اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وصايا الأنبياء والصالحين للشيخ : سلمان العودة


وصايا الأنبياء والصالحين - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الدرس عن أهمية الوصية وأن العلماء هم أصدق وأنصح الناس خاصة عند الموت، ثم ذكر وصايا بعض الأنبياء مثل نوح وإبراهيم ويعقوب، ثم ذكر وصايا النبي صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن العاص، ومعاذ، وأبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، وهاشم بن ربيعة، وذكر فوائد هذه الوصايا، ثم أجاب على الأسئلة.
شكر وعرفان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أما بعــد:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزى الله القائمين على هذا المركز خيراً؛ إذ تسببوا في هذا الاجتماع الطيب المبارك. ولقد فعلوا بي معروفاً ربما لم يدركوه، بل أكثر من معروف. أما المعروف الأول: فحين كانوا سبباً في مجيئي إلى هذا البلد الطيب، الذي كنت فيه في صغري وطفولتي، ودرست فيه السنين الأولى، وعشت فيه أيام الصبا، وتسنى لي بذلك رؤية المشائخ والإخوان الفضلاء، الذين طال العهد بهم.أما المعروف الثاني: فذلك أنني حين قلت للإخوة: سوف أتحدث عن وصايا العلماء عند حضور الموت، أزمعت أن أجمع بعض هذه الوصايا، وكنت أذكر في مكتبتي كتاباً ألفه الإمام الربعي، وهو كتاب نفيس مفيد في بابه، يحمل نفس العنوان وصايا العلماء عند حضور الموت وجمع فيه وصايا العلماء وغيرهم منذ آدم عليه الصلاة والسلام إلى العلماء الذين جاءوا في دولة بني أمية وما بعدها. ولكنني لم أظفر بهذا الكتاب حين احتجته، فرجعت إلى أوراق لي قديمة، كنت قد جمعتها قبل خمس سنوات، وهي عبارة عن مقتطفات من كتب السنة، فقد تسنى لي في تلك السنين أن أقرأ مجموعة من كتب السنة كـالصحيحين، والسنن، والزهد لـابن المبارك، وغيرها. وكنت أجمع كل ما يتعلق بوصايا العلماء، وأصور في أوراق عندي؛ فرجعت إليها بعد أن كنت نسيتها، أو كدت أن أنساها فكانوا بذلك سبباً في مراجعتي لهذه الأوراق من جديد، واستفادتي منها، ومنها جمعت بعض هذه الوصايا التي سوف أعرضها عليكم.
 

سبب اختيار الموضوع
أما لماذا وصايا العلماء عند حضور الموت؟
 أنصح ما يكون العلماء عند الموت
أنصح ما يكون العالم عند حضور الموت، فإن الإنسان إذا حضره الموت فهي ساعة صدق وإخلاص، يؤمن فيها الكافر، ويصدق فيه الكاذب، ويزول فيها البهرج، ويظهر الإنسان فيها على حقيقته؛ فيقول الحق ولو كان على نفسه. ولذلك، فإن نصيحة العالم عندما يحضره الموت هي من أعظم النصائح، وأجدرها بالأخذ، والقبول.
أهمية الوصية وحكمها
إخواني وأحبتي الكرام: الوصية مما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:180] فكتب الله تعالى على العبد إذا حضره الموت، وترك خيراً أن يوصي.ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة، وذهب آخرون إلى أنها محكمة، وفي الحديث الذي رواه الجماعة، البخاري، ومسلم وأصحاب السنن، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{لا يحق لامرئ له شيء يريد أن يوصي به، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه} فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينبغي لكل إنسان له شيء يريد أن يوصي به، له حقوق على الناس، أو للناس عليه حقوق، أو له أشياء يريد أن يكتبها ألا يبيت ليلتين، وفي رواية ليلة، وفي رواية ثلاث ليال، فكأن أقصى مهلة أعطيت لك أن تكتب وصيتك ثلاث ليال، ولا تمر عليك ثلاث ليال إلا وتكتب وصيتك، وتجعلها محفوظة عندك. هذا إذا كان لك شيء تريد أن توصي به، أما إذا كنت تقول: لا مال، ولا أهل، ولا ولد، ولا لي شيء، ولا علي شيء، حينئذٍ ليس عليك أن تكتب الوصية أو لا تكتب، لكن إن كان لك حقوق، وعليك حقوق فإنه ينبغي لك أن تكتب الوصية، وقيل يجب عليك ذلك، والجمهور على أنه يستحب أن تكتب هذه الوصية. وقد جاء في الحديث الذي حسنه ابن حجر وغيره {أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له رجل مات ميتة فجأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! كأنها أَخْذة أسف، أو كأنها أَخْذة آسف} ثم أمر صلى الله عليه وسلم بالوصية.إذاً الإنسان لا يدري، قد يصبحه الموت أو يمسيه، وما الأمر إلا نَفَسٌ يدخل فلا يخرج، أو يخرج فلا يدخل، فإذاً الحزم كل الحزم، والعقل كل العقل أن تكتب وصيتك، ولا تمهل أو تؤجل، فكم من إنسان كان يريد أن يوصي، لكن عاجلته المنية؛ فأصبح ما له لغيره: وأصبح مالي من طريف وتالد لغيري وكان المال بالأمس ماليا
 أنصح ما يكون العلماء عند الموت
أنصح ما يكون العالم عند حضور الموت، فإن الإنسان إذا حضره الموت فهي ساعة صدق وإخلاص، يؤمن فيها الكافر، ويصدق فيه الكاذب، ويزول فيها البهرج، ويظهر الإنسان فيها على حقيقته؛ فيقول الحق ولو كان على نفسه. ولذلك، فإن نصيحة العالم عندما يحضره الموت هي من أعظم النصائح، وأجدرها بالأخذ، والقبول.
وصية نوح عليه السلام
إخوتي الكرام: أما وصية نوح عليه السلام، فقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنها، كما عند الطبراني بسند رجاله ثقات كما يقول الهيثمي: { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن نوحاً حين حضره الموت، قال لولده: " إني آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات، والأرض لو كانتا حلقة لفصمتهن، أو لقصمتهن لا إله إلا الله، وآمرك بسبحان الله وبحمده، فإنها زكاة الخلق، وبها يرزقون، وهي تسبيح كل شيء} ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء:44] فأمر نوح ابنه عليه السلام بأن يكثر من قول (لا إله إلا الله) وأن يكثر من قول (سبحان الله وبحمده) فإنها زكاة الخلق، وتسبيحهم، وبها يرزقون. "وأنهاك عن اثنتين: عن الشرك، وعن الكبر أما الشرك: فشأنه معروف: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]. وأما الكبر: فهو قرين الشرك، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم، وغيره: {لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قالوا: يا رسول الله، أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس} أي: جحد الحق ورده وبخس الناس أشياءهم، وحقوقهم؛ فنهى نوح ابنه عن الشرك والكبر.
 أنصح ما يكون العلماء عند الموت
أنصح ما يكون العالم عند حضور الموت، فإن الإنسان إذا حضره الموت فهي ساعة صدق وإخلاص، يؤمن فيها الكافر، ويصدق فيه الكاذب، ويزول فيها البهرج، ويظهر الإنسان فيها على حقيقته؛ فيقول الحق ولو كان على نفسه. ولذلك، فإن نصيحة العالم عندما يحضره الموت هي من أعظم النصائح، وأجدرها بالأخذ، والقبول.
وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام
أما الوصية الثانية: فهي وصية إبراهيم ويعقوب عليهما الصلاة والسلام. وهي مثبتة في كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132].
 ظهور الحقائق عند الموت
وهنا يتعجب بعض الناس ويقول: هل الموت ونحن مسلمون بأيدينا؟! فنقول: نعم، ولم يكن الله عز وجل يكلفنا ذلك، إلا ونحن نطيقه ونستطيعه، فإن العبد يموت على ما عاش عليه، فإذا علم الله من عبده الصدق والإخلاص، والإيمان والاستقامة؛ فإن الله تعالى يقبض روحه على ذلك. وإذ علم الله تعالى من عبده النفاق، وأنه يظهر ما لا يبطن، يعلن ما لا يسر، فإن الله تعالى يفضحه عند النـزع، ويبين حقيقته للناس. فإن العبد عند احتضاره تبين حقيقته، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة -فيما يبدو للناس-، وهو من أهل النار. وإن العبد ليعمل من عمل أهل النار -فيما يبدو للناس- وهو من أهل الجنة}.إذاً هذا إنسان يتظاهر بالإيمان والإسلام، ويقول ما لا يعتقد؛ فيفضحه الله تعالى على فراش الموت، وذاك عبد صادق، علم الله من قلبه الصدق، والإقبال، والإخبات، والانقطاع إليه فثبته الله تعالى، قال الله عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27] ولذلك جاء في حديث البراء الطويل، الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، بسند حسن، وأصله في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن العبد المؤمن إذا احتضر بشر برحمة من الله تعالى، وحضرت الملائكة، فقالوا: أيتها الروح الطيبة، اخرجي إلى رحمة من الله تعالى ورضوان، ورب غير غضبان، فتخرج روحه، وإن العبد الكافر أو المنافق إذا احتضر، قيل: أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله تعالى وغضب، فتتفرق روحه في جسده، فلا تخرج إلا بعناء}. إذاً: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132] إن كان العبد صادقاً قبض الله روحه على الإيمان والتقوى، وإن كان منافقاً، أو مخلطاً فربما يفتضح -والعياذ بالله تعالى- عند الموت. وهذا من أسرار حسن الخاتمة أو سوئها، وقد تكلم الإمام ابن القيم في هذا الموضوع، وأطال الكلام فيه في مواضع عديدة من كتبه. فقوله: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132] معناها: اسلموا لله تعالى إسلاماً حقيقياً حال اختياركم وحياتكم؛ يقبض الله تعالى أرواحكم على الأيمان أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133].إذاً: يعقوب عليه الصلاة والسلام لما حضرته الوفاة دعا بنيه؛ فاجتمعوا عنده، وكانوا أحد عشر أو اثنا عشر، فكان يسألهم ما تعبدون من بعدي؟ يريد أن يطمئن على تربيته، وعلى غرسه، وعلى ولده قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133] فاطمأن يعقوب عليه الصلاة والسلام، وارتاح لذلك قلبه، وهدأت له نفسه، وعلم أن أولاده سوف يرثون بضاعته من بعده، ويحملون راية التوحيد التي كان يحملها، وحملها من قبله آباؤه إبراهيم، وإسماعيل وإسحاق.
وصايا محمد صلى الله عليه وسلم
ثم انتهت النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو إمام الرسل، وخاتمهم عليه الصلاة والسلام وحامل لواء الحمد، والشافع المشفع، وأفضل ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض صلى الله عليه وسلم له من الخصائص والفضائل، والمزايا ما يضيق عنه الحصر، حتى صنف فيه العلماء كتباً خاصة، انتهت النوبة إليه صلى الله عليه وسلم فلننظر ماذا كان يقول عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت، والكلام في وصاياه عليه الصلاة والسلام عند موته يطول، ولذلك أحببت أن اذكر لكم بعض الوصايا المختصرة، وأعرض عن الوصايا الأخرى؛ لأن لها مناسبات غير هذه:
 صلة الأرحام
روى ابن حبان وغيره، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في مرض موته:{أرحامكم، أرحامكم} صلوا أرحامكم، صلوا أرحامكم، فأمر صلى الله عليه وسلم بصلة الرحم، وكان يوصي بذلك في مرض الموت، وذلك لما في صلة الرحم من أثر في تقوية الأواصر الاجتماعية، وتُوفيد القلوب، وإزالة العدوات والبغضاء، ونـزول الرحمة، قال الله عز وجل:فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:22-24].وورد في حديث: {أن الرحمة لا تنـزل على قوم فيهم قاطع رحم} وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يدخل الجنة قاطع رحم} قاطع الرحم لا يدخل الجنة، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم، وكم من إنسان قد يصل أصدقاءه، ويحسن إليهم، ويستميت في خدمتهم، وتحقيق مطالبهم، والسهر على راحتهم، فإذا جاء الأمر فيما يتعلق بوالديه، وأرحامه، وأقاربه، فإنه لا يأبه بهم، ولا يتحمل من والديه كلمة خشنة، أو موقفاً صعباًً، وكثيرٌ من الشباب يستثقلون والديهم، ويضحكون من أعمالهم، وأقوالهم، وتصرفاتهم، وقد يستهزئون بهم، وقد يقولون لهم كلمات خشنة بذيئة، لا تليق أن تقال لرجل بعيد، فكيف بالقريب؟!!أخي الشاب! إنك مطالب -أصلاً- إذاً رأيت كبير السن، الذي شاب في الإسلام مفرقه، وشابت لحيته، وظهر عليه هذا الوقار، فأنت مطالب أصلاً أن تقدره، وتجله، وتخدمه، وتتلطف معه في القول، وتقدمه في المجالس، وفي كل شيء، فكيف إذا كان قريباً! فكيف إذا كان أبا أو كانت أماً؟ الأمر في ذلك أعظم وألزم، فلينتبه الشباب، وليعرف أن الصلة والبر من الأشياء التي تعجل ثمراتها في الدنيا، فإن الإنسان إن كان باراً بوالديه؛ عجلت له ثمرة ذلك في الدنيا، وأقلها أن يوفقه الله تعالى لمن يبره من أولاده، وأحفاده، وإن كان عاقاً، فإن الله تعالى يسلط عليه من أولاده وأولادهم من يعقه. كان رجلٌ في الجاهلية له ولد، فأساء إليه، وظلمه، وضربه، فكان هذا الرجل يرفع رأسه، ويدعو عليه، ويقول:جزت رحم بيني وبين منازلٍ جزاءً كما يستنـزل الدّين طالبه وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه تغمط حقي باطلاً ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه أئن رعشت كف أبيك وأصبحت يداك يدا ليثٍ فإنك ضاربه!! إذا: أصبحت يدا أبيك ترتعش من الكبر، والهرم، والضعف، والعجز، وأنت شاب قوي، فتيّ تستأسد عليه وتضربه! فكان يدعو عليه؛ فأصابه الله تعالى بالعقوبة العاجلة، والبلاء النازل. وأخيراً: فإن من وصاياه صلى الله عليه وسلم في مرض موته، ما رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن المبارك، في كتاب الزهد، وغيرهم: أن سلمان الفارسي رضي الله عنه لما حضرته الوفاة، ظهر منه بعض الجزع والحزن؛ فعرف ذلك بعض من حضروا. فسألوه عن ذلك فقالوا له: ما الذي يحزنك ويجزعك؟ هل هذا جزع على الدنيا؟ فقال: كلا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً، وقال لي عند موته: {يكفي أحدكم من الدنيا زاد كزاد الراكب فجمعنا} قال: فجمعنا، إذاً سلمان الخير سلمان الفارسي حزين عند موته؛ يقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان وهو يودعنا -وهو يفارق الدنيا- أوصانا بوصية، قال لنا:{يكفي أحدكم من الدنيا زاد كزاد الراكب} المسافر، فالمسافر لا يحمل من الزاد إلا قليل. قال: فجمعنا. ثم مات سلمان الفارسي، مات سلمان رضي الله عنه فجمعوا تركته، فكم كانت هذه التركة؟! كانت فقط خمسة عشر ديناراً!! خمسة عشر ديناراً، يموت عنها سلمان، يظهر أثرها في الجزع والحزن على وجهه وهو يموت رضي الله عنه والشاهد: وصية النبي صلى الله عليه وسلم عند موته، وأنه قال لأصحابه:{يكفي أحدكم من الدنيا زاد كزاد الراكب}. فما بالكم بنا نحن الآن، ونحن نجمع القصور، والأموال الكثيرة، والسيارات الفخمة، والمراكب الفارهة، ونمد حبالاً طوالاً في هذه الدنيا، وكأننا نفعل فعل الخالدين. سبحان الله! كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه، يوماً من الأيام، صعد على منبر دمشق فقال: [[يا أهل دمشق؛ فاجتمعوا إليه -أبوالدرداء عويمر رضي الله عنه من خيار الصحابة وزهادهم وعلمائهم، كانوا يحبونه حباً شديداً؛ فلما سمعوه يصرخ ويصيح يا أهل دمشق: اجتمعوا إليه- لبيك يا أبا الدرداء. قال: ألا تسمعون وصية أخٍ لكم، مشفق، ناصح؟ قالوا: بلى، قل -رحمك الله- قال: إن من كان قبلكم، كانوا يجمعون كثيراً، ويؤملون كثيراً، ويبنون كثيراً، فأصبح جمعهم بدداً، وأصبح بنيانهم بوراً، وأصبحت قصورهم قبوراً، هؤلاء عاد الذين ملكوا البلاد، وأكثروا فيها الفساد، تركوا ما تركوا، فمن يشترى مني تركتهم بدرهمين؟ من يشترى منى تركتهم بدرهمين]] فكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر أن يوصي أصحابه بالتقلل من الدنيا.وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:{كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} غريب أو عابر سبيل، أما الغريب: فمثل إنسان مقيم في بلد إقامة معينة، وهو غريب غير معروف، لا يعرفه أحد؛ فتجد هذا الغريب يتقلل من الدنيا، لكن أشد من الغريب عابر السبيل -إنسان مسافر- لكن لما مر بهذا البلد قال: أريد أن أغير حاجيات السيارة، وأشتري ماءً بارداً، وأرتاح قليلاً، ثم أواصل السفر، عابر سبيل وكان ابن عمر يقول: [[إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]].
من وصايا الصديق
أما الصديق رضي الله عنه وأرضاه، خير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخير هذه الأمة بعد نبيها، فإن خبره عجيب، ولولا أنه حق لظننا أنه من جملة الأساطير، لكن العلماء رووه لنا بالأسانيد الصحيحة، فانظر ماذا يقول أمير المؤمنين، يملك دنيا عريضة، ويدين له المسلمون في أنحاء الأرض، ويطيعونه في طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
 الوصية الثالثة
الوصية الثالثة لـأبي بكر: كان يوصي عمر من بعده رضي الله عنه، قال: [[إني موصيك بوصية إن قبلتها مني يا عمر، إن لله حقاً بالنهار، لا يقبله بالليل، وإن لله تعالى حقاًبالليل لا يقبله بالنهار، وإن الله تعالى لا يقبل نافلة، حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة؛ بإيثارهم الحق في الدنيا، ولو ثقل ذلك عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا حق أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم في الآخرة باتباعهم الباطل في الدنيا، وحُقّ لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يطيش، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة، فذكرهم بصالح أعمالهم، لئلا يقول إنسان: أنا خير منهم. قال رضي الله عنه: فإن اتبعت أو حفظت وصيتي هذه، فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، ولابد لك منه، وإن ضيعتها فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، ولن تعجزه، ولن تفوته]] أنت ميت بكل حال، رغبت أو لم ترغب، الموت لا يأخذ إذناً أو موافقة من الإنسان، قد يأتي الموت لإنسان ليس لوالديه غيره، ليس بالضرورة أن يراعي ظروف البيت أو ظروف الأهل، أو ظروف الجيران، هذه حكمة الله تعالى، قدره النافذ، وقضاؤه الذي يمضي على الكبير والصغير، وعلى الغني والفقير، وعلى المأمور، والأمير، وعلى الناس كلهم سواءً بسواء، هذا سر الله تعالى في خلقه َوجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]. في وصايا أبي بكر رضي الله عنه أمور: منها توقيت العبادات، لله حق بالليل لا يقبله بالنهار، وحق بالنهار لا يقبله بالليل، أمور كثيرة، منها الصيام، منها الصلاة، منها حقوق الخلق، حقوق الناس. وفي وصيته رضي الله عنه إتباع الحق وإيثاره، وإن كان ثقل ذلك على الإنسان، وترك الباطل وإن كان خفيفاً عليك، فإن الله تعالى أمرنا بالحق، ونهانا عن الباطل.
وصايا عمر

 الوصية الثالثة
من وصاياه -أيضاً- ما رواه الدارمي، عن مروان بن الحكم، قال: لما طعن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة رضي الله عنهم الذين حوله في الجد. لاحظ عمر طعن في صلاة الفجر، ثم نقل إلى بيته، والناس يبكون، والقضية كلها ساعات محدودة، ثم لفظ نفسه رضي الله عنه وأرضاه، والموقف صعب، صعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن مع ذلك.فلننظر أمير المؤمنين كيف يتعامل مع الموضوع، يناقش قضايا فقهية، وقضايا علمية، وتفاصيل، كأنهم خلق آخر سبحان الله العظيم! عمر رضي الله عنه وهو مطعون، وحاله كما تعملون، ولما جاءه الطبيب، قال: نسقيك خمراً؟ قال: لا أشربه، قالوا: نسقيك نوعاً من المخدر، قال: لا أشربه، قالوا اسقوه لبناً: فسقوه لبناً فخرج اللبن مع الجرح، فعلم الطبيب أنه ميت -علم أنه هالك- قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان الموت بأساً فقد مت وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38] هذا ما كان يقوله عمر رضي الله عنه، ولما علم أن الذي طعنه أبو لؤلؤة تنفس الصعداء وأرتاح، وقال: [[الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل سجد لله تعالى سجدة]] كان خائف أن يكون الناس ساخطين عليه لسوء عمل لم يشعر به؛ فقتلوه. فلما علم أن المؤمنين راضون به، وأن الجميع يبكون حتى كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل ذلك، أرتاح وقال: الحمد لله. الشاهد أنه كان جالساً يقول للناس كما يقول مروان فيما رواه الدارمي: [[إني قد رأيت في الجد رأياً، يعني مسألة الجد والإخوة وهي قضية تتعلق بالفرائض، يقول: إني رأيت في الجد رأياً، إن بدا لكم أن تتبعوه فاتبعوه، ثم ذكر لهم هذا الرأي الذي رآه]] إنها مسألة فقهية، فرضية، يشرحها لهم أمير المؤمنين وهو على فراش الموت، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشيد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك يعني أبا بكر رضي الله عنه فنعم ذو الرأي كان -رأيك حسن، ورأي أبي بكر حسن- وهو اجتهاد، وذاك اجتهاد، وكل إن شاء الله على خير. ليس قصدي الآن القضية الفقهية، وإنما قصدي أن عمر رضي الله عنه لم يلهه ما هو فيه أن يتكلم عن قضية فقهية، يقول للصحابة ما رأيكم في موضوع الجد والإخوة، وقسمة المواريث، وأشياء من هذا القبيل، وهو يموت. وهذا دليل على عنايتهم بأمور:أولها: عنايتهم بعلوم الشرع، حتى لو كان في مرض الموت، يحرص على أن يعلم الناس مسألة من الفقه، لعله يخشى أن يلقى الله تعالى، فيسأله الله تعالى: لمَ لم تقل للناس هذا الحكم؟ فحرص على أن يبلغه قبل أن يموت، وكان هذا أمر يهمّ الصحابة، حتى إن معاذاً رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب أحداً منهم مات لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)}.لكن معاذاً رضي الله عنه خشي أن يسأل يوم القيامة لِمَ كتمت هذا العلم؟ لمَ لَمْ تبلغ به الناس؟ وهكذا يجب على العلماء أن يبلغوا الناس العلم، ولا يكتموه، وأن يحرصوا على إيصال الحق والعلم للناس بكل ما يستطيعون، هذه ناحية. الناحية الأخرى: قضية حرصهم على حفظ الوقت، هذا ما دام نَفَسه لم يخرج، وروحه لم تخرج، فهو حريص على أن يستفيد من الوقت، يعلم أو يتعلم، أو يبلغ شيئاً، ليكتب له بذلك أجر. أما نحن الآن، فالواحد منا صحيح، شحيح، قوي، والوسائل ممكنة، بكل سهولة يستطيع الشاب أن يحصل العلم اليوم، يقرأ كتاباً، يقرأ مجلة مفيدة، يسمع شريطاً مفيداً، يرفع الهاتف ليتصل بفلان أو علان، يذهب ليحضر حلقة الشيخ، يحضر حلقة القرآن، يحضر درساً، يحضر محاضرة، ومع ذلك تجد الشاب يضيع وقته، وربما يذهب إلى مباراة رياضية، أو يسمع أغاني محرمة، أو يقضي وقته في قراءة جرائد، أو قراءة أمور تافهة، أو قيل أو قال، أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي يتفنن فيها بعض الشباب في إضاعة الوقت، ولا يعلمون أن هذا الوقت، هو الذي به يجازون، وبه يدخلون الجنة، أو يدخلون النار، والناس كانوا عند الموت يستغلون دقائق بقيت من أعمارهم مثل الطالب -لاحظوا الطالب الآن في صالة الامتحان- طبعاً التشبيه مع الفارق، لكن مثال للتقريب حتى تلاحظوا. أحياناً بعض الطلاب يكون طالباً جيداً، وحافظاً للمقرر كله، ومجتهداً، فمن حين أن يأخذ الورقة يبدأ يكتب الجواب، ولكن يكتب جواباً مضبوطاً، دقيقاً، مفصلاً، ولا يترك شاردة، ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا يكتبها في ورقة الجواب؛ فتجده يملأ الورقة -هذا شيء نلاحظه ونحن نراقب على الطلاب- فينتهي الوقت المحدد للإجابة، ينتهي، والطالب لم ينته بعد، فتجد الأستاذ يأتي عند هذا الطالب يقول له: باقي خمس دقائق. والطالب يسرع، يكتب بسرعة؛ لأن الوقت يمضي، الوقت ليس في صالحه، يحاول أن يستغل -خاصة الدقائق الأخيرة- يحرص على الاستفادة منها أكثر مما يحرص على الاستفادة من أول الوقت، فتجده ينازع الأستاذ في الورقة؛ من أجل أن يكتب ولو إجابة، ربما يحصل منها على درجة؛ لأن الطالب حينئذ يشعر بقيمة الوقت، وهكذا كان الصالحون يشعرون بقيمة الوقت، فإذا قربت آجالهم حرصوا على مضاعفة الأعمال الصالحة بقدر ما يستطيعون، حتى قال بعضهم: والله لو أعلم أني أموت الليلة ما كان عندي مزيد. يقول: بذلت، ثم بذلت، ثم بذلت، ثم ملأت وقتي بالأعمال الصالحة، حتى لو قيل لي: إنك الليلة سوف تموت. ليس عندي شيء جديد أضيفه، كل وقتي صرفته فيما يرضي الله عز وجل، ليس عندي مزيد.
وصية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
كما في الصحيحين: {أن سعداً أصابه في مكة، عام الفتح مرضاً شديداً، أشرف منه على الموت، وخشي أن يموت فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، وهو وجع اشتد به. فقال: يا رسول الله، قد اشتد بي الوجع، ولي مال كثير، ولا يرثني إلا بنت لي، فأريد أن أوصي بكل مالي. قال: لا. قال: بثلثيه. قال: لا. قال: بنصفه. قال: لا. قال: الثلث يا رسول الله، قال: الثلث، والثلث كثير، يعني توصي بثلث مالك وهو كثير، يعني الأفضل ألا توصي بالثلث، توصي بأقل منه}. ولذلك قال ابن عباس -كما في صحيح مسلم
 الوصية الثالثة
من وصاياه -أيضاً- ما رواه الدارمي، عن مروان بن الحكم، قال: لما طعن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة رضي الله عنهم الذين حوله في الجد. لاحظ عمر طعن في صلاة الفجر، ثم نقل إلى بيته، والناس يبكون، والقضية كلها ساعات محدودة، ثم لفظ نفسه رضي الله عنه وأرضاه، والموقف صعب، صعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن مع ذلك.فلننظر أمير المؤمنين كيف يتعامل مع الموضوع، يناقش قضايا فقهية، وقضايا علمية، وتفاصيل، كأنهم خلق آخر سبحان الله العظيم! عمر رضي الله عنه وهو مطعون، وحاله كما تعملون، ولما جاءه الطبيب، قال: نسقيك خمراً؟ قال: لا أشربه، قالوا: نسقيك نوعاً من المخدر، قال: لا أشربه، قالوا اسقوه لبناً: فسقوه لبناً فخرج اللبن مع الجرح، فعلم الطبيب أنه ميت -علم أنه هالك- قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان الموت بأساً فقد مت وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38] هذا ما كان يقوله عمر رضي الله عنه، ولما علم أن الذي طعنه أبو لؤلؤة تنفس الصعداء وأرتاح، وقال: [[الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل سجد لله تعالى سجدة]] كان خائف أن يكون الناس ساخطين عليه لسوء عمل لم يشعر به؛ فقتلوه. فلما علم أن المؤمنين راضون به، وأن الجميع يبكون حتى كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل ذلك، أرتاح وقال: الحمد لله. الشاهد أنه كان جالساً يقول للناس كما يقول مروان فيما رواه الدارمي: [[إني قد رأيت في الجد رأياً، يعني مسألة الجد والإخوة وهي قضية تتعلق بالفرائض، يقول: إني رأيت في الجد رأياً، إن بدا لكم أن تتبعوه فاتبعوه، ثم ذكر لهم هذا الرأي الذي رآه]] إنها مسألة فقهية، فرضية، يشرحها لهم أمير المؤمنين وهو على فراش الموت، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشيد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك يعني أبا بكر رضي الله عنه فنعم ذو الرأي كان -رأيك حسن، ورأي أبي بكر حسن- وهو اجتهاد، وذاك اجتهاد، وكل إن شاء الله على خير. ليس قصدي الآن القضية الفقهية، وإنما قصدي أن عمر رضي الله عنه لم يلهه ما هو فيه أن يتكلم عن قضية فقهية، يقول للصحابة ما رأيكم في موضوع الجد والإخوة، وقسمة المواريث، وأشياء من هذا القبيل، وهو يموت. وهذا دليل على عنايتهم بأمور:أولها: عنايتهم بعلوم الشرع، حتى لو كان في مرض الموت، يحرص على أن يعلم الناس مسألة من الفقه، لعله يخشى أن يلقى الله تعالى، فيسأله الله تعالى: لمَ لم تقل للناس هذا الحكم؟ فحرص على أن يبلغه قبل أن يموت، وكان هذا أمر يهمّ الصحابة، حتى إن معاذاً رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب أحداً منهم مات لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)}.لكن معاذاً رضي الله عنه خشي أن يسأل يوم القيامة لِمَ كتمت هذا العلم؟ لمَ لَمْ تبلغ به الناس؟ وهكذا يجب على العلماء أن يبلغوا الناس العلم، ولا يكتموه، وأن يحرصوا على إيصال الحق والعلم للناس بكل ما يستطيعون، هذه ناحية. الناحية الأخرى: قضية حرصهم على حفظ الوقت، هذا ما دام نَفَسه لم يخرج، وروحه لم تخرج، فهو حريص على أن يستفيد من الوقت، يعلم أو يتعلم، أو يبلغ شيئاً، ليكتب له بذلك أجر. أما نحن الآن، فالواحد منا صحيح، شحيح، قوي، والوسائل ممكنة، بكل سهولة يستطيع الشاب أن يحصل العلم اليوم، يقرأ كتاباً، يقرأ مجلة مفيدة، يسمع شريطاً مفيداً، يرفع الهاتف ليتصل بفلان أو علان، يذهب ليحضر حلقة الشيخ، يحضر حلقة القرآن، يحضر درساً، يحضر محاضرة، ومع ذلك تجد الشاب يضيع وقته، وربما يذهب إلى مباراة رياضية، أو يسمع أغاني محرمة، أو يقضي وقته في قراءة جرائد، أو قراءة أمور تافهة، أو قيل أو قال، أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي يتفنن فيها بعض الشباب في إضاعة الوقت، ولا يعلمون أن هذا الوقت، هو الذي به يجازون، وبه يدخلون الجنة، أو يدخلون النار، والناس كانوا عند الموت يستغلون دقائق بقيت من أعمارهم مثل الطالب -لاحظوا الطالب الآن في صالة الامتحان- طبعاً التشبيه مع الفارق، لكن مثال للتقريب حتى تلاحظوا. أحياناً بعض الطلاب يكون طالباً جيداً، وحافظاً للمقرر كله، ومجتهداً، فمن حين أن يأخذ الورقة يبدأ يكتب الجواب، ولكن يكتب جواباً مضبوطاً، دقيقاً، مفصلاً، ولا يترك شاردة، ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا يكتبها في ورقة الجواب؛ فتجده يملأ الورقة -هذا شيء نلاحظه ونحن نراقب على الطلاب- فينتهي الوقت المحدد للإجابة، ينتهي، والطالب لم ينته بعد، فتجد الأستاذ يأتي عند هذا الطالب يقول له: باقي خمس دقائق. والطالب يسرع، يكتب بسرعة؛ لأن الوقت يمضي، الوقت ليس في صالحه، يحاول أن يستغل -خاصة الدقائق الأخيرة- يحرص على الاستفادة منها أكثر مما يحرص على الاستفادة من أول الوقت، فتجده ينازع الأستاذ في الورقة؛ من أجل أن يكتب ولو إجابة، ربما يحصل منها على درجة؛ لأن الطالب حينئذ يشعر بقيمة الوقت، وهكذا كان الصالحون يشعرون بقيمة الوقت، فإذا قربت آجالهم حرصوا على مضاعفة الأعمال الصالحة بقدر ما يستطيعون، حتى قال بعضهم: والله لو أعلم أني أموت الليلة ما كان عندي مزيد. يقول: بذلت، ثم بذلت، ثم بذلت، ثم ملأت وقتي بالأعمال الصالحة، حتى لو قيل لي: إنك الليلة سوف تموت. ليس عندي شيء جديد أضيفه، كل وقتي صرفته فيما يرضي الله عز وجل، ليس عندي مزيد.
وصايا عمرو بن العاص
عمرو بن العاص، وما أدراك ما عمرو بن العاص!! له عند موته نبأ عجيب!!. في صحيح مسلم {أن عمراً لما حضرته الوفاة، حول رأسه إلى الجدار، وجعل يبكي، فجاءه ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص وقال: له يا أبت، ما يبكيك؟ يحاول أن يزيل همه وحزنه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ ويذكر له بعض البشارات، فما زال به حتى التفت، ثم قال رضي الله عنه وأرضاه: {إني لا ألقى الله عز وجل بأعظم من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قال: إني كنت على أطباق ثلاث -على أحوال ثلاث- الحالة الأولى: كنت في الجاهلية، ولم يكن أحد أبغض إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إني لو استمكنت منه لقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. قال: ثم قذف الله تعالى الإسلام في قلبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أبسط يدك أبايعك، قال: فبسط يده؛ فقبضت يدي. فقال مالك يا عمرو قلت: يا رسول الله، أريد أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي. قال: يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما قبله، والحج يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها، والتوبة تجب ما قبلها، قال: فبسطت يدي فبايعته صلى الله عليه وسلم فلم يكن أحد أعظم في عيني من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إني لم أكن أطيق أن أنظر في وجهه؛ من شدة هيبتي له -عليه الصلاة والسلام فلو مت على هذه الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء لا أدري ما حالي فيها أي من أمور الإمارة والحروب وغيرها، قال رضي الله عنه: فإذا دفنتموني فانتظروا عند قبري قدر ما تذبح جزور، ويقسم لحمها، لعلي أن أستأنس بكم، وأنظر بماذا أراجع به رسول ربي} يقول: انتظروا عند قبري، واستغفروا لي، وادعوا لي؛ لعلي أن أستأنس بكم، وهذا أمر خاص، اجتهاد خاص من عمرو بن العاص رضي الله عنه، لم يكن يفعله غيره من الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم. المهم هذه من وصيته. ومن وصيته، أو من أخباره عند موته ما رواه الحاكم وغيره، {أن عبد الله ابنه قال له: يا أبت، أنت وأنت صحيح كنت تقول لنا: وددت أن بعض المحتضرين يخبروننا عن الموت كان عمرو يقول: بودي أن إنساناً يحضره الموت يحدثنا ماذا يحصل عند الميت؟ ما الذي يجري. فأنت الآن محدثنا؟ فقال: يا بني إن أمر الموت أعظم من أن يوصف، لكنني سوف أقربه لك، يقول: أرى شيئاً لا أستطيع أن أصفه، ولكن أقربه لك أحس كأن جوفي يشاك بالسلاح، كأن السكاكين والخناجر تختلف في بطني، هذا يخرج وهذا يدخل؛ من شدة الآلام، وأحس كأن روحي تخرج من ثقب إبرة، وأحس كأن جبل رضوى على عنقي}.هذا بعض ما يعبر به عمرو بن العاص رضي الله عنه عن الآلام، والصعوبات التي يلقاها المحتضر، ومع ذلك يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27]. وقد روى نعيم بن حماد في زوائده عن ابن المبارك، عن عمرو بن العاص أيضاً عند موته أنه قال: [[اللهم إنك أمرت فعصينا، ونهيت فوقعنا، لا إله إلا أنت، ثم أمسك بإبهامه، فمازال يرددها حتى فاضت روحه رضي الله عنه وأرضاه]].
 الوصية الثالثة
من وصاياه -أيضاً- ما رواه الدارمي، عن مروان بن الحكم، قال: لما طعن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة رضي الله عنهم الذين حوله في الجد. لاحظ عمر طعن في صلاة الفجر، ثم نقل إلى بيته، والناس يبكون، والقضية كلها ساعات محدودة، ثم لفظ نفسه رضي الله عنه وأرضاه، والموقف صعب، صعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن مع ذلك.فلننظر أمير المؤمنين كيف يتعامل مع الموضوع، يناقش قضايا فقهية، وقضايا علمية، وتفاصيل، كأنهم خلق آخر سبحان الله العظيم! عمر رضي الله عنه وهو مطعون، وحاله كما تعملون، ولما جاءه الطبيب، قال: نسقيك خمراً؟ قال: لا أشربه، قالوا: نسقيك نوعاً من المخدر، قال: لا أشربه، قالوا اسقوه لبناً: فسقوه لبناً فخرج اللبن مع الجرح، فعلم الطبيب أنه ميت -علم أنه هالك- قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان الموت بأساً فقد مت وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38] هذا ما كان يقوله عمر رضي الله عنه، ولما علم أن الذي طعنه أبو لؤلؤة تنفس الصعداء وأرتاح، وقال: [[الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل سجد لله تعالى سجدة]] كان خائف أن يكون الناس ساخطين عليه لسوء عمل لم يشعر به؛ فقتلوه. فلما علم أن المؤمنين راضون به، وأن الجميع يبكون حتى كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل ذلك، أرتاح وقال: الحمد لله. الشاهد أنه كان جالساً يقول للناس كما يقول مروان فيما رواه الدارمي: [[إني قد رأيت في الجد رأياً، يعني مسألة الجد والإخوة وهي قضية تتعلق بالفرائض، يقول: إني رأيت في الجد رأياً، إن بدا لكم أن تتبعوه فاتبعوه، ثم ذكر لهم هذا الرأي الذي رآه]] إنها مسألة فقهية، فرضية، يشرحها لهم أمير المؤمنين وهو على فراش الموت، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشيد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك يعني أبا بكر رضي الله عنه فنعم ذو الرأي كان -رأيك حسن، ورأي أبي بكر حسن- وهو اجتهاد، وذاك اجتهاد، وكل إن شاء الله على خير. ليس قصدي الآن القضية الفقهية، وإنما قصدي أن عمر رضي الله عنه لم يلهه ما هو فيه أن يتكلم عن قضية فقهية، يقول للصحابة ما رأيكم في موضوع الجد والإخوة، وقسمة المواريث، وأشياء من هذا القبيل، وهو يموت. وهذا دليل على عنايتهم بأمور:أولها: عنايتهم بعلوم الشرع، حتى لو كان في مرض الموت، يحرص على أن يعلم الناس مسألة من الفقه، لعله يخشى أن يلقى الله تعالى، فيسأله الله تعالى: لمَ لم تقل للناس هذا الحكم؟ فحرص على أن يبلغه قبل أن يموت، وكان هذا أمر يهمّ الصحابة، حتى إن معاذاً رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب أحداً منهم مات لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)}.لكن معاذاً رضي الله عنه خشي أن يسأل يوم القيامة لِمَ كتمت هذا العلم؟ لمَ لَمْ تبلغ به الناس؟ وهكذا يجب على العلماء أن يبلغوا الناس العلم، ولا يكتموه، وأن يحرصوا على إيصال الحق والعلم للناس بكل ما يستطيعون، هذه ناحية. الناحية الأخرى: قضية حرصهم على حفظ الوقت، هذا ما دام نَفَسه لم يخرج، وروحه لم تخرج، فهو حريص على أن يستفيد من الوقت، يعلم أو يتعلم، أو يبلغ شيئاً، ليكتب له بذلك أجر. أما نحن الآن، فالواحد منا صحيح، شحيح، قوي، والوسائل ممكنة، بكل سهولة يستطيع الشاب أن يحصل العلم اليوم، يقرأ كتاباً، يقرأ مجلة مفيدة، يسمع شريطاً مفيداً، يرفع الهاتف ليتصل بفلان أو علان، يذهب ليحضر حلقة الشيخ، يحضر حلقة القرآن، يحضر درساً، يحضر محاضرة، ومع ذلك تجد الشاب يضيع وقته، وربما يذهب إلى مباراة رياضية، أو يسمع أغاني محرمة، أو يقضي وقته في قراءة جرائد، أو قراءة أمور تافهة، أو قيل أو قال، أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي يتفنن فيها بعض الشباب في إضاعة الوقت، ولا يعلمون أن هذا الوقت، هو الذي به يجازون، وبه يدخلون الجنة، أو يدخلون النار، والناس كانوا عند الموت يستغلون دقائق بقيت من أعمارهم مثل الطالب -لاحظوا الطالب الآن في صالة الامتحان- طبعاً التشبيه مع الفارق، لكن مثال للتقريب حتى تلاحظوا. أحياناً بعض الطلاب يكون طالباً جيداً، وحافظاً للمقرر كله، ومجتهداً، فمن حين أن يأخذ الورقة يبدأ يكتب الجواب، ولكن يكتب جواباً مضبوطاً، دقيقاً، مفصلاً، ولا يترك شاردة، ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا يكتبها في ورقة الجواب؛ فتجده يملأ الورقة -هذا شيء نلاحظه ونحن نراقب على الطلاب- فينتهي الوقت المحدد للإجابة، ينتهي، والطالب لم ينته بعد، فتجد الأستاذ يأتي عند هذا الطالب يقول له: باقي خمس دقائق. والطالب يسرع، يكتب بسرعة؛ لأن الوقت يمضي، الوقت ليس في صالحه، يحاول أن يستغل -خاصة الدقائق الأخيرة- يحرص على الاستفادة منها أكثر مما يحرص على الاستفادة من أول الوقت، فتجده ينازع الأستاذ في الورقة؛ من أجل أن يكتب ولو إجابة، ربما يحصل منها على درجة؛ لأن الطالب حينئذ يشعر بقيمة الوقت، وهكذا كان الصالحون يشعرون بقيمة الوقت، فإذا قربت آجالهم حرصوا على مضاعفة الأعمال الصالحة بقدر ما يستطيعون، حتى قال بعضهم: والله لو أعلم أني أموت الليلة ما كان عندي مزيد. يقول: بذلت، ثم بذلت، ثم بذلت، ثم ملأت وقتي بالأعمال الصالحة، حتى لو قيل لي: إنك الليلة سوف تموت. ليس عندي شيء جديد أضيفه، كل وقتي صرفته فيما يرضي الله عز وجل، ليس عندي مزيد.
وصية معاذ بن جبل
معاذ بن جبل قال له جلساؤه وهو في مرض موته: أوصنا قال: [[أجلسوني]] معاذ من كبار العلماء، علماء الصحابة، ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح أنه قال: {معاذ أمام العلماء برتوة} رتوة: يعني مسافة معاذ من العلماء الكبار، ومن كبار المفتين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا له: أوصنا، قال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال لهم: [[إن العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما]] يعني: لا تظنوا أن موتي هو موت العلم، العلم باق موجود، والإيمان باق موجود، من التمسه وجده. ثم قال لتلاميذه، وأصحابه التمسوا العلم عند أربعة -أوصاهم، خذوا العلم بعدي عن أربعة- أولهم: أبو الدرداء عويمر رضي الله عنه، الثاني: سلمان الفارسي، الثالث: ابن مسعود، الرابع: عبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا -كلام معاذ- يقول:{إنه عاشر عشرة في الجنة} خذوا العلم عن هؤلاء، فأوصاهم بأن يواصلوا طلب العلم، وأن يأخذوا من بعده عن غيره.
 الوصية الثالثة
من وصاياه -أيضاً- ما رواه الدارمي، عن مروان بن الحكم، قال: لما طعن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة رضي الله عنهم الذين حوله في الجد. لاحظ عمر طعن في صلاة الفجر، ثم نقل إلى بيته، والناس يبكون، والقضية كلها ساعات محدودة، ثم لفظ نفسه رضي الله عنه وأرضاه، والموقف صعب، صعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن مع ذلك.فلننظر أمير المؤمنين كيف يتعامل مع الموضوع، يناقش قضايا فقهية، وقضايا علمية، وتفاصيل، كأنهم خلق آخر سبحان الله العظيم! عمر رضي الله عنه وهو مطعون، وحاله كما تعملون، ولما جاءه الطبيب، قال: نسقيك خمراً؟ قال: لا أشربه، قالوا: نسقيك نوعاً من المخدر، قال: لا أشربه، قالوا اسقوه لبناً: فسقوه لبناً فخرج اللبن مع الجرح، فعلم الطبيب أنه ميت -علم أنه هالك- قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان الموت بأساً فقد مت وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38] هذا ما كان يقوله عمر رضي الله عنه، ولما علم أن الذي طعنه أبو لؤلؤة تنفس الصعداء وأرتاح، وقال: [[الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل سجد لله تعالى سجدة]] كان خائف أن يكون الناس ساخطين عليه لسوء عمل لم يشعر به؛ فقتلوه. فلما علم أن المؤمنين راضون به، وأن الجميع يبكون حتى كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل ذلك، أرتاح وقال: الحمد لله. الشاهد أنه كان جالساً يقول للناس كما يقول مروان فيما رواه الدارمي: [[إني قد رأيت في الجد رأياً، يعني مسألة الجد والإخوة وهي قضية تتعلق بالفرائض، يقول: إني رأيت في الجد رأياً، إن بدا لكم أن تتبعوه فاتبعوه، ثم ذكر لهم هذا الرأي الذي رآه]] إنها مسألة فقهية، فرضية، يشرحها لهم أمير المؤمنين وهو على فراش الموت، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشيد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك يعني أبا بكر رضي الله عنه فنعم ذو الرأي كان -رأيك حسن، ورأي أبي بكر حسن- وهو اجتهاد، وذاك اجتهاد، وكل إن شاء الله على خير. ليس قصدي الآن القضية الفقهية، وإنما قصدي أن عمر رضي الله عنه لم يلهه ما هو فيه أن يتكلم عن قضية فقهية، يقول للصحابة ما رأيكم في موضوع الجد والإخوة، وقسمة المواريث، وأشياء من هذا القبيل، وهو يموت. وهذا دليل على عنايتهم بأمور:أولها: عنايتهم بعلوم الشرع، حتى لو كان في مرض الموت، يحرص على أن يعلم الناس مسألة من الفقه، لعله يخشى أن يلقى الله تعالى، فيسأله الله تعالى: لمَ لم تقل للناس هذا الحكم؟ فحرص على أن يبلغه قبل أن يموت، وكان هذا أمر يهمّ الصحابة، حتى إن معاذاً رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب أحداً منهم مات لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)}.لكن معاذاً رضي الله عنه خشي أن يسأل يوم القيامة لِمَ كتمت هذا العلم؟ لمَ لَمْ تبلغ به الناس؟ وهكذا يجب على العلماء أن يبلغوا الناس العلم، ولا يكتموه، وأن يحرصوا على إيصال الحق والعلم للناس بكل ما يستطيعون، هذه ناحية. الناحية الأخرى: قضية حرصهم على حفظ الوقت، هذا ما دام نَفَسه لم يخرج، وروحه لم تخرج، فهو حريص على أن يستفيد من الوقت، يعلم أو يتعلم، أو يبلغ شيئاً، ليكتب له بذلك أجر. أما نحن الآن، فالواحد منا صحيح، شحيح، قوي، والوسائل ممكنة، بكل سهولة يستطيع الشاب أن يحصل العلم اليوم، يقرأ كتاباً، يقرأ مجلة مفيدة، يسمع شريطاً مفيداً، يرفع الهاتف ليتصل بفلان أو علان، يذهب ليحضر حلقة الشيخ، يحضر حلقة القرآن، يحضر درساً، يحضر محاضرة، ومع ذلك تجد الشاب يضيع وقته، وربما يذهب إلى مباراة رياضية، أو يسمع أغاني محرمة، أو يقضي وقته في قراءة جرائد، أو قراءة أمور تافهة، أو قيل أو قال، أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي يتفنن فيها بعض الشباب في إضاعة الوقت، ولا يعلمون أن هذا الوقت، هو الذي به يجازون، وبه يدخلون الجنة، أو يدخلون النار، والناس كانوا عند الموت يستغلون دقائق بقيت من أعمارهم مثل الطالب -لاحظوا الطالب الآن في صالة الامتحان- طبعاً التشبيه مع الفارق، لكن مثال للتقريب حتى تلاحظوا. أحياناً بعض الطلاب يكون طالباً جيداً، وحافظاً للمقرر كله، ومجتهداً، فمن حين أن يأخذ الورقة يبدأ يكتب الجواب، ولكن يكتب جواباً مضبوطاً، دقيقاً، مفصلاً، ولا يترك شاردة، ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا يكتبها في ورقة الجواب؛ فتجده يملأ الورقة -هذا شيء نلاحظه ونحن نراقب على الطلاب- فينتهي الوقت المحدد للإجابة، ينتهي، والطالب لم ينته بعد، فتجد الأستاذ يأتي عند هذا الطالب يقول له: باقي خمس دقائق. والطالب يسرع، يكتب بسرعة؛ لأن الوقت يمضي، الوقت ليس في صالحه، يحاول أن يستغل -خاصة الدقائق الأخيرة- يحرص على الاستفادة منها أكثر مما يحرص على الاستفادة من أول الوقت، فتجده ينازع الأستاذ في الورقة؛ من أجل أن يكتب ولو إجابة، ربما يحصل منها على درجة؛ لأن الطالب حينئذ يشعر بقيمة الوقت، وهكذا كان الصالحون يشعرون بقيمة الوقت، فإذا قربت آجالهم حرصوا على مضاعفة الأعمال الصالحة بقدر ما يستطيعون، حتى قال بعضهم: والله لو أعلم أني أموت الليلة ما كان عندي مزيد. يقول: بذلت، ثم بذلت، ثم بذلت، ثم ملأت وقتي بالأعمال الصالحة، حتى لو قيل لي: إنك الليلة سوف تموت. ليس عندي شيء جديد أضيفه، كل وقتي صرفته فيما يرضي الله عز وجل، ليس عندي مزيد.
وصية أبي الدرداء
أما أبو الدرداء رضي الله عنه فإن أم الدرداء رضي الله عنها قالت: [[إن أبا الدرداء رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال: من يعمل لمثل ساعتي هذه، من يعمل لمثل مصرعي هذا، من يعمل لمثل يومي هذا، ثم تلا قول الله عز وجل: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110]]] ثم قضى رضي الله عنه وأرضاه.
 الوصية الثالثة
من وصاياه -أيضاً- ما رواه الدارمي، عن مروان بن الحكم، قال: لما طعن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة رضي الله عنهم الذين حوله في الجد. لاحظ عمر طعن في صلاة الفجر، ثم نقل إلى بيته، والناس يبكون، والقضية كلها ساعات محدودة، ثم لفظ نفسه رضي الله عنه وأرضاه، والموقف صعب، صعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن مع ذلك.فلننظر أمير المؤمنين كيف يتعامل مع الموضوع، يناقش قضايا فقهية، وقضايا علمية، وتفاصيل، كأنهم خلق آخر سبحان الله العظيم! عمر رضي الله عنه وهو مطعون، وحاله كما تعملون، ولما جاءه الطبيب، قال: نسقيك خمراً؟ قال: لا أشربه، قالوا: نسقيك نوعاً من المخدر، قال: لا أشربه، قالوا اسقوه لبناً: فسقوه لبناً فخرج اللبن مع الجرح، فعلم الطبيب أنه ميت -علم أنه هالك- قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان الموت بأساً فقد مت وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38] هذا ما كان يقوله عمر رضي الله عنه، ولما علم أن الذي طعنه أبو لؤلؤة تنفس الصعداء وأرتاح، وقال: [[الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل سجد لله تعالى سجدة]] كان خائف أن يكون الناس ساخطين عليه لسوء عمل لم يشعر به؛ فقتلوه. فلما علم أن المؤمنين راضون به، وأن الجميع يبكون حتى كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل ذلك، أرتاح وقال: الحمد لله. الشاهد أنه كان جالساً يقول للناس كما يقول مروان فيما رواه الدارمي: [[إني قد رأيت في الجد رأياً، يعني مسألة الجد والإخوة وهي قضية تتعلق بالفرائض، يقول: إني رأيت في الجد رأياً، إن بدا لكم أن تتبعوه فاتبعوه، ثم ذكر لهم هذا الرأي الذي رآه]] إنها مسألة فقهية، فرضية، يشرحها لهم أمير المؤمنين وهو على فراش الموت، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشيد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك يعني أبا بكر رضي الله عنه فنعم ذو الرأي كان -رأيك حسن، ورأي أبي بكر حسن- وهو اجتهاد، وذاك اجتهاد، وكل إن شاء الله على خير. ليس قصدي الآن القضية الفقهية، وإنما قصدي أن عمر رضي الله عنه لم يلهه ما هو فيه أن يتكلم عن قضية فقهية، يقول للصحابة ما رأيكم في موضوع الجد والإخوة، وقسمة المواريث، وأشياء من هذا القبيل، وهو يموت. وهذا دليل على عنايتهم بأمور:أولها: عنايتهم بعلوم الشرع، حتى لو كان في مرض الموت، يحرص على أن يعلم الناس مسألة من الفقه، لعله يخشى أن يلقى الله تعالى، فيسأله الله تعالى: لمَ لم تقل للناس هذا الحكم؟ فحرص على أن يبلغه قبل أن يموت، وكان هذا أمر يهمّ الصحابة، حتى إن معاذاً رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب أحداً منهم مات لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)}.لكن معاذاً رضي الله عنه خشي أن يسأل يوم القيامة لِمَ كتمت هذا العلم؟ لمَ لَمْ تبلغ به الناس؟ وهكذا يجب على العلماء أن يبلغوا الناس العلم، ولا يكتموه، وأن يحرصوا على إيصال الحق والعلم للناس بكل ما يستطيعون، هذه ناحية. الناحية الأخرى: قضية حرصهم على حفظ الوقت، هذا ما دام نَفَسه لم يخرج، وروحه لم تخرج، فهو حريص على أن يستفيد من الوقت، يعلم أو يتعلم، أو يبلغ شيئاً، ليكتب له بذلك أجر. أما نحن الآن، فالواحد منا صحيح، شحيح، قوي، والوسائل ممكنة، بكل سهولة يستطيع الشاب أن يحصل العلم اليوم، يقرأ كتاباً، يقرأ مجلة مفيدة، يسمع شريطاً مفيداً، يرفع الهاتف ليتصل بفلان أو علان، يذهب ليحضر حلقة الشيخ، يحضر حلقة القرآن، يحضر درساً، يحضر محاضرة، ومع ذلك تجد الشاب يضيع وقته، وربما يذهب إلى مباراة رياضية، أو يسمع أغاني محرمة، أو يقضي وقته في قراءة جرائد، أو قراءة أمور تافهة، أو قيل أو قال، أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي يتفنن فيها بعض الشباب في إضاعة الوقت، ولا يعلمون أن هذا الوقت، هو الذي به يجازون، وبه يدخلون الجنة، أو يدخلون النار، والناس كانوا عند الموت يستغلون دقائق بقيت من أعمارهم مثل الطالب -لاحظوا الطالب الآن في صالة الامتحان- طبعاً التشبيه مع الفارق، لكن مثال للتقريب حتى تلاحظوا. أحياناً بعض الطلاب يكون طالباً جيداً، وحافظاً للمقرر كله، ومجتهداً، فمن حين أن يأخذ الورقة يبدأ يكتب الجواب، ولكن يكتب جواباً مضبوطاً، دقيقاً، مفصلاً، ولا يترك شاردة، ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا يكتبها في ورقة الجواب؛ فتجده يملأ الورقة -هذا شيء نلاحظه ونحن نراقب على الطلاب- فينتهي الوقت المحدد للإجابة، ينتهي، والطالب لم ينته بعد، فتجد الأستاذ يأتي عند هذا الطالب يقول له: باقي خمس دقائق. والطالب يسرع، يكتب بسرعة؛ لأن الوقت يمضي، الوقت ليس في صالحه، يحاول أن يستغل -خاصة الدقائق الأخيرة- يحرص على الاستفادة منها أكثر مما يحرص على الاستفادة من أول الوقت، فتجده ينازع الأستاذ في الورقة؛ من أجل أن يكتب ولو إجابة، ربما يحصل منها على درجة؛ لأن الطالب حينئذ يشعر بقيمة الوقت، وهكذا كان الصالحون يشعرون بقيمة الوقت، فإذا قربت آجالهم حرصوا على مضاعفة الأعمال الصالحة بقدر ما يستطيعون، حتى قال بعضهم: والله لو أعلم أني أموت الليلة ما كان عندي مزيد. يقول: بذلت، ثم بذلت، ثم بذلت، ثم ملأت وقتي بالأعمال الصالحة، حتى لو قيل لي: إنك الليلة سوف تموت. ليس عندي شيء جديد أضيفه، كل وقتي صرفته فيما يرضي الله عز وجل، ليس عندي مزيد.
وصية عبادة بن الصامت
عبادة بن الصامت. قال الوليد بن عبادة بن الصامت: [[لما حضرت أبي الوفاة -كما في سنن الترمذي- قلت له: أوصني. قال: أوصيك بتقوى الله، والإيمان بقضائه وقدره، خيره وشره، فإنك لو مت وأنت لا تؤمن بالقدر خيره وشره أدخلك الله النار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أول ما خلق الله القلم قال: اكتب؛ فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة}]].أما وصيته الثانية: فهي وصيته للصنابحي-وهي مشهورة- [[دخل عليه الصنابحي- وهو أحد تلاميذه-، فلما رآه الصنابحي وهو في حالة النـزع حزن وبكى، فقال له عبادة: ما يبكيك، أما والله لئن استطعت لأنفعنك، ولئن شفعت لأشفعن لك، قال: وما من حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حدثتكموه إلا حديثاً واحداً، وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله حرمه الله تعـالى على النار}]].
 الوصية الثالثة
من وصاياه -أيضاً- ما رواه الدارمي، عن مروان بن الحكم، قال: لما طعن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة رضي الله عنهم الذين حوله في الجد. لاحظ عمر طعن في صلاة الفجر، ثم نقل إلى بيته، والناس يبكون، والقضية كلها ساعات محدودة، ثم لفظ نفسه رضي الله عنه وأرضاه، والموقف صعب، صعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن مع ذلك.فلننظر أمير المؤمنين كيف يتعامل مع الموضوع، يناقش قضايا فقهية، وقضايا علمية، وتفاصيل، كأنهم خلق آخر سبحان الله العظيم! عمر رضي الله عنه وهو مطعون، وحاله كما تعملون، ولما جاءه الطبيب، قال: نسقيك خمراً؟ قال: لا أشربه، قالوا: نسقيك نوعاً من المخدر، قال: لا أشربه، قالوا اسقوه لبناً: فسقوه لبناً فخرج اللبن مع الجرح، فعلم الطبيب أنه ميت -علم أنه هالك- قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان الموت بأساً فقد مت وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38] هذا ما كان يقوله عمر رضي الله عنه، ولما علم أن الذي طعنه أبو لؤلؤة تنفس الصعداء وأرتاح، وقال: [[الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل سجد لله تعالى سجدة]] كان خائف أن يكون الناس ساخطين عليه لسوء عمل لم يشعر به؛ فقتلوه. فلما علم أن المؤمنين راضون به، وأن الجميع يبكون حتى كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل ذلك، أرتاح وقال: الحمد لله. الشاهد أنه كان جالساً يقول للناس كما يقول مروان فيما رواه الدارمي: [[إني قد رأيت في الجد رأياً، يعني مسألة الجد والإخوة وهي قضية تتعلق بالفرائض، يقول: إني رأيت في الجد رأياً، إن بدا لكم أن تتبعوه فاتبعوه، ثم ذكر لهم هذا الرأي الذي رآه]] إنها مسألة فقهية، فرضية، يشرحها لهم أمير المؤمنين وهو على فراش الموت، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشيد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك يعني أبا بكر رضي الله عنه فنعم ذو الرأي كان -رأيك حسن، ورأي أبي بكر حسن- وهو اجتهاد، وذاك اجتهاد، وكل إن شاء الله على خير. ليس قصدي الآن القضية الفقهية، وإنما قصدي أن عمر رضي الله عنه لم يلهه ما هو فيه أن يتكلم عن قضية فقهية، يقول للصحابة ما رأيكم في موضوع الجد والإخوة، وقسمة المواريث، وأشياء من هذا القبيل، وهو يموت. وهذا دليل على عنايتهم بأمور:أولها: عنايتهم بعلوم الشرع، حتى لو كان في مرض الموت، يحرص على أن يعلم الناس مسألة من الفقه، لعله يخشى أن يلقى الله تعالى، فيسأله الله تعالى: لمَ لم تقل للناس هذا الحكم؟ فحرص على أن يبلغه قبل أن يموت، وكان هذا أمر يهمّ الصحابة، حتى إن معاذاً رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب أحداً منهم مات لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)}.لكن معاذاً رضي الله عنه خشي أن يسأل يوم القيامة لِمَ كتمت هذا العلم؟ لمَ لَمْ تبلغ به الناس؟ وهكذا يجب على العلماء أن يبلغوا الناس العلم، ولا يكتموه، وأن يحرصوا على إيصال الحق والعلم للناس بكل ما يستطيعون، هذه ناحية. الناحية الأخرى: قضية حرصهم على حفظ الوقت، هذا ما دام نَفَسه لم يخرج، وروحه لم تخرج، فهو حريص على أن يستفيد من الوقت، يعلم أو يتعلم، أو يبلغ شيئاً، ليكتب له بذلك أجر. أما نحن الآن، فالواحد منا صحيح، شحيح، قوي، والوسائل ممكنة، بكل سهولة يستطيع الشاب أن يحصل العلم اليوم، يقرأ كتاباً، يقرأ مجلة مفيدة، يسمع شريطاً مفيداً، يرفع الهاتف ليتصل بفلان أو علان، يذهب ليحضر حلقة الشيخ، يحضر حلقة القرآن، يحضر درساً، يحضر محاضرة، ومع ذلك تجد الشاب يضيع وقته، وربما يذهب إلى مباراة رياضية، أو يسمع أغاني محرمة، أو يقضي وقته في قراءة جرائد، أو قراءة أمور تافهة، أو قيل أو قال، أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي يتفنن فيها بعض الشباب في إضاعة الوقت، ولا يعلمون أن هذا الوقت، هو الذي به يجازون، وبه يدخلون الجنة، أو يدخلون النار، والناس كانوا عند الموت يستغلون دقائق بقيت من أعمارهم مثل الطالب -لاحظوا الطالب الآن في صالة الامتحان- طبعاً التشبيه مع الفارق، لكن مثال للتقريب حتى تلاحظوا. أحياناً بعض الطلاب يكون طالباً جيداً، وحافظاً للمقرر كله، ومجتهداً، فمن حين أن يأخذ الورقة يبدأ يكتب الجواب، ولكن يكتب جواباً مضبوطاً، دقيقاً، مفصلاً، ولا يترك شاردة، ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا يكتبها في ورقة الجواب؛ فتجده يملأ الورقة -هذا شيء نلاحظه ونحن نراقب على الطلاب- فينتهي الوقت المحدد للإجابة، ينتهي، والطالب لم ينته بعد، فتجد الأستاذ يأتي عند هذا الطالب يقول له: باقي خمس دقائق. والطالب يسرع، يكتب بسرعة؛ لأن الوقت يمضي، الوقت ليس في صالحه، يحاول أن يستغل -خاصة الدقائق الأخيرة- يحرص على الاستفادة منها أكثر مما يحرص على الاستفادة من أول الوقت، فتجده ينازع الأستاذ في الورقة؛ من أجل أن يكتب ولو إجابة، ربما يحصل منها على درجة؛ لأن الطالب حينئذ يشعر بقيمة الوقت، وهكذا كان الصالحون يشعرون بقيمة الوقت، فإذا قربت آجالهم حرصوا على مضاعفة الأعمال الصالحة بقدر ما يستطيعون، حتى قال بعضهم: والله لو أعلم أني أموت الليلة ما كان عندي مزيد. يقول: بذلت، ثم بذلت، ثم بذلت، ثم ملأت وقتي بالأعمال الصالحة، حتى لو قيل لي: إنك الليلة سوف تموت. ليس عندي شيء جديد أضيفه، كل وقتي صرفته فيما يرضي الله عز وجل، ليس عندي مزيد.
وصية أبو هاشم بن عتبة
أبو هاشم بن عتبة -كما في سنن النسائي- [[جاءه معاوية بن أبي سفيان يعوده، وهو في مرض الموت فبكى، فقال له معاوية: يا خال! ما يبكيك؟ أَوَجَعٌ يُشْئِزُك؟-يعني ألم تحس به- أم جزع على الدنيا؟ فقد ذهب صفوها وبقي كدرها؟ فقال: على كلٍ لا، لا أبكي من وجع، ولا أبكي على الدنيا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً فوددت إني حفظته، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يكفيكم من الدنيا خادم ومركب} قال: فأدركنا فجمعن.]]وفي الختام:أحبتي: وصايا العلماء أمرها يطول، وقد ذكرت لكم هذه الوصايا مما التقطته من كتب السنة النبوية -كما ذكرت لكم في مطلع حديثي- ومن أراد المزيد من وصايا العلماء، من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم، فليرجع إلى الكتاب الذي يعتبر مكملاً لهذه المحاضرة، وهو كتاب وصايا العلماء عند حضور الموت للإمام الحافظ الربعي، وقد حققه الأرنؤوط تحقيقاً جيداً، وخرج في حلة قشيبة.
 الوصية الثالثة
من وصاياه -أيضاً- ما رواه الدارمي، عن مروان بن الحكم، قال: لما طعن عمر رضي الله عنه استشار الصحابة رضي الله عنهم الذين حوله في الجد. لاحظ عمر طعن في صلاة الفجر، ثم نقل إلى بيته، والناس يبكون، والقضية كلها ساعات محدودة، ثم لفظ نفسه رضي الله عنه وأرضاه، والموقف صعب، صعب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكن مع ذلك.فلننظر أمير المؤمنين كيف يتعامل مع الموضوع، يناقش قضايا فقهية، وقضايا علمية، وتفاصيل، كأنهم خلق آخر سبحان الله العظيم! عمر رضي الله عنه وهو مطعون، وحاله كما تعملون، ولما جاءه الطبيب، قال: نسقيك خمراً؟ قال: لا أشربه، قالوا: نسقيك نوعاً من المخدر، قال: لا أشربه، قالوا اسقوه لبناً: فسقوه لبناً فخرج اللبن مع الجرح، فعلم الطبيب أنه ميت -علم أنه هالك- قالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، قال: إن كان الموت بأساً فقد مت وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب:38] هذا ما كان يقوله عمر رضي الله عنه، ولما علم أن الذي طعنه أبو لؤلؤة تنفس الصعداء وأرتاح، وقال: [[الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل سجد لله تعالى سجدة]] كان خائف أن يكون الناس ساخطين عليه لسوء عمل لم يشعر به؛ فقتلوه. فلما علم أن المؤمنين راضون به، وأن الجميع يبكون حتى كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل ذلك، أرتاح وقال: الحمد لله. الشاهد أنه كان جالساً يقول للناس كما يقول مروان فيما رواه الدارمي: [[إني قد رأيت في الجد رأياً، يعني مسألة الجد والإخوة وهي قضية تتعلق بالفرائض، يقول: إني رأيت في الجد رأياً، إن بدا لكم أن تتبعوه فاتبعوه، ثم ذكر لهم هذا الرأي الذي رآه]] إنها مسألة فقهية، فرضية، يشرحها لهم أمير المؤمنين وهو على فراش الموت، فقال له عثمان رضي الله عنه: إن نتبع رأيك فإنه رأي رشيد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك يعني أبا بكر رضي الله عنه فنعم ذو الرأي كان -رأيك حسن، ورأي أبي بكر حسن- وهو اجتهاد، وذاك اجتهاد، وكل إن شاء الله على خير. ليس قصدي الآن القضية الفقهية، وإنما قصدي أن عمر رضي الله عنه لم يلهه ما هو فيه أن يتكلم عن قضية فقهية، يقول للصحابة ما رأيكم في موضوع الجد والإخوة، وقسمة المواريث، وأشياء من هذا القبيل، وهو يموت. وهذا دليل على عنايتهم بأمور:أولها: عنايتهم بعلوم الشرع، حتى لو كان في مرض الموت، يحرص على أن يعلم الناس مسألة من الفقه، لعله يخشى أن يلقى الله تعالى، فيسأله الله تعالى: لمَ لم تقل للناس هذا الحكم؟ فحرص على أن يبلغه قبل أن يموت، وكان هذا أمر يهمّ الصحابة، حتى إن معاذاً رضي الله عنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب أحداً منهم مات لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)}.لكن معاذاً رضي الله عنه خشي أن يسأل يوم القيامة لِمَ كتمت هذا العلم؟ لمَ لَمْ تبلغ به الناس؟ وهكذا يجب على العلماء أن يبلغوا الناس العلم، ولا يكتموه، وأن يحرصوا على إيصال الحق والعلم للناس بكل ما يستطيعون، هذه ناحية. الناحية الأخرى: قضية حرصهم على حفظ الوقت، هذا ما دام نَفَسه لم يخرج، وروحه لم تخرج، فهو حريص على أن يستفيد من الوقت، يعلم أو يتعلم، أو يبلغ شيئاً، ليكتب له بذلك أجر. أما نحن الآن، فالواحد منا صحيح، شحيح، قوي، والوسائل ممكنة، بكل سهولة يستطيع الشاب أن يحصل العلم اليوم، يقرأ كتاباً، يقرأ مجلة مفيدة، يسمع شريطاً مفيداً، يرفع الهاتف ليتصل بفلان أو علان، يذهب ليحضر حلقة الشيخ، يحضر حلقة القرآن، يحضر درساً، يحضر محاضرة، ومع ذلك تجد الشاب يضيع وقته، وربما يذهب إلى مباراة رياضية، أو يسمع أغاني محرمة، أو يقضي وقته في قراءة جرائد، أو قراءة أمور تافهة، أو قيل أو قال، أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي يتفنن فيها بعض الشباب في إضاعة الوقت، ولا يعلمون أن هذا الوقت، هو الذي به يجازون، وبه يدخلون الجنة، أو يدخلون النار، والناس كانوا عند الموت يستغلون دقائق بقيت من أعمارهم مثل الطالب -لاحظوا الطالب الآن في صالة الامتحان- طبعاً التشبيه مع الفارق، لكن مثال للتقريب حتى تلاحظوا. أحياناً بعض الطلاب يكون طالباً جيداً، وحافظاً للمقرر كله، ومجتهداً، فمن حين أن يأخذ الورقة يبدأ يكتب الجواب، ولكن يكتب جواباً مضبوطاً، دقيقاً، مفصلاً، ولا يترك شاردة، ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة إلا يكتبها في ورقة الجواب؛ فتجده يملأ الورقة -هذا شيء نلاحظه ونحن نراقب على الطلاب- فينتهي الوقت المحدد للإجابة، ينتهي، والطالب لم ينته بعد، فتجد الأستاذ يأتي عند هذا الطالب يقول له: باقي خمس دقائق. والطالب يسرع، يكتب بسرعة؛ لأن الوقت يمضي، الوقت ليس في صالحه، يحاول أن يستغل -خاصة الدقائق الأخيرة- يحرص على الاستفادة منها أكثر مما يحرص على الاستفادة من أول الوقت، فتجده ينازع الأستاذ في الورقة؛ من أجل أن يكتب ولو إجابة، ربما يحصل منها على درجة؛ لأن الطالب حينئذ يشعر بقيمة الوقت، وهكذا كان الصالحون يشعرون بقيمة الوقت، فإذا قربت آجالهم حرصوا على مضاعفة الأعمال الصالحة بقدر ما يستطيعون، حتى قال بعضهم: والله لو أعلم أني أموت الليلة ما كان عندي مزيد. يقول: بذلت، ثم بذلت، ثم بذلت، ثم ملأت وقتي بالأعمال الصالحة، حتى لو قيل لي: إنك الليلة سوف تموت. ليس عندي شيء جديد أضيفه، كل وقتي صرفته فيما يرضي الله عز وجل، ليس عندي مزيد.
الأسئـلة

  صلة الأرحام
السؤال: لقد بينتم عظم حق الأرحام ووجوب صلتهم. من مِن الأرحام تجب صلتهم، ومن منهم لا تجب صلتهم، ويسقط هذا الحق عنه، ألا يسقط عندما يكون الأرحام لا يأبهون بصلته؟ الجواب: صلهم وإن كانوا لا يأبهون بصلتك، أما الأرحام، فالأقرب، فالأقرب، الوالدان، الأخوال، الأعمام، الإخوة، الأخوات، لا شك هؤلاء لهم حقوق، ثم الذين بعدهم حقهم يقل، وهكذا، والصلة تكون لكل أحد بحسبه، من الناس من يحتاج إلى زيارة في الشهر مرة أو مرتين، أوفي الأعياد، ومنهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك، ومنهم من يحتاج إلى دون ذلك، ومنهم من يكفيه أحياناً تتصل به ولو بالهاتف وهكذا، كل إنسان بحسبه. هذا ما تيسر، وأسأل الله جل وعلا أن يكتب هذا المجلس وأجره وبره وذخره لي ولكم في موازيننا يوم نلقاه.اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم اجعلنا ممن تتنـزل عليهم الملائكة عند الموت: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنـزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] اللهم وفقنا لصالح القول والعمل، اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها، وآخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، اللهم توفنا وأنت راض عنا غير غضبان، اللهم احشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وصايا الأنبياء والصالحين للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net