اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أساليب خصوم الإسلام للشيخ : سلمان العودة


أساليب خصوم الإسلام - (للشيخ : سلمان العودة)
إن الإسلام هو دين الله تعالى، والله تعالى قد قضى وقدر أن الصراع دائم بين الحق والباطل إلى قيام الساعة، فالإسلام محارب من قبل أعدائه محاربة ضارية، وأعداء الإسلام يتخذون كل الأساليب التي تمكنهم من حرب الإسلام، وما من أسلوب إلا وجربوه ضد الإسلام، ولابد أن يعرف المسلم هذه الأساليب، حتى يكون على بينة من أمره. وقد تحدث الشيخ عن جملة من هذه الأساليب بشيء من التفصيل.
منزلة الأخوة في الله عز وجل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسولهوبعــد: أيها الإخوة: يسرني في بداية هذا اللقاء بعد أن ألقي عليكم تحية الإسلام، وهي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أن أرحب بهذا الجمع الأخوي المبارك، ببيتين من الشعر ليس من نظمي، ولكنهما من تجميعي، فأنا لا أنظم ولكنني أجمع، وأنتم جميعاً تعرفون المصانع أو الصناعات التجميعية.يا قوم إن حبال الله تجمعنا فهل يفرقنا خيطٌ من البشر أما البيت الآخر فهو: والشوق في أضلعي ما إن يبينه نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطب إن مثل إن هذا الجمع الطيب، يثير في النفس مشاعر الأخوة الإسلامية، فعلى رغم تنائي الديار، وتباعد الأخطار والأمصار؛ إلا أن لواء الأخوة الإسلامية يظلل الناطقين بـ(لا إله إلا الله محمد رسول الله) ويجمعهم على كلمة التقوى، ويوحد بينهم، ويُقِّرب مشاعرهم، فهم من أقصى بلاد العالم الإسلامي إلى أقصاه، يلتقون في شعورٍ واحد منسجم، حتى كأنهم جسدٌ واحد، فيكون شأنهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى} وفي الحديث الآخر: {كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه}.وكما قال الشاعر: تذوب حشاشات العواصم حسرةً إذا دميت في كف بغداد أصبع ولو أن بَرَدى أنَّت لخطبٍ أصابها لسالت بـوادي النيل للنيل أدمع هكذا أخوة الإسلام تجمع المتباعدين والمتقاربين.
 

الصراع بين الحق والباطل سنة ماضية
أيها الإخوة: موضوع المدارسة في هذه الليلة كما سمعتم هو: أساليب خصوم الإسلام في ضرب الدعوة الإسلامية. وقد اعترض في العنوان على كلمة: المعاصرة؛ لأن الأساليب في حقيقتها لا تختلف، فالأساليب التي كان يستخدمها فرعون لحرب موسى، هي الأساليب التي استخدمها النمرود لحرب إبراهيم، وهي التي استخدمتها قريش لحرب محمد صلى الله عليه وسلم، وهي الأساليب التي تستخدمها الجاهلية في كل زمان ومكان؛ لحرب الإسلام والدعوة الإسلامية.إخوتي الأكارم، إن الذي يستمع إلى مثل هذا الحديث، يفترض -بادئ ذي بدء- أن عنده تسليماً مطلقاً لا يقبل الشك، في قضية الصراع بين الحق والباطل.إذاً: من البدهيات التي يجب أن نوقن بها يقيناً كاملاً: أن الحق والباطل منذ وجد الإنسان في صراع دائم لا ينتهي، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، صراع يبدأ بالدعوة إلى الحق، وانقسام الناس إلى مؤمنٍ وكافر، كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [النمل:45].إذاً: يترتب على الدعوة إلى الله انقسام الناس إلى فريقين: مؤمن وكافر، لا تنتهي القضية عند حد مجرد اختيار الإنسان للهدى أو للضلال، للإيمان أو للكفر، كلا! بل تنتقل إلى مسألة الصراع والخصام، ولذلك قال: فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [النمل:45] الخصام بكل وسيلة، بالصراع العقائدي، واللسان والإعلام والبيان، وبكل وسيلة ممكنة، ولذلك يقول الله عز وجل أيضاً: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:112].إذاً: هناك صراع بالقول واللسان والحجة والبيان، وغير ذلك من الأساليب، بين جند الله وجند الشيطان، حتى الرسل والأنبياء جعل الله تعالى لهم أعداءً، بل إن الله تعالى عبَّر عن الكافرين بأنهم أعداء الله سبحانه، فقال تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:98] فالكافر عدوٌ لله تعالى، كما أن الله تعالى عدوٌ له، وهذا الزخرف اللفظي والبهرج الإعلامي، الذي يستخدمه الضالون، يغتر به من لم يرد الله تعالى هدايتهم بل أراد فتنتهم، ولذلك قال في الآية السابقة: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ [الأنعام:113] أي هذا الزخرف وهذا الخداع والتضليل الإعلامي الذي يسلكه أعداء الإسلام: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام:113] بعد ذلك ينتقل الصراع إلى مرحلته الثالثة والأخيرة، وهي الحرب الصريحة بين الإسلام والكفر، وهذا ظاهر جداً، كما في قوله تعالى -حين ذكر عن فرعون أنه كان يهدد موسى وبنى إسرائيل بقوله- سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف:127] هذه هي نهاية الصراع، أنه يتحول إلى صراع عسكري مسلح دامي، والعاقبة للمتقين في الدنيا وفي الآخرة.
 أسباب معرفة كيفية الحرب ضد الإسلام
أيها الإخوة: لابد لنا -جميعاً- أن نفهم كيف يحاربون الإسلام، سواءً كانوا من الأعداء البعيدين أو من القريبين لأسباب: أولاً: إن الذي لا يعرف أساليب الخصوم في حرب الإسلام؛ قد يتأثر بهذه الأساليب، فربما يذهب بعضنا ضحية تضليل، أو خداع أو تلبيس من أعداء الإسلام، بسبب جهله بالأساليب والطرائق التي يسلكونها.ثانياً: قد يتعدى الأمر ذلك، ليشارك الواحد منا مشاركة فعلية في هذه الأساليب، ويكون عوناً لأعداء الإسلام على المسلمين من دون أن يشعر، لماذا؟ لأنه مغفل لم يدرك هذه الأساليب.ثالثاً: لأننا باعتبارنا مسلمين، مطالبون بمواجهة هذه الأساليب بمثلها. فحتى نواجهها ونرد كيد المعتدي في نحره؛ لابد أن نعرف هذه الأساليب واحداً بعد آخر. وسأشير إلى خمسة من الأساليب، التي ظهر لي أنها تجمع معظم الأعمال والخطط التي يسلكها أعداء الإسلام، سواءً كانوا من القريبين أو البعيدين.
أسلوب الاحتواء
الأسلوب الأول، هو ما يمكن أن نطلق عليه: أسلوب الاحتواء، ومحاولة تفريغ الدعوة الإسلامية من مضمونها الصحيح، وتحويل الدعوة عن مسارها، وعن أهدافها التي قامت من أجلها. فالدعوة الإسلامية في كل مكان، يجب أن يكون هدفها هو: إعادة عبودية الناس لله جل وعلا فقط، ليس لها أي هدف أو مطمع، إلا أن تجعل الناس عبيداً حقيقيين لله تعالى، تدعوهم إلى الله عز وجل، قال تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه [الأعراف:59] وكثيراً ما يحاول الأعداء في البداية -بدلاً من أن يواجهو الدعوة صراحةً- أن يفرغوها من محتواها، أن يحتووا هذه الدعوة، ويسيطروا أو يهيمنوا عليها بطريقة أو بأخرى.
 قاعدة المصالح والمفاسد
قبل أن ننتقل من الأسلوب الأول، وهو أسلوب محاولة الاحتواء وتفريغ الدعوة من مضمونها الحقيقي، أودُّ أن أشير إلى قضية ربما تلتبس على كثيرٍ من الناس وكثيرٍ من الدعاة، وهي: إن هذا الكلام لا يمنع من تحصيل المسلم لخير الخيرين ودفعه لشر الشرين، فإن قاعدة المفاسد والمصالح في الإسلام قاعدة عظيمة، وهي تقتضي أن المسلم قد يحصل على مصلحة ولو من العدو أحياناً، فيرى أن كسبها نافع، دون أن يؤثر هذا في الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه، ودون أن يغير في وجهة الدعوة.كما أنه يدفع المسلم إلى أن يحارب الشر ولو كان شراً جزئياً؛ لأنه يرى أنه شر عظيم، وينبغي دفعه عن مجتمع المسلمين، فنفرق بين قضية تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وبين قضية الاستجابة لأعداء الإسلام في بعض المطالب التي يريدون من ورائها تحويل مسار الدعوة عن هدفها الحقيقي، وهو إعادة عبودية الناس لله جل وعلا.
زرع النفاق وبناء مساجد الضرار
الأسلوب الثاني -من أساليب حرب الإسلام قديماً وحديثاً- هو: زرع النفاق وبناء مساجد الضرار. وهذا الأسلوب من المكر اليهودي، فبعد أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وضرب الإسلام بجرانه في الأرض، علم اليهود أن من الصعب حرب الإسلام علانية؛ فزرعوا ودسوا أذرعهم الخفية وهم المنافقون، ولذلك كانت الأولى البذرة من النفاق في المدينة على أيدي اليهود، كانوا منافقين من اليهود، الذين أظهروا الإسلام لضرب الإسلام وحربه، وهؤلاء أشد خطراً من الكافر المعلن وذلك لما يأتي:أولاً: لأنهم يعيشون بين المسلمين، ويعرفون عورات المسلمين، ويستطيعون أن يصيبوهم في الصميم.ثانياً: لأنه يصعب اتقاؤهم، فالكافر المعلن يمكن معرفة الخطر منه؛ لأنه معروف متميز، أما المنافق فإنه يعيش داخل الصف المسلم، وبالتالي يصعب معرفته واتقاء شره، ولذلك قال الله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون:4] أي: المنافقين، وقوله: (هُمُ الْعَدُوُّ ) هذا أسلوب حصر، ومعروف عند العارفين باللغة العربية كأن معنى قوله: (هُمُ الْعَدُوُّ ) أي لا عدو إلا هم، وليس المقصود حصر العداوة فيهم فقط، لكن المقصود التأكيد على شدة عداوتهم، وضراوتها وقسوتها وصعوبة الحذر منها، ولذلك قال: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4] والمنافقون في كل زمان ومكان، لهم شخصيات ومؤسسات وملل ونحل، يدخلون وينفذون من خلالها.على سبيل المثال: من شخصياتهم التاريخية عبد الله بن سبأ اليهودي، المعروف بـابن السوداء، وكان يهودياً من أهل صنعاء، فلمَّا رأى قوة الإسلام وانتشاره؛ أعلن الإسلام وجاء بين المسلمين، ثم تسلل إليهم، وبدأ يفتك بالمسلمين ويدعو وينشر بينهم الأفكار الضالة باسم الإسلام.والشخصيات المنافقة على مدار التاريخ كثيرة، أما الملل والنحل فلعل من أكثرها وأعظمها التي استغلها المنافقون، على سبيل الإجمال ما يسمى: المذاهب الباطنية، والمذاهب الباطنية لفظٌ عام يشمل طوائف كثيرة، من الرافضة، والصوفية، والقاديانية، والبهائية في العصر الحاضر، وغيرها من الملل والنحل التي انشقت عن جسم الأمة الإسلامية، وأصبحت تقيم المؤسسات والمدارس والمراكز في بلاد العالم الإسلامي، وفي بلاد أمريكا وأوروبا، وتعلن أنها تدعو إلى الإسلام، وهي في الواقع تدعو إلى دينٍ آخر غير دين الإسلام، وإلى نبيٍ آخر غير محمد عليه الصلاة والسلام، لكنها تتمسح بالإسلام؛ للخداع والتضليل لهؤلاء السذج المغفلين، خاصة حين يكون الإنسان غير مسلم فيدعى إليهم، أو يكون حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف عنه شيئاً ولا يميز بين الحق والباطل، فيضله هؤلاء، وقد يدخلونه في دينهم وملتهم ونحلتهم. فهذه نماذج من المنافقين.
 معرفة أساليب دس المنافقين
أيها الإخوة: لابد من معرفة العدو من الصديق حول هذا الأسلوب، أسلوب دس المنافقين وبناء مساجد الضرار، لئلا يلتبس الأمر على كثيرين، فيتهمون من هم من هذا الأمر براء، أو ينخدعون بأناس ليس لهم في هذا الشأن نصيب. فمن أوجب الواجبات على المسلم؛ أن يعرف عدو الإسلام من وليه، وهذا أمر تقتضيه الأخوة، والولاء والبراء في الإسلام، فلا ننخدع بشخص لمجرد أنه يتكلم بكلام معسول، حتى نرى مصداق ذلك في سيرته وسلوكه.الأمر الآخر: لابد من فضح المنافقين وبيان خططهم ومؤامرتهم على الإسلام، سواءً كانوا أشخاصاً أو مؤسسات، أو أجهزة أو جمعيات، أو أحزاب أو تجمعات، أو ملل أو نحل، لابد من فضحها، وهذا من ضمن المقاصد التي نـزل القران من أجلها، قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] فاستبيان سبيل المجرمين -أي: إيضاح ومعرفة سبيل الكافرين والضالين- هي من مقاصد إنـزال الكتب وبعثة الرسل؛ لأن المسلم مطالب بأن يحب المسلم ويبغض الكافر والمنافق ويتبرأ منه، وكيف تبغضه وتبرأ منه وتحاربه وأنت لا تعرفه؟ ولذلك من أعظم المصائب التي يبتلى بها المسلمون، أن يلتبس العدو عندهم بالصديق، فيتحول الصديق -أحياناً- إلى عدو، ويتحول العدو -أحياناً- إلى صديق، لماذا؟ خذ مثالاً: قد يقع داعية من الدعاة في خطأ -والخطأ لا يسلم منه أحد- فيتحول هذا الداعية من صديق نعرف أنه مجاهد في سبيل الله ومضحٍ، عند بعض الناس إلى عدو؛ لأنه أخطأ، ومن هو الذي لا يخطئ؟ فهنا جعلنا الصديق عدواً.مثال آخر: قد ينصح الداعية لبعض قومه، والنصيحة -أحياناً- توجد البغضاء، كما قال الأول:وكم مرة أتبعتكم بنصيحتي وقد يستفيد البغضة المتنصح أي أن الناصح ربما يبغض، لماذا؟ لأنه قال لنا كلاماً ما نحب أن نسمعه، نحن دائماً نحب أن نسمع من يمدحنا، ويقول: كلكم على صواب، وكل فعلكم حسنٌ وجميل، ولم يقع منكم ما يعاب، فهذا من طبيعة الإنسان: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص:24] ولذلك إذا وجد إنسان يقول لنا: أخطأتم. ربما نبغضه ونحوله إلى عدو، ولو كان داعية للإسلام.فهنا جعلنا الصديق عدواً، وفى أحيان أخرى لغفلتنا وسذاجتنا نجعل العدو صديقاً؛ لمجرد أنه كان يجيد فن الخداع.
تأجيج النزاع القائم بين المسلمين
الأسلوب الثالث: هو أسلوب تأجيج النـزاع القائم بين المسلمين، واستثماره وتوظيفه لخدمة أعداء المسلمين، والخلاف بين المسلمين أمرٌ قديم، والذين يعتقدون أنهم يستطيعون أن يقضوا على الخلاف الموجود في داخل الأمة واهمون! من غير الممكن -مطلقاً- أن نجمع الأمة على كلمةٍ واحدة في جميع الأمور، أصولها وفروعها، فلابد من الخلاف، لأنه إذا اختلف أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والعشرة المبشرون بالجنة، فكيف يعتقد أحد أن أصحاب الدعوة وأهل الإسلام، في القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، سوف يجتمعون على كلمة سواء في كل شيء؟ هذا لا يمكن أن يكون، لابد من وجود خلاف بين المسلمين، وهذا أمر يجب أن نسلم به، لكن هذا الاختلاف لا يعني التفرق ولا يعني التنازع والتناحر.أعداء الإسلام يحاولون أن يستغلوا هذا الخلاف -الذي هو واقع لا محالة- يستغلونه لتحقيق مآربهم ومقاصدهم، فيصطادون في وسط هذا الجو، فكم من إشاعة أشيعت بين الدعاة إلى الله تعالى، وبين الصالحين من المسلمين ضد فلان، أو ضد الفئة الفلانية أو الطائفة الفلانية، أو أن فلاناً يريد بك شراً، أو قال عنك شيئاً، وحين تتحقق تجد أن هذا ليس له رصيد من الواقع، خاصة والنفوس -في كثير من الأحيان- تكون مشحونة بنوع من الحساسية، فإذا كان عندي حساسية ضد فلان؛ لأن له أسلوباً في الدعوة يختلف عن أسلوبي وطريقةً تختلف عن طريقتي، يكون عندي جو نفسي مهيأ لتقبُّل ما ينقل عنه، فإذا قيل لي: إن فلاناً يتكلم فيك ويغتابك ويسبك؛ سارعت إلى تصديق هذا الأمر، لماذا؟ لأنني أقول: الشيء من معدنه لا يستغرب، ليس ببعيد أن يتكلم عني فلان؛ لأنه يخالفني في الأسلوب والمنهج والطريقة والتعلم وما أشبه ذلك. فالنفوس مشحونة ومستعدة لتقبل مثل هذه الإشاعات، حتى لو كانت كاذبة، وهذه فرصة للمنافقين وضعاف النفوس؛ لأن يندسوا في وسط المسلمين وفي وسط الدعاة، ويلوثوا هذا الجو الأخوي الطيب الآمن. وقد يصل الأمر إلى التحريض، فيحرضون بعض الجهات الإسلامية على بعض، ويشغلون بعضها ببعض، وما ألذها على نفوس الكفار وأعداء الإسلام، أن يوفروا قوتهم وإمكانياتهم، ويجعلوا المسلمين ينشغلون ببعضهم ببعض، فما يبنيه زيد يهدمه عمرو، وما يكتبه صالح يمحوه إبراهيم، وهكذا يصبح المسلمون أحدهم يبني والآخر يهدم، كما قال الأول:متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم على سبيل المثال: في بعض البلاد الإسلامية يكتب أحد الدعاة كتاباً، يوضح فيه مسألة يعتقد هو أن من الواجب عليه أن يوضحها، ثم يوظف مجموعة كبيرة من الناس الذين يثقون به؛ لينشروا هذا الكتاب بين الناس، حتى يصل إليهم، فينشرونه في المساجد والمدارس والمراكز وفي كل مكان, وفي ذلك بذلوا جهداً كبيراً، في كتابة الكتاب وطباعته، وفي الإنفاق عليه، وتوزعيه وفي غير ذلك، بعد ذلك يسمع مسلمٌ آخر بهذا العمل، وهو يعترض عليه ويعتقد أنه ضار؛ فيجند مجموعة أخرى لأخذ هذا الكتاب من كل مكان يوجد فيه، وإتلافه والقضاء عليه، وهكذا يؤخذ الكتاب ويتلف ويُقضى عليه, فهذا الجهد كم ثمرته للمسلمين؟ لا شيء، بل أقل من لا شيء وهي السلبية؛ لأن الكتاب الذي تَعب عليه قد أتلف وانتهى ولم يستفد منه أحد، ولكن هناك جهود كبيرة من المسلمين من الطرفين ضاعت هباءً منثوراً.وفى أحيان أخرى الأعداء لا يكتفون بمجرد التحريض، بل يساعدون بعض المسلمين على بعض، ولعلنا نذكر على سبيل المثال نماذج تاريخية، إذا كنت ذكرت لكم -آنفاً- أن عبد الله بن سبأ اليهودي المتمسلم -ابن السوداء- دخل الإسلام ليهدم من الداخل، فإنه استغل بوادر الاختلاف بين المسلمين في أواخر عهد عثمان رضي الله عنه؛ فبدأ بنشر الفتنة، فلمَّا جاءه خبر موت علي بعد فترة، رفض وقال: والله لو أتيتموني بدماغ علي في سبعين صرة ما صدقت، بل إنه حي وإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى إلى ربه، وسوف يعود ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً ظلماً. وبدأ يؤلب الناس ويدعوهم وينشر بينهم العقيدة المعروفة عقيدة الرفض، حتى أسس هذا المذهب الذي ظل -على مدار التاريخ- هدماً للإسلام.كيف استطاع عبد الله بن سبأ اليهودي ومن معه، أن يؤججوا الصراع بين المسلمين على رغم أن المسلمين كانوا على درجة كبيرة من الوعي؟ اندس بعضهم في جيش علي، واندس بعضهم في جيش معاوية، رضي الله عنهم أجمعين، فلما التقى مبعوث علي ومبعوث معاوية لكتابة الصلح، وكانت نفوس الصحابة رضي الله عنهم مستعدة جداً للمصالحة ورأب الصدع وخم الصف، أصبح الذين في جيش علي من أتباع ابن سبأ يتحرشون بجيش معاوية، والذين في جيش معاوية يتحرشون بجيش علي، حتى كان معاوية يقول: غريب أمر علي! كيف يتفاوض معي في الليل وجنده ينهالون على جيشي؟! ويقول علي: غريب أمر معاوية! كيف يتفاوض معي في الليل وجنده ينهالون على جيشي؟! وما زال هؤلاء يتحرشون حتى أنشبوا الخصومة والقتال بين المسلمين وحدث ما حدث.أريد أن أوضح أن أعداء الإسلام -من المنافقين وغيرهم- يستغلون الخلاف بين المسلمين ويؤججونه، وقد يدخلون فيه ويستغلون عملاءهم في داخل الصف الإسلامي؛ لتأجيج الصراع بين المسلمين وإنهاك جسم الدعوة الإسلامية.
 معرفة أساليب دس المنافقين
أيها الإخوة: لابد من معرفة العدو من الصديق حول هذا الأسلوب، أسلوب دس المنافقين وبناء مساجد الضرار، لئلا يلتبس الأمر على كثيرين، فيتهمون من هم من هذا الأمر براء، أو ينخدعون بأناس ليس لهم في هذا الشأن نصيب. فمن أوجب الواجبات على المسلم؛ أن يعرف عدو الإسلام من وليه، وهذا أمر تقتضيه الأخوة، والولاء والبراء في الإسلام، فلا ننخدع بشخص لمجرد أنه يتكلم بكلام معسول، حتى نرى مصداق ذلك في سيرته وسلوكه.الأمر الآخر: لابد من فضح المنافقين وبيان خططهم ومؤامرتهم على الإسلام، سواءً كانوا أشخاصاً أو مؤسسات، أو أجهزة أو جمعيات، أو أحزاب أو تجمعات، أو ملل أو نحل، لابد من فضحها، وهذا من ضمن المقاصد التي نـزل القران من أجلها، قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] فاستبيان سبيل المجرمين -أي: إيضاح ومعرفة سبيل الكافرين والضالين- هي من مقاصد إنـزال الكتب وبعثة الرسل؛ لأن المسلم مطالب بأن يحب المسلم ويبغض الكافر والمنافق ويتبرأ منه، وكيف تبغضه وتبرأ منه وتحاربه وأنت لا تعرفه؟ ولذلك من أعظم المصائب التي يبتلى بها المسلمون، أن يلتبس العدو عندهم بالصديق، فيتحول الصديق -أحياناً- إلى عدو، ويتحول العدو -أحياناً- إلى صديق، لماذا؟ خذ مثالاً: قد يقع داعية من الدعاة في خطأ -والخطأ لا يسلم منه أحد- فيتحول هذا الداعية من صديق نعرف أنه مجاهد في سبيل الله ومضحٍ، عند بعض الناس إلى عدو؛ لأنه أخطأ، ومن هو الذي لا يخطئ؟ فهنا جعلنا الصديق عدواً.مثال آخر: قد ينصح الداعية لبعض قومه، والنصيحة -أحياناً- توجد البغضاء، كما قال الأول:وكم مرة أتبعتكم بنصيحتي وقد يستفيد البغضة المتنصح أي أن الناصح ربما يبغض، لماذا؟ لأنه قال لنا كلاماً ما نحب أن نسمعه، نحن دائماً نحب أن نسمع من يمدحنا، ويقول: كلكم على صواب، وكل فعلكم حسنٌ وجميل، ولم يقع منكم ما يعاب، فهذا من طبيعة الإنسان: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص:24] ولذلك إذا وجد إنسان يقول لنا: أخطأتم. ربما نبغضه ونحوله إلى عدو، ولو كان داعية للإسلام.فهنا جعلنا الصديق عدواً، وفى أحيان أخرى لغفلتنا وسذاجتنا نجعل العدو صديقاً؛ لمجرد أنه كان يجيد فن الخداع.
الحصار
الأسلوب الرابع: أسلوب الحصار. والحصار ينقسم إلى قسمين:
 الحصار الإعلامي
النوع الثاني: هو ما يمكن أن يُسمَّى بالحصار الإعلامي. وأعني بالحصار الإعلامي: محاولة تشويه الدعوة ونشر الإشاعات الكاذبة حولها.قريش فعلت هذا الحصار الإعلامي، بطريقة تتناسب مع عصرها وبيئتها، فبعد ما استفاد الرسول عليه الصلاة والسلام من التجمعات التي كانت تحدث في مكة، مثل اجتماعهم في سوق عكاظ، ومجنة وذي المجاز وغيرها، وكذلك في مواسم الحج التي كانت العرب تجتمع فيها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يذهب، وأحياناً كان يذهب ومعه أبو بكر إلى القبائل، فيعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم دعوته، كما ورد في حديث ربيعة بن عباد الديلي، وطارق بن شداد وجابر وغيرهم، وهي أحاديث صحيحة ثابتة، أن الرسول عليه السلام كان يأتي إلى الناس والقبائل، فيقول: {من أنتم؟ فيقولون: نحن بنو فلان. فيقول: من يؤويني وينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي؟ فإن قريشاً منعوني أن أبلغ رسالة ربي } وأحياناً يقول لهم: {يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} وكان خلفه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين، يلاحقه ويرميه بالحجارة ويضع التراب على رأسه ويقول: لا تطيعوه! إنه صابئ كذاب، يريد أن تتركوا ما تعبدون، ويريد أن تتركوا حلفاءكم من الجن. فيقول ربيعة: سألت أبي: من هذا؟ قال: هذا محمد وهو يذكر النبوة، وهذا الذي خلفه يمشى وراءه هو أبو لهب بن عبد العزي.فكانت قريش تحاول أن تحاصر الدعوة الإسلامية حصاراً إعلامياً، حتى إذا قدم أحد إلى مكة قالوا له: إن محمداً -ونقول صلى الله عليه وسلم- ساحر، يفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وأخيه. فلا يزالون ببعض الناس حتى يضعون في آذانهم القطن -كما ورد في قصه الطفيل، وهي قصة في الصحيح- حتى لا يسمعوا شيئاً من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى هذا الحد بلغت محاصرة قريش الإعلامية لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.واليوم في هذا العصر وسائل الإعلام أصبحت تؤثر في الناس، وتصوغ عقولهم ومناهجهم وأفكارهم، ربما نستطيع أن نقول: إن وسائل الإعلام أبلغ من أي أمر آخر في التأثير على الناس، أبلغ من المدرسة مثلاً، وأبلغ من الأصدقاء، وأبلغ من أي وسيلة أخرى. وسائل الإعلام اليوم أخذت جميع الوسائل، فلننظر ماذا تقول وسائل الإعلام أو الكثير منها عن المسلمين وعن الإسلام. كثيراً ما نجد من يصف المسلمين والدعاة بأوصاف مثل لفظ الأصوليين، -مثلاً- أو لفظ المتطرفين، أو غير ذلك من الألفاظ التي يريدون من ورائها السب والشتم، أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين -في الماضي والحاضر والمستقبل- يوجد بينهم غلاة، ويوجد بينهم من تجاوز الحد ومن يعتدون ويظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، ويوجد بينهم المخطئ، لكن هل أصبح هؤلاء هم الأكثرية والأغلبية حتى أن معظم الحديث ينصب عليهم؟ ثم ما هذه التقسيمات التي أصبحنا نسمعها عن عامة المسلمين، أن هؤلاء متشددون وهؤلاء معتدلون، وهؤلاء متطرفون وهؤلاء كذا وهؤلاء كذا؟ هل من حق إنسان سواءً كان علمانياً أو زنديقاً أو ملحداً أو عدواً للإسلام، ربما لا يصلي مع الجماعة، ولا يُعرف بأنه من العلماء ولا من طلاب العلم، ولا من الدعاة إلى الله عز وجل، هل من حقه أن يصنف المسلمين إلى مثل هذه الأصناف؟ نحن قد نقبل تصنيف العلماء، حين يقول لنا أهل العلم الشرعي المعروفون الموثوق بهم: إن هذه الفئة ضالة أو غالية أو متطرفة. نقبل ذلك، وحين نجد أدلة صريحة على ذلك نقبل، لكن حين يقول لنا إنسان -نعرف أنه ليس من أولياء الإسلام، ولا حزبه ولا من أهله، شخص قضى عمره في حرب الإسلام، وفي تشويه التاريخ الإسلامي، وفي الوقيعة بين المسلمين -فنجد أنه يتعارض لشخصيات إسلامية مرموقة، شخصيات جاوزت القنطرة، شخصيات دعوية جهادية، علمية، فيبدأ يشرِّح ويجرح، ويرفع هذا ويخفض ذاك، فإننا نقول لكل مسلم: إنه لا ينبغي لك أن تصغي لمثل هذا، وإن أصغيت له فلا تقبل منه، بل كن معه كما قال الأول:لقد أنلتك أذناً غير صاغيةٍ ورب متنصت والقلب في صمم أما أن نتقبل نحن -مثلاً- ترويجات الصحافة والإذاعة وأجهزة الإعلام، في تقسيم المسلمين وتصنيفهم، فهذا خطأ كبير، وأعود فأكرر وأقول: أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين من يقع منهم الخطأ، ويوجد غلاة في الماضي والحاضر والمستقبل، بل يوجد في كل أمة من الأمم، على سبيل الإجمال والتفصيل، ما من أمة في الدنيا إلا ويوجد فيها غلاة ومعتدلون، ويوجد فيها مفرطون، سواءً الأمم الكتابية كاليهود والنصارى، أو الأمم الوثنية أو الشيوعية أو غيرها، تجد في الشيوعية -مثلاً- الغلاة الشيوعيون الحمر، الذين لا يؤمنون إلا بالقوة والحديد والنار، وتجد فيهم من دون ذلك، وتجد فيهم من يتسامحون في هذا الأمر ويجاملون الأوضاع، وقد يتمسحون بالإسلام ويخادعون أو يتقون به.من الاتهامات التي توجه -أحياناً- عبر هذا الحصار الإعلامي للدعوة الإسلامية: اتهام الدعاة في نياتهم ومقاصدهم. وإمام هذه الطريقة هو فرعون، فإنه كان يقول لموسى وهارون، يتهمهم بأن لهم مطامع ونيات سياسية: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عليهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ [يونس:78] أي: إنكم تريدون من وراء هذه الدعوة، أن تكونوا زعماء وقادة وسادة، ويكون الأمر لكم وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:78]. وبعده واجه الرسول صلى الله عليه وسلم التهمه نفسها، فلما جهر بدعوته وقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:5-6] وقولهم: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] -كما ذكر بعض المفسرين- يقصدون أن محمداً صلى الله عليه وسلم، ليس يريد دعوتكم للإسلام، وإنما يريد أن تكونوا أتباعاً له، وأن يكون زعيماً وقائداً لكم، فاتهموا الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقظاً في هذا الأمر -وهو كذلك- وقد سدده الله تعالى وعصمه، فكان يتجنب الأمور التي تكون مدعاة لإثارة الأقاويل في هذا الباب، كما سيأتي.ومن التهم -أيضاً- التي واجهها العلماء عبر التاريخ: ما نذكره أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قام بدعوته وإصلاحه وتجديده، وشى به بعض الناس إلى السلطان المملوكي، وقالوا له: إن ابن تيمية يريد الملك ويريد السلطان. فدعا ابن تيمية وأحضره في مجلسه، وسأله عما قيل له، فقال له ابن تيمية: أنا أريد ملكك! والله إن ملكك وملك التتار لا يساوي عندي فلساً واحداً، إنما أنا أدعو إلى الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الدعاة المعاصرون، فكم رأينا وسمعنا من يتهمهم بمثل هذه التهمة، وأنهم متآمرون، وأن لهم مطامع، وأن لهم مقاصد وأغراض سياسية، وما أشبه ذلك، ولذلك أقول: إن كثيراً من الناس يُلتبس عليهم هذا الأمر، لأننا لا نقول: إن الإسلام لا سياسة فيه مثلاً، بل السياسة جزء من الدين ولاشك في هذا، والقرآن الكريم فيه نصوص كثيرة تتعلق بتنظيم حياة الناس، كأفراد ومجتمعات ودول وأمم إلى غير ذلك، وفى القرآن الكريم قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] الظالمون، الفاسقون.ولهذا أرى أنه من الواجب على الدعاة -دائماً وأبداً- أن يحرصوا على تجنب كل أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، مثلاً: تحالف بعض المسلمين مع جهات مشبوهة أحياناً، هذا يحدث، وهو يوقع لبساً عند كثير من الناس، أن هؤلاء القوم ليس لهم هدف إلا الوصول إلى السلطة، فبأي أمرٍ وصلوا لا يهمهم ذلك. فلهذا نقول: الأجدر بالداعية أن يتجنب أي أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال -كما في الصحيحين من حديث عائشة- قال لـعائشة رضي الله عنها: {لولا أن قومك حديثو عهد بكفر؛لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه} لكنه لم يفعل ذلك الذي تمناه صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الفعل قد يوقع عند الناس لبساً، وقد يقول بعضهم -وهم حديثو عهد بكفر-: إن محمداً صلى الله عليه وسلم صنع هذا ليكون له مكانة، أو حتى يذكر بهذا، أو حتى يكون له الذكر الحسن، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي قد تسبق إلى أذهانهم، فاتقى النبي صلى الله عليه وسلم هذه المصلحة تحصيلاً لما هو أعظم منها، وكذلك أقول: الداعية يهمه ثقة الناس به وبدعوته، حتى لو فاتته بعض المصالح الآنية العاجلة.وذلك لأن تحطيم شخصية الداعية هو تحطيم للدعوة، والناس لا يمكن أن يتصوروا حقاً مجرداً عن الأشخاص، ولذلك الله عز وجل كان يرسل الرسل من الناس وينـزل معهم الكتب؛ لأن مجرد إنـزال كتاب -مثلاً- أو مجرد كلمة الإسلام؛ لا يمكن أن يتقبلها الناس، إلا بعد أن تتمثل في أشخاص يدعون إليها، فبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، ثم جعل العلماء والدعاة من بعده يرثون هذا التراث والميراث والهدي الذي خلَّفه لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فحماية شخصية الداعية، من أن يمسها سوء أو تنال بسوء أو يعلق عليها أحد، هو من أعظم المقاصد الذي ينبغي الحرص عليها. ولهذا نجد أنه -أيضاً- عبر التاريخ، هناك من يُحاول تشويه وتلويث شخصيات الدعاة بأي صورة، حتى -أحياناً- في أمور تستطيع أن تقول: إنها تافهة.خذ مثلاً: ما قاله بنو إسرائيل عن موسى، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب:69] إذاً هو مجرد تشويه بأي أسلوب وبأي صورة، حتى لو كان أسلوباً ساقطاً أحياناً، قالوا عن موسى: إنه آدر، أي: إنهم ذكروا أن أعضائه التناسلية فيها تفاوت، أو فيه عيب خلقي في هذا الباب، حتى أنه ورد في الحديث أنهم رأوه وهو يغتسل عرياناً ما به من سوء، فعرفوا أن هذه التهمة باطلة ومكذوبة على نبي الله موسى عليه السلام. خذ مثلاً آخر: حادثة الإفك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، المنافقون يحاولون أن يشوهوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بكل وسيلة، فمن ذلك أنهم يتهمونه في أعز من لديه، في زوجه عائشة رضي الله عنها، وكانت أحب نسائه صلى الله عليه وسلم إليه، فاتهموه فيها، وقالوا عنها قالة السوء، التي انتشرت وذهبت وغدت، وكان هؤلاء الخبثاء يفيضون الحديث، دون أن يكونوا مسئولين عنه، فقد يجلس الواحد منهم في مجلس، ويقول: هذا كلام نبرأ إلى الله منه، لكن رجل وامرأة شابة، والشيطان موجود، والخطر قائم وكذا وكذا، فيلمح دون أن يقول كلاماً صريحاً يؤخذ به، ولذلك بعض المسلمين أقيم عليهم الحد، لكن كثيراً من المنافقين لم يقم عليهم الحد؛ لأنه لم يثبت ضدهم أنهم صرحوا بهذه التهمة تصريحاً يدانون به، والله تعالى أعلم. هذا أحد الأقوال في أنه لم يقم علهيم الحد.فكثير من الناس اليوم، من أعداء الدعوة الإسلامية، يحاولون أن يلوثوا شخصيات بعض الدعاة، ومن الطريف أنني أذكر أن بعضهم كان في مجلس يتحدث ويتبجح، ويقول: إن هذا الداعية الفلاني -ويشير إلى رجل مرموق- يحارب الاختلاط ويحارب الدراسة المختلطة، ومع ذلك له بنتٌ تدرس في الجامعة. فقال له أحد الحضور الذين يعرفون هذا الرجل حق معرفته: كذبت، إن هذا الرجل عقيمٌ ليس له ولد!! فألقم حجراً، وكم من إشاعة وكذبة بلغت الآفاق عن كثير من الدعاة، بسبب عدم تثبت الناس.ولذلك أدعو إلى التثبت فيما يقال عن الدعوة والدعاة، فالله تعالى علَّمنا من خلال حادثة الإفك منهج: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12] فإذا سمعت عن أخيك في الله، من الدعاة وطلاب العلم أو العلماء كلاماً لا تتوقعه، ولا يليق بك، فالأولى أن تسارع إلى نفيه وإنكاره وأن هذا لا يليق به، تظن به خيراً كما تظن بنفسك، كما تتوقع أنك أنت لمن تفعل هذا الأمر، فظن أنه لا يفعله. مثلاً: سمعت يوماً من الأيام عن داعية، أن هذا الداعية عنده فساد مالي مثلاً، هذا كثيراً ما يقال عن الدعاة؛ لأنه من الأمور التي تؤثر في نفوس الناس، فمثل هذا الأمر، أولاً: اعرضه على نفسك أنت أيها المؤمن، لو كنت في موقعه هل كنت تقبل أن يدخل في جيبك قرش من حرام؟ هل كنت ترضى أن تجمع المال من الناس بحجة -مثلاً- دعم الجهاد الأفغاني، ثم تأخذه لنفسك؟ ستقول لنفسك -إن كنت مؤمناً-: لا أرضى هذا لنفسي، ولا يمكن أن يقع مني؛ فإذا كان هذا لا يمكن أن يقع منك، فظن بأخيك المسلم كما تظن بنفسك أنك لا يمكن أن تفعل هذا، ولا يمكن أن يفعله هو وقل: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].
فصل الداعية والدعوة عن المجتمع
أشير إلى أمر يمكن أن يعتبر نوعاً من الحصار، ربما نعتبره نوعاً رابعاً، وهو: فصل الداعية والدعوة عن المجتمع. وهذا أمر خطير، يعمل أعداء الإسلام فيه على قناتين، القناة الأولى: على قناة المجتمعات، فأعداء الإسلام يحاولون تلويث البيئة العامة وتلويث المجتمع.خذوا على سبيل المثال: المخدرات كيف تفتك بالمجتمعات الإسلامية بشكل غريب، قضية ما يسمى بالبث المباشر، أفلام الفيديو، أوكار الدعارة والبغاء والفساد، وبيوت الربا، إلى غير ذلك من المؤسسات الكثيرة، التي تهدم في داخل المجتمع المسلم، وتحاول أن تلوث البيئة العامة، ليست مجرد مفاسد مستترة، لأن الفساد إذا كان مستتراً كأن يكون رجل واحد في بيته فساد، فهذا أمره هين، ولا يضر إلا نفسه، المشكلة الكبيرة، هي حين يتحول المجتمع إلى مجتمع منحرف، تعلن فيه صور الانحراف والرذيلة والفساد، وتستقر حتى تصبح عرفاً مستقراً عاماً، لا أحد يستطيع أن ينكره أو يغيره، هنا تكون البيئة فسدت، فأعداء الإسلام يحاولون من جهة أن يبالغوا في إفساد البيئة، وينشروا مثل هذه الوسائل التي تساهم في تضليل الأجيال وصدها عن دين الله عز وجل. ومن جهة أخرى -أيضاً فيما يتعلق بالمجتمع- يحاولون أن يبينوا للناس: إن الدعاة سيخرجونكم من أمورٍ قد ألفتموها وعرفتموها، فإذا أراد أعداء الإسلام أن يتحدثوا عن داعية، قالوا: أتدرون إلى ماذا يدعو هذا الإنسان؟ يدعوكم إلى أن تتركوا كذا وكذا، وتتركوا التعامل بكذا، أمور قد تعودنا عليها، فبمجرد ما نعرف أن إنساناً ويحذرنا منها نشمئز منه، كما كان زعماء قوم نوح يقولون لهم: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح:23] فيذكرون لهم أسماء هذه الأصنام المحببة إليهم الأثيرة في نفوسهم (لا تذرن آلهتكم) أي: هذا شُغلكم أنتم، لا تتركوه من أجل فلان أو فلان. وفي كثيرٍ من الآيات القرآنية، يقول تعالى: لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عليهِ آبَاءَنَا [يونس:78] إذاً أنت تريد أن تُغيِّر وضعاً مستقراً وعرفاً قائماً في نفوس الناس، فهذا مدعاة إلى أن يرفض الناس هذه الدعوة. فمن جهة يحاول أعداء الإسلام أن يفسدوا المجتمع، وأن يزيدوا من تشبث وتمسك المجتمع بالانحرافات الموجودة فيه، ومن جهة ثانية: يحاول الأعداء أن يضغطوا على الدعوة الإسلامية، بكافة الوسائل وأنواع الحصار، حتى -أحياناً- بالاعتقال، والتعذيب، والإنهاك، والقتل، إلى غير ذلك، وهذا من أجل أن يكون تفكير هؤلاء -الذين يحملون الدعوة- أن يكون تفكيرهم تفكيراً غير معتدل؛ لأن الإنسان إذا كان يُفكِّر في جوٍ من الكبت والضغط، غالباً يكون تفكيره يتجه نحو العنف، واستخدام القوة والشدة في مواجهة هذا الوضع الذي يعيشه، وهذا يريده الأعداء -أحياناً- ليستعدوا على الدعوة، ويُحولوا الأمر إلى صراع بينها وبين المجتمع.ولذلك تلاحظون اليوم -أيها الإخوة- خاصةً في الصحافة الغربية، وأبواق أعداء الإسلام في البلاد الإسلامية، أن هناك تركيزاً على موضوع الصحوة الإسلامية، والتقارير يوماً بعد يوم من مراكز الدراسات الغربية، في أمريكا، وفي أوروبا وفي روسيا عن الخطر الإسلامي، وعن الصحوة الإسلامية، وعن مستقبل الصحوة، وعن أشياء كثيرة، وهذه التقارير المختلفة والتي تخرج يومياً، وعشرات الكتب -ولابد أنكم جميعاً عندكم خلفية عن مثل هذا الأمر- المقصود منها الاستعداء على الإسلام، يريدون أن يقولوا للناس: احذروا الإسلام فالإسلام خطرٌ قادم يهددكم ويريدون أن ينشبوا صراعاً بين الإسلام وبين المجتمعات الإسلامية.ولذلك فإنني أقول: إن الحل في هذا الأمر، هو أن يدرك الدعاة إلى الله عز وجل، أن من الضروري أن ينغمسوا في المجتمعات.ما قيمة الداعية إذا خرج عن مجتمعه؟ الداعية في المجتمع كالسمكة في البحر، فإذا خرج منها فقد جدواه وفقد معنى كونه داعية.فالواجب على الداعية أن ينغمس في المجتمع ويدخل في الناس، يتعرف إليهم ويعرفهم بنفسه، لا يجوز أن يكون الداعية لغزاً غير معروف بين الناس، بل ليعرف الناس ماذا تدعو إليه، ومن أنت، وما هي أخلاقك، وما هو أسلوبك، وما هو منهجك، ولتكن واضحاً معهم. كما أنه يجب على الداعية أن يكون محبوباً لدى الناس، بحسن الخلق والتلطف وتحمل الأخطاء من الناس ومداراتهم، ومدارة الناس صدقة، كما ورد عن جمع من السلف، وهي تختلف عن المداهنة أو الإدهان في الدين، المداراة مطلوبة، دفع بعض الشر ببعض، واتقاء أعظم الشرين وجلب خير الخيرين، والتلطف مع الناس في الدعوة، والتحبب إليهم والابتسام في وجوههم، ومحاولة إعطائهم صورة حسنة عن الدعوة إلى الله عز وجل.من أعظم المكاسب التي يمكن أن يحققها الدعاة إلى الله تعالى: أن يلتحموا بالمجتمع، ويتبنوا هموم المجتمع وآلامه ومشاكله؛ ليكونوا هم جزءاً منه، كما أن من الواجب عليهم أن يسعوا سعياً حثيثاً إلى دفع الفساد الذي يجتاح المجتمعات الإسلامية، ولذلك كم هو حسن وجميل، أن يسعى الدعاة إلى الله تعالى إلى إيجاد مراكز ومؤسسات وأجهزة، تسعى إلى إصلاح المجتمع بشكل عام.صحيح أن هناك جهات لإصلاح الشباب -أحياناً- نشاطات خاصة بالشباب، أو مراكز أو مخيمات، أو ما أشبه ذلك، لكن من الواجب -أيضاً- أن نسعى إلى إصلاح المجتمع شيباً وشباباً، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، وكافة الطبقات يجب أن نوصل إليها كلمة الإسلام؛ لنحول دون هذا الانفصال الذي يسعى إليه الأعداء؛ للوقيعة بالطرفين بكل حال.
 الحصار الإعلامي
النوع الثاني: هو ما يمكن أن يُسمَّى بالحصار الإعلامي. وأعني بالحصار الإعلامي: محاولة تشويه الدعوة ونشر الإشاعات الكاذبة حولها.قريش فعلت هذا الحصار الإعلامي، بطريقة تتناسب مع عصرها وبيئتها، فبعد ما استفاد الرسول عليه الصلاة والسلام من التجمعات التي كانت تحدث في مكة، مثل اجتماعهم في سوق عكاظ، ومجنة وذي المجاز وغيرها، وكذلك في مواسم الحج التي كانت العرب تجتمع فيها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يذهب، وأحياناً كان يذهب ومعه أبو بكر إلى القبائل، فيعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم دعوته، كما ورد في حديث ربيعة بن عباد الديلي، وطارق بن شداد وجابر وغيرهم، وهي أحاديث صحيحة ثابتة، أن الرسول عليه السلام كان يأتي إلى الناس والقبائل، فيقول: {من أنتم؟ فيقولون: نحن بنو فلان. فيقول: من يؤويني وينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي؟ فإن قريشاً منعوني أن أبلغ رسالة ربي } وأحياناً يقول لهم: {يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} وكان خلفه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين، يلاحقه ويرميه بالحجارة ويضع التراب على رأسه ويقول: لا تطيعوه! إنه صابئ كذاب، يريد أن تتركوا ما تعبدون، ويريد أن تتركوا حلفاءكم من الجن. فيقول ربيعة: سألت أبي: من هذا؟ قال: هذا محمد وهو يذكر النبوة، وهذا الذي خلفه يمشى وراءه هو أبو لهب بن عبد العزي.فكانت قريش تحاول أن تحاصر الدعوة الإسلامية حصاراً إعلامياً، حتى إذا قدم أحد إلى مكة قالوا له: إن محمداً -ونقول صلى الله عليه وسلم- ساحر، يفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وأخيه. فلا يزالون ببعض الناس حتى يضعون في آذانهم القطن -كما ورد في قصه الطفيل، وهي قصة في الصحيح- حتى لا يسمعوا شيئاً من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى هذا الحد بلغت محاصرة قريش الإعلامية لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.واليوم في هذا العصر وسائل الإعلام أصبحت تؤثر في الناس، وتصوغ عقولهم ومناهجهم وأفكارهم، ربما نستطيع أن نقول: إن وسائل الإعلام أبلغ من أي أمر آخر في التأثير على الناس، أبلغ من المدرسة مثلاً، وأبلغ من الأصدقاء، وأبلغ من أي وسيلة أخرى. وسائل الإعلام اليوم أخذت جميع الوسائل، فلننظر ماذا تقول وسائل الإعلام أو الكثير منها عن المسلمين وعن الإسلام. كثيراً ما نجد من يصف المسلمين والدعاة بأوصاف مثل لفظ الأصوليين، -مثلاً- أو لفظ المتطرفين، أو غير ذلك من الألفاظ التي يريدون من ورائها السب والشتم، أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين -في الماضي والحاضر والمستقبل- يوجد بينهم غلاة، ويوجد بينهم من تجاوز الحد ومن يعتدون ويظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، ويوجد بينهم المخطئ، لكن هل أصبح هؤلاء هم الأكثرية والأغلبية حتى أن معظم الحديث ينصب عليهم؟ ثم ما هذه التقسيمات التي أصبحنا نسمعها عن عامة المسلمين، أن هؤلاء متشددون وهؤلاء معتدلون، وهؤلاء متطرفون وهؤلاء كذا وهؤلاء كذا؟ هل من حق إنسان سواءً كان علمانياً أو زنديقاً أو ملحداً أو عدواً للإسلام، ربما لا يصلي مع الجماعة، ولا يُعرف بأنه من العلماء ولا من طلاب العلم، ولا من الدعاة إلى الله عز وجل، هل من حقه أن يصنف المسلمين إلى مثل هذه الأصناف؟ نحن قد نقبل تصنيف العلماء، حين يقول لنا أهل العلم الشرعي المعروفون الموثوق بهم: إن هذه الفئة ضالة أو غالية أو متطرفة. نقبل ذلك، وحين نجد أدلة صريحة على ذلك نقبل، لكن حين يقول لنا إنسان -نعرف أنه ليس من أولياء الإسلام، ولا حزبه ولا من أهله، شخص قضى عمره في حرب الإسلام، وفي تشويه التاريخ الإسلامي، وفي الوقيعة بين المسلمين -فنجد أنه يتعارض لشخصيات إسلامية مرموقة، شخصيات جاوزت القنطرة، شخصيات دعوية جهادية، علمية، فيبدأ يشرِّح ويجرح، ويرفع هذا ويخفض ذاك، فإننا نقول لكل مسلم: إنه لا ينبغي لك أن تصغي لمثل هذا، وإن أصغيت له فلا تقبل منه، بل كن معه كما قال الأول:لقد أنلتك أذناً غير صاغيةٍ ورب متنصت والقلب في صمم أما أن نتقبل نحن -مثلاً- ترويجات الصحافة والإذاعة وأجهزة الإعلام، في تقسيم المسلمين وتصنيفهم، فهذا خطأ كبير، وأعود فأكرر وأقول: أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين من يقع منهم الخطأ، ويوجد غلاة في الماضي والحاضر والمستقبل، بل يوجد في كل أمة من الأمم، على سبيل الإجمال والتفصيل، ما من أمة في الدنيا إلا ويوجد فيها غلاة ومعتدلون، ويوجد فيها مفرطون، سواءً الأمم الكتابية كاليهود والنصارى، أو الأمم الوثنية أو الشيوعية أو غيرها، تجد في الشيوعية -مثلاً- الغلاة الشيوعيون الحمر، الذين لا يؤمنون إلا بالقوة والحديد والنار، وتجد فيهم من دون ذلك، وتجد فيهم من يتسامحون في هذا الأمر ويجاملون الأوضاع، وقد يتمسحون بالإسلام ويخادعون أو يتقون به.من الاتهامات التي توجه -أحياناً- عبر هذا الحصار الإعلامي للدعوة الإسلامية: اتهام الدعاة في نياتهم ومقاصدهم. وإمام هذه الطريقة هو فرعون، فإنه كان يقول لموسى وهارون، يتهمهم بأن لهم مطامع ونيات سياسية: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عليهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ [يونس:78] أي: إنكم تريدون من وراء هذه الدعوة، أن تكونوا زعماء وقادة وسادة، ويكون الأمر لكم وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:78]. وبعده واجه الرسول صلى الله عليه وسلم التهمه نفسها، فلما جهر بدعوته وقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:5-6] وقولهم: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] -كما ذكر بعض المفسرين- يقصدون أن محمداً صلى الله عليه وسلم، ليس يريد دعوتكم للإسلام، وإنما يريد أن تكونوا أتباعاً له، وأن يكون زعيماً وقائداً لكم، فاتهموا الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقظاً في هذا الأمر -وهو كذلك- وقد سدده الله تعالى وعصمه، فكان يتجنب الأمور التي تكون مدعاة لإثارة الأقاويل في هذا الباب، كما سيأتي.ومن التهم -أيضاً- التي واجهها العلماء عبر التاريخ: ما نذكره أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قام بدعوته وإصلاحه وتجديده، وشى به بعض الناس إلى السلطان المملوكي، وقالوا له: إن ابن تيمية يريد الملك ويريد السلطان. فدعا ابن تيمية وأحضره في مجلسه، وسأله عما قيل له، فقال له ابن تيمية: أنا أريد ملكك! والله إن ملكك وملك التتار لا يساوي عندي فلساً واحداً، إنما أنا أدعو إلى الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الدعاة المعاصرون، فكم رأينا وسمعنا من يتهمهم بمثل هذه التهمة، وأنهم متآمرون، وأن لهم مطامع، وأن لهم مقاصد وأغراض سياسية، وما أشبه ذلك، ولذلك أقول: إن كثيراً من الناس يُلتبس عليهم هذا الأمر، لأننا لا نقول: إن الإسلام لا سياسة فيه مثلاً، بل السياسة جزء من الدين ولاشك في هذا، والقرآن الكريم فيه نصوص كثيرة تتعلق بتنظيم حياة الناس، كأفراد ومجتمعات ودول وأمم إلى غير ذلك، وفى القرآن الكريم قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] الظالمون، الفاسقون.ولهذا أرى أنه من الواجب على الدعاة -دائماً وأبداً- أن يحرصوا على تجنب كل أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، مثلاً: تحالف بعض المسلمين مع جهات مشبوهة أحياناً، هذا يحدث، وهو يوقع لبساً عند كثير من الناس، أن هؤلاء القوم ليس لهم هدف إلا الوصول إلى السلطة، فبأي أمرٍ وصلوا لا يهمهم ذلك. فلهذا نقول: الأجدر بالداعية أن يتجنب أي أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال -كما في الصحيحين من حديث عائشة- قال لـعائشة رضي الله عنها: {لولا أن قومك حديثو عهد بكفر؛لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه} لكنه لم يفعل ذلك الذي تمناه صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الفعل قد يوقع عند الناس لبساً، وقد يقول بعضهم -وهم حديثو عهد بكفر-: إن محمداً صلى الله عليه وسلم صنع هذا ليكون له مكانة، أو حتى يذكر بهذا، أو حتى يكون له الذكر الحسن، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي قد تسبق إلى أذهانهم، فاتقى النبي صلى الله عليه وسلم هذه المصلحة تحصيلاً لما هو أعظم منها، وكذلك أقول: الداعية يهمه ثقة الناس به وبدعوته، حتى لو فاتته بعض المصالح الآنية العاجلة.وذلك لأن تحطيم شخصية الداعية هو تحطيم للدعوة، والناس لا يمكن أن يتصوروا حقاً مجرداً عن الأشخاص، ولذلك الله عز وجل كان يرسل الرسل من الناس وينـزل معهم الكتب؛ لأن مجرد إنـزال كتاب -مثلاً- أو مجرد كلمة الإسلام؛ لا يمكن أن يتقبلها الناس، إلا بعد أن تتمثل في أشخاص يدعون إليها، فبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، ثم جعل العلماء والدعاة من بعده يرثون هذا التراث والميراث والهدي الذي خلَّفه لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فحماية شخصية الداعية، من أن يمسها سوء أو تنال بسوء أو يعلق عليها أحد، هو من أعظم المقاصد الذي ينبغي الحرص عليها. ولهذا نجد أنه -أيضاً- عبر التاريخ، هناك من يُحاول تشويه وتلويث شخصيات الدعاة بأي صورة، حتى -أحياناً- في أمور تستطيع أن تقول: إنها تافهة.خذ مثلاً: ما قاله بنو إسرائيل عن موسى، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب:69] إذاً هو مجرد تشويه بأي أسلوب وبأي صورة، حتى لو كان أسلوباً ساقطاً أحياناً، قالوا عن موسى: إنه آدر، أي: إنهم ذكروا أن أعضائه التناسلية فيها تفاوت، أو فيه عيب خلقي في هذا الباب، حتى أنه ورد في الحديث أنهم رأوه وهو يغتسل عرياناً ما به من سوء، فعرفوا أن هذه التهمة باطلة ومكذوبة على نبي الله موسى عليه السلام. خذ مثلاً آخر: حادثة الإفك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، المنافقون يحاولون أن يشوهوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بكل وسيلة، فمن ذلك أنهم يتهمونه في أعز من لديه، في زوجه عائشة رضي الله عنها، وكانت أحب نسائه صلى الله عليه وسلم إليه، فاتهموه فيها، وقالوا عنها قالة السوء، التي انتشرت وذهبت وغدت، وكان هؤلاء الخبثاء يفيضون الحديث، دون أن يكونوا مسئولين عنه، فقد يجلس الواحد منهم في مجلس، ويقول: هذا كلام نبرأ إلى الله منه، لكن رجل وامرأة شابة، والشيطان موجود، والخطر قائم وكذا وكذا، فيلمح دون أن يقول كلاماً صريحاً يؤخذ به، ولذلك بعض المسلمين أقيم عليهم الحد، لكن كثيراً من المنافقين لم يقم عليهم الحد؛ لأنه لم يثبت ضدهم أنهم صرحوا بهذه التهمة تصريحاً يدانون به، والله تعالى أعلم. هذا أحد الأقوال في أنه لم يقم علهيم الحد.فكثير من الناس اليوم، من أعداء الدعوة الإسلامية، يحاولون أن يلوثوا شخصيات بعض الدعاة، ومن الطريف أنني أذكر أن بعضهم كان في مجلس يتحدث ويتبجح، ويقول: إن هذا الداعية الفلاني -ويشير إلى رجل مرموق- يحارب الاختلاط ويحارب الدراسة المختلطة، ومع ذلك له بنتٌ تدرس في الجامعة. فقال له أحد الحضور الذين يعرفون هذا الرجل حق معرفته: كذبت، إن هذا الرجل عقيمٌ ليس له ولد!! فألقم حجراً، وكم من إشاعة وكذبة بلغت الآفاق عن كثير من الدعاة، بسبب عدم تثبت الناس.ولذلك أدعو إلى التثبت فيما يقال عن الدعوة والدعاة، فالله تعالى علَّمنا من خلال حادثة الإفك منهج: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12] فإذا سمعت عن أخيك في الله، من الدعاة وطلاب العلم أو العلماء كلاماً لا تتوقعه، ولا يليق بك، فالأولى أن تسارع إلى نفيه وإنكاره وأن هذا لا يليق به، تظن به خيراً كما تظن بنفسك، كما تتوقع أنك أنت لمن تفعل هذا الأمر، فظن أنه لا يفعله. مثلاً: سمعت يوماً من الأيام عن داعية، أن هذا الداعية عنده فساد مالي مثلاً، هذا كثيراً ما يقال عن الدعاة؛ لأنه من الأمور التي تؤثر في نفوس الناس، فمثل هذا الأمر، أولاً: اعرضه على نفسك أنت أيها المؤمن، لو كنت في موقعه هل كنت تقبل أن يدخل في جيبك قرش من حرام؟ هل كنت ترضى أن تجمع المال من الناس بحجة -مثلاً- دعم الجهاد الأفغاني، ثم تأخذه لنفسك؟ ستقول لنفسك -إن كنت مؤمناً-: لا أرضى هذا لنفسي، ولا يمكن أن يقع مني؛ فإذا كان هذا لا يمكن أن يقع منك، فظن بأخيك المسلم كما تظن بنفسك أنك لا يمكن أن تفعل هذا، ولا يمكن أن يفعله هو وقل: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].
أسلوب المواجهة الصريحة
أخيراً: أشير إلى الأسلوب الخامس: وهو أسلوب المواجهة الصريحة. سواء في ذلك المواجهة العقدية، التي تتمثل في نقد الإسلام صراحةً، كما نجد كثيراً منهم يسبون الدين والعياذ بالله وما أكثر ما نجد في أجهزة الإعلام من النيل من الإسلام، أو النيل من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل قد يتعرض بعضهم لذات الله عز وجل إما نثراً أو شعراً. أو التعرض لبعض أحكام الإسلام وتشريعاته، بحيث يحاول أن يقتطع هذا الغصن من تلك الشجرة، ويقول: هذا ليس من الإسلام، ثم ينهال عليه.مثلاً: يأتي إلى قضية الربا، فيحاول أن يستل هذا الحكم الشرعي الثابت، ثم يسب أولئك الذين يمنعون من الربا، أو من بعض صور الربا بحجة أنهم لا يفهمون الدين، أو قضية الحجاب، أو تحريم الغناء، أو أي قضية معينة، يأخذها ويحاول أن يفصلها من الدين، ويقول: ليست من الدين. ثم يتكلم عنها كما يحلو له، وأحياناً قد لا يجرؤ على هذا ولا على ذاك، فينتقل إلى الخطوة الثالثة وهي: المواجهة مع شخصيات الدعاة، والنيل منهم كما أسلفت. أما القسم الثاني من المواجهة، فهي: المواجهة المادية. وأعني بها: الحرب المعلنة على الإسلام والمسلمين، كما كان فرعونهم الأول يقول: سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف:127] وهذا قد يكون في بداية الدعوة، كما كان فرعون يقول: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56] وقد يكون بعدما تكتمل الدعوة، وتكون قوةً مرهوبة الجانب، فيخشى منها الأعداء، فيحاولون أن يعاجلوها بالمواجهة المادية الصريحة المعلنة. نسأل الله تعالى أن يقي المسلمين شر هؤلاء الأعداء، ويبصرهم بمؤامراتهم، ويهبهم القيادة الصالحة التي تقودهم إلى التوفيق والعز والنصر والسعادة، إنه على ذلك قدير.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 الحصار الإعلامي
النوع الثاني: هو ما يمكن أن يُسمَّى بالحصار الإعلامي. وأعني بالحصار الإعلامي: محاولة تشويه الدعوة ونشر الإشاعات الكاذبة حولها.قريش فعلت هذا الحصار الإعلامي، بطريقة تتناسب مع عصرها وبيئتها، فبعد ما استفاد الرسول عليه الصلاة والسلام من التجمعات التي كانت تحدث في مكة، مثل اجتماعهم في سوق عكاظ، ومجنة وذي المجاز وغيرها، وكذلك في مواسم الحج التي كانت العرب تجتمع فيها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يذهب، وأحياناً كان يذهب ومعه أبو بكر إلى القبائل، فيعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم دعوته، كما ورد في حديث ربيعة بن عباد الديلي، وطارق بن شداد وجابر وغيرهم، وهي أحاديث صحيحة ثابتة، أن الرسول عليه السلام كان يأتي إلى الناس والقبائل، فيقول: {من أنتم؟ فيقولون: نحن بنو فلان. فيقول: من يؤويني وينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي؟ فإن قريشاً منعوني أن أبلغ رسالة ربي } وأحياناً يقول لهم: {يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} وكان خلفه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين، يلاحقه ويرميه بالحجارة ويضع التراب على رأسه ويقول: لا تطيعوه! إنه صابئ كذاب، يريد أن تتركوا ما تعبدون، ويريد أن تتركوا حلفاءكم من الجن. فيقول ربيعة: سألت أبي: من هذا؟ قال: هذا محمد وهو يذكر النبوة، وهذا الذي خلفه يمشى وراءه هو أبو لهب بن عبد العزي.فكانت قريش تحاول أن تحاصر الدعوة الإسلامية حصاراً إعلامياً، حتى إذا قدم أحد إلى مكة قالوا له: إن محمداً -ونقول صلى الله عليه وسلم- ساحر، يفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وأخيه. فلا يزالون ببعض الناس حتى يضعون في آذانهم القطن -كما ورد في قصه الطفيل، وهي قصة في الصحيح- حتى لا يسمعوا شيئاً من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى هذا الحد بلغت محاصرة قريش الإعلامية لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.واليوم في هذا العصر وسائل الإعلام أصبحت تؤثر في الناس، وتصوغ عقولهم ومناهجهم وأفكارهم، ربما نستطيع أن نقول: إن وسائل الإعلام أبلغ من أي أمر آخر في التأثير على الناس، أبلغ من المدرسة مثلاً، وأبلغ من الأصدقاء، وأبلغ من أي وسيلة أخرى. وسائل الإعلام اليوم أخذت جميع الوسائل، فلننظر ماذا تقول وسائل الإعلام أو الكثير منها عن المسلمين وعن الإسلام. كثيراً ما نجد من يصف المسلمين والدعاة بأوصاف مثل لفظ الأصوليين، -مثلاً- أو لفظ المتطرفين، أو غير ذلك من الألفاظ التي يريدون من ورائها السب والشتم، أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين -في الماضي والحاضر والمستقبل- يوجد بينهم غلاة، ويوجد بينهم من تجاوز الحد ومن يعتدون ويظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، ويوجد بينهم المخطئ، لكن هل أصبح هؤلاء هم الأكثرية والأغلبية حتى أن معظم الحديث ينصب عليهم؟ ثم ما هذه التقسيمات التي أصبحنا نسمعها عن عامة المسلمين، أن هؤلاء متشددون وهؤلاء معتدلون، وهؤلاء متطرفون وهؤلاء كذا وهؤلاء كذا؟ هل من حق إنسان سواءً كان علمانياً أو زنديقاً أو ملحداً أو عدواً للإسلام، ربما لا يصلي مع الجماعة، ولا يُعرف بأنه من العلماء ولا من طلاب العلم، ولا من الدعاة إلى الله عز وجل، هل من حقه أن يصنف المسلمين إلى مثل هذه الأصناف؟ نحن قد نقبل تصنيف العلماء، حين يقول لنا أهل العلم الشرعي المعروفون الموثوق بهم: إن هذه الفئة ضالة أو غالية أو متطرفة. نقبل ذلك، وحين نجد أدلة صريحة على ذلك نقبل، لكن حين يقول لنا إنسان -نعرف أنه ليس من أولياء الإسلام، ولا حزبه ولا من أهله، شخص قضى عمره في حرب الإسلام، وفي تشويه التاريخ الإسلامي، وفي الوقيعة بين المسلمين -فنجد أنه يتعارض لشخصيات إسلامية مرموقة، شخصيات جاوزت القنطرة، شخصيات دعوية جهادية، علمية، فيبدأ يشرِّح ويجرح، ويرفع هذا ويخفض ذاك، فإننا نقول لكل مسلم: إنه لا ينبغي لك أن تصغي لمثل هذا، وإن أصغيت له فلا تقبل منه، بل كن معه كما قال الأول:لقد أنلتك أذناً غير صاغيةٍ ورب متنصت والقلب في صمم أما أن نتقبل نحن -مثلاً- ترويجات الصحافة والإذاعة وأجهزة الإعلام، في تقسيم المسلمين وتصنيفهم، فهذا خطأ كبير، وأعود فأكرر وأقول: أنا لست أنكر أنه يوجد بين المسلمين من يقع منهم الخطأ، ويوجد غلاة في الماضي والحاضر والمستقبل، بل يوجد في كل أمة من الأمم، على سبيل الإجمال والتفصيل، ما من أمة في الدنيا إلا ويوجد فيها غلاة ومعتدلون، ويوجد فيها مفرطون، سواءً الأمم الكتابية كاليهود والنصارى، أو الأمم الوثنية أو الشيوعية أو غيرها، تجد في الشيوعية -مثلاً- الغلاة الشيوعيون الحمر، الذين لا يؤمنون إلا بالقوة والحديد والنار، وتجد فيهم من دون ذلك، وتجد فيهم من يتسامحون في هذا الأمر ويجاملون الأوضاع، وقد يتمسحون بالإسلام ويخادعون أو يتقون به.من الاتهامات التي توجه -أحياناً- عبر هذا الحصار الإعلامي للدعوة الإسلامية: اتهام الدعاة في نياتهم ومقاصدهم. وإمام هذه الطريقة هو فرعون، فإنه كان يقول لموسى وهارون، يتهمهم بأن لهم مطامع ونيات سياسية: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عليهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ [يونس:78] أي: إنكم تريدون من وراء هذه الدعوة، أن تكونوا زعماء وقادة وسادة، ويكون الأمر لكم وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:78]. وبعده واجه الرسول صلى الله عليه وسلم التهمه نفسها، فلما جهر بدعوته وقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:5-6] وقولهم: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] -كما ذكر بعض المفسرين- يقصدون أن محمداً صلى الله عليه وسلم، ليس يريد دعوتكم للإسلام، وإنما يريد أن تكونوا أتباعاً له، وأن يكون زعيماً وقائداً لكم، فاتهموا الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يقظاً في هذا الأمر -وهو كذلك- وقد سدده الله تعالى وعصمه، فكان يتجنب الأمور التي تكون مدعاة لإثارة الأقاويل في هذا الباب، كما سيأتي.ومن التهم -أيضاً- التي واجهها العلماء عبر التاريخ: ما نذكره أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد قام بدعوته وإصلاحه وتجديده، وشى به بعض الناس إلى السلطان المملوكي، وقالوا له: إن ابن تيمية يريد الملك ويريد السلطان. فدعا ابن تيمية وأحضره في مجلسه، وسأله عما قيل له، فقال له ابن تيمية: أنا أريد ملكك! والله إن ملكك وملك التتار لا يساوي عندي فلساً واحداً، إنما أنا أدعو إلى الله عز وجل، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الدعاة المعاصرون، فكم رأينا وسمعنا من يتهمهم بمثل هذه التهمة، وأنهم متآمرون، وأن لهم مطامع، وأن لهم مقاصد وأغراض سياسية، وما أشبه ذلك، ولذلك أقول: إن كثيراً من الناس يُلتبس عليهم هذا الأمر، لأننا لا نقول: إن الإسلام لا سياسة فيه مثلاً، بل السياسة جزء من الدين ولاشك في هذا، والقرآن الكريم فيه نصوص كثيرة تتعلق بتنظيم حياة الناس، كأفراد ومجتمعات ودول وأمم إلى غير ذلك، وفى القرآن الكريم قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] الظالمون، الفاسقون.ولهذا أرى أنه من الواجب على الدعاة -دائماً وأبداً- أن يحرصوا على تجنب كل أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، مثلاً: تحالف بعض المسلمين مع جهات مشبوهة أحياناً، هذا يحدث، وهو يوقع لبساً عند كثير من الناس، أن هؤلاء القوم ليس لهم هدف إلا الوصول إلى السلطة، فبأي أمرٍ وصلوا لا يهمهم ذلك. فلهذا نقول: الأجدر بالداعية أن يتجنب أي أمر يمكن أن يوقع اللبس عند الناس، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال -كما في الصحيحين من حديث عائشة- قال لـعائشة رضي الله عنها: {لولا أن قومك حديثو عهد بكفر؛لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين: باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه} لكنه لم يفعل ذلك الذي تمناه صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الفعل قد يوقع عند الناس لبساً، وقد يقول بعضهم -وهم حديثو عهد بكفر-: إن محمداً صلى الله عليه وسلم صنع هذا ليكون له مكانة، أو حتى يذكر بهذا، أو حتى يكون له الذكر الحسن، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي قد تسبق إلى أذهانهم، فاتقى النبي صلى الله عليه وسلم هذه المصلحة تحصيلاً لما هو أعظم منها، وكذلك أقول: الداعية يهمه ثقة الناس به وبدعوته، حتى لو فاتته بعض المصالح الآنية العاجلة.وذلك لأن تحطيم شخصية الداعية هو تحطيم للدعوة، والناس لا يمكن أن يتصوروا حقاً مجرداً عن الأشخاص، ولذلك الله عز وجل كان يرسل الرسل من الناس وينـزل معهم الكتب؛ لأن مجرد إنـزال كتاب -مثلاً- أو مجرد كلمة الإسلام؛ لا يمكن أن يتقبلها الناس، إلا بعد أن تتمثل في أشخاص يدعون إليها، فبعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، ثم جعل العلماء والدعاة من بعده يرثون هذا التراث والميراث والهدي الذي خلَّفه لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فحماية شخصية الداعية، من أن يمسها سوء أو تنال بسوء أو يعلق عليها أحد، هو من أعظم المقاصد الذي ينبغي الحرص عليها. ولهذا نجد أنه -أيضاً- عبر التاريخ، هناك من يُحاول تشويه وتلويث شخصيات الدعاة بأي صورة، حتى -أحياناً- في أمور تستطيع أن تقول: إنها تافهة.خذ مثلاً: ما قاله بنو إسرائيل عن موسى، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب:69] إذاً هو مجرد تشويه بأي أسلوب وبأي صورة، حتى لو كان أسلوباً ساقطاً أحياناً، قالوا عن موسى: إنه آدر، أي: إنهم ذكروا أن أعضائه التناسلية فيها تفاوت، أو فيه عيب خلقي في هذا الباب، حتى أنه ورد في الحديث أنهم رأوه وهو يغتسل عرياناً ما به من سوء، فعرفوا أن هذه التهمة باطلة ومكذوبة على نبي الله موسى عليه السلام. خذ مثلاً آخر: حادثة الإفك في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، المنافقون يحاولون أن يشوهوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بكل وسيلة، فمن ذلك أنهم يتهمونه في أعز من لديه، في زوجه عائشة رضي الله عنها، وكانت أحب نسائه صلى الله عليه وسلم إليه، فاتهموه فيها، وقالوا عنها قالة السوء، التي انتشرت وذهبت وغدت، وكان هؤلاء الخبثاء يفيضون الحديث، دون أن يكونوا مسئولين عنه، فقد يجلس الواحد منهم في مجلس، ويقول: هذا كلام نبرأ إلى الله منه، لكن رجل وامرأة شابة، والشيطان موجود، والخطر قائم وكذا وكذا، فيلمح دون أن يقول كلاماً صريحاً يؤخذ به، ولذلك بعض المسلمين أقيم عليهم الحد، لكن كثيراً من المنافقين لم يقم عليهم الحد؛ لأنه لم يثبت ضدهم أنهم صرحوا بهذه التهمة تصريحاً يدانون به، والله تعالى أعلم. هذا أحد الأقوال في أنه لم يقم علهيم الحد.فكثير من الناس اليوم، من أعداء الدعوة الإسلامية، يحاولون أن يلوثوا شخصيات بعض الدعاة، ومن الطريف أنني أذكر أن بعضهم كان في مجلس يتحدث ويتبجح، ويقول: إن هذا الداعية الفلاني -ويشير إلى رجل مرموق- يحارب الاختلاط ويحارب الدراسة المختلطة، ومع ذلك له بنتٌ تدرس في الجامعة. فقال له أحد الحضور الذين يعرفون هذا الرجل حق معرفته: كذبت، إن هذا الرجل عقيمٌ ليس له ولد!! فألقم حجراً، وكم من إشاعة وكذبة بلغت الآفاق عن كثير من الدعاة، بسبب عدم تثبت الناس.ولذلك أدعو إلى التثبت فيما يقال عن الدعوة والدعاة، فالله تعالى علَّمنا من خلال حادثة الإفك منهج: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12] فإذا سمعت عن أخيك في الله، من الدعاة وطلاب العلم أو العلماء كلاماً لا تتوقعه، ولا يليق بك، فالأولى أن تسارع إلى نفيه وإنكاره وأن هذا لا يليق به، تظن به خيراً كما تظن بنفسك، كما تتوقع أنك أنت لمن تفعل هذا الأمر، فظن أنه لا يفعله. مثلاً: سمعت يوماً من الأيام عن داعية، أن هذا الداعية عنده فساد مالي مثلاً، هذا كثيراً ما يقال عن الدعاة؛ لأنه من الأمور التي تؤثر في نفوس الناس، فمثل هذا الأمر، أولاً: اعرضه على نفسك أنت أيها المؤمن، لو كنت في موقعه هل كنت تقبل أن يدخل في جيبك قرش من حرام؟ هل كنت ترضى أن تجمع المال من الناس بحجة -مثلاً- دعم الجهاد الأفغاني، ثم تأخذه لنفسك؟ ستقول لنفسك -إن كنت مؤمناً-: لا أرضى هذا لنفسي، ولا يمكن أن يقع مني؛ فإذا كان هذا لا يمكن أن يقع منك، فظن بأخيك المسلم كما تظن بنفسك أنك لا يمكن أن تفعل هذا، ولا يمكن أن يفعله هو وقل: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].
الأسئــلة

 كيف ينظم المسلم وقته
السؤال: نريد وصية تنصح بها الحضور لنتفع بها إن شاء الله، وما هو الجدول اليومي للمسلم؟ الجواب: أما النصيحة: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ومراقبته في السر والعلانية، فهذه كلمة قصيرة تغني عن غيرها. أما الجدول اليومي، فلا أرى من الضروري أن المسلم يجعل له جدولاً يومياً؛ لأن الإنسان بشر وليس آلة، فلا يستطيع أن يجعل لنفسه جدولاً مبرمجاً بالدقيقة؛ لأنه مرتبط بآخرين وبظروف وبأشياء كثيرة، فتؤثر في وقته، لكن الشيء الذي أقترحه عليكم كبديلٍ عن الجدول اليومي: أن يرسم الإنسان لنفسه أهدافاً متنوعة، مثلاً خلال هذا الأسبوع أرسم لنفسي هدفاً أن أنهي قراءة هذا الكتاب، وأحدد لنفسي كتاباً مناسباً أعرف أنه يتناسب مع وقت فراغي، فأعمل خلال هذا الأسبوع على أن أختم هذا الكتاب، قد أجلس يوماً كاملاً للقراءة، وفي آخر ربما لا أجد ولا ساعة للقراءة، فعندي مجال للتحرك ومرونة، المهم أن لا يضيع وقتي، فالمهم ليس رسم الجدول، كما لو كان الإنسان في مخيم مثلاً، المهم هو ضبط الوقت.فالذي أنصح به الإخوة لضبط أوقاتهم، أن يرسموا لأنفسهم أهدافاً محددة، وأن يقووا في قلوبهم الاستشعار بقيمة الوقت وأهميته، فالأمر كما قال الله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر:37] فهذا العمر هو الذي بمقتضاه تحاسب وتعذب أو تنعم، ويقول شيخ الإسلام الهروي: إن الوقت سريع التقضي، أبي التأتي، بطيء الرجوع. فسرعان ما يضيع الوقت، ولذلك كثيراً ما نجلس جلسة طويلة، وخاصةً حين نكون مطمئنين، فإذا نظر الإنسان إلى الساعة قال: سبحان الله! كيف وصل الوقت إلى هذا الأمر. فهو سريع التقضي، بطيء التأتي أبي الرجوع، فإذا مضى الوقت لا يمكن أن يعيده الإنسان بحالٍ من الأحوال ما مضى فات والمؤمل غيبٌ ولك الساعة التي أنت فيها< والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أساليب خصوم الإسلام للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net