اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [85] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان


شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [85] - (للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان)
محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، والناس يتفاوتون في الإيمان بحسب حبهم لله ورسوله، واتباعهم لكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وللإيمان حلاوة، ولا يذوق العبد طعمه حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
آية التهديد والوعيد لمن قدم محبة الدنيا على محبة الله ورسوله
[ قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24] ]. هذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن، وهي خطاب للصحابة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم أمر الله جل وعلا رسوله أن يقول لهم: إن كانت هذه الثمانية الأشياء المذكورة في الآية، أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيل الله (فتربصوا): انتظروا حتى يحل بكم العذاب، فهو تهديد ووعيد لمن كانت الدنيا بما فيها من الأقرباء والآباء والأبناء والأزواج والأموال والمساكن والتجارات، أحب إليه من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيله، وهذا فاسق لقوله: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]، لأنه من كان بهذه الصفة فهو من الفاسقين، والفاسق هو الذي خرج عن طاعة الله جل وعلا إلى المعصية.فهذا يدلنا على وجوب تقديم محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة الجهاد في سبيله على الآباء، والأبناء، والأزواج، والأموال، والمساكن الحسنة الجميلة، والمراكب، والتجارات وغيرها من أمور الدنيا، يجب على العبد أن تكون هذه أمام محبة الله، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة الجهاد في سبيله؛ مبذولة في هذا السبيل، لا تحول بين الإنسان وبين ذلك، فإن كان يختارها فهو من الفاسقين.وجاء في الحديث بمعنى هذه الآية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه منكم حتى تراجعوا دينكم)، لأن اتباع الدنيا ومحبتها وتقديمها لا يجتمع مع محبة الله ومحبة رسوله، والجهاد في سبيله، والمقصود بالدنيا أن ينتفع بها الإنسان، وأن تكون الدنيا في طاعة الله جل وعلا، يكتسب الإنسان بها مرضاة الله، أما إذا كان الأمر بالعكس فهي وبال وشقاء وعذاب، يزداد بها الإنسان عذاباً، وعن قريب يتركها لمن يأكلها، ولا يحمده، بل قد يكون حسرة عليه؛ لأنه يتقوى بها على المعاصي، ويكون عليه كفل من الذنوب والعذاب، لأنه هو السبب في جمعها. وقوله جل وعلا: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُم [التوبة:24]، إلى آخر الآية وعيد من الله جل وعلا لمن كانت هذه صفته، ثم الله يتهدده ويتوعده بعذاب يأتيه في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال في آخرها (فتربصوا) يعني انتظروا ماذا يحل بكم من العذاب؟ ثم قال جل وعلا: (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) يعني: من كانت هذه صفته فهو فاسق، فتبين بهذا البيان الواضح وجوب تقديم محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة طاعته -ومنها الجهاد في سبيله- على الآباء والأبناء والزوجات والمساكن الحسنة الجميلة، والتجارات التي يخشى الإنسان كسادها، يعني: أنها تكون تجارة متهيئة مطلوبة، فيها الربح الكثير. فإذا كانت هذه الأمور كلها أحب إلى الإنسان من الله، ومن رسوله، ومن الجهاد في سبيله؛ فهو من العصاة الذين يستحقون الوعيد.فهذا أمر واضح وجلي، فهو كلام الله جل وعلا، وقلنا: إن هذا من آخر ما نزل ليتبين أن الصحابة رضوان الله عليهم لما كان عندهم شيء من ذلك نبههم الله جل وعلا على هذا الأمر حتى لا تكون الدنيا مائلة لهم عن محبة الله أو محبة رسوله أو مشغلة لقلوبهم عن ذلك وعن الجهاد في سبيله.ولهذا فإنهم رضوان الله عليهم خشوا من ذلك، وصاروا يجاهدون في سبيل الله، وما جلس في المدينة منهم إلا قلة قليلة، وجلهم مات في الجهاد في سبيل الله في بلاد بعيدة في سائر البلاد، في الشرق والغرب، وفي الشمال، وفي كل مكان؛ خوفاً أن يقعوا فيما حذرهم الله جل وعلا منه.
 الفرق بين محبة الله ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم
قال الشارح رحمه الله: [ وفي هذا الحديث: أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب. وفيه: أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها محبة لله ولأجله, تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن ,وتنقص بنقصها، وكل من كان محباً لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح، وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك كالاعتماد عليه, ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه، وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله ]. يعني: الفرق بين محبة الله جل وعلا ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم مكملة لمحبة الله؛ لأنها تابعة لها، فهي محبة لله وفي الله، وليست محبة مع الله.أما المحبة مع الله فهي شركية، تكون محبة شرك, وذلك أنه يجعل له من المحبة مثل ما يكون من جنس المحبة التي تكون لله، والمحبة التي تكون لله عرفنا أنها ما كان فيها عبودية وذل وخضوع وتعظيم ورجاء وخوف.والرسول صلى الله عليه وسلم ما يملك مع الله شيئاً، لو أن إنساناً دعاه واستغاث به وقال: أرجوك أن تنجيني من النار، أرجوك أن تغفر ذنوبي، أرجوك أن تصلح قلبي، أرجوك أن تهب لي مالاً، وما أشبه ذلك؛ فمعنى ذلك أنه جعله في منزلة الله، وصار يعبده عبادة؛ لأن الدعاء والرجاء والخوف يجب أن يكون لله وحده، وكذلك الخوف العيني الذي يخاف منه الإنسان, والمخوف غائب عنه، أو أن يدعى له ما هو من خصائص الله من معرفة الغيب والاطلاع على ما في القلوب، ومعرفة المستقبلات والماضيات, والاطلاع على اللوح المحفوظ وما فيه ,أو كونه يستطيع أن يغير الكون أو يبدله أو أن يجعل هذا الشقي سعيداً أو هذا السعيد شقياً وما أشبه ذلك؛ هذا لا يجوز أن يكون إلا لله.فمن جعل شيئاً من ذلك لأحدٍ من خلق الله سواء كان رسولاً أو ولياً أو ملكاً فقد أشرك، ووقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا إلا بالتوبة منه، ومن مات على ذلك فهو في النار خالداً فيها، من مات معتقداً وفاعلاً لهذه الأمور فهو مشرك الشرك الأكبر، ولا ينفعه دعواه أن هذه محبة؛ لأن المحبة يجب أن تكون على وفق أمر الله ,ووفق ما كلفك الله جل وعلا به، وليست بهوى النفس ولا بالتقليد ولا بالأوضاع التي يتواضع عليها الناس، بل يجب أن تكون بالشرع الذي جاء به رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه.والرسول صلى الله عليه وسلم بين هذا ووضحه وحذر منه كثيراً، وسيأتي شيء من ذلك في هذا الكتاب، حتى إنه لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده) مع أنه يخاطبه وله مشيئة، ولكن أراد صلوات الله وسلامه عليه أن يسد الباب الذي يمكن أن يدخل الشيطان منه ,ويفسد على أمته دينها.ولما جاءه القوم وقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا, وأنت خيرنا وابن خيرنا, كره ذلك وقال: أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا إياها، أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله). والعبودية هي أكمل مقاماته صلوات الله وسلامه عليه، يعني: عبوديته لله لأنه كملها، ولهذا أثنى الله جل وعلا عليه بالعبودية، وإلا فهو بشر صلوات الله وسلامه عليه، كما قال الله جل وعلا له: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110] هو بشر مثلنا، ولكن ميز وخصص بأنه يوحى إليه: يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] فهذه هي الميزة والخصيصة التي خصه الله بها، أما الأصل فهو مثل الناس.وقول كثير من الغلاة: إنه أصل الوجود، ويقولون: إنه جاء في الحديث: (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك)، فهذا كذب! ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا، وهذا خلاف كتاب الله، وكذلك الذين يقولون: أول مخلوق هو نوره، ويقولون: نوره من نور الله ,وأن الله خلقه من نوره، كله غلو مخالف لكتاب الله, وهو من سنن النصارى في غلوهم في عيسى عليه السلام، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم بأن هذه الأمة ستفعل كما فعلت الأمم قبلها، والخبر من باب التحذير.والمقصود: أن يميز الإنسان بين ما يجب لله جل وعلا وما يجب لعبده، فالواجب لله العبودية, والعبودية هي الحب الذي يتضمن الذل مع التعظيم والخضوع والرجاء والخوف، ثم يتبع ذلك الدعاء والخشية وغيرها، أما محبة رسوله صلى الله عليه وسلم فهي محبة له, تحبه لأن الله يحبه ولأن الله أمر بحبه ,ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق طاعة لله جل وعلا.إذاً: تكون محبته تبعاً لمحبة الله, وليست محبة مع الله، أما المحبة مع الله فهي التي تشترك مع محبة العبودية, وهذه شرك ولا يجوز أن تكون لأحد من الخلق. فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله التي هي من كمال التوحيد وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله.
أقوال أهل البدع في منزلة العمل من الإيمان
من فوائد الحديث السابق أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذا من الأمور التي خالف فيها بعض أهل البدع أهل السنة, حيث زعموا أن الإيمان هو مجرد تصديق القلب فقط , أما الأعمال فهي خارجة عن ذلك. وهؤلاء الذين قالوا هذا القول قسمان: قسم يجعل الواجب الذي به النجاة هو ما كان في القلب فقط، ولو أن الإنسان أتى بأي ذنب كان، وإيمانه في قلبه كامل، أو ترك الأعمال؛ فإنه في الجنة وإن ترك الصلاة والصوم والحج والزكاة.فهذا قول مجانب للحق, هو من أبطل الباطل, وهؤلاء يسمون المرجئة المحضة، وهم الجهمية؛ لأنهم زعموا أن الإيمان المعرفة فقط.ولهذا يقول لهم أهل السنة: يلزم من هذا أن يكون إبليس مؤمناً لأنه يعرف ربه, وأنتم قلتم: الإيمان هو المعرفة، ويلزم أن تكونوا أنتم كفاراً؛ لأنكم ما عرفتم ربكم، فهم أجهل الناس بالله جل وعلا, وهذا القول لا وجود له الآن، زال مع أهله الذين زالوا والحمد لله، ونرجو ألا يكون له وجود.القسم الثاني: ما يسمى بمرجئة أهل السنة، يسمون هكذا، وبعضهم يقول: مرجئة الفقهاء، وكثير من المحققين يقول: إن الخلاف معهم خلاف لفظي وليس معنوياً، لأنهم يقولون: من ترك العمل فهو معرض للعذاب والعقاب.ويقولون: الأعمال من مقتضى الإيمان, ولكنها لا تدخل في مسماه، الإيمان في القلب, أما الأعمال فهي التي يقتضيها الإيمان، إذا وجد الإيمان فلابد من وجود العمل، فإذا كان هذا قولهم فيكون الخلاف لفظياً.والصواب: أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، يعني: أن العمل يكون إيماناً, وهذا دلت عليه النصوص كما قال الله جل وعلا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، يعني:عملكم كما جاء في سبب النزول، فإن سبب نزول الآية: تحويل القبلة, كانوا يصلون أولاً إلى جهة الشام, فأمروا بالاتجاه إلى الكعبة، فسأل المؤمنون: كيف بصلاتنا التي صليناها نحو الشام؟ فنزلت الآية: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] يعني:صلاتكم التي صليتموها إلى تلك الجهة محفوظة عند الله, وسوف يجزيكم عليها, فسماها إيماناً.وكذلك قوله جل وعلا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11]، قال مجاهد : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله, فيرضى ويسلم. فسمى الرضا والتسليم إيماناً, ومعلوم أن الرضا عمل, والتسليم عمل، وهذا شيء كثير جداً.ولكن القول الأول الذي قالوه ممتنع عقلاً وواقعاً, لا يمكن أن يوجد في قلب إنسان إيمان ولا يوجد عمل!هذا ممتنع, ومستحيل مثل هذا، إذا وجد الإيمان في قلب الإنسان فلابد أن يبعثه على العمل، ولا يمكن أن يكون هناك إيمان بلا عمل، فالقول الذي قاله أولئك المبتدعة هو قول مقدر ذهني فقط، ، يعني:فرض ذهني,أما أن يكون واقعاً فلا وجود له, ولا يمكن أن يوجد؛ لأنه لابد أن يكون صاحب الإيمان عاملاً, فإذا ترك العمل فهو دليل على أنه ليس عنده إيمان.
 الفرق بين محبة الله ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم
قال الشارح رحمه الله: [ وفي هذا الحديث: أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب. وفيه: أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها محبة لله ولأجله, تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن ,وتنقص بنقصها، وكل من كان محباً لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح، وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك كالاعتماد عليه, ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه، وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله ]. يعني: الفرق بين محبة الله جل وعلا ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم مكملة لمحبة الله؛ لأنها تابعة لها، فهي محبة لله وفي الله، وليست محبة مع الله.أما المحبة مع الله فهي شركية، تكون محبة شرك, وذلك أنه يجعل له من المحبة مثل ما يكون من جنس المحبة التي تكون لله، والمحبة التي تكون لله عرفنا أنها ما كان فيها عبودية وذل وخضوع وتعظيم ورجاء وخوف.والرسول صلى الله عليه وسلم ما يملك مع الله شيئاً، لو أن إنساناً دعاه واستغاث به وقال: أرجوك أن تنجيني من النار، أرجوك أن تغفر ذنوبي، أرجوك أن تصلح قلبي، أرجوك أن تهب لي مالاً، وما أشبه ذلك؛ فمعنى ذلك أنه جعله في منزلة الله، وصار يعبده عبادة؛ لأن الدعاء والرجاء والخوف يجب أن يكون لله وحده، وكذلك الخوف العيني الذي يخاف منه الإنسان, والمخوف غائب عنه، أو أن يدعى له ما هو من خصائص الله من معرفة الغيب والاطلاع على ما في القلوب، ومعرفة المستقبلات والماضيات, والاطلاع على اللوح المحفوظ وما فيه ,أو كونه يستطيع أن يغير الكون أو يبدله أو أن يجعل هذا الشقي سعيداً أو هذا السعيد شقياً وما أشبه ذلك؛ هذا لا يجوز أن يكون إلا لله.فمن جعل شيئاً من ذلك لأحدٍ من خلق الله سواء كان رسولاً أو ولياً أو ملكاً فقد أشرك، ووقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا إلا بالتوبة منه، ومن مات على ذلك فهو في النار خالداً فيها، من مات معتقداً وفاعلاً لهذه الأمور فهو مشرك الشرك الأكبر، ولا ينفعه دعواه أن هذه محبة؛ لأن المحبة يجب أن تكون على وفق أمر الله ,ووفق ما كلفك الله جل وعلا به، وليست بهوى النفس ولا بالتقليد ولا بالأوضاع التي يتواضع عليها الناس، بل يجب أن تكون بالشرع الذي جاء به رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه.والرسول صلى الله عليه وسلم بين هذا ووضحه وحذر منه كثيراً، وسيأتي شيء من ذلك في هذا الكتاب، حتى إنه لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده) مع أنه يخاطبه وله مشيئة، ولكن أراد صلوات الله وسلامه عليه أن يسد الباب الذي يمكن أن يدخل الشيطان منه ,ويفسد على أمته دينها.ولما جاءه القوم وقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا, وأنت خيرنا وابن خيرنا, كره ذلك وقال: أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا إياها، أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله). والعبودية هي أكمل مقاماته صلوات الله وسلامه عليه، يعني: عبوديته لله لأنه كملها، ولهذا أثنى الله جل وعلا عليه بالعبودية، وإلا فهو بشر صلوات الله وسلامه عليه، كما قال الله جل وعلا له: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف:110] هو بشر مثلنا، ولكن ميز وخصص بأنه يوحى إليه: يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110] فهذه هي الميزة والخصيصة التي خصه الله بها، أما الأصل فهو مثل الناس.وقول كثير من الغلاة: إنه أصل الوجود، ويقولون: إنه جاء في الحديث: (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك)، فهذا كذب! ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا، وهذا خلاف كتاب الله، وكذلك الذين يقولون: أول مخلوق هو نوره، ويقولون: نوره من نور الله ,وأن الله خلقه من نوره، كله غلو مخالف لكتاب الله, وهو من سنن النصارى في غلوهم في عيسى عليه السلام، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم بأن هذه الأمة ستفعل كما فعلت الأمم قبلها، والخبر من باب التحذير.والمقصود: أن يميز الإنسان بين ما يجب لله جل وعلا وما يجب لعبده، فالواجب لله العبودية, والعبودية هي الحب الذي يتضمن الذل مع التعظيم والخضوع والرجاء والخوف، ثم يتبع ذلك الدعاء والخشية وغيرها، أما محبة رسوله صلى الله عليه وسلم فهي محبة له, تحبه لأن الله يحبه ولأن الله أمر بحبه ,ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق طاعة لله جل وعلا.إذاً: تكون محبته تبعاً لمحبة الله, وليست محبة مع الله، أما المحبة مع الله فهي التي تشترك مع محبة العبودية, وهذه شرك ولا يجوز أن تكون لأحد من الخلق. فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله التي هي من كمال التوحيد وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [85] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

http://audio.islamweb.net