطاعت أن تصل إلى موقع التأثير والمسئولية، وغيرت عقول بعض بناتنا وفتياتنا، وأثرت عليهن، فكذلك تستطيع الفتاة الطيبة الصالحة المهتدية أن تكون في الموقع نفسه، وليس هناك حواجز -بحمد الله- كبيرة تقفُ في وجهها، وإن وجدت حواجز فالتغلب عليها ممكنٌ، والحاجة أم الاختراع، والمؤمن الصادق لا يعدم حيلةً توصله -بإذن الله تعالى- إلى ما يريد. الأمر الثالث الذي يجعلني أقول: إن مجرد الشكوى لا يكفي: هو أن من غير الممكن اليوم أن نقول للناس: أغلقوا الجامعات، والمستشفيات، والمؤسسات النسائية، فإن هذا أمرٌ غير ممكن، وهو أيضاً غير مطلوب، فلا بد للناس من كل هذه الأمور، وهي مؤسساتٍ ارتبطت بحياة الناس -الآن- بدون شك، فلم يبق إلا أن يرسم لهذه المؤسسات والمدارس والمستشفيات الإطار الشرعي الصحيح، والشرعُ جاء ليضبطِ كل شيء، قال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً [الاسراء:12] ولم يبق إلا أن تشجع الفاضلات على إدارتها، أو على الأقل على المساهمة فيها، ومزاحمة الاتجاهات الأخرى غير المهتدية.
من صفات المرأة الداعية
إذا كنّا نتحدث عن الفتاة الملتزمة، فإنني أكاد لا أتصور أن امرأةً، أو رجلاً ملتزمًا، يمكن أن يكون غير داعية- في مثل هذه الظروف الواقعة الآن- لأن من الالتزام أن يدعو الإنسان.ومعنى كون المرأة ملتزمة: أنها مطيعة لربها، يقول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] إذاً فأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر؛ هو جزءٌ من التزامها، وقيامها بالدعوة إلى الله تعالى هو جزءٌ من التزامها، لأن الله تعالى يقول: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [آل عمران:110]: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143] إذاً فقيامها بواجبها، وقيامها بالدعوة إلى الله، وقيامها بالإصلاح، وقيامها بالأمر والنهي هو جزءٌ من التزامها. وقد أثبتت الأحداث والتجارب الكثيرة، أن هذه الأمة -رجالاً ونساء- لديها قدرة على قبول الحق؛ بل لديها رغبة في سماع الحق والتزامه.. إذاً لا عذر لرجل منا -أو امرأةٍ- أن يقول: أنا ملتزمٌ ولكني غير داعية... أبداً! وهذا الكلام يجب أن ينتهي؛ لأن كل ملتزمٍ هو داعيةٌ بالفطرة، لأن التزامه يعني أنه مطيع، والذي أمره بالصلاة هو الذي أمره بالدعوة، وهو الذي أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يمكن أن نفرق بين هذا وذاك بحالٍ من الأحوال، ولذلك ستجدون -وستجدن أيتها الأخوات- أن حديثي ينصب علىالملتزمة الواعية الداعية، باعتبار أنها هي المخاطبة أصالةً بهذا الموضوع، ولا شك أن كل صفةٍ نتصورها في الرجل الداعي.. هي أيضاً مطلوبة في المرأة.
 الصفة الخامسة: الاعتدال
ومن الأخلاق والصفات التي ينبغي أن تهتم بها الداعية: الاعتدال في كل شيء، ومن الاعتدال: الاعتدال في مشاعرها بين الإفراط والتفريط.فنحن نجد من بعض الأخوات من تكون جافة في عواطفها ومشاعرها، فلا تتجاوب مع الأخريات، ولا تبادلهن شعورًا بشعور، وودًّا بود، ومحبةً بمحبة، أو تبتسم في وجوههنَّ، وترى أن جديَّة الدين وجدية الدعوة تتطلب قدرًا من الصرامة والوضوح والقسمات الحادة، وهذا أمر-بلا شك- غير مقبول: {وتبسمك في وجه أخيك صدقة} كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقول للمرأة أيضاً: وتبسُّمُكِ في وجه أختكِ صدقة أيضاً؛ فالحكم عام.وبالمقابل هناك من النساء ومن الأخوات من تبالغ في المشاعر، وتبالغ في إغراق الأخريات بمشاعر قد تصل أحيانًا إلى حد الإفراط، فتجدين أن من الأخوات من لا تصبر عن فلانةٍ ساعةً من نهار، فإذا ذهبت إلى بيتها بدأت تتصل بها بالهاتف، وتكلمها الساعات الطوال، وربما خلت بها أوقاتًا طويلة، تبث إحداهنَّ إلى الأخرى مشاعرها وهمومها وشجونها؛ بل ربما تغار إذا رأت أخرى تجالسها أو تحادثها... تغار منها لأنها تريدها لنفسها فقط!!.وهذا نوع مما يسمى بالإعجاب في أوساط البنات، فضلاً عن قضية المحاكاة والتقليد، أي أنها تقلدها في كل شيء: في حركاتها وسكناتها، وفي طريقة كلامها، وفي لباسها، وفي حذائها، وفي حركة يدها… في كل شيء تقلدها.ولاشك أن ذوبان شخصية البنت في أخرى-ولو كانت داعيةً- ضياع؛ لأن الله عز وجل خاطب كل إنسان بمفرده: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا مريم:93-95] وقال سبحانه: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس:7-10].فينبغي أن تشعر المسلمة باستقلاليتها، وأنها لا يجوز أن تذوب في شخصيةٍ أخرى، فإن لها استقلاليتها، ولها مسئوليتها، فهي موقوفة بين يدي الله تعالى يوم القيامة بذاتها وبمفردها.
من مشكلات الدعوة النسائية
وهناك مشكلاتٌ كثيرةٌ في مجال دعوة النساء، أشير إلى شيءٍ منها، فمن هذه المشكلات:
 صعوبة التأثير على كبار السن
المشكلة الثالثة: صعوبة التأثير على كبار السن، فكثيرًا ما تشتكي الفتيات من امرأة كبيرة السن، وقد تكون أمها أو أم زوجها أو خالتها أو قريبتها، وأن هؤلاء النسوة لا يقبلن التوجيه، وإذا قيل لهن شيء؛ قالت: أنتم كل شيء عندكم حرام! أنتم دينكم جديد! أنتم كذا، أنتم كذا…وتشتكي كثيرٌ من النساء من مثل هذا. فأقول: ينبغي أن يراعى هذا بالنسبة للنِّساء الكبيرات في السن بأمور:منها أن تتلطف المرأة في الدعوة؛ ومنها أنها إذا رأتهن على منكر فمن الممكن أن تصرفهن عنه أولاً، فإذا رأت غيبة فتحاول أن تطرح موضوعاً آخر بعيداً عنه، فإذا انشغلت النساء بهذا الموضوع الجديد عن موضوع الغيبة، بحثت الفتاة يوماً من الأيام عن كتاب يكون فيه كلمة لأحد العلماء المعروفين-كسماحة الشيخ ابن باز مثلاً أو غيره- فيه تحذير من الغيبة، أو من النميمة، أو بيان الحكم الشرعي الذي أخطأت فيه المرأة، ثم تأتي المرأة وتقول: أريد أن أقرأ عليكن فتوى للشيخ ابن باز يقول: بسم الله الرحمن الرحمن، وتقرأ، فحينئذ لا تملك المرأة -الأم الكبيرة- أن تقول: هذا دينٌ جديد، أو أنتم كل شيءٍ غيرتموه؛ بل تقول: سبحان الله! سبحان الله! العلم بحر! وتقبل هذا الكلام؛ لأنها عرفت أن هذا الرجل له ثقله، وله قدره، وله وزنه.ومن الحلول: مراعاة الحاجة إلى أسلوب ملائم في الدعوة يتميز بالمرح والمؤانسة وتطييب قلوب وخواطر الآخرين وتقديم النصيحة لهم في قالبٍ من الود والمحبة، ويمكن أن يأتي هنا دور الهدية؛ فإنها تَسُلُّ السخيمة كما جاء في حديث، وإن كان لا يصح.
عقبات في طريق الدعوة
هناك عقباتٌ كثيرة تعترض الداعية، كما يعترض الرجل الداعية عقبات أخرى كثيرة أيضاً، فمن العقبات:
 عدم تجاوب بعض النساء مع الدعوة
ومن العقبات التي تواجهها المجتمعات الدعوية النسائية: عدم التجاوب من الأخريات -من النساء- ورد بعضهن للدعوة. وبدءًا أقول: هذه الأمة أمة مجربة، فلست أنت أول من دعا؛ وإنما دعا قبلك كثيرون وكثيرات، وكان التجاوب كثيرًا وكبيرًا، والكفار الآن يدخلون في دين الله أفواجًا، فمن باب أولى أن المسلمين يستجيبون لله وللرسول إذا دعوا إلى ما يحييهم، وإذا أمروا ونهوا.فأما أسباب عدم التجاوب فإنها ترجع إلى بعض الأمور التالية:أولاً: منها ما يتعلق بالمدعوة نفسها: فقد يكون السبب فعلاً من المدعوة، وذلك كأن تكون شديدة الانحراف، أو طال مكثها في الشر، وأصبح خروجها منه ليس بالأمر السهل، وأصبحت جذورها ضاربة في تربة الشر والفساد، أو صعوبة طبعها وعدم ليونتها، كون عندها شيء من العناد والصعوبة في المراس، أو فساد البيئة التي ترجع إليها، ووجود قرينات سوء يدعونها إلى الشر والفساد.. وهذا كله يمكن أن يعالج بالصبر وطول النَّفَس، والأناة، وتكثيف الجهود، وربط هذه الفتاة ببيئة إسلامية جيدة جديدة تكون بديلاً عن البيئة الفاسدة التي تعيش فيها. وقد يكون عدم قبولها للدعوة بسبب كبر سنها -كما أسلفت قبل قليل- فيعالج بالوسائل المناسبة.ومن هذه الأسباب التي تعوق قبول الدعوة ما يتعلق بالداعية نفسها -المرأة التي تدعو- وذلك كعدم استخدامها الأسلوب المناسب، أو عدم قدرتها على الوصول إلى قلوب الأخريات، أوقسوتها، أو شدة تركيزها على أخطاء الآخرين، وهذه مشكلة.. وهي كون الدعوة تركيزاً على الأخطاء، أو شعور الأخريات بأن الداعية تمارس نوعًا من الأستاذية أو التسلط، مما يحرضهن على مخالفتها ومعاندتها؛ لأنهن يعتبرن عملها هذا مسّاً للكرامة، أو جرحًا للكبرياء، والشيطان حاضر، فيؤجج في الفتاة مشاعر الكبرياء والعزة، فترفض الدعوة ولا تُقبل عليها.والعلاج: أن تحرص الفتاة الداعية على استخدام أسلوب الالتماس، والعرض، والتلميح، دون المواجهة والضرب في الوجه كلما أمكن ذلك، وألا تُشعر الأخريات بأنها مستعلية عليهن، أو أنها فوقهن، أو أنها تشعر بالأستاذية، أو التسلط عليهن.ومن العلاج: العناية بشخصية المرأة: عقيدةً، وثقافةً، وسلوكًا، ومظهرًا، ومخبرًا، دون إهمال الأمور المعنوية المهمة والأساسية، بسبب الاشتغال بالقضايا المظهرية فحسب.أقول: إن (90%) من الأسئلة التي تصل إلي -أيها الإخوة- لا تكاد تتجاوز شعر الرأس إلا إلى أكمام اليدين، أو حذاء القدمين!! إذاً فأين عقيدة المرأة؟! وأين أخلاقها؟! وأين خوفها من ربها؟! وأين معرفتها بأحكام دينها؟! وأين معرفتها بعباداتها؟! وأين معرفتها بالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج؟! وأين معرفتها بحقوق الآخرين عليها؟! أين.. أين..؟كل هذه الأمور لا تكاد تجد عنها أسئلةً! إنما تجد الأسئلة محصورة في موضوعات محدودة جدّاً، وقد قلت ذلك من خلال استقراء لعدد كبير من الأسئلة التي وصلت إلي، ونحن لا نهوّن من أمر شيء من الدين، فالدين كله مهم، ولما قيل للإمام مالك في مسألةٍ ما: هذا أمرٌ صغير، قال: ليس في الدين شيء صغير، والله تعالى يقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) [المزمل:5]. فالدين كله كذلك، لكن أيضًا رحم الله امرءًا وضع الشيء في موضعه، فمن الحكمة أن يضع الإنسان الشيء في موضعه، فمثلاً: لماذا نهوّن من أمور العقيدة وأمور القلب؟! القلب الذي يقول فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام: {ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله} لماذا لا نعتني بالقلب وصلاحه صلاحاً للظاهر أيضًا؟!ومن العلاج أيضاً: عدم تتبع الزلات والعثرات، فما من إنسان إلا وعليه مآخذ وله زلات، وليس من الأسلوب التربوي أبداً التركيز على ملاحظة الزلات، بل قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني أحيانًا، ويمدح الإنسان الذي يستحق المدح بخصال الخير الموجودة فيه، وكتب المناقب في البخاري، ومسلم، وكل كتب السنة مليئة بمثل ذلك، فيثني على الإنسان بالخير الموجود فيه؛ حتى ينمو هذا الخير ويكبر، وحتى يقتدي به الآخرون في ذلك، لأن مدح الإنسان بالخير الموجود فيه يدعو إلى مزيد منه، وليس شرطاً أن تمدح الشخص، بل تمدح الفئة، أو الأمة، أو الطائفة بالخير الموجود فيهم، فإن هذا يدعوهم إلى مزيد من الخير، وإلى التغلب على خصال النقص الموجودة لديهم، ولا يمنع هذا أن يُلاحظ على الفتاة أحيانًا شيء من النقص، فتُنصح مباشرة في رسالة، أو حديثٍ أخوي مباشر، أو مكالمةٍ هاتفية… أو غير ذلك؛ لكن لا يكون هذا هو الأصل؛ بل يكون طارئاً، بمناسبة وجود غلطٍ معين.ومن العلاج: عدم محاصرة المرأة المخطئة أو المقصرة، أو المسارعة في اتهامها، فنحن لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس، ولا أن نشق عن بطونهم، ومالنا إلا الظاهر، ولسنا مغفلين بكل تأكيد، لكننا لا نطلق لخيالنا العنان في تصور فساد مستور، أمره إلى الله تعالى، إن شاء عذَّب، وإن شاء غفر، ويقول الله تعالى في الحديث القدسي: {ورحمتي سبقت غضبي} وأحيانًا يتصور الإنسان فساداً، ويغلب على ظنه أنه واقع، لكن ليس هناك داعٍ مادام الأمر مستوراً، أو لم يظهر لك، ولا عندك أدلة عليه، فدع أمر الناس للناس، وقد يتبين لك أن ما كنت تظنه خطأً، وسوء الظن مشكلة تعذب قلب الإنسان نفسه، وقد تسبب أذىً للآخرين، وقد تحول بينه وبينهم في دعوتهم إلى الله تعالى.فالأمور المستورة دعها إلى الله، ومن أظهر شيئاً أخذناه به، أما المستور فأمره إلى الله تعالى.وبين اليقظة وسوء الظن خيطٌ رفيع، فبعض الناس عنده تغفيل، والتغفيل مذموم، فقد يرى الفساد ويتجاهله أو يتغافله؛ وهذا لا يصلح، فينبغي أن يكون الإنسان يقظًا واعيًا مدركًا، وفي نفس الوقت سوء الظن يبعده جانباً.
موضوعات وكتب
كثيرًا ما يأتيني أسئلة من الإخوة والأخوات عن موضوعات أوكتب مقترحة، وقد رأيت أن أسرد في هذه المناسبة طائفة من الموضوعات، وطائفة من الكتب، تكون نافعة -إن شاء الله- لمن يسمعها.
 كتب تناسب المرأة الداعية والفتاة عموماً
أما فيما يتعلق بالكتب التي يمكن أن تعرض في بعض المناسبات، ويمكن أن توضع في المكتبة المنـزلية، ويمكن أن تقرأها الفتاة، فأذكر منها بعض ما تيسر، فمن الكتب مثلاً:تفسير ابن كثير.العقيدة الواسطية.كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب.زاد المعاد.فتاوى النساء لـابن تيمية.التحفة العراقية لـابن تيمية في أعمال القلوب.إغاثة اللهفان لـابن القيم.رياض الصالحين للنووي.تهذيب سيرة ابن هشام.قبسات من الرسول.الشمائل المحمدية للترمذي ومختصره للشيخ الألباني.الفوائد لـابن القيم.صيد الخاطر لـابن الجوزي على ثغرات فيه.تلبيس إبليس لـابن الجوزي.حقوق النساء في الإسلام لـرشيد رضا.معركة التقاليد لـمحمد قطب.عودة الحجاب لـمحمد أحمد المقدم.المرأة المسلمة المعاصرة للدكتور/ أحمد محمد بابطين.كيف تخشعين في الصلاة؟ لـرقية المحارب. الموضة في التصوير الإسلامي لـفاطمة بنت عبد الله.عمل المرأة في الميزان للدكتورالبار.النساء الداعيات لـتوفيق الواعي.رسائل إلى حواء لـمحمد رشيد العويد.كلمات إلى حواء لطائفة من الكتاب.دليل الطائفة المؤمنة لـمحمد الخلفسري وللنساء فقط للقطان.أفراح الروح لـسيد قطب. مواقف نسائية مشرفة لـنجيب العامر.
الأسئلة

  نصيحة موجهة للطالبات والمعلمات
السؤال: أرجو نصيحة بعض الطالبات لما يفعلنه بالمعلمات. الجواب: كثير من الطالبات ربما يتناولن المعلمات والعكس، فتقول بعض المعلمات: إنهن إذا التقين فإن الحديث بينهن غالباً ما يكون عن بعض الطالبات، فلانة فيها، وفلانة فيها، وفلانة مقصرة، وأحياناً لا تكون المسألة مجرد تقويم للطالبة ومستواها الدراسي، وما أشبه ذلك، بل تتعدى إلى الكلام عن شخصيتها، وتصرفاتها، وطبيعتها، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تحتاج إلى بيان، وهذا لا شك من الغيبة، والعكس صحيح أيضاً.فكون الطالبات إذا اجتمعن تكلمن في المدرسات، وجعلن لكل واحدة منهن لقباً يعيرنها به، ويتكلمن: هذه فيها، وهذه فيها، وهذه... فإن هذا أيضاً من الغيببة التي لا تجوز، وقد قال الله عز وجل: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الحجرات:12].هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هموم فتاة ملتزمة للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net