اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العقيدة الواسطية [19] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان


شرح العقيدة الواسطية [19] - (للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان)
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، لا يتم الإيمان إلا به، فيجب أن نؤمن بما بعد الموت من الأحداث التي ذكرها الله تعالى وذكرها رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك فتنة القبر، وما يكون فيه من النعيم أو العذاب، ثم ما يكون بعد ذلك من النفخ في الصور، وبعث الأجساد، ووقوف الناس في الموقف، وغير ذلك مما جاءت به النصوص.
الإيمان بفتنة القبر من الإيمان باليوم الآخر
قال المصنف رحمه الله تعالى:[ ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه، فأما الفتنة فإن الناس يمتحنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي. وأما المرتاب فيقول: هاه هاهز لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى، فتعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102-103]، وتنشر الدواوين - وهي صحائف الأعمال - فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، كما قال سبحانه وتعالى : وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:13-14]، ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقرون بها ].
  اسم الملكين الفتانين
ثم إن الذي يتولى السؤال ملكان اسم أحدهما منكر والآخر اسمه نكير، كما روى ذلك الترمذي وابن حبان في صحيحه، وكذلك الإمام أحمد في المسند، ونص الإمام أحمد في مسائله على أن اسم الملكين الذين يتوليا السؤال (منكر ونكير) أما ما ذكر بعضهم أن الذين يتوليان سؤال المؤمنين هما مبشر وبشير فهذا لا أصل له وليس له مستند، فلم يأت به حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جاء الحديث في ذلك عاماً في كل أحد.
اختلاف عذاب القبر باختلاف العمل
ثم إنه بعد السؤال يدخل المرء في عذاب دائم لا ينقطع حتى يتصل بعذاب الوقوف ثم يتصل بعذاب جهنم، وإما أن يكون العذاب مؤقتاً ثم ينقطع، وذلك لمن كان جرمه ليس كبيراً ولا كثيراً، أو كان له أعمال تنفعه من دعوة يدعى له بها، أو صدقة تصدق بها، أو حج أو ما أشبه ذلك، فيتنفع بذلك وينقطع عنه العذاب، وقد جاءت أدلة كثيرة تدل على ذلك.فإذاً يكون العذاب في القبر على نوعين:النوع الأول: نوع يستمر ويكون ما بعده أشد منه.والنوع الثاني: يكون مؤقتاً. وهذا التوقيت يجوز أن يكون طويلاً ويجوز أن يكون منقطعاً بسبب أن جزاء الذي يستحقه غير طويل.
  أسئلة القبر لا يعذر أحد بالجهل بها
والسؤال يكون عن هذه الثلاث فقط: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ وهي التي يسميها العلماء الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها، وهي معرفة الرب، ومعرفة الدين، ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم.والعلماء متفقون على أنه لا يعذر الإنسان بجهلها؛ لأنه يأتي السؤال عنها لكل أحد، إلا ما وقع فيه اختلاف وهم الأطفال، أما من كان بالغاً من ذكر وأنثى فإنه لا يعذر.ومعنى (من ربك؟) أي: من الذي خلقك وأوجدك وأوجب عليك عبادته ولهذا يقولان بعد ذلك: (وما ذينك؟)أي: الذي تعبد به ربك. فدل على أن معنى الرب هنا الرب المعبود، والرب يأتي بمعنى (الإله).ومعنى (ومن نبيك؟) أي: من الذي جاءك بالدين الذي تتدين به وتتعبد به؟ فلا بد أن يكون الإنسان عارفاً ذلك وعاملاً به، أما مجرد معرفة بدون عمل فلا تجزي.
عذاب القبر وفتنته
قال: (وأما المرتاب فيقول: هاه هاه. لا أدري).في رواية في البخاري أنه يقول: (لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت).معنى (لا دريت): ما علمت العلم الذي يجب أن تعلمه وتنجو به.(ولا تليت)، أي: ما اتبعت كتاب الله وتلوته وآمنت به حتى يكون ذلك طريقاً إلى نجاتك وإلى إجابتك، وفي هذا أن تقليد الناس لا يجوز؛ لأنه يقول: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) فلم ينفعه ذلك شيئاً، ولذلك يجب أن يعلم بنفسه وأن يتيقن ذلك، وإذا لم يجب الجواب الذي يقتنع به ويكون في قرارة قلبه فإنه يعذب؛ لأنه ترك ما يجب عليه.
 صفة خروج الناس من قبورهم ووقوفهم عند ربهم
(فيقومون بعد ذلك من قبورهم حفاة عراة غرلاً).يعني على هيئة خلقتهم التامة حتى الجزء الذي قطع من ذكر الإنسان يعود فيه، وهو معنى قوله: (غرلاً)، أي: غير مختونين. ليذوق كل جزء من الإنسان العذاب الذي يستقبله والمحاسبة أو يذوق النعيم، ويكونون حفاة بلا نعال ولا خفاف، وعراة رجالهم ونساؤهم، ولما سمعت ذلك عائشة قالت: (واسوأتاه! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأمر أشد من ذاك يا عائشة) أي: كل واحد شاخص ببصره لا يدري من بجواره من شدة الهول.ثم إذا قاموا من القبور يحشرون، والحشر أنهم يساقون إلى مكان معين يجمعون فيه، ثم بعد ذلك يقفون لرب العالمين، والوقوف أن يكونوا قياماً على أرجلهم، وتدنو منهم الشمس وتكون واقفة على رؤوسهم، وهذا يوم طويل ويوم عسير، يقول الله جل وعلا: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج:1-10]، يُبَصَّرُونَهُمْ أي أنه يبصر كل حبيب حبيبه وقريبه، ولكن لا يسأل أحدهما الآخر، بل يود المجرم أن يفتدي من هذا العذاب بكل ما يملك ولو ببنيه وزوجته وأمه وأبيه، بل كل ما في الأرض لو كان يملكه واستطاع أن يفتدي به من عذاب ذلك اليوم لفعل، ولكن لا يمكن.وهذا اليوم هو الذي مدح الله جل وعلا الخائفين منه، وهم الذين يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ثم يقولون: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان:9-10] قال تعالى: فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:11-12] الآيات، وقد ذكر جل وعلا آيات كثيرة جداً يخوف عباده من ذلك، وهذا اليوم ليس فيه ظل ولا شراب ولا أكل، ومع ذلك تكون الشمس فوق الرءوس، ويشتد الكرب على الناس فيعرقون عرقاً هائلاً، حتى جاء أن عرقهم يأخذ في الأرض سبعين ذراع.ولكنهم يختلفون فيه، فمنهم يكون عرقه لجاماً له، أي: يصل إلى فمه. ومنهم من يكون إلى ثدييه، ومنهم من يكون إلى رقبته، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يكون إلى كعبيه، ولكن من عباد الله من لا ينالهم عرق ذلك اليوم وشره، بل يكونون في ظل العرش، وليس هناك ظل إلا ظل العرش، وأحوال الناس في هذا اليوم تكون على خلاف ما نعرف، وإلا فكيف يصل العرق إلى هذا الحد؟ ما ذلك إلا للشدة والكرب والهول، فهي على خلاف ما يعهد في الدنيا، وكل ذلك يجب أن يؤمن به.
الأسئلة

  طول يوم القيامة على المؤمنين
السؤال: ما صحة ما ورد من أن وقوف المؤمنين يوم القيامة كما بين صلاة الظهر والعصر؟الجواب: الوقوف يختلف باختلاف الأعمال، ولكنه عموماً يوم طويل، كما قال الله جل وعلا: إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [الإنسان:27] و(ثقيلاً) أي: طويل وشديد وعظيم، وليس كمثل ما بين صلاة العصر إلى صلاة الظهر، ولكنه قد يكون كذلك على من يشاء الرب جل وعلا.وقد جاء في بعض الآثار أن الناس يحاسبون، وأن هناك من عباد الله من يأكل ويشرب، فالذين أمضوا أيامهم في هذه الحياة صياماً وقياماً فإن الله جل وعلا لا يضيع أجرهم، ولكن هذا نادر.ولما ذكر الله جل وعلا القيامة الكبرى في أول سورة الواقعة قال: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:1-3] أي: تخفض قوماً وترفع آخرين. وذكر أن أقسام الناس ثلاثة: سابقون، وأصحاب يمين، وأصحاب شمال، فلما ذكر السابقين قال: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:13-14].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العقيدة الواسطية [19] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

http://audio.islamweb.net