اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , السيرة النبوية لماذا وكيف تدرس؟ للشيخ : سلمان العودة


السيرة النبوية لماذا وكيف تدرس؟ - (للشيخ : سلمان العودة)
قدم الشيخ لهذا الدرس بنبذة يسيرة عن حالة البشرية قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم ثم بين أن النبوة اختيار واصطفاء، وذكر بعض خصائص الأنبياء التي تميزوا بها عن سائر الخلق، وشرع بذكر خصائص السيرة النبوية بعد التنويه إلى اهتمام العلماء بدارستها، وختم بذكر أهداف دراسة السيرة النبوية.
أهمية دراسة السيرة النبوية
الحمد لله رب العالمين،وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.أيها الإخوة الأفاضل! السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأكرمَ الله هذه الوجوه، وهي تحبس نفسها في بيت من بيوت الله! وأكرم بهذه القلوب وهي تجلس جلسة في ذات الله تعالى، وأسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يشملهم الله تعالى بعفوه ورحمته، وممن تظلهم الملائكة بأجنحتها، وممن يذكروا عند الله تعالى في الملأ الأعلى.أيها الإخوة الأفاضل! وأقبل اعتذار الإخوة عن الخطأ في العنوان، وما كنت قد حددت "النبي العربي" وإنما حددت "النبي الأمي أحداث وعبر"، ولكنني إذ أقبل الاعتذار، فإنني أتيح لنفسي أن أغير العنوان مرة أخرى، فإذا كان الإخوة قد غيروا في العنوان، فإنني أتيح لنفسي مرة أخرى أن أغير العنوان، وعسى أن يكون في ذلك خير، وليكن عنواننا الجديد (السيرة النبوية لماذا وكيف تدرس؟). وليس بخافٍ عليكم -معاشر الإخوة والأخوات- أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حرية بالدراسة والبيان، بل إن من العبادة أن يقرأ الإنسان سيرة النبي صلى الله عليه وسلم! بل ومن الحكمة والأناة ومن التعقل أن يفقه الإنسان في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ذلكم لأنه يتعامل مع رجل أدبه ربه فأحسن أدبه، ويتعامل مع رجل هو صفوة الله تعالى من خلقه، يتعامل مع رجل أنقذ الله به الدنيا من دياجير الظلمات وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً.
 النبوة اختيار واصطفاء
يطيب لنا -معاشر الإخوة- ونحن نتحدث عن سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أن نشير إلى أن النبوة بشكل عام -سواء أكانت في شخص محمد صلى الله عليه وسلم أو في شخص غيره من أنبياء الله ورسله- أنما هي اصطفاء واختيار إلهي، وليست رغبة بشرية اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران:33] إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144] إذاً الرسالة والنبوة اصطفاء واختيار ليس غير ذلك، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
خصائص الأنبياء
والرسل بشكل عام أدبهم ربهم فأحسن أدبهم، ولذا تختلف حياتهم عن حياة الآخرين من غيرهم، في فكرهم وفي سلوكياتهم وفي تعاملهم إلا من نهج منهجهم، والأنبياء بشكل عام -معاشر الإخوة- لهم خصائص تميزهم، وحين شاء الله تعالى أن يكونوا من جنس البشر فقد اصطفاهم كما أسلفت واختارهم، فهم ليسوا ملائكة من السماء، وقد اقتضت حكمة الله تعالى ذلك؛ لأن الذين أرسل الأنبياء إليهم بشر، ولو أنـزل الله تعالى ملائكة لهؤلاء البشر لصعب التفاهم بينهم، ولربما كان هناك عذر لمن لم يلتزم سبيلهم، وهو أنه لا طاقة له بهم لاختلاف سلوكياتهم، ولكن اقتضت حكمة الله أن يكون الأنبياء والمرسلون بشراً من الناس.
 خصائص أخرى للأنبياء
ينبغي أن نعلم أن الأنبياء عليهم السلام أكمل البشر خَلْقاً وخُلُقاً، فهم أسلم الناس في هيئاتهم وفكرهم، مبرؤون من كل عيب خَلْقي، وإن كان يصيبهم ما يصيب غيرهم من الأمراض والأسقام، وهم كذلك أكمل الناس خُلُقاً، وهم أشرف الناس كذلك نسباً، وهذا محمد صلى الله عليه وسلم وهو آخرهم يتحدث عن شرف نسبه ومن سبقه من آبائه المرسلين، فيقول: {بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً، حتى كنت من القرن الذي كنت أنا فيه}. وهم ذكور أحرار، فلم يكن في الأنبياء عليهم السلام امرأة كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ [الأنبياء:7] ولم يكن فيهم كذلك عبد أو رقيق. وهم بالجملة أحسن الناس خُلُقاً وأطهرهم قلوباً وأكثرهم صبراً، وما بالهم لا يكونون كذلك؟! وقد أدبهم ربهم فأحسن أدبهم، ورعاهم فأحسن رعايتهم، وتولاهم وحفظهم.
اهتمام العلماء بدراسة السيرة النبوية
أيها الإخوة.. ونعود إلى السيرة النبوية سيرة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فنقول: إن السابقين قد اهتموا بها،ولا يزال اللاحقون تشكل السيرة عندهم محل اهتمام، أما اهتمام السابقين فقد تجاوز لدى الرعيل الأول مجال العلم بها، إلى مجال العمل بها والتأسي.بل تجاوز ذلك إلى مجال التعليم والتدوين للأجيال اللاحقة،فكانت السيرة النبوية تعقد لها الحلقات والدروس، ويروي ابن سعد في طبقاته أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان له مجلس يدرس فيها السيرة النبوية، وكان ابن عباس يجلس في إحدى عشياته يعلم الناس المغازي والسير.. وهذا نموذج لاهتمام السابقين بسيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بل بلغ الاهتمام بالسير والمغازي أنهم كانوا يتعلمونها كما يتعلمون السورة من القرآن، كما نقل ذلك ابن كثير عليه رحمة الله.
 من دواعي اهتمام السلف بالسيرة
وما بالهم لا يهتمون بها؟! وقد روي عن الزهري عليه رحمة الله أنه قال: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا، ويقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: وهذا الفن -يعني السير أو السيرة- مما ينبغي الاعتناء به والاعتناء بأمره والتهيؤ له، ثم نقل عن الواقدي بسنده عن عبد الله بن عمر بن علي سمعت علي بن الحسين يقول: [[كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن]] وهذه إشارة كافية إلى اهتمام السابقين بسيرة النبي الكريم.
خصائص السيرة النبوية
لماذا الاهتمام بالسيرة ولماذا دراستها؟ وهل من ميزة أو ميزات تتميز بها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتستدعي هذا الاهتمام وأكثر؟ نعم -إي وربي- إنها ذات قيمة وذات اعتبار، ولها خصائص تميزها، وهذه وتلك تدعو إلى الاهتمام بها وإلى دراستها وإلى تدوينها وإلى تعليمها وإلى العمل بها.فما هي أبرز خصائص سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولعله غير خاف أن سير الأنبياء عليهم السلام تتميز عن سير الخلق بشكل عام، ذلكم لأن الله اصطفاهم كما سمعتم، ولأن الله تعالى أعدهم لحمل رسالته إلى العالمين، ولهذا فإن سيرهم بشكل عام نموذج للطهر والعفاف، ومثل أعلى للعبودية والتقوى، وهي أيضاً مثال يحتذى في الخلق والعطاء والدعوة والجهاد والصبر على المحن والبلوى... إلى غير ذلك من خصائص الأنبياء عليهم السلام.ومع ذلك فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تنفرد عن سائر الأنبياء والمرسلين قبله بسمات وخصائص أهمها ما يلي:
 قدم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبشارة الأنبياء بها
ويعني هذا أن الله تبارك وتعالى أخذ على الأنبياء قبله أو هذه خاصية أخرى من خصائص محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.أن الله تعالى أخذ العهد على الأنبياء قبله لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وطلب إليهم أن يأخذوا من أممهم العهد والميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.ذلك يعني أيها الإخوة تقدم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد يخيل لبعضنا أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تبدأ منذ أنـزل عليه اقرأ وهو في مكة وعمره أربعون عاماً، والحق أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم سبقت هذا التاريخ بعدة قرون، يؤكد ذلك الحديث الصحيح الذي سأل فيه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: {منذ متى كنت نبياً يا رسول الله؟ قال: وآدم منجدل في طينته} وفي رواية: {وآدم بين الجسد والروح} حديث حسن.بل إن الآية القرآنية في سورة آل عمران لتؤكد هذا العهد وتؤكد سابق نبوته صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].لقد بشرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما سمعتم، وآخر الأنبياء عيسى عليه السلام بشر به صراحة وقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6] وشهدت على صحة نبوته كتب السماء، واعترف أهل الكتاب بذلك، وسأسوق لكم نموذجين اثنين لتتأملوا كيف اعترف اليهود أو النصارى بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.من هذه النصوص ما أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي، عن عوف بن مالك قال: {انطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود، فقال: أروني يا معشر يهود اثني عشر رجلاً يشهدون أن محمداً رسول الله يحط الله عنكم الغضب، فأُسكتوا، ثم أعاد عليهم فلم يجبه أحد، قال: فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المصطفى آمنتم أو كذبتم، فلما كاد يخرج قال رجل: كما أنت يا محمد، أي رجل تعلمونني فيكم -وهو يشير إلى قومه من اليهود- قالوا: ما فينا أعلم منك! قال: فإني أشهد بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة، فقالوا: كذبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل كذبتم، قال عوف: فخرجنا ونحن ثلاثة، وأنـزلت: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف:10]}أما النص الآخر فهو عن كعب الأحبار، رواه ابن حجر في الإصابة، وقال: العباس لـكعب [[ ما منعك أن تسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر؟ قال: إن أبي كان كتب لي كتاباً من التوراة، فقال: اعمل بهذا وختم على سائر كتبه، وأخذ علي بحق الوالد على الولد ألا أفض الختم عنها، فلما رأيت ظهور الإسلام، قلت: لعل أبي غيب عني علمها ففتحتها، فإذا صفة محمد وأمته، فجئت الآن مسلماً]] وقد حسَّن ابن حجر إسناد هذه الرواية.أيها الإخوة؛ ونص ثالث يؤكد فيه يهودي يحتضر أن محمداً يجدون صفته في كتبهم المنـزلة، {وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى شاب يحتضر، وأبوه عند رأسه، وقد فتح التوراة يقرؤها عليه، فقال: يا هذا -أي اليهودي- أتجد في هذا الكتاب صفتي وصفة مخرجي؟ قال: لا، وأشار برأسه، وابنه كان في لحظات الموت الأخيرة، فرفع الابن رأسه، وقال: نعم! إنا نجد صفتك وصفة مخرجك في كتابنا هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أقيلوا أخاكم عن اليهودي أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم} فتولى المسلمون دفنه؛ لأنه أصبح في عداد المسلمين... إلى غير ذلكم.وقصص عبد الله بن سلام وأمثاله من أحبار اليهود أو من رهبان النصارى تؤكد اعترافهم بهذا الدين وبوجوده في كتب الله المنـزلة من التوراة والإنجيل قبل أن تدخلها أيدي التحريف والتضليل.بل إن هذه الشهادات وهذه الاعترافات تترى حتى يومنا هذا، وهل أشد حقداً من المستشرقين على الإسلام، وهم الآخرون يعترفون بعظمة محمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته لا على أنه رجل مصلح، وإنما على أنه نبي شملت رسالته العالمين، وارتاح الكون بهديها.وأنقل لكم بعضاً من نصوصهم، فهذا أحدهم وهو تشيلل يقول: إن البشرية لتفتخر بانتساب كمحمد صلى الله عليه وسلم لها، إذ أنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة، ويقول كارليل: ولولا ما وجدوا -يعني قومه أو المسلمون- فيه من آيات النبل والفضل لما خضعوا لإرادته ولما انقادوا لمشيئته، وفي ظني --والكلام لا يزال لـكارليل- أنه لو وضع قيصر بتيجانه وصولجانه وسط هؤلاء القوم بدل هذا النبي، لما استطاع قيصر أن يجبرهم على طاعته كما استطاع هذا النبي في ثوبه المرقع، ثم ينهي كلامه قائلاً: هكذا تكون العظمة! وهكذا تكون البطولة! وهكذا تكون العبقرية! ويقول ويليام موير: لم يعهد التاريخ مصلحاً أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد صلى الله عليه وسلم.ويقول القس ميشون في كتابه سياحة دينية في الشرق: إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التسامح وفضائل حسن المعاملة وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم.أما المؤرخ الفرنسي جوزيف فيقول: بينما أهل أوروبا نائمون في ضلال الجهالة لا يرون الضوء إلا في سَم الخياط، إذ سطع نور قوي من جانب الأمة الإسلامية، وهو يشير إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.ويقول المؤرخ سيديو: وبعد ظهور محمد النبي صلى الله عليه وسلم رفعت أعلام التمدن في أقطار الأرض أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها.أما غوستاف لوبون فيقول: إن العرب هم سبب انتشار المدنية في أوروبا ويا ليت قومي يعلمون!وأخيراً يقول الدكتور موريس: إن القرآن أفضل كتاب أخرجته العناية الأزلية لبني البشر، هذا على حد تعبيره.أكتفي بهذه النصوص التي تؤكد اعتراف اللاحقين والسابقين بعظمة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنتقل بعد ذلك إلى أهداف دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كنا قد علمنا هذه العظمة، وهذا الشمول وهذه الخصائص؛ فما هي أهداف دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
أهداف دراسة السيرة النبوية
لا شك أن هناك فرقاً بين أن ندرس سيرة عظيم من العظماء أياً كانت هذه العظمة، وبين دراستنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا ينبغي علينا ونحن نقرأ السيرة أن نضع في حسباننا أننا لا نقرؤها لمجرد المعرفة الباردة، أو التسلي بأحداثها المختلفة، لمجرد زيادة رصيد المعرفة، بل علينا أن تكون الأهداف واضحة في أذهاننا؛ حتى نستمتع بقراءتها، ونستفيد من عبرها ودروسها، وبغير هذه النظرة لا نستفيد من هذه السيرة، بل ربما أغلقت نصوصها أمام ناظرينا. وأذكر هنا بعضاً من أهداف دراسة السيرة، عساها أن تكون مفتاحاً للطريق:
 إزالة الخلاف والتقريب بين وجهات النظر
أما الأمر الأخير والمهم في دراسة السيرة فهو أنها مادة للاجتماع وأسلوب للتقارب الحق بين المسلمين المختلفين، والواقع يشهد أنه لم يحدث أن اجتمعت كلمة المسلمين في بقاع الأرض على مذهب من المذاهب، أو حزب من الأحزاب، أو على كتب ومؤلفات عالم من العلماء، ولكنهم اجتمعوا واتحدوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سلفاً ويمكن أن يتحدوا خلفاً على ذلك.وهذا يستدعي قراءة السيرة النبوية وتحقيقها ليجتمع المسلمون على كلمة سواء، واجتماع المسلمين هدف جليل ينبغي أن يُسْعَى له، وينبغي أن يُفَكِّر في وسائله، وينبغي أن يفكر كذلك في الأمور المعينة عليه، وفي ظني أن فقه السيرة النبوية مدخل أساسي، ووسيلة مهمة لجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى.أسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وأن يؤلف قلوبهم وأن يصلح ذات بينهم، وأن ينصرهم على عدوهم وعدوه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأعتذر عن إعطاء هذا الموضوع حقه، فثمة إشارات ينبغي أن يتحدث بها لمن يريد أن يفي الموضوع حقه، لكنني أكتفي بهذه العجالة تقديراً للزمن واعترافاً بالتقصير، وأسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم بما نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الأسئلة
الأسئلة التي وردت كثيرة، ولعلنا نأخذ ما تيسر منها، ونرجو أن نجيب على أكثرها ولو باختصار، والأسئلة على قسمين قسم منها يطالب الشيخ بدرس في السيرة؛ لأن الساحة خالية من هذا الموضوع، وكانت المطالبات كثيرة، وإن قلت: إن نصف الأسئلة تطالب الشيخ بهذا الموضوع، فلست مبالغاً، وأرجو من الشيخ أن يعلق على هذا الموضوع، وأن يعد الحضور وعداً يثلج الصدور في طرق مثل هذه الدروس القيمة التي نحن في أمس الحاجة إليها.الجواب: على أية حال أشكر الإخوة على ثقتهم، وأسأل الله تعالى أن يغفر ويتجاوز، وأعدهم خيراً، بل إنني أفكر كثيراً في تخصيص درس للسيرة النبوية، فأنا المستفيد الأول من هذا الدرس، أرجو الله تعالى أن يعجل بقيامه وأن يعينني على إتمامه، ولعل هذا اللقاء يكون بداية طيبة بإذن الله تعالى، وأعد الإخوة إن شاء الله بإقامة درس، لكنه إن كان فسيكون بمشيئة الله في المسجد الذي أصلي فيه وهو في حي السلطان، وأرجو أن يعينني الله تعالى على إعلانه قريباً.
 الدراسة الجامعية
السؤال: هل تنصح بالالتحاق بقسم التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهل هناك تعليق على هذا القسم؟الجواب: أنصح الإنسان أن يستخير الله تعالى قبل أن يدخل أي قسم وأن يستشير، فما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وسواء كان ذلك في قسم التاريخ أو في قسم الشريعة وأصول الدين، أو قسم اللغة العربية أو في سواها من الأقسام، هذه أقسام كلها فيها خير، والمهم أن يتوفر عند الإنسان حين الدخول نية طيبة وهدف نبيل يسعى من ورائه إلى خدمة الأمة الإسلامية، حتى ولو كان في قسم العلوم والأحياء أو غيره من الأقسام كالهندسة والطب، أو نحوها من الأقسام الأخرى، فالقضية مربوطة بالهدف الذي يسعى الإنسان من أجله، فإذا كان الهدف نبيلاً والنية طيبةً، ويقصد من وراء ذلك تقديم خدمة لهذه الأمة، فإنني أنصحه بدخول أي قسم يرى فيه بغيته، ويجد فيه ما يتفقُ مع طبيعتَه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , السيرة النبوية لماذا وكيف تدرس؟ للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net