اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المراجعات - 1 - للشيخ : سلمان العودة


المراجعات - 1 - - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الشيخ حفظه الله عن أسباب وأهمية طرح مثل هذا الموضوع خاصة، ثم عرض بعض ضوابط النقد التي ينبغي التقيد بها، وأن الخطأ واردٌ من كل بني آدم ولا يُعصم منه أحد. وتطرق بعد ذلك لبعض المراجعات التي وردت إليه مما أخطأ هو فيه أو كان يظن أنه أخطأ فيه.
أسباب طرح موضوع المراجعات
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.أما بعــد: فكان حق هذا المجلس أن يكون هو المجلس (109) من أمالي شرح بلوغ المرام، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على التمام، ولكني رأيت لاعتبارات خاصة أن ألحق هذا الدرس بسلسة الدروس العلمية العامة بحيث يكون رقمه (43) وهو ينعقد في هذه الليلة الأربعاء (30/ من شهر ربيع الثاني/ من سنة 1412هـ)، وذلك بعنوان "المراجعات" وكان حقه أيضاً أن يكون في ليلة الإثنين كالمعتاد، ولكننا لاستغراقنا في هذا الأسبوع والأسبوع القادم -إن شاء الله تعالى- في الحديث عن قضية اليهود، وموقفهم من الإسلام، وما يتعلق بها، رأيت أن تأخير هذا الموضوع قد لا يكون مناسباً، وقد حاك في نفسي أن أتحدث به إليكم أيها الأحبة.. في هذه الليلة، فلترفع الأقلام إذاً، ولتطوى الصحف.وإني لأعتذر إليكم أيها الأحبة الطلاب على مثل هذا الخلل الذي لم يكن معتاداً إلا لظرف خاص -كما أسلفت-.والمراجعات فكرة قديمة طرحتها أكثر من مرة، أنني سوف أقدم بين الحين والآخر مجموعة من الأخطاء، والملاحظات، والأوهام، والاجتهادات، التي تبين لي أنني لم أكن فيها على حق، وأن أقدمها إليكم حال ما تتوفر عندي، وذلك لاعتبارات عدة منها:
 بيان أن كشف الأخطاء ليس عيباً
أمر ثالث: أن دعاة الإسلام، وطلبة العلم هم أحوج الناس أن يكشفوا للناس قدرتهم على البوح بأخطائهم، والاعتراف بزلاتهم وسقطاتهم، وأنهم لا يرون في هذا عيباً ولا عاراً ولا حرجاً، فعلم الله أنني لا أجد في نفسي حرجاً أن أقول: إنني أخطأت في مسألة كذا، وفي مسألة كذا، وفي مسألة كذا، متى ما تبين للإنسان الخطأ بدليله، والصواب بدليله.صحيح أن هذا لا يعني أن الإنسان سيلغي شخصيته، ويوافق الآخرين على ما يقولون أو ما يرونه؛ فهذا أمر ليس مشروعاً بحال من الأحوال، ولا يجوز للإنسان أن يعترف بشيء أنه خطأ وهو يرى أنه صواب.لكن متى ما تبين أنه على خطأ؛ فإنه لا يجد في نفسه أدنى حرج -بحمد لله- أن يقول: هذا خطأ، أستغفر الله وأتوب إليه، وجزى الله من نبهني عليه خيراً.وذلك أننا جميعاً بشر، ويجب أن نعرف أن الخطأ من طبيعة البشر، وهي صفة ملازمة لهم مهما كانوا، فضلاً عن أن الناس العاديين تكثر أخطاؤهم، خاصة مع كثرة ما يتحدثون به في الدروس، والمحاضرات، والمجالس، وغيرها فاحتمال الخطأ منهم وارد بل هو كثير.وجزى الله جل جلاله كل خير من أعانني على معرفة خطأ، أو التعرف عليه، أو دلني عليه، وإنني أدعو الله له الآن، وحق له علي أن أدعو الله له بظهر الغيب.أقول هذا وأنا في انتظار كل ما يأتيني منكم أيها الإخوة سواء عن طريق المراسلة، أو عن طريق الهاتف، أو عن طريق المشافهة، من الأخطاء التي ترونها، وأعتقد أن هذا دليل على أننا بدأنا نسلك الطريق الصحيح؛ لأن الأمة ما ضلت وزلت وهلكت، إلا يوم أسلمت قيادتها لأفراد في كل مجالات الحياة، فصارت مثلاً تنظر إلى شخص تقدره من الناحية العلمية فلا تقبل إلا قوله، ولا ترتضي إلا رأيه، ولا تقبل عليه اعتراضاً، ولو كان هذا الاعتراض مصيباً.والواقع أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم كانوا في الذروة من العلم، والعمل، والصدق، والاجتهاد، والتجرد، وصحة القلب والعقل، وسلامة الرأي، ومع ذلك خَطَّأ بعضهم بعضاً في مسائل، وخالف بعضهم بعضاً في مسائل كثيرة جداً، وردَّ بعضهم على بعض، ولم يكن ذلك تنقصاً لمن أخطأ، ولا تضليلاً له، ولا تبديعاً، ولا تفسيقاً، ولا تكفيراً، بل هذا خطأ وقع فيه فلان يصحح له، وهذا صواب من فلان، وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله: " قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب".وطالما رجع أهل العلم في مسائل بعد مناظرات إلى ما ذهب إليه مناظرهم وخصمهم.فنسأل الله تعالى أن يوفق الجميع إلى معرفة الحق واتباعه، وأن يكون الحق رائدهم، وطلبهم، وبغيتهم، لا يقدمون عليه شيئاً، لا نفساً، ولا أهلاً، ولا مالاً، ولا بلداً، ولا شيئاً، إنما يعشقون الحق، فمتى ما ظفروا به فرحوا، فظهر الفرح والبشر في وجوههم، وعلى قسماتهم، وفي محياهم، فطاروا به وتحدثوا به، كالإنسان الذي ظفر بشيءٍ نادر ثمين، فهو لا يستطيع أن يخفي فرحته، بل كالطفل الذي يظهر بشيءٍ يحبه فيتحدث بوضوح، وبانبساط، وباسترسال عن فرحه الغامر بهذا الشيء الذي ظفر به!ينبغي أن نفرح بالحق متى عرفناه، ولا نجامل في هذا الفرح أو نستره، بل نعلنه لأنه من نعمة الله تعالى التي تحدث بها وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].أيها الأحبة.. وبعد هذا التمهيد لا أزعم أنني سوف أقدم لكم الآن كبير شيء من الملاحظات، أو المراجعات، أو التصحيحات، وذلك بأنني أعدكم إن شاء الله وعداً أرجو أن لا أخلفه أنه خلال شهرين سوف أقدم لكم الحلقة الثانية من المراجعات، وسوف تكون مخصصة لذكر ما وقفت عليه، أو نبهت إليه من اجتهادات لم يحالفها الصواب، أو أحاديث استشهدت بها وليست صحيحة إما أن تكون ضعيفة أو غير ذلك، أو أقوال، أو أشياء أرى أن من الضروري التنبيه عليها.
مقدمات لابد منها
لكنني الآن سوف أقدم لكم مقدمات ضرورية بمثل موضوع المراجعات، مقدمات لا بد منها، لأنني لاحظت على بعض الإخوة الذين يقدمون ملاحظات، أو اعتراضات، أنه قد تغيب عن بعضهم، ولا أقول: عن كلهم، لأن منهم قسم كبير -كما أسلفت قبل قليل- أصابوا كبد الحقيقة وعين الصواب، ولكن منهم قسماً قد تغيب عنهم بعض الأمور التي سوف أسردها الآن، فيفهمون الكلام على غير وجهه، أو يذهبون به إلى غير مذهبه، والله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان.
 ضرورة عدم بتر الكلام
نعم، لا بد من التنبيه إلى وهي ضرورة عدم بتر الكلام، وهذه المسألة هي على طريقة فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4] فإن بعضهم يبتر كلامك، وينقل منه شيئاً، ويغر به الآخرين، ويضلهم بذلك، ويوهمهم أنك قلت: كذا وكذا، وأنت لم تقل، ولو نقل الكلام كله من أوله إلى آخره، بسياقه، وبجملته، لما كان له أن يُفهم الناس غير ما فهم -غير ما قصدت- ولكنه نقل بعض الكلام ثم أضاف إليه من عنده شيئاً كثيراً، يوهم الناس أنك تقصد كذا، وتعني كذا، وتريد كذا، وأن مرادك كذا، ونيتك كذا، ومقصودك وما في قلبك كيت وكيت!وهذا غير سائغ وليس من الإنصاف في شيء، فإننا نجد السلف رضي الله عنهم ينقلون البدعة ويشرحونها ثم يردون عليها.وإني أجد كلاماً كثيراً في كلام الإمام ابن تيمية -رحمه الله- خاصة، وفي كلام ابن القيم رحمه الله أيضاً، أنه قد ينقل في صفحات كلام القوم، بل قد يعقد مناظرة بين صاحب مذهب وصاحب مذهب آخر، فيستعرض المذهب الأول في صفحات وهو يقول: قال الأول، ثم إذا انتهى رجع وقال: قال الثاني، وأتى على كل ما ذكره الأول بالنقض، والتغيير، والرد.فلو أنَّ إنساناً نقل الكلام الأول وقال: هذا كلام ابن القيم، أو نقل الكلام الثاني وقال: هذا كلام ابن القيم لكان مخطئاً في ذلك خطأً عظيماً.والذي ينبغي للإنسان أن يتقي الله تعالى، فلا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا ينقل كلام الناس على وفق ما يريد وما يشتهي!وإني ذاكر لكم الآن مثالاً واحداً سئلت عنه في أكثر من مناسبة، منها مناسبة لعلكم جميعاً اطلعتم عليها، سألني عنه أخي الكريم الأستاذ الشاعر: عبد الرحمن العشماوي في المقابلة التي أجراها معي، ونشرت بعنوان (على طريق الدعوة) فقد ذكر لي أن بعض الناس يقولون عني أني سئلت منذ زمن، في أول أحداث الخليج في العام الماضي عن الحرب، فقلت: إنها لن تقوم حرب، وأبشر بطول سلامة، فتعجبت من ذلك! ولم أكن حين سألني هذا السؤال متذكراً كل ما قلت، فذكرت الجواب الذي سمعتموه، وهو جواب صحيح على كل حال.ولكنني بعد ذلك رجعت إلى الكلام الذي قلته، وكتبته في هذه الورقة، كتبت السؤال والجواب، حتى تفهموا وتعلموا كم يجني الناس على الكلام الذي ينقلونه، وتعرفون مصداق ما قيل:وما آفة الأخبار إلا رواتها مع أنه كلام مسجل في شريط سمعه الداني والقاصي، الخاص والعام، ومع ذلك يقع اللبس!وأنا أقرأ عليكم الآن نص السؤال، ونص الجواب.السؤال: ماذا يكون علينا إذا قامت الحرب على العراق؟ هل نذهب إلى الجبهة ونترك النساء والأطفال، ونذهب إلى الحرب إذا لزم الأمر؟الجواب: الذي أعتقده، أن الحرب مع العراق -والله تعالى أعلم- لن تقوم بشكل حرب مع العراق، لأن قوى الدول الغربية أحضرت أسلحة وقوىً هائلة تستخدم لأول مرة في العالم، وهذه القوى أحضرت من أجل ألا تكون حرب بين أمريكا والعراق، وإنما من أجل أن تضرب أمريكا ضربتها على العراق، وتنهي وجوده خلال 7دقائق -كما تقول التقارير- أي: تنهي قوته خلال 7دقائق، ولا يكون هناك حاجة للحرب أصلاً، هذه خطتهم، وهذا تفكيرهم، وعلى حسب إمكانياتهم، فإن هذا الأمر ليس مستبعداً، ويكفي أن عندهم من الطائرات ما يسمونها: بطائرات الشبح، التي خلال حركة بسيطة -وهي لا يمكن أن تكشف بالرادار- تستطيع أن تدمر وسائل الاتصالات بالدولة المحاربة، من الهاتف، والخطوط، والكهرباء، وغيرها، وبذلك تنشل حركة الدولة ويسهل القضاء عليها.فلا أعتقد أن هناك حرب حقيقية نحتاج أن نجند أنفسنا في هذه الحرب، لكن المؤمن يجند نفسه في كل وقت، لأن الخطر ليس معناه خطر العراق فحسب، فإذا ذهب العراق ذهب الخطر، لكن قد يكون الخطر من النصارى أنفسهم، من اليهود، لماذا نستبعد هذا؟! فالمؤمن يجب أن يستعد ويتدرب على التسلح، ويربي نفسه تربية عسكرية.أما هذا السؤال فإني أقول: أبشر بطول سلامة إن شاء الله! انتهى الكلام.مقصودي من هذا الكلام أن أقول: ظاهر من السؤال ومن الجواب، إذا فهمناه بالصيغة التي ذكرته لكم قبل قليل، أن السائل يتساءل هل يذهب هو ويترك أطفاله وزوجته في البيت، بدون أحد يقوم عليهم؟ لأنه تصور أنه سوف تقوم حرب تحتاج إلى استنفار، وإلى تجنيد الأمة بكاملها، وإلى أن يخرج الرجل ويترك أهل بيته ويترك أطفاله، ويترك عمله.فكان الجواب: أبشر بطول سلامة إن شاء الله، لن يحتاج إلى مثل هذا الأمر، لماذا؟ لأن هناك قوى كبيرة، وكثيرة مدججة، ستجعل إمكانية القضاء على قوة العدو -وهو العراق آنذاك- أمراً لا يحتاج معه إلى حرب بالمعنى الصحيح، بقدر ما هي ضربة موجعة تنهي قوة العدو.وهذا الكلام نستطيع أن نقول: إنه بهذا الإجمال هو الذي حصل فعلاً.وأما مسألة أنه لن تقوم حرب، أو لن يكون هناك حرب أصلاً، فلا أذكر أني قلت ذلك، وهذا هو الموضع الوحيد الذي اعتمد عليه البعض في ما ذكر.ثم لنفترض أنني أو أن غيري من الدعاة قال: إنه يتوقع ألا تقوم حرب، ثم حصل الأمر خلاف ما ظن وخلاف ما توقع، فماذا كان يعني هذا؟ نحن نعلم أن كثيراً من التحاليل الغربية، بل (60%) منها كانت تتوقع أن لا تقوم حرب، والمحللون أناس مختصون، وعلى أرقى المستويات، وبعضهم في مواقع المسئولية.وقد قرأت لوزير الخارجية في الاتحاد السوفيتي آنذاك، بالخط العريض، أنه لن تقوم الحرب، وهو رجل في موقع المسئولية في دولة كبرى، فضلاً عن المحلليين الذين توقعوا ذلك وهم كثير، فماذا يضير هذا!بل قرأنا جميعاً في صحيفة سيارة لكاتب وأديب معروف، وهو يشغل منصباً دبلوماسياً أيضاً في بلد ما، أنه قال بالخط العريض، أنه لن تقوم حرب، وأنه سينسحب العراق في اللحظات الأخيرة، واضطر بعدما قامت الحرب إلى أن يكتب في الصحيفة اعتذاراً عن ذلك، وبياناً أنه أخطأ في التوقع، ولن يكون له بد في أن يكتب اعتذاراً لأن الكلام كتب في الجريدة ولا يمكن أن يتناساه أو يتجاهله.فماذا كان بعد هذا؟ ولماذا تكون الكلمات التي يقولها الدعاة هي التي في المحك؟ صحيح أننا نفرح باهتمام الناس بكلام طلبة العلم والدعاة، وعنايتهم به، لكن أيضاً ينبغي أن يفهم هذا الكلام في إطاره العام، وأن يوضع في موضعه، فهذا ظن إنما ظننت ظناً، حتى الذي توقع أن لا تقوم الحرب يقول: إنما ظننت ظناً.وَهم ليس بنص، ولا مبني على نص، وإنما هو احتمال وتوقع قابل للخطأ وللصواب، وأثبتت الأيام أنه غير صحيح وأنه خطأ.
ضرورة الدفاع عن النفس
قد يضطر الإنسان -أيها الأحبة- إلى الدفاع عن نفسه، حين يكون ثمة أمر يقتضي ذلك.
 الخطأ وارد
الخطأ وارد، ومن المناقشة ينبثق النور -كما يقال- والمناقشة العلمية الهادئة الرزينة لا يضيق بها أحد، بل نحن من دعاتها، والمراجعة الدائمة، والنقد الدائم، لوجه الله تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا، هو من مقاصدنا.وقد كنت وعدتكم منذ زمن بدرس عنوانه: (النقد البناء وأهميته) أو نحو هذا، وسوف أطرحه إن شاء الله بعد أسابيع، ضمن سلسلة الدروس العلمية العامة، لأنني مؤمن أن النقد ضرورة للأفراد والجماعات والأمم، وأن الذين يخافون النقد، أو يهابونه، هم يكرسون أخطاءهم بأنفسهم، ويخدمون أعداءهم من حيث لا يشعرون، وأن الأمة لن تخرج من مذلتها، وهوانها، وأخطائها، إلا إذا آمنت بضرورة النقد، واقتنعت به، وتعاملت معه بغير حساسية، ولا تضايق، ولا انـزعاج، بل أقل شيء أن لا تضيق به، وأحسن شيء أن تفرح بالنقد البناء، وتسر به، وتسرع إليه.وأنا -والله- من عشاق هذا، وأتطلع إلى اليوم الذي تصبح الأمة فيه تفرح بأن تنقد، أو على الأقل لا تضيق بالنقد، ولا تنـزعج منه، بل تتقبله بصدر رحب، وإذا لم ننتقد أنفسنا فسوف ينتقدنا عدونا.فبضاعتنا اليوم هي للناس كلهم، بضاعتنا معلنة بالمزاد العلني؛ كتاب، أو شريط، أو مقالة، أو محاضرة، أو درس، أو فعل، أو تصرف، أو قرار، أو أي شيء، هي للناس كلهم فإذا لم ينتقدك العدو فتقبل من انتقاد الصديق، وإذا لم ينتقدك الصديق انتقدك العدو، وإذا لم تقبل من صديقك معناه أنك فتحت الباب على مصراعيه لعدوك، حتى يتشفى منك ويشهر بك!
صور من النقد
أيها الأحبة: أذكر لكم بعض الأمثلة، وأختم بها هذا المجلس، الذي أسأل الله تعالى أن يكون مجلس خير وبركة، وأن يفهم هو الآخر على وجهه، فلا تأتي فيه كلمة يقصد، ويعني، ويريد هناك أمثلة، من الأمثلة:
 الإغراق في الجزئيات
مثال ثالث: قبل أسابيع أيضاً تكلمت في موضوع (الإغراق في الجزئيات) وموضوع الإغراق في الجزئيات هو موضوع يشغل بالي، ولا أداري في ذلك، وأنا أدين الله تعالى بأن الإغراق في الجزئيات داء في الأمة كلها، على كافة المستويات، أنها تشتغل في كثير من الأحيان بجزئيات معينة عن ما هو أهم منها، بل قد تشتغل أحياناً بأمور لا داعي للاشتغال بها، وأحياناً تشتغل بأمور ينبغي الاشتغال بها، لكنها تغرق في ذلك، ولذلك عبرت بلفظ الإغراق، الذي يدل على أنني أدعو إلى الاعتدال والتوسط في ذلك.وقد فهم منه بعض الإخوة خلاف ما أردت!مثلاً: هل يعني حديثي عن بعض الجزئيات، أو ذكري لبعض الأمثلة، أنني أقصد بحديثي هذا فئة معينة، أو أستهدف طائفة معينة، أبرء إلى الله عز وجل من ذلك، ويشهد الله على ما في قلبي، أنه لم يكن في ذهني -وأنا أتحدث- فئة معينة، ولا طائفة معينة، ولا بلد معين، ولا إقليماً، ولا شيئاً، وإنما كنت ولا زلت أشعر أن هذا داء عند العام والخاص، وعند طلاب العلم، وعند الدعاة، وعند الجماعات الإسلامية، وعند الناس كلهم إلا من رحم الله، ولا أقول بأفرادهم لكن في مجمل المجتمع أنه موجود.ولو استصحبت هذا، وتأملت الناس، لوجدت ذلك جلياً، أحياناً أقوم بفرز بعض الأسئلة التي تأتيني في المحاضرة، فأجد أن أكثر من (90%) من الأسئلة تدور حول قضايا جزئية، إذاً أين الاهتمام بالقضايا الكلية؟! هل معنى ذلك أن الناس فهموا هذه الكليات؛ كليات العقيدة مثلاً، أصول الدين، معانيه العظام، هل فهموها حتى لا يسألوا عنها؟! معرفة سبل المجرمين وأعداء الدين، مقاومتهم، حربهم، هل المعنى أنهم فهموا ذلك كله، فلم يعودوا يسألون عنه؟! كلا. بل ربما يكون الغالب أنهم غفلوا عنه فلم يكن لهم في حساب أو في اعتبار!إن حديثي في الإغراق في الجزئيات لا يعني كان من الأحوال إهمال طلب العلم الشرعي، وأستغفر الله تعالى وأتوب إليه، كيف أدعو في محاضرة إلى إهمال طلب العلم الشرعي، وأنتم أيها الإخوة! شهود أن هذا المجلس العامر الذي يرتاده ما يزيد على 1500 بحمد لله من طلبة العلم، وهذا الدرس الآن هو رقم (109) ومنذ أوله إلى الآن وهو حديث عن مسائل العلم الشرعي، هدفه تعلم الحديث، وطالما قلنا: فلان ضعيف، وفلان حسن الحديث، وفلان صدوق، وفلان ثقة، وهذا الحديث حسن، وهذا ضعيف، وهذا له شاهد، والمسألة كذا، وقيل كذا، والراجح كذا، وبحثنا حتى المسائل التي ربما مثلت بها في الشريط المشار إليه بحثنا كثيراً منها في نفس هذه الدروس.وربما استغرقت أحياناً درساً كاملاً في مسألة واحدة، مثل مسألة الصلاة في النعلين، أو مسالة وضع اليدين على الصدر في الصلاة، تستغرق درساً كاملاً نذكر كل أدلتها، وكل الأقوال فيها، والراجح في ما يظهر، ليس هذا يعني ترك العلم الشرعي وعدم طلبه!وكيف أدعو إلى ترك العلم الشرعي وهو بضاعتنا؟! وأنتم أيضاً بحمد لله تعرفون، وهذا مما قلت: إن الإنسان قد يضطر إلى أن يقوله: إننا منذ أكثر من ست سنين نعقد درساً يومياً بعد صلاة الفجر، لا هم لنا فيه إلا دراسة صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب العقيدة مثلاً كـالأصول الثلاثة، القواعد الأربع وكتاب التوحيد والعقيدة الواسطية، وكتب المصطلح، وكتب أهل العلم كـزاد المعاد وغيرها، وهذه بضاعتنا، وإذا انفض الناس عن طلب العلم الشرعي، فسينفضون -في جملة من يفضون عنه- سينفضون عنا أيضاً، فكيف يتصور هذا وثمة محاضرات كثيرة ألقيتها في مناسبات شتى، تدور حول حث الشباب، وشباب الصحوة، والناس عامة، على طلب العلم الشرعي! منها: محاضرة "العلم يقتضي العمل" و"الطريقة المثلى للتفقه في الدين" و"من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" و"من وسائل التعلم" و"مزالق في طريق الطلب" إلى غير ذلك.فهذا ليس وارداً، ونحن نعتقد أنه لا قوام، ولا قيام، ولا صلاح للأمة، وللدعوة، إلا بطلب العلم الشرعي الذي يصحح مسيرتها.ولا يعني الحديث في هذه المسائل عدم العمل بالسنة مثلاً، وكيف ونحن نتعلم السنة، ونعلمها، ونعمل بها، وماذا يفعل واحد منا إذا صلى، أو صام، أو حج، أو فعل شيئاً؟! إلا أن يفعل هذه السنن التي يتعلمها ويُعلمها، ولا مانع أبداً أن تبحث هذه السنة، وتعرف الراجح والمرجوح، ولكن لا يعني هذا أن هذه السنة صارت هي كل همك، فلا تتكلم إلا بها، ولا تبحث إلا عنها، ومعظم مجالسك وأحاديثك واهتماماتك تدور حولها، أو حول مسألة أو مسألتين تشبهها!وكيف يظن ذلك؟! وفي مناسبات عدة تكلمت عن السنة، وحاولت أن أدافع عنها، ومحاضرة في "أحاديث موضوعة متداولة"، ومحاضرة في "كيف ننشر السنة"، "صفة الصلاة وحكمها" هذا شريط تكلمت فيه عن هذه السنن، "الدفاع عن السنة"، "التفسير النبوي للقرآن الكريم" وغير ذلك، وكتاب حوار هادئ مع الغزالي حافل بمثل هذه المسائل وهذه المباحث.لماذا لا تفهم الكلام على ضوء ما تعلمه من المتحدث؟! كيف تفهم أن طرق مثل هذه المسائل يعني: أننا ندعوك إلى الاشتغال بالواقع؟! لا يا أخي! نحن لا نقول: اشتغل بالواقع، قلنا: اشتغل بالدين عافاك الله! ما تكلمت قلت: اتركوا العلم، وتعالوا انـزلوا للواقع، نحن نقول: ابحثوا مسائل العقيدة، وأصول الدين، وقضاياه الكلية، وكذلك قضايا الواقع هي جزء منها أيضاً.نحن لا ندعو إلى الغفلة عن الواقع، ولا يمكن تطبيق الدين إلا بفهم الواقع، حتى تنـزل الدين عليه، وتعرف أن هذا خطأ وهذا صواب، وهذا حق وهذا باطل، وهذا حلال وهذا حرام، وهذه من الأحكام الوضعية التي ينبغي أن يعلمها الناس، بل نحن ندعو إلى فهم أصول الدين وكلياته، ومقاصده العظام، وندعو أيضاً إلى بحث هذه المسائل الفرعية، والاهتمام بها، لكن دون إغراق.فأنصفونا بارك الله فيكم!وكيف يظن أننا نتغافل، أو نتجاهل -مثلاً- عن قضية العقيدة، وقد ذكرت لكم قبل قليل أنني شرحت منها عدداً من الكتب، وعدداً من المتون كـالقواعد الأربع، والأصول الثلاثة، وكتاب التوحيد والعقيدة الواسطية وفي النية شرح أشياء أخرى، وثمة محاضرات كثيرة في العقيدة، "أصول الإيمان"، "أسباب تقوية الإيمان"، "غنى الخالق"، "الرضا بالله"، "من ألوان الشرك"، "مفهوم الشهادتين"، " "أفحكم الجاهلية يبغون"، "الخصائص السلوكية للفرقة الناجية"، "خصائص الطائفة المنصورة".أم كيف يظن -مثلاً- أننا ندعو إلى ترك دراسة علم المصطلح، وهو جزء من بضاعتنا التي نهتم بها، وقد وفقنا الله تعالى إلى شرح "نخبة الفكر" للإمام الحافظ ابن حجر، وقطعنا فيها شوطاً بعيداً، وبقي منه جزء يسير، وثمة محاضرات أيضاً في المصطلح، كـ"طرق التخريج" وهي ثلاثة أشرطة إلى غير ذلك.فلا يعني هذا إلى بحث المسائل المذكورة، ولا عدم الاشتغال بها، إنما يعني: عدم الإغراق فيها، كما أنني أود أن أشير إلى أن كثيراً من الأجزاء الحديثية، التي ألفت في مسائل أشرت إليها في المحاضرة السابقة، أنها عندي وأستفيد منها بحمد لله، وأشكر الله تعالى، ثم أشكر من ألفوها، فقد وفروا على طلبة العلم جهداً كبيراً، ومن يستطع -مثلاً- أن يتجاهل حين يبحث مسألة من تلك المسائل الأجزاء الحديثية النفيسة، التي كتبتها براعة العالم الفاضل الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد، في قوة بحثه، وسلاسة عبارته، ومكانة أسلوبه، وسعة علمه.وإنني لا أمر بمسألة أبحثها، وأعلم له فيها كتاباً، إلا رجعت إليه، أفدت من عنده، سواء أشرت إلى ذلك كما حصل في مواضع أم لم أشر إليه.وكذلك كُتُب أخينا الشيخ فريح البهلال له عدد من الأجزاء الحديثية المفيدة، وعدد كبير لا أحصيهم، ولا يأتي عليهم الحصر من إخواننا، من هنا، ومن الكويت، ومن مصر، ومن سواها، كتبوا أجزاءً حديثية في مسائل كثيرة، في زكاة الحلي مثلاً، في صفة الصلاة، في وضع اليدين، كلنا نستفيد منها، ونتعبد الله بقراءتها ودراستها، ونشهد الله على محبة الذين كتبوها، وعلى شكرهم على ما يسروا لنا من العلم.ففرق بين الاستفادة من هذه الأشياء، وبين كوننا نجعل هذه المسائل المطروحة هي كل همنا، وهي سبب الاجتماع بيننا أو التفرق، وهي الفيصل.حتى ربما قال إنسان: أشهد الله على بغض فلان، لأنه خالفه في مسألة! والله فلان ربما أني أبغضه في الله، وربما أشن عليه الحرب، لماذا؟ لأنه خالفه في مسألة أو مسائل، متى كان هذا؟!على كل حال الأمثلة التي ذكرتها هنا، أو ذكرتها في تلك المحاضرة، أو في غيرها، ليست مقصودة لذاتها، احذف الأمثلة، الأمثلة لا تعنينا، لأن الاهتمام بالأمثلة من الإغراق في الجزئيات أيضاً.خذ القاعدة العامة وهي: أننا ندعو الأمة أن تهتم بالكليات أكثر من الجزئيات، ولا تغفل الجزئيات.
الأسئــلة

 الإعلام يغزو بلاد الإسلام
السؤال: سأبذل وسعي والله المستعان! كنت في طريقي إلى الدرس هذه الليلة، وبالتحديد قبل ثلث ساعة، أو نصف ساعة وأدرت مفتاح الراديو وإذا بأخبار لندن وكل أخبارها سوء، كان الخبر يدور حول إبرام عقد بين هيئة الإذاعة البريطانية وتلفزيون البحرين وذلك بشأن بثها الجديد الخاص بهيئة الإذاعة البريطانية، ويقول: إنَّ بإمكان كل من في دولة البحرين وما جاورها أن يلتقط البث الذي يستمر 18ساعة يومياً، ابتداءً من السنة الميلادية الجديدة في منتصف شهر نوفمبر، وكل هذا الإفساد لأبناء المسلمين، والله المستعان! ويقول: الحمد لله لقد قطعت عليهم الطريق إن شاء الله للدخول إلى بيتنا العزيز، وقد نفذنا حكم الإعدام على التلفاز فجر يوم الأحد الماضي (27/4) وذلك بإجماع عائلي، وبالتحديد بمعدل (9990 من 10000) -هذه معدلات الانتخابات والحمد لله- فهل آن للجميع التنبه قبل الغرق، هذا ما نرجو من الله، وأخيراً دعواتكم لنا ولجميع المسلمين.الجواب: جزاك الله خيراً. هذا من الاهتمام بأمور المسلمين، وبالأمس أعطاني أحد الشباب قصاصة من مجلة اليمامة، يعتبون فيها على بعض الذين يبيعون الدش الذي يستقبل البث، يقولون: يباع أحياناً بـ (100000) وهذا سعر غالي، وهو يباع في الدول المجاورة بـ (20000) وبـ (25000) وبأقل من ذلك، ولا ندري من هي الجهة المسئولة عن هذه التجارة، حتى نرفع إليها الشكوى.وقبل أسبوعين ذكرت لكم في بعض الدروس إعلان في بعض الجرائد المحلية، عن بيع جهاز صغير صنع خصيصاً لاستقبال هذه الأمور.المسلمون بشكل عام يواجهون غزواً مركزاً وقوياً، وبعض الإخوة من طيبة قلوبهم يقول: لا تقرءوا مثل هذه الأشياء ولا تخبروا الناس بها.الناس عارفون، الذين يقرءون الجريدة أحياناً مئات الألوف، وحتى لو لم ينشر في الجريدة، فهذا أمر معروف في كل مكان، وإذا ما عرفوا اليوم عرفوا غداً، وإذا ما عرفوا الساعة عرفوا العام القادم.لكن الشيء المهم هو أن نعرف نحن في أي أرضية نتحرك، وما هو العدو الذي نواجهه؟! وما هي الجهة التي ينبغي أن نصب تركيزنا عليها، ونبذل وسعنا في محاربتها، وحماية المجتمع والأمة منها؟! لأن هناك بلا شك خطة قوية لإغراق المجتمع، وأقول: بالذات في هذه البيئات التي لا زالت محافظة أكثر من غيرها.إغراق المجتمع في ألوان من المشاهدات، والمسموعات، والمطبوعات، التي سوف تغير عقليات الناس زيادة على ما هم عليه.نسأل الله أن يوفقنا لصالح القول والعمل، وأن يكفينا شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وأن يهدي قلوبنا، ويصلح نياتنا، وذرياتنا، وسرائرنا، وظاهرنا وباطننا، إنه على كل شيء قدير، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك.اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المراجعات - 1 - للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net