اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ولكن في التحريش بينهم للشيخ : سلمان العودة


ولكن في التحريش بينهم - (للشيخ : سلمان العودة)
هذا العنوان نص من حديث فما معناه؟ وهل لم يعبد الشيطان في جزيرة العرب، وما واجب أهل الجزيرة تجاه ذلك، وكيف يحرش الشيطان بيننا، وما هي ألوان التحريش وما موقف الداعية المسلم تجاه كل ذلك؟ هذه الأسئلة تجد الإجابة عليها ضمن ثنايا هذه المحاضرة مع عشرين نصيحة تجاه هذا الأمر تفيدك إن شاء الله.
إن الشيطان فد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب
الحمد الله مستحق الحمد وأهله، وأهل التقوى وأهل المغفرة، وصلوات الله وسلامه على خاتم رسله وأنبيائه، نبينا وسيدنا وإمامنا محمد صلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار، وصلى الله وبارك ورضي عن أصحابه الطيبين الأطهار، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم القرار.أما بعد:سلام الله تعالى عليكم ورحمته وبركاته، إنها لحظاتٌ سعيدة أن ألتقي بكم، وأحل في مدينتكم هذه المدينة الطيبة، وأرى وجوهكم هذه الوجوه المشرقة، وأسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يغفر لي ولكم في هذه اللحظة، ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنا وما هو أعلم به منا.أما بعد:فكما سمعتم عنوان هذا الكلمة: (ولكن في التحريش بينهم) وهذا العنوان -كما تدركون جميعاً- جزءٌ من لفظٍ نبويٍ كريم، وهو خير ما عنونت به الدروس والمحاضرات، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: فيما رواه مسلم في صحيحه: {إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم} أي: أن الشيطان رضي من المسلمين في هذه الجزيرة بالخلافات والعداوات والأحقاد في قلوبهم، رضي بذلك واكتفى به؛ لأنه يئس أن يعبدوه.
 لون من التحريش بينهم
وإذا كان العالم اليوم يعاني مما يسميه بالتفرقة العنصرية، فإن الأمر المدهش حقاً، أن ورثة الكتاب من أهل الإسلام، لم يتخلصوا بعد من لوثات الجاهلية الأولى، فأصبح الناس يتفاخرون داخل المجتمعات الإسلامية، أو يتميزون، ويتحيزون بحسب انتماءاتهم، أو أعراقهم أو أنسابهم، بل حتى داخل المجتمعات المثقفة، بل حتى في مراكز العلم والدعوة والجهاد، بل أصبح العالم اليوم يتحدث عن حروبٍ طاحنة، يعتبر الانتماء القبلي أحد أسبابها في نظر البعض، وهذا أحد ألوان التحريش الشيطاني، الذي يمارسه على المصلين في جزيرة العرب وفي غيرها.فلقد نجح الشيطان وجنوده من أبناء الصليب وغيرهم، في تقسيم الأمة الواحدة إلى شعوبٍ متطاحنة، يكره بعضها بعضاً، ويلعن بعضها بعضاً، ويحارب بعضها بعضاً، ويحاصر بعضها بعضاً وينصر بعضها أعداءها ضد البعض الآخر.لقد قدم النصارى لنا -أعني المسلمين- قدموا لنا أنفسهم على أنهم الصديق الحميم للجميع، بأساليب مختلفة، وبإخراجٍ دقيقٍ عجيب، فـالنصارى يظهرون أنفسهم متحالفين مع الحكومات -كل الحكومات- ضد الشعوب الثائرة لإنسانيتها، الغاضبة لكرامتها، ويظهر النصارى أنفسهم أنصاراً للشعوب ضد حكامها المستبدين، ويظهرون أنفسهم ثائرين وقائمين وغاضبين للمصابين بالنكبات والكوارث، من الفقر والجوع والمرض من خلال منظمات الصليب، التي ندفع نحن مئات الملايين من ميزانياتها، فهم مع الجميع ضد الجميع، وفي النهاية أصبح المسلم يمنح النصراني ثقةً كبيرة، ويفضله على أخيه في الإسلام، وأخيه في العروبة وجاره في الدار والقرار.
التحريش الديني
إن أخطر ألوان التحريش؛ هو التحريش الديني.فالخلاف على الدنيا قديم، وليس من الخطورة بمكان؛ أن نختلف على قطعة أرض، أو على أمرٍ دنيوي، أو على لعاعة، أو على منصب، أو على كرسيٍ أو مالٍ أو جاه، ما لم يلبس هذا الخلاف لبوس الدين، أو يجعل الدين خادماً لأهداف الدنيا ومطامعها.إنما التحريش الخطير والأمر الجلل؛ أن يختلف الناس في دينهم فيصبحون شيعاً وأحزاباً، وقوارع القرآن تقرع آذانهم، تحذرهم صباح مساء أن يفرقوا دينهم: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران:105] وقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] وقوله: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] وقوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:32] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تطيعوا من ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا}.
 الآثار المترتبة على الخلاف في المسائل الدعوية السابقة
وقد ترتب على إثارة هذه المسائل وغيرها؛ آثارٌ خطيرة لا بد من الإشارة إليها، هذه الآثار تقع بيننا شئنا أم أبينا، وباختصار أقول لكم من هذه الآثار:أولاً: فساد القلوب: إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يجبر فالقلوب قد تغيرت ولم تعد على ما كانت عليه، ودخلها التباغض والشحناء والكراهية وسوء الظن وغير ذلك من الأمراض، وأصبح من العسير أن أتعامل مع أخي فلان دون حساسية، أو دون أن أحمل في قلبي شيئاً من الكراهية، أو البغضاء عليه.ثانياً: ضياع الأوقات في القيل والقال، والكلام في فلان وعلان، وهذه الجماعة أو تلك، وربما أصبحت -عند الكثيرين- تشغل من الوقت أكثر مما ينشغل الإنسان بقراءة القرآن، أو تعلم السنة، أو العبادة، أو الدعوة إلى الله، أو غير ذلك من الأعمال، وأنت ترى أن الناس اليوم إذا رأوا في الشارع اثنين يتخاصمان التفوا حولهم واجتمعوا، وإذا رأوا سيارتين اصطدمت إحداها بالأخرى؛ تجمع الناس وتجمهروا، لينظروا من أخطأ ومن أصاب، وهذا يتحمل (50%) وذاك يتحمل (60%) فمن طبيعة الناس إذا لم يوجهوا ويعلموا ويرشدوا، أن يهتموا كثيرًا بأسباب الخلاف والفرقة، ويدندنوا حولها، ويركضوا وراءها، ويغفلوا عن الأمور الجليلة المهمة. ثالثاً: ضياع الجهود وتناقضها، وتدمير بعضها البعض فأنا اليوم -مثلاً- أكتب ورقة أحط فيها من قدر فلان وأتكلم عنه، وربما اتهمته بما هو منه براء، وربما رددت عليه بالحق أو بالباطل، وأنشر هذه الورقة بالآلاف بين الناس، وكل همي أن يعلم الناس أن فلاناً مخطئ غير مصيب، ففلان هذا يرى في نشر هذه الورقة ظلماً له، واعتداءً عليه، وهضماً لحقه، فيقوم ويبذل جهوداً كبيرة في مصادرة هذه الورقة ومحاربتها، وفي النهاية لم أستطع أنا أن أوصل ما أريد إلى الناس، وأصبح جهدي يضيعه هذا، وأصبحت أنا أستنـزف منه جهداً كبيراً في مقاومة ما أعمل، فلا أنا الذي انتفعت ولا هو، وصار الناس لا يدرون أين يكون الحق!رابعاً: تنفير الناس من الدعوة إلى الله وأهلها، وانحراف بعض الناس بسبب الخصومة والصراع حولهم، فكل إنسان يجره إلى مذهبه أو طريقته أو طائفته، وربما كان من نتائج ذلك؛ أن ينحرف ويترك الخير، وآخرون عزفوا عن الدعوة وعن التعليم؛ لأنهم يقولون: إذا كان فلانٌ -وهو من هو في العلم أو الدعوة أو الجهاد- عنده مثل هذه الأشياء، ويتهم بمثل هذه الأمور، فما هو الظن بنا ونحن لا نظن يوماً من الأيام أن نصل إلى منـزلته ودرجته ومرتبته، إذاً فمن الأولى لنا أن ننـزل من أول السِلََّم، وألا نشتغل بهذه الأمور ولا نسلك هذا الطريق، فأصبحنا نصد -أحياناً- عن دين الله تعالى ودعوته وطريقته، من حيث نشعر أو لا نشعر.خامساً: أننا أعرضنا عن العمل الجاد المثمر، أعرضنا عن العلم النافع، ولم نعد نملك الجلد فيه، وأعرضنا عن العبادة الصحيحة التي فيها صفاءُ القلب، والقرب من الله تعالى، وهي من أسباب دخول الجنة، وأعرضنا عن الدعوة الصادقة للمجتمعات، والقدرة على اختراق المجتمع والتأثير فيه، والوصول إلى طبقاته، إلى الرجال والنساء والشباب، وإلى المنحرفين والتجار والمسئولين، لماذا؟ لأننا انشغلنا عن ذلك كله بالقيل والقال.
عشرون نصيحة
إن ما سوف أقوله لكم الآن هو دين أدين الله تعالى به، فأنا لا أكلمكم لأنصر مذهباً على مذهب، ولا طائفةً على أخرى، ولا أدعوكم لشخصٍ على حساب شخص آخر، اللهم إلا أننا ندعوكم إلى شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، إيماناً به، وحباً له، ودعوةً إلى دينه وشريعته، والتزاماً بسنته، وتعلماً لسيرته، وصلاةً وسلاماً عليه صلى الله عليه وسلم صلاةً وتسليماً دائمين إلى يوم الدين، فهو إمام الأئمة، وقدوة الدعاة والعلماء، أما من سواه من الأشخاص؛ فلا ينبغي أن يكونوا متبوعين لنا، أو أن نكون دعاةً لفلانٍ أو علان، إن ما نقوله لكم نقوله نصرة لدين الله تعالى، وإن شاء الله أن الله تعالى لا يعلم من قلوبنا إلا أننا نقول ما نقول رغبةً في جمع كلمة أهل الخير والحق، وتوحيد صفوفهم، وأن يقوموا بعمل جاد ينصرون به دين الله تعالى، ويكون نكاية للكفر والشرك والنفاق وأهلها، هذا كل ما نتمناه ونريده، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا جميعاً على الحق. إنني أعلم قبل أن أذكر هذه النصائح، أن أهل هذه البلدة المباركة، هم بحمد الله تعالى على أحسن حال، من الوحدة والوفاق والانسجام، والبعد عن أسباب الفرقة والخلاف، ولكنني لا أتحدث معكم إلا لأمرين: أولاً: أن ذلك تحذيراً من سلوك سبيل التفرق، الذي لم يأل الشيطان جهداً معكم ومع غيركم، والتحذير من الشر قبل وقوعه أولى من التحذير منه بعد وقوعه.
 جمع كلمة الدعاة وطلبة العلم
وأخيراً أقول لكم: إننا لن نفلح في جمع كلمة المسلمين؛ ما لم نفلح في جمع كلمة الدعاة وطلبة العلم، ولن نفلح في جمع كلمة الدعاة وطلبة العلم من أهل السنة على أمرٍ سواء، ما لم يكن هذا الهم -همُّ توحيد الأمة، وتوحيد الدعاة، وتوحيد الشباب، وتوحيد الصحوة- ما لم يكن هذا هماً يقلقنا، ويملأ عقولنا، ويجعلنا نتقلب على فرشنا في الليل لا يجد النوم إلى أعيننا سبيلاً، من الأحزان التي نعانيها بسبب التفرق والشتات والاختلاف والتطاحن والتنازع، أما ما دمنا ننام ملء جفوننا ولا نبالي، ولا نقيم وزناً لهذه القضية، ولا تحزننا وتقلقنا وتحرق قلوبنا، فإننا لن نستطيع أن نقوم بهذا العمل. أسأل الله جل جلاله، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيءٍ عليم، أن يجمع كلمة المسلمين على الحق إنه على كل شيء قدير.
الأسئلة
.
  الصحوة خطرٌ على أمريكا
السؤال: سمعنا مقولةً قبل فترة من كاتبة أمريكية تقول: إن الخطر على أمريكا يأتي من فلان، ثم ذكرت أحد الدعاة، فما هو الخطر الذي يملكه فلان ضد أمريكا؟الجواب: ما أدري، أشك أن مثل هذا الكلام يقال، لكن أمريكا قد تعتبر خطراً عليها من الصحوة، ومن رموز الصحوة بشكلٍ عام، ولا شك أن أمريكا تخاف من الإسلام، وهناك كتاب "الفرصة السانحة" خصص فصلاً للخطر الإسلامي، وقد قرأت هذا الكتاب وقرأت ملخصاً له، وهو يؤكد على الخطر الإسلامي، وبعده ظهر كتاب آخر أخطر منه اسمه "الترقب العظيم" خصص فيه فصلاً عنوانه: مارك محمد، بدلاً من ماركس، ونقول محمد صلى الله عليه وسلم.فهو يقول: إن الإسلام هو الخطر البديل بعد سقوط الشيوعية، وهناك أخبار عن أن أمريكا بل وروسيا، وجهوا رءوسهم النووية وأسلحتهم صوب بلاد في العالم الإسلامي، وهذا يؤكد أنهم يحسون بجدية الخطر، وأنا أتعجب وأتساءل ماذا تملك بلاد العالم الإسلامي، حتى يقيم الغرب لها هذا الوزن الكبير؟وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ولكن في التحريش بينهم للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net