اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التوبة أيتها الأخت المسلمة للشيخ : سلمان العودة


التوبة أيتها الأخت المسلمة - (للشيخ : سلمان العودة)
إذا كان أنبياء الله ورسله وخيار خلقه يستغفرون الله عز وجل ويتوبون إليه، بل إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من مائة مرة؛ فما بالنا نحن المذنبين؟ وقد تحدث الشيخ في هذا الدرس عن فضل الله ورحمته وفتحه باب التوبة ثم ذكر شروط التوبة التي تكون بها توبة نصوحا وختم الحديث بالعوامل التي تساعد على استمرار التوبة.
الترغيب في التوبة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود:1-3]. ويقول الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:53-55] ويقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التحريم:8] ويقول سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] ويقول عن أبينا آدم عليه السلام: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:121-122]. ويقول تعالى على لسان نوح عليه السلام وهو يخاطب قومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12].
 أنواع التوبة
أيتها الأخوات! كل واحد منا محتاج إلى التوبة، والتوبة نوعان: النوع الأول: توبة مستحبة، وهي التوبة من ترك المستحبات أو فعل المكروهات. والنوع الثاني: توبة واجبة، وهي التوبة من فعل المعاصي، أو التوبة من ترك الواجبات.
حاجة بني آدم إلى التوبة
فتلك المسلمة التي تستمع إلى الغناء المحرم، أو تشاهد المسلسلات الهابطة، أو تترك الصلاة، أو تعق والديها، أو تتكلم بكلام السوء مع زميلاتها، أو تستخدم الهاتف في معاكساتٍ وغيرها من الأمور التي لا تجوز، يجب عليها وجوباً أن تتوب من هذه الأشياء، ولو ماتت قبل التوبة فهي على خطر عظيم، ولذلك يقول الله عز وجل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً [النور:31]. بل تلك المسلمة التي تؤخر الصلاة، أو لا تقوم بالسنن الرواتب، أو تنام على غير طهارة؛ هي أيضاً مطالبة بالتوبة من هذه الأشياء، وإذا كانت المسلمة التي تنام على غير طهارة، أم لا تتنفل السنن الرواتب مطالبة بالتوبة، فما بالنا بمن ينام على أصوات المغنيين والمغنيات، والعياذ بالله؟! وما بالنا بمن يسهر على مشاهدة المسلسلات الهابطة المدمرة للدين، والأخلاق، والعفاف، والطهارة؟! ما بالنا بمن لا يصلي الفريضة حتى يخرج وقتها انشغالاً بالتوافه من الأمور؟! أو لأنه نائم، ولم يستعد لهذه الصلاة، ولم يرفع بها رأساً؟! أو لغير ذلك من الأسباب؟! فكل واحد منا محتاج إلى التوبة، وفي سنن الترمذي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون}.
 خوف المؤمن وجراءة المنافق
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: [[إن المؤمن يرى ذنوبه كرجلٍ في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، أما المنافق فإنه يرى ذنوبه كذبابٍ وقع على أنفه لو فعل بيده هكذا وحركها لطار]].انظري أيتها المسلمة! المؤمن يخاف الله عز وجل، ويحافظ على الصلاة، ويقرأ القرآن، ويحفظ عرضه، ويحفظ لسانه، ويحفظ جوارحه من المعاصي، ومع هذا كله إذا وقع في ذنب ولو يسيراً؛ أحس بأن هذا الذنب كالجبل العظيم يخشى أن يقع على رأسه في كل لحظة؛ وذلك لأن قلبه حي وروحه مشرقة، وهو يعرف عظمة الله عز وجل وعظيم حق الله، ويعرف ما أعد الله للطائعين من الجنان والنعيم، وما أعد للعاصين من النكال والجحيم، فيخاف من ذنوبه مهما قلَّت، وعلى الضد من ذلك المنافق، الذي لا يخاف الله عز وجل، ولا يستحي من الناس؛ فإن هذا المنافق يرى ذنوبه مهما عظمت، -ومهما كبرت حتى لو وقع في الفواحش والجرائم والموبقات- يرى أنها يسيرة، فهي مثل ذباب وقع على أنفه، فدفعه بيده فطار هذا الذباب، فكل من أحس بالتوبة ووجوبها وخطرها، فهو أقرب إلى الإيمان وكل من قال: ماذا فعلت حتى أتوب؟! فهو أقرب إلى النفاق.وفي صحيح البخاري أيضا عن ابن أبي مليكة أنه كان يقول: [[أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه]].اسألن -أيتها المسلمات- أنفسكن: من منكن تخاف النفاق على نفسها؟ قليل، وربما لا يوجد، لكن أبو بكر، وعمر، وعثمان بن عفان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر وفلان وفلان.. من الذين يحيون الليل في القيام ويحيون النهار في الجهاد والصيام، ومن الذين شُهد لهم بالجنة يخافون على أنفسهم النفاق، ومهما يكن الإنسان قد فعل من الأعمال الصالحة، فيجب أن يدرك حاجته إلى التوبة؛ ولذلك علمنا الله عز وجل إذا انتهينا من الحج أن نستغفره: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:198-199] ويقول سبحانه: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17] قال أهل العلم: هؤلاء قوم أحيوا الليل بالعبادة والقيام، فإذا كان السحر استغفروا الله عز وجل، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن ينصرف من صلاته يقول قبل أن يلتفت إلى المأمومين: {أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام!} كما في حديث عائشة وثوبان رضي الله عنهما في صحيح مسلم فكان يستغفر بعد الفعل الصالح، وإذا كان الإنسان مطالباً بالاستغفار بعد الطاعة: بعد الحج، بعد الصوم، بعد الصلاة، بعد قيام الليل، بعد الصدقة، فما بالكِ أيتها المسلمة بمن يقع في المعصية؟! في التقصير، في النظر الحرام، في الكلمة الحرام، في الخطوة الحرام.. في الكتابة الحرام، في القراءة الحرام، في المشاهدة الحرام، لا شك أنه أحوج وأحوج إلى أن يكون موصولاً بالله عز وجل ويكثر من الاستغفار؛ فإن الشيطان يقول: أحرقت بني آدم بالمعاصي، وأحرقوني بالاستغفار.
من قصص التائبين
أيتها المسلمة! إليك نماذج من قصص التائبين اللذين أنابوا إلى ربهم وأسلموا له، فقبلهم الله تعالى وتاب عليهم، وختم لهم بخير.
 قصة عبد الله بن مسلمة القعنبي
وأثني بالقصة الثانية العجيبة، وهي قصة عبد الله بن مسلمة القعنبي، وكان هذا من رجال الحديث النبوي، ومن تلاميذ الإمام مالك، وهو رجلٌ ثقة معروف وإمام مشهور، ماذا كان تاريخ هذا الرجل؟ وكيف كانت حياته في الماضي؟ إننا نسمع العجب العجاب، كان هذا شاباً مراهقاً طائشاً لا هم له إلا مجالسة أمثاله من السفهاء ومعاقرة الخمر وإيذاء الناس في الشوارع وغير ذلك من الأعمال التي يقوم بها أمثاله من السفهاء، وكان يلبس ثياباً تليق بأمثاله من الشباب المراهقين في ذلك العصر.وفي أحد الأيام كان واقفاً عند باب بيته، ومعه سكين كالعادة، فمر به رجل على حمار وحوله مجموعة من الشباب الذين يظهر من سيماهم الصلاح والاستقامة والاشتغال بطلب العلم، فقال القعنبي لمن حوله: من هذا الرجل الذي أقبل؟ قالوا: هذا شعبة بن الحجاج، قال: ومن هو شعبة بن الحجاج؟ وكانوا بـالبصرة، وشعبة إمام علم، لا يخفى على أحد من أهل البصرة، إلا أن القعنبي لم يكن يعرفه لانشغاله بأمور أخرى، كما يجهل كثيرٌ من الشباب الضائعين في هذا العصر أخبار العلم والعلماء والدعاة وغير ذلك، فقالوا له: هذا شعبة بن الحجاج قال: ومنشعبة؟ قالوا: إمام من أئمة المحدثين، فتقدم هذا الغلام السفيه إلى شعبة، وقال له: حدثني، اقرأ علي حديثاً حتى أرويه عنك، فقال: لستَ من أهل الحديث، أنت سفيه لا تستودع العلم والحديث، وغضب هذا الغلام ورفع السكين، وقال له: حدثني وإلا ضربتك بهذا السكين! فلما رأى شعبة هذا الموقف؛ حدثه حديثاً يناسب المقام، فقال: حدثني منصور عن ربعي عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا لم تستح فأصنع ما شئت} وهذا الحديث مناسب لحال هذا الغلام الذي لم يستح، فأقدم على تهديد هذا العالم الجليل بأن يحدثه وإلا جرحه بالسكين التي كانت في يده، فقرأ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}. ورجع هذا الشاب إلى بيته، وقد أثر فيه هذا الحديث الذي سمعه أعظم التأثير، وقَلَبَ شخصيته قلباً تاماً، فرجع إلى البيت شخصية أخرى، وكأنه ليس هو الشاب الذي خرج قبل خمس دقائق، رجع تائباً إلى الله عز وجل خجلاً من الله تعالى، فأراق الخمور التي كانت موجودة في بيته، وكسر أوانيها، وكسر آلات اللهو والطرب التي كانت عنده موجودة وكان على موعد مع بعض جلسائه وندمائه من الفساق، فقال لأمه: إذا جاء زملائي فأدخليهم في البيت وأكرميهم وأخبريهم بما حصل مني، حتى لا يعودوا إلي مرة أخرى، ثم خرج من البصرة إلى المدينة، ولازم الإمام مالك بن أنس، حتى كان من أخص تلاميذه، وروى عنه كثيراً من الحديث، ثم رجع إلى البصرة ليروي الحديث عن شعبة وغيره من العلماء بمدينته الأولى البصرة، ولكنه حين رجع إلى البصرة، وجد أن شعبة قد مات، وهكذا لم يرو القعنبي عن شعبة إلا ذلك الحديث الذي تحمله عنه وهو في زمن فسقه وسفاهته: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}.
شروط التوبة
أيتها الأخت المسلمة! للتوبة شروط ستة فاحفظيها: الشرط الأول: الإخلاص، ولذلك يقول الله عز وجل:تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم:8] أي: خالصة من القلب، فتلك المرأة وتلك الأخت التي تتوب توبة مؤقتة بسبب مصيبة عارضة نـزلت بها، أو ظرف طارئ، أو بسبب الاستعداد للامتحانات، أو بسبب أنها بلغت سناً معيناً، وفي نيتها أن تعود إلى ما كانت عليه، هذه التوبة ليست توبة نصوحاً ولا خالصة، فلابد أن تكون التوبة نصوحاً لله عز وجل.الشرط الثاني: الإقلاع عن المعصية، فلابد أن يقلع الإنسان عن الذنب الذي يفعله، أما من يقع في الذنب ويقول: أستغفر الله، فهو كالمستهزئ، ولذلك يقول الشاعر: أستغفرُ الله من أستغفر الله من كِلْمَةٍ قُلْتُها لم أَدْرِ معناها الذي يستغفر وهو مصر على المعصية هو كالمستهزئ بالله عز وجل، فلابد من الإقلاع عن الذنب. الشرط الثالث: الندم على ما مضى بحيث أن الإنسان كلما تذكر ما حصل منه في الماضي، احترق قلبه ندماً وأسفاً على ما فرط وعلى ما قصر في حق الله عز وجل، وفي الحديث الصحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {الندم توبة} ومن الطبيعي أن الإنسان التائب يندم على ما مضى.الشرط الرابع: العزم على ألا يعود: أن يصمم الإنسان على ألا يرجع إلى المعاصي مرة أخرى.الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، وما هو وقت القبول؟ وقت القبول هو أن يكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وفي الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه} وفي حديث مسلم السابق: {إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها} فإذا طلعت الشمس من مغربها -وهذه علامة من علامات الساعة الكبرى- فحينئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، فلابد أن تكون التوبة قبل أن تطلع الشمس من مغربها، ولابد أيضاً أن تكون قبل الاحتضار والغرغرة، فإذا تاب الإنسان قبل أن تغرغر روحه في حلقه، تاب الله عليه، أما إذا احُتضِرْ ونـزل به الموت، وجاءت الملائكة لقبض روحه، وغرغرت روحه للخروج، فحينئذٍ لا تنفعه التوبة؛ لأن كل إنسانٍ قد يتوب حينئذٍ، ولذلك في الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر الذي رواه الترمذي، وهو صحيح: {إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر} ويقول الله عز وجل: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النساء:17] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء:18] فهذا لا تنفعه التوبة إذا حضره الموت وغرغرت روحه قال: إني تبت الآن. الشرط السادس: إن كانت المعصية إساءة للآخرين، سواء بانتهاك أعراضهم، أو الكلام فيهم، أو أخذ أموالهم، أو ظلمهم، أو تنقصهم، فيجب أن يستسمح التائب ممن أساء إليه أو يرد الحق إليه ما استطاع.
 قصة عبد الله بن مسلمة القعنبي
وأثني بالقصة الثانية العجيبة، وهي قصة عبد الله بن مسلمة القعنبي، وكان هذا من رجال الحديث النبوي، ومن تلاميذ الإمام مالك، وهو رجلٌ ثقة معروف وإمام مشهور، ماذا كان تاريخ هذا الرجل؟ وكيف كانت حياته في الماضي؟ إننا نسمع العجب العجاب، كان هذا شاباً مراهقاً طائشاً لا هم له إلا مجالسة أمثاله من السفهاء ومعاقرة الخمر وإيذاء الناس في الشوارع وغير ذلك من الأعمال التي يقوم بها أمثاله من السفهاء، وكان يلبس ثياباً تليق بأمثاله من الشباب المراهقين في ذلك العصر.وفي أحد الأيام كان واقفاً عند باب بيته، ومعه سكين كالعادة، فمر به رجل على حمار وحوله مجموعة من الشباب الذين يظهر من سيماهم الصلاح والاستقامة والاشتغال بطلب العلم، فقال القعنبي لمن حوله: من هذا الرجل الذي أقبل؟ قالوا: هذا شعبة بن الحجاج، قال: ومن هو شعبة بن الحجاج؟ وكانوا بـالبصرة، وشعبة إمام علم، لا يخفى على أحد من أهل البصرة، إلا أن القعنبي لم يكن يعرفه لانشغاله بأمور أخرى، كما يجهل كثيرٌ من الشباب الضائعين في هذا العصر أخبار العلم والعلماء والدعاة وغير ذلك، فقالوا له: هذا شعبة بن الحجاج قال: ومنشعبة؟ قالوا: إمام من أئمة المحدثين، فتقدم هذا الغلام السفيه إلى شعبة، وقال له: حدثني، اقرأ علي حديثاً حتى أرويه عنك، فقال: لستَ من أهل الحديث، أنت سفيه لا تستودع العلم والحديث، وغضب هذا الغلام ورفع السكين، وقال له: حدثني وإلا ضربتك بهذا السكين! فلما رأى شعبة هذا الموقف؛ حدثه حديثاً يناسب المقام، فقال: حدثني منصور عن ربعي عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا لم تستح فأصنع ما شئت} وهذا الحديث مناسب لحال هذا الغلام الذي لم يستح، فأقدم على تهديد هذا العالم الجليل بأن يحدثه وإلا جرحه بالسكين التي كانت في يده، فقرأ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}. ورجع هذا الشاب إلى بيته، وقد أثر فيه هذا الحديث الذي سمعه أعظم التأثير، وقَلَبَ شخصيته قلباً تاماً، فرجع إلى البيت شخصية أخرى، وكأنه ليس هو الشاب الذي خرج قبل خمس دقائق، رجع تائباً إلى الله عز وجل خجلاً من الله تعالى، فأراق الخمور التي كانت موجودة في بيته، وكسر أوانيها، وكسر آلات اللهو والطرب التي كانت عنده موجودة وكان على موعد مع بعض جلسائه وندمائه من الفساق، فقال لأمه: إذا جاء زملائي فأدخليهم في البيت وأكرميهم وأخبريهم بما حصل مني، حتى لا يعودوا إلي مرة أخرى، ثم خرج من البصرة إلى المدينة، ولازم الإمام مالك بن أنس، حتى كان من أخص تلاميذه، وروى عنه كثيراً من الحديث، ثم رجع إلى البصرة ليروي الحديث عن شعبة وغيره من العلماء بمدينته الأولى البصرة، ولكنه حين رجع إلى البصرة، وجد أن شعبة قد مات، وهكذا لم يرو القعنبي عن شعبة إلا ذلك الحديث الذي تحمله عنه وهو في زمن فسقه وسفاهته: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}.
العوامل التي تساعد على الثبات على التوبة
أختم هذه الكلمة بذكر بعض العوامل التي تساعد الأخت التائبة على التوبة وعلى الثبات عليها: العامل الأول: قوة العزيمة؛ بحيث لا يكون الإنسان متردداً؛ يتوب اليوم ويعصي غداً، ويتوب غداً ويعصي بعد غد، بل يحاول أن يقوي عزيمته: بالاتكال على الله عز وجل، بكثرة فعل الأعمال الصالحة، بكثرة الصيام، وبغير ذلك من الوسائل التي تقوي عزيمته. العامل الثاني: كثرة الدعاء؛ فإن الله عز وجل يقول: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي [البقرة:186] فهو قريب مجيب، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم [غافر:60] ويقول صلى الله عليه وسلم: {من لم يسأل الله يغضب عليه} فلابد من الدعاء الحار إلى الله الملك الجبار. العامل الثالث: تجنب أسباب المعصية، فانظري أيتها الأخت! لماذا تقعين في المعصية؟ لأنك تصاحبين -مثلاً- فلانة وفلانة ممن يجرك إلى المعصية؛ لأنك تخرجين إلى السوق -مثلاً- لأنك تقتنين المجلات؛ لأنك تشاهدين المسلسلات.. فتجنبي أسباب المعصية، اتركي قرينات السوء، ممن يحرضك على المعصية ويدعوك إليها، واعملي بنصيحة ذلك العالم من بني إسرائيل الذي نصح التائب ألا يعود إلى قريته؛ لأنها أرض سوء وأن ينتقل إلى قرية أخرى يعبد الله عز وجل بها، فأنتِ غَيِّري البيئة، اتركي القرينات المنحرفات، وابحثي عن أخوات طيبات صالحات. العامل الرابع: عدم القنوط: لا تقنطي من رحمة الله؛ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] مهما بلغت معاصيك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: {لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر الله عز وجل لهم} ويقول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70].فإذا تبتِ إلى الله عز وجل توبةً نصوحاً أبدلكِ الله تعالى بكل سيئة عملتها حسنات، ويوم القيامة يعرض الله عز وجل عليك سيئاتك واحدةً واحدةً، فيقول: إنها قد بُدِلت لك حسنات فافرحي أيتها الأخت التائبة بأن الله عز وجل واسع المغفرة.العامل الخامس: أخيراً من العوامل التي تساعد على التوبة: أن تحرص الأخت المسلمة على أن تكثر من الأعمال الصالحة، ومن أعمال الخير؛ فإن كل إنسان فيه قابلية للخير؛ فتكثر من الصلاة، ومن قراءة القرآن، ومن الاستغفار، ومن الصيام، من الذكر، ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بر الوالدين، الإحسان إلى الناس، عدم ظلم الآخرين، وغير ذلك من الأمور التي يستطيعها الإنسان، والله عز وجل يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود:114-115]. والحمد لله رب العالمين.
 قصة عبد الله بن مسلمة القعنبي
وأثني بالقصة الثانية العجيبة، وهي قصة عبد الله بن مسلمة القعنبي، وكان هذا من رجال الحديث النبوي، ومن تلاميذ الإمام مالك، وهو رجلٌ ثقة معروف وإمام مشهور، ماذا كان تاريخ هذا الرجل؟ وكيف كانت حياته في الماضي؟ إننا نسمع العجب العجاب، كان هذا شاباً مراهقاً طائشاً لا هم له إلا مجالسة أمثاله من السفهاء ومعاقرة الخمر وإيذاء الناس في الشوارع وغير ذلك من الأعمال التي يقوم بها أمثاله من السفهاء، وكان يلبس ثياباً تليق بأمثاله من الشباب المراهقين في ذلك العصر.وفي أحد الأيام كان واقفاً عند باب بيته، ومعه سكين كالعادة، فمر به رجل على حمار وحوله مجموعة من الشباب الذين يظهر من سيماهم الصلاح والاستقامة والاشتغال بطلب العلم، فقال القعنبي لمن حوله: من هذا الرجل الذي أقبل؟ قالوا: هذا شعبة بن الحجاج، قال: ومن هو شعبة بن الحجاج؟ وكانوا بـالبصرة، وشعبة إمام علم، لا يخفى على أحد من أهل البصرة، إلا أن القعنبي لم يكن يعرفه لانشغاله بأمور أخرى، كما يجهل كثيرٌ من الشباب الضائعين في هذا العصر أخبار العلم والعلماء والدعاة وغير ذلك، فقالوا له: هذا شعبة بن الحجاج قال: ومنشعبة؟ قالوا: إمام من أئمة المحدثين، فتقدم هذا الغلام السفيه إلى شعبة، وقال له: حدثني، اقرأ علي حديثاً حتى أرويه عنك، فقال: لستَ من أهل الحديث، أنت سفيه لا تستودع العلم والحديث، وغضب هذا الغلام ورفع السكين، وقال له: حدثني وإلا ضربتك بهذا السكين! فلما رأى شعبة هذا الموقف؛ حدثه حديثاً يناسب المقام، فقال: حدثني منصور عن ربعي عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا لم تستح فأصنع ما شئت} وهذا الحديث مناسب لحال هذا الغلام الذي لم يستح، فأقدم على تهديد هذا العالم الجليل بأن يحدثه وإلا جرحه بالسكين التي كانت في يده، فقرأ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}. ورجع هذا الشاب إلى بيته، وقد أثر فيه هذا الحديث الذي سمعه أعظم التأثير، وقَلَبَ شخصيته قلباً تاماً، فرجع إلى البيت شخصية أخرى، وكأنه ليس هو الشاب الذي خرج قبل خمس دقائق، رجع تائباً إلى الله عز وجل خجلاً من الله تعالى، فأراق الخمور التي كانت موجودة في بيته، وكسر أوانيها، وكسر آلات اللهو والطرب التي كانت عنده موجودة وكان على موعد مع بعض جلسائه وندمائه من الفساق، فقال لأمه: إذا جاء زملائي فأدخليهم في البيت وأكرميهم وأخبريهم بما حصل مني، حتى لا يعودوا إلي مرة أخرى، ثم خرج من البصرة إلى المدينة، ولازم الإمام مالك بن أنس، حتى كان من أخص تلاميذه، وروى عنه كثيراً من الحديث، ثم رجع إلى البصرة ليروي الحديث عن شعبة وغيره من العلماء بمدينته الأولى البصرة، ولكنه حين رجع إلى البصرة، وجد أن شعبة قد مات، وهكذا لم يرو القعنبي عن شعبة إلا ذلك الحديث الذي تحمله عنه وهو في زمن فسقه وسفاهته: {إذا لم تستح فاصنع ما شئت}.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التوبة أيتها الأخت المسلمة للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net