اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلطان الأندلس للشيخ : سلمان العودة


سلطان الأندلس - (للشيخ : سلمان العودة)
تحتوي هذه المادة على بيان ما كانت عليه الأندلس يوم أن أنجبت علماء أجلاء أمثال سلطان الأندلس المنذر بن سعيد البلوطي ذلك العالم الجليل الذي له مواقف مشهورة مع حاكم الأندلس في أيامه وهو عبد الرحمن الناصر.
الأندلس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أيها الإخوة الكرام..هذا يوم السبت الثامن والعشرون من شهر جمادي الأولى لعام 1412هـ، وهذا هو الدرس الثالث والثلاثون من الدروس العلمية العامة.إخوتي الكرام.. وقد سبق إليكم الإعلان أن هذا الدرس هو عن "سلطان الأندلس ويتساءلون من هو سلطان الأندلس؟
 ابن حزم وملوك الطوائف
أيها الإخوة.. يظن البعض أنني أعني بسلطان الأندلس الإمام أبا محمد ابن حزم -رحمه الله- ولا شك أن ابن حزم كان من سلاطين الأندلس، ويكفيك حتى تعرف جلالة ابن حزم وفضله, وعلمه وعظيم قدره ومنـزلته وشجاعته في الحق, أن تقرأ ماذا قال الإمام ابن حزم عن ملوك الطوائف الذين كانوا يحكمون الأندلس في عصره, ويوالون النصارى ويوادونهم ويقاتلون إخوانهم المؤمنين, حتى أنه -رحمه الله- في رسالته القيمة المطبوعة بعنوان "التلخيص في وجوه التخليص" بعد أن تكلم عن شأن هؤلاء الملوك قال ما نصه: (فهذا أمر امتحنا به نسأل الله السلامة, وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى، لوجوه كثيرة يطول لها الخطاب, وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها محارب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وساعٍ في الأرض بالفساد, للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارّهم, وإباحتهم لجندهم قطع الطريق, ضاربون للجزية والمكوس والضرائب على رقاب المسلمين مسلطون لليهود والنصارى على قوارع طرق المسلمين, معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله غرضهم فيها استدامة نفاذ أمرهم ونهيهم). ويقول رحمه الله: (فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرينكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع, المزينون لأهل الشر شرهم, الناصرون لهم على فسقهم, فالمخلص لنا منها الإمساك للألسنة جملة وتفصيلاً إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وذم جميعهم, والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها, فنحن نراهم يستمدون النصارى ويمكنونهم من حرم المسلمين, وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً, فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه).ومن جميل ما يقول -رحمه الله- لما تكلم عن السكوت وذم جميع هؤلاء قال: (فمن عجز منا عن ذلك -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذم الظالمين والفاسقين والمعتدين على حدود الله عز وجل- رجوت أن تكون التقية تسعه, وما أدري كيف يكون هذا؟ مع أنه لو اجتمع كل من ينكر بقلبه لما غلبوا على أمرهم).
من هو سلطان الأندلس
على أي حال لا أعني بـسلطان الأندلس هذا الإمام الفذ وإن كان له حديث آخر, وقد سبق ذكر شيء منه وإنما أعني بـسلطان الأندلس إماماً آخر أشهر في القيام على السلاطين, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ابن حزم, ألا وهو الإمام الفحل الفقيه العالم المنذر بن سعيد البلوطي المولود عام (265هـ) أو (273هـ) على اختلاف المصادر، والمتوفى في عام (355هـ), قال الإمام الذهبي: فيكون عمره حينئذٍ تسعين عاماً بالتمام، هذا إذا كانت ولادته عام (265هـ).
 بداية اتصال سلطان الأندلس بالخليفة
أيها الإخوة.. كانت بداية اتصال سلطان الأندلسp=1001456المنذر بن سعيد بالخليفة عبد الرحمن الناصر، أنه جاءه رسول من ملك الروم, فنـزل عنده فجمع عبد الرحمن الناصر شرطه وأعوانه ورجاله وخدمه وحشمه, واستقبلوا هذا الرسول من ملك الروم, وكلف الأمير رجلاً أديباً مشهوراً اسمه أبو علي القالي البغدادي أن يقوم بالخطابة, فقام أبو علي هذا وصعد المنبر، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله, ثم نظر في هذا الجمع الذي لا يدرك طرفه, ولا يلحق شأوه فانقطع, ولم تملكه رجلاه، ولم يستطع أن يتكلم بكلمة واحدة, فسكت مبهوراً مبهوتاً بعض الوقت, فلما رأى المنذر بن سعيد هذا الموقف، ورأى الخطيب قد أعيى وارتج عليه, قام سريعاً وصعد المنبر دونه بدرجة، ثم ارتجل خطبة من ساعته لم يكن قد أعدها من قبل, فتكلم بها بأبين كلام وأفصح عبارة وأجمل حديث, مسترسلا مترسلاً كأنه سيل يتحدر ما وقف ولا تنحنح ولا سعل ولا تلبث ولا تريث، وهو يخرج من موضوع إلى موضوع آخر, ويتكلم بكلام جزل فصيح، وبعبارة رصينة وبسجع قوي، حتى كأنه أعد هذه الخطبة أتم إعداد, وحفظها ثم جاء ليلقيها.حتى انتهى والناس كلهم مبهورون, فقال الخليفة لولده: أهذا المنذر بن سعيد؟ قال: بلى هذا هو يا أبي, قال: والله إن صنيعه هذا ليستحق أن يثاب عليه، فذكرني بحاله فإنه لا ينقطع عن مَحْمَد, والله إن كان قد أعد هذه الخطبة وتوقع أن يحصل مثل هذا الموقف إنه لذكي, وإن كان قد ارتجل هذه الخطبة من ساعته إن ذلك لأشد عجباً, ومن ذلك الوقت والخليفة معجب به، فولاه الصلاة في المسجد وولاه الخطبة، ولما توفي قاضي الجماعة بـقرطبة جعله قاضياً بدلاً عنه فأصبح كبير القضاة بـقرطبة، وأصبح خطيباً بجامعها الكبير وإمام جامعها الذي فيه الخليفة نفسه.كانت هذه بداية اتصاله بالخليفة, وظل معه إلى أن توفي.
الخصائص والصفات التي امتاز بها سلطان الأندلس
له مواقف سوف أتحدث عن شيء منها وهي تثير العجب، وقبل أن أسترسل في ذكر مواقفه, أشير إلى بعض الصفات والخصائص التي ميزه الله تبارك وتعالى بها.
 العلم
الخصلة الرابعة من خصاله: العلم, فكان بحراً لا يدرك ساحله في سعة العلم بالقرآن الكريم، وله في ذلك مصنفات مثل أحكام القرآن وغيرها, وكان كثير الاستشهاد بالآيات، كثير التلاوة لكتاب الله عز وجل, وكذلك كان فقيهاً كبيراً، وكان ينتحل مذهب داود بن علي الظاهري فكان فيه ظاهرية, ولعله أول من نقل مذهب الظاهرية إلى الأندلس, ومع ذلك كان يحكم بمذهب مالك لأنه كان هو المشاع المنتشر في الأندلس, وإلى هذا وذاك كان له اجتهادات فقهيه واختيارات وآراء في أمور كثيرة إضافة إلى علمه باللغة العربية, وهو الذي نقل كتاب العين للخليل بن أحمد إلى بلاد الأندلس بالرواية, وأوصله إليهم كما نقل كثيراً من كتب الفقه ككتاب الإشراق لـابن المنذر نقله إلى بلاد الأندلس , وهو كتاب في مذاهب الفقهاء.ومن طرائف ما يروى عنه في معرفته باللغة والأدب والشعر أنه التقى برجل يقال له: أبو جعفر النحاس بـمصر, فكان أبو جعفر هذا يملي على طلابه شيئا من الشعر والعلم, فأملى عليهم قول الشاعر:خليلي هل بـالشام عين حزينة تبكي على نجد لعلي أعينها قد أسلمها الباكون إلى حمامة مطوقة باتت وبات قرينها تجاذبها أخرى على خيزرانة يكاد يدانيها من الأرض لينها فقال له الإمام المنذر بن سعيد يا شيخ: قولك "باتت وبات قرينها" باتت يصنعان ماذا؟ يعني ينكر عليه ليست (باتت) فقال: إذاً ما هو البيت؟ قال: "بانت وبان قرينها" بانت، يعني: أبعدت وشط بها النوى, نوت، أي: ابتعدت عن قرينها, فأعجب به الإمام أبو جعفر النحاس وأدناه حتى جعله قريباً منه, هذه بعض خصال الإمام وبعض فضائله.
مواقف سلطان الأندلس
أما مواقفه فحدث ولا حرج, لعل الحديث عن مواقفه يطول ولعلها عجب من العجب, ولعلنا أحوج ما نكون في هذه الأيام التي ادلهمت الخطوب على المسلمين واختلط فيها الحابل بالنابل, والخطأ بالصواب, والحق بالباطل, وضل كثير من الناس عن سواء السبيل, وأصبحوا لا يعرفون بعض أصول عقائدهم، لا يعرفون مثلاً قضية الولاء والبراء, وأنها أصل من أصول عقائد أهل السنة والجماعة, ولا يعرفون قضية الفرق بين الشرع والسياسية، وبين الشرع والقانون, لعل المسلمين أحوج ما يكونون إلى تذكر مثل هذه المواقف، لعل الله أن يبعث من المسلمين من يجدد لهم مثل هذه المواقف الفذة.يقول المنذر بن سعيد متحدثاً عن مواقفه وشجاعته:مقالي كحد السيف وسط المحافل أميز به ما بين حق وباطل بقلب ذكي قد توقد نوره كبرق مضيء عند تسكاب وابل فما زلقت رجلي ولا زل مقولي ولا طاش عقلي عند تلك الزلازل وقد حدقت حولي عيون اخالها كمثل سهام أثبتت في المقاتل يشير إلى أنه إذا صعد المنبر لا يهاب من الناس وكثرتهم ونظرهم إليه، ولا يبالي من كان يستمع إليه كبيراً أم صغيراً, له مواقف عجيبة.
 من مواقف السلطان عبد الرحمن الناصر
هناك نوع آخر من مواقف هذا الرجل لا بد من ذكرها والتعريج عليها:الأندلس -كما تعرفون- كانت أرضاً خصبة خضراء, وكانت من أحسن وأفضل وأجمل بلاد الدنيا, وفيها من الأشجار والأنهار والمياه والخيرات ما لا يوجد في غيرها, وكانت تحتاج إلى الأمطار كثيراً.ولذلك كثيراً ما كان المسلمون يستسقون ويستمطرون المطر من الله عز وجل, فيقيمون صلاة الاستسقاء, ولذلك أمر الخليفة عبد الرحمن الناصر يوماً من الأيام الإمام المنذر بن سعيد أن يخرج ليستسقي بالناس في يوم من الأيام, فخرج المنذر بن سعيد واستسقى فمطروا ونـزل المطر, ما خرجوا من المسجد أو من مكان الصلاة وذهبوا إلى بيوتهم إلا ونـزل غيث عظيم, بسبب أن هذا الرجل كان صادقاً مع الله عز وجل, مخلصاً للخاصة والعامة فاستجاب الله تعالى دعاءه.مرة أخرى تكررت العملية وأصبح عبد الرحمن الناصر كلما طرأ عليه, قال: اذهبوا إلى المنذر بن سعيد يستسقي قال المنذر بن سعيد للرسول الذي جاءه: ماذا يصنع الخليفة الآن؟ أي أن الخليفة يطلب منا الاستسقاء, فماذا يصنع هو الآن؟ قال الرسول للمنذر: إن الخليفة الآن قد لبس أخشن الثياب وافترش التراب, وأخذ التراب فوضعه على رأسه ووجهه ولحيته وبكى بين يدي الله عز وجل, واعترف بذنوبه وإني سمعته بأذني يقول: يا رب! هذه ناصيتي بيدك أتراك تعذب عبادك يسبني! يا رب إني لا أعجزك ولا أفوتك, فارحم عبادك وبهائمك وبلادك, فلما رأى المنذر بن سعيد الخليفة فعلاً قد غير وأصلح وتاب وأقبل على الله عز وجل وأناب وصدق مع ربه عز وجل, قال: يا غلام! احمل الممطرة الشمسية التي تقي من المطر ومن الشمس فقد أذن الله عز وجل بسقيانا, إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء, وخرج واستسقى, فلما صعد المنبر ورأى الناس قد شخصوا إليه بأبصارهم يرمقونه وينظرونه غلبهم البكاء، فقال: سلام عليكم, ثم وقف شبه الحبيس محصوراً كأنه لا يستطيع أن يتكلم, مع أن هذا لم يكن عادته, ثم بكى ثم استرسل يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54] ثم ظل يكررها حتى ضج الناس بالبكاء والتوبة ثم تمم الخطبة فسقي الناس وهم في مجلسهم ذاك.ومرة ثالثة: خرج يستسقي فلما وقف قال للناس: أستغفر الله، توسلوا بالأعمال الصالحة لديه, وأتم الخطبة فَسُقُوا.مرة رابعة: استسقى فقام يهتف بالناس وهو على المنبر وهو ينظر إليهم يمنة ويسره ويشير بأصبعه ويده إليهم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17], فما زال يرددها حتى بكى الناس كلهم, فلما هيج الخلق على البكاء بدأ يدعو بهم فأمطروا.ومن طريف ما يذكر أنه بعد أن مات -رحمه الله- جاء بعده رجل ليستسقي فخرج للمنبر ودعا وذهب الناس إلى بيوتهم وانتظروا المطر فما نـزل المطر, ثم خرجوا في الأسبوع الثاني فهم الناس بهذا الرجل ليضربوه، فصار لا يخرج إلا بالشرط والأعوان يحمونه من الناس.والواقع أن القضية ليست قضية رجل فقط, القضية قضية الأمة حاكمها ومحكومها, عالمها وعامّيها, فإن الله عز وجل يسقي عباده ويستجيب دعاءهم, إذا علم منهم الإقبال عليه والصدق, والخروج من المعاصي والمظالم, والاعتداء على حقوقه وحرماته, وعلم منهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أما إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظلموا وجاروا واستبدوا وبغوا وطغوا، فإنه لو أغاثهم الله عز وجل لكان الغيث فتنة لهم, لأنهم يصرون على ما هم عليه, ويقولون: لولا أن الله رضي علينا لما أغاثنا, فيكون هناك ابتلاء وفتنة لهم, فبرحمته عز وجل يمنع عنهم ذلك حتى يعودوا، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] وقال: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45].
العبرة المستفادة من مواقف سلطان الأندلس
أيها الإخوة.. في هذه القصص الأخيرة أو هذا النوع الآخر من المواقف للإمام المنذر بن سعيد عدة عبر:
 العبرة الثالثة
هي صلاح الحكام وقرب قلوبهم واتهامهم لأنفسهم, كما رأيتم في موقف عبد الرحمن الناصر حيث عرف أن وقت النكبات والمصائب هو وقت التصحيح, وهذه قضية مهمة جداً أختم بها الحديث.إننا أحوج ما نكون إلى أن نصحح أوضاعنا إذا نـزلت بنا المصائب والنكبات, ليس صحيحاً أننا نؤجل ونقول: إذا زالت الأمور وهدأت وصلحت رجعنا, فإن الإنسان قد ينوي نية ثم يغير هذه النية ويقلبها, بل إن العبد إذا رأى من نفسه ما ينكر ورأى من الأوضاع ما يستنكر فإنه لا بد أن يسارع بالتصحيح, وتغيير الأوضاع, والإقبال على الله عز وجل, وإبعاد كل ما فيه حرب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم, وهذا أمر نقوله للعامة وللخاصة على حد سواء, وليس صحيحاً أن يكون دأب الناس وشأنهم في مثل هذه الأوقات هو التلاوم فحسب, كل فئة تلوم الأخرى وكل طائفة تعول على غيرها, وكل إنسان يذم سواه, لننظر أيها الإخوة أقرب ما ننظر في واقعنا نحن, من منا غيَّر أوضاعه؟ من منا صحح أموره؟ من منا أقبل على الله عز وجل؟ من منا أحدث توبة صادقة لله تبارك وتعالى؟ من منا خرج من المظالم؟ من منا وصل رحماً قطعها؟ أو بر بأب قد عقه؟ أو رد مالاً قد أخذه بغير حق؟ أو استعفى أحداً من مظلمة في نفس أو مال أو غيره؟.أيها الإخوة.. النكبات اليوم محدقة بالأمة, الأمة اليوم على مفترق طرق وفي أوضاع لا يعلم ما تئول إليه إلا الله عز وجل, فهي أحوج ما تكون إلى أن تراجع نفسها وتقبل على ربها, وتصحح أوضاعها الخاصة والعامة في ذلك على حد سواء, ولا يجوز أن نؤجل أو نُسِّوف هذه الأشياء ونقول: بعد بعد.., فإن العبد لا يدري فقد لا يؤجل إلى بعد! وقد يؤخذ بعقوبة عمل اليوم قبل غد.أمرٌ آخر: قد ينوي العبد أن يتوب الآن لكن إذا رجع إلى ما كان عليه في الماضي: نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [الزمر:8] ألم يكن المشركون الأولون إذا ركبوا في الفلك ورأوا الريح العاصفة: وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس:22-23]؟! قد طلب قوم الرجعى فما رجعوا, وقد وَعدَ قوم بالتوبة فما تابوا, فيجب أن يكون العبد من ذلك كله على بال.
الأسئلة

  احتياج الأمة لطلبة العلم
السؤال: أنت تعلم ما تحتاجه الأمة اليوم من طلبة العلم, فبماذا يبدأ طالب العلم؟الجواب: الواقع طالب العلم اليوم محتاج أن يقوم بالدعوة إلى الله تعالى, أهم ما تحتاجه الأمة اليوم بعد صلاح القلب وصلاح النفس الدعوة إلى الله تعالى, أن تقوم بالدعوة إلى الله عز وجل, وأن تتصل بالناس وأن تبين لهم الحقائق، وأن تجعل لهم تصورات صحيحة عن الأمور كلها, وأهم ما نحتاجه أيضاً من طلبة العلم أن يعملوا على كسب الناس وأن يزيلوا الفجوة التي قد توجد أحياناً بين طلبة العلم وبين العامة , أو بين بعض الطوائف, مثل طائفة الشباب المنحرفين أو طائفة بعض الذين لهم أوضاع خاصة, أو حتى الذين في السجون، يجب على طلبة العلم أن يمدوا الجسور مع كل طوائف الأمة, ويتصلوا بهم ويبلغوهم دعوة الله عز وجل, ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر, لأن الأمة الآن أفلست من كل أحد إلا من العلم وطلبة العلم, فأعطونا ماذا عندكم؟ أروا الله عز وجل من أنفسكم خيراً, اصدقوا الله عز وجل, ابذلوا ما تستطيعون, احرصوا على حسن الخلق واللطف في معاملة الناس, وألاَّ يجد الناس عليكم مدخل, وتجنبوا الطيش والتسرع, وإذا هممت بأمر شر فابتعد, وإذا هممت بأمر خير فافعل, وإذا شككت في أمر فاسأل العلماء وطلبة العلم وخطباء المساجد ونحوهم, ممن تثق بهم.أتوجه إلى الله جل وعلا, فأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً, وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً, وألا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً, اللهم أصلح سرنا وعلانيتنا, وظاهرنا وباطننا, وكبيرنا وصغيرنا، وذكرنا وأنثانا, إنك تعلم منقلبنا ومثوانا.اللهم إنا عبيدك الضعفاء إليك، المفتقرون لديك, اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا, ولا تفضحنا بعيوبنا, اللهم لا تمنع عنا بذنوبنا فضلك, فارحمنا واغفر لنا وأنت خير الغافرين.ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين, اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك, ويذل فيه أهل معصيتك, ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء, اللهم أنقذ هذه الأمة من شر أعدائها, اللهم أنقذنا من شر اليهود والنصارى والشيوعيين والمنافقين والعلمانيين, وسائر أعداء الدين يا أرحم الراحمين.اللهم لا حول ولا قوة لنا إلا بك, اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم, وندرؤ بك في نحورهم, يا قوي يا عزيز, اللهم يا من فلق البحر لموسى، اللهم يا من قال للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم, اللهم يا من نصر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على قريش في بدر ونصره على الأحزاب ونصره في فتح مكة وغيرها من المواقف يا حي يا قيوم انصرنا على القوم الكافرين, اللهم إنا نستنصرك يا حي يا قيوم, اللهم إننا لن ننتصر بعدد ولا عدة ولا حول ولا قوة ولكننا ننتصر بنصرك وتأييدك يا قوي يا عزيز, اللهم انصرنا اللهم انصرنا وأيدنا وثبتنا, اللهم من أراد بهذه البلاد وأهلها سوءاً فأشغله بنفسه, اللهم انصر من نصر الدين, اللهم واخذل من خذل الدين, اللهم اخذل من عادى أولياءك.اللهم اجمعنا على الحق يا رحمن يا رحيم, اللهم إنا نبرؤ إليك من الحول والقوة إلا بك, اللهم أنت الله لا إله إلا أنت, أنت القوي ونحن الضعفاء, أنت الغني ونحن الفقراء, أنـزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا.اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً, فأرسل السماء علينا مدراراً, اللهم لا حول ولا قوة إلا بك, اللهم وفقنا لنتوب يا حي يا قيوم يا قريب يا مجيب.اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , سلطان الأندلس للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net