اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من يحمل هم الإسلام للشيخ : سلمان العودة


من يحمل هم الإسلام - (للشيخ : سلمان العودة)
الإسلام قضية عادلة، ودين حق وما سواه باطل، ولكن كأن هذه القضية العادلة بيد محام فاشل، ولذا فلابد من الوعي، ومحاسبة النفس والمجتمع والأمة عن قضية الإسلام، وهنا تجد مناقشة واضحة ودعوة واضحة لتبني قضية الإسلام.
حالة المسلمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.أحبتي الكرام.. هذا هو الدرس السادس والثلاثون من سلسلة الدروس العلمية العامة، وهذه هي ليلة الإثنين التاسع من شهر صفر لعام (1412هـ).أين من يحمل هم الإسلام؟
 المسلم ثروة مهدرة
أيها الأحبة.. إننا كثيراً ما نسمع أو نقرأ، عمن يتحدث عن الثروات المهدرة من الأموال الطائلة في بلاد المسلمين، ولكننا لا نكاد نسمع أو نقرأ من يتحدث عن أغلى ثروة مهدرةٍ على الإطلاق، ألا وهي ثروة الإنسان، فالإنسان هو الذي يستطيع الحصول على المال، ويبني الحضارات، ويشيد المباني الفخمة، ويُعبِّد الطرق، ويبني الجسور، وهو الذي يحمل المبدأ، ويدافع عنه، ومع ذلك تجد الحديثَ عن الإنسان كثروة مهدرة تجده قليلاً، بل أقل من القليل، خاصة في عالم الإسلام وفى وسط أمة المسلمين.
أصناف طوائف المسلمين
أيها الأحبة.. إن المسلمين القُدامى -وأعنى بهم أمة الإسلام التي هي مسلمة أصلاً وليسو داخلين في الإسلام حديثاً فقط- إن المسلمين القدامى فيهم أدواء تحتاج إلى مبضع الجراح، وفيهم مصائب وآلام ونكبات، يعجز عنها الحصر، وقد تأملت في أحوالهم فرأيت أننا يمكن أن نصنف هؤلاء المسلمين إلى أربع طوائف تقريباً:
 طائفة الأمل لهذه الأمة
أما الفئة الرابعة، وهم الأمل المرجو بعد الله عز وجل في إنقاذ هذه الأمة مما تعيشه، فهم أولئك الذين حققوا جزءاً كبيراً من انتسابهم لهذا الدين، من أهل العلم والفقه والإصلاح والدعوة إلى الله عز وجل، وهم بحمد الله كثير، وفيهم خيرٌ كثير لهذه الأمة، هؤلاء هم الذين يرجى أن يكتب الله تعالى على أيديهم إنقاذ هذه الأمة مما تعيش فيه، وهم الذين يرجى أن يكتب الله على أيديهم أن يُحيوا تلك الطوائف من المسلمين الذين لم يحققوا انتسابهم لهذا الدين، وهم الذين بإذن الله تعالى ينفخون روح الإيمان والأمل والعمل في هذه الأمة، وقد تحدث عنهم واحد منهم، فقال يصف الصورة المثالية لهم:قُلوبهم طهرٌ يفيضُ على الورى وأيديهم تأسو جِراحَ الخوافقِ هُم السلسل الصافى على كل مؤمنٍ وفى حومة الهيجاءِ نار الصواعقِ هُم الحلمُ الريان في وقدة الظما وليس على الآفاقِ طيفُُ لبارقِ هُم الأملُ المرجو إن خاب مأمل وأوهنَ بعد الشوط صبر السوابقِ كأني أراهم والدُنا ليست الدنا صلاحاً ونور الله ملء المشارقِ أقاموا عمود الدين من بعد صدعه وأعلوا لواء الحقِ فوق الخلائقِ<
مظاهر برودة الإحساس عند المسلمين
أحبتي الكرام.. إن الواقع الغالب على أمة الإسلام بكل طوائفها وأشكالها، وأقول -بكل أسف- حتى تلك الفئة المختارة التي هي الصفوة، تشترك إلى حد كبيرٍ في هذا الواقع؛ إن الواقع الغالب على أمة الإسلام؛ أنها تعيش قدراً كبيراً من جمود القلب، وبرودة الإحساس، فأنت قد تُجالس عالماً، أو طالب علم، أو فقيهاً، أو داعيةً، ولكنك لا تشعر بحرارة القلب، لا تشعر بالتوتر لهذا الدين، لا تشعر بقلب يحترق للإسلام والمسلمين، تجد كثيراً من البرود والجمود وخمول الإحساس عند هؤلاء، الحرقة التي تغلي في القلوب، إن لم تكُن قليلة فهي أقل من القليل، قال الشاعر:وقد كانوا إذا عُدوا قليلاً فقد صاروا أقلَّ من القليل هذا الخمود في أحاسيس المسلمين، يتجلى في مظاهر كثيرة، لو تأملها واحد منكم لوجدها فيمن حوله لا تكاد تخطئها عين، فمثلاً:
 نتائج برودة الإحساس عند المسلمين
برودة الإحساس لا يجوز ولا يليق، وهو يدل على ضعف التعاطف الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم: {مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء} أين التراحم؟ أين التواد؟ أين التعاطف؟ أين الجسد الواحد؟ أين البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً؟ هذه أصبحت -مع الأسف الشديد- أشبه ما تكون بالأحلام، وأصبح -والله- الأمر كما قال أحدهم:على بعضهم بعضاً أسوداً أشدةً وحولكِ أقصاهم نعامةُ فدفد فأما على إخوانه المسلمين فهو شجاع، يمتطي صهوات المنابر أو الكتب أو المجالس ولا يبالي، أما على الكفار فهو أذل من الأَمَةِ.حضر رجل عند عبد الله بن المبارك فتكلم في أحد إخوانه المسلمين، فقال له عبد الله بن المبارك: هل غزوت الفرس؟ قال: لا، قال: هل غزوت الروم؟ قال: لا، قال: هل غزوت الهند والسند؟ قال: لا، قال: أفسلمت منك فارس والروم والهند والسند، وما سلم منك أخوك المسلم!هذه مصيبة، أننا إذا عجزنا عن مواجهة الواقع المرير، فإننا قد نشتغل بأخطاء المسلمين، ونجسمها ونضخمها، أو نفتعل أخطاءً غير واقعة لندندن حولها.والحصيلة من خلال هذه المظاهر كلها، أننا نستطيع أن نقول: إن المسلم اليوم أمام قوم يعيشون لذواتهم أكثر مما يعيشون لدينهم، بل إن كثيراً منهم يعيش لذاته فحسب، ولا يتحرك للإسلام، ولا يعيش هَمَّ الإسلام في قلبه، إذاً هم الإسلام في قلوب المسلمين ضعيف، هذه فائدة أو خلاصة نستطيع أن نخرج بها من خلال تلك الأمثلة والنماذج.
وجود من يحمل هم الإسلام
إن ذلك الذي يتقلب على فراشه، حسرة وقلقاً، أو توتراً وأرقاً، أو حزناً لمصيبة نـزلت بالمسلمين، أو ليس فقط لمصيبة نـزلت بالمسلمين، بل حتى لعمل يمكن أن يخدم من خلاله المسلمين، هذا النموذج من الناس هو أقل من القليل، ولاشك أن هذه صورة إيجابية ممن يعيشون هم الإسلام، وممن جعلوا هدفهم تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب للإسلام وللدعوة الإسلامية، ممن قرروا أن يشاركوا في تحمل مسئولية الإسلام بأيديهم، ولو كانت أيدياً واهنة ضعيفة، لكنها قوية بقوة الله عز وجل، سواء في ذلك المسلمون المعاصرون من شباب الإسلام ذكوراً وإناثاً؛ ممن اتخذوا قراراً بحمل رسالة الإسلام والدعوة إليه، أو حتى من المسلمين السابقين الذين كانوا عبر العصور السابقة كلها، لم يكن المسلم منفصلاً يعيش الإسلام في جزءٍ من واقعه، وفي بقية أجزاءه للدنيا، كلا، بل كان المسلم يعيش هم الإسلام ظاهراً وباطناً، وفي كل مجالات حياته.
 تقديم المستطاع للإسلام
ليس شرطاً أن الأمر الذي سوف أتحدث عنه الآن، هو ما نريده من كل إنسان، فنحن لسنا مثاليين أو مغرقين في الخيال، نتوقع أن يستيقظ الناس ذات يوم فإذا بالأمة كلها قد تحولت إلى دعاة، وعلماء، ومخلصين، وصادقين، ومجاهدين، ليس هذا شرطاً.بل نحن نقول -كما قلنا سابقاً ومراراً-: إن المطلوب من كل إنسان أن يقدم للإسلام ما يستطيع، وإن كان شيئاً يسيراً، وإن كان قضيباً من أراك، تُقدم ما تستطيع، ولكن مع ذلك نحن على يقين كالشمس، أن هذا الواقع الذي تعيشه الأمة منذُ سنين طويلة، لا يمكن أن يتغير، إلا من خلال فئة على الأقل يكون هَمُّ الإسلام هو الهم الذي يقعدها ويقيمها، هو الهم الذي يقلقها ويملأ عليها حياتها، ويسد عليها منافذها، فبه تحيا وتموت، وعليه تنام وتستيقظ، ومن أجله تحزن وتفرح، وترضى وتسخط، وتُسر وتبتئس.فهو همها الأول والأكبر والأخير، وهذا لا يعني أنهم نسوا هموم الدنيا، فهم بشرٌ كالبشر، حتى رسل الله وأنبياؤه عليهم السلام، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويستمتعون بما أحل الله تعالى لهم من الأكل والشرب والنكاح، وغيره من أطايب الحياة الدنيا، ولكن لم يشغلهم هذا عن الهم الأكبر، الذي هو هم الإسلام والمسلمين.هذه الفئة لابد منها، وما لم توجد فمعناه أن المسلمين يدورون في حلقة مفرغة، ولا يمكن أن يخرجوا من هذه القوقعة التي يعيشون فيها.
مواصفات من يحمل هم الإسلام
أيها الأحبة: هذا الإنسان الذي تحدثت عنه قبل قليل، هو قوام الحضارات المادية، والحضارات الدينية، لا قيام للحضارات كلها إلا بهذا الإنسان، ولابد من العناية به، والسعي للبلوغ به إلى أسمى مراتبه ومراقيه، فكثير من الناس يضعون خططاً نظرية ويرسمون المناهج، ويضعون المشاريع الطويلة العريضة، ويتكلمون عنها، ولكن هذه الأشياء تقع حبراً على ورق، لماذا؟لأن الإنسان الذي يمكن أن يُنفذ هذه الخطط، والمشاريع، ويقوم بهذه الأعمال، ويحقق هذه الإنجازات، هذا الإنسان غائب، وبالتالي إذا كان غائباً بقي الكلام حبراً على ورق، لأن الذي يمكن أن يُعلق جرساً كما يقال وهو الإنسان مفقود، فتبوء هذه المشاريع بالفشل.إذاً نحن نحتاج إلى الإنسان الذي يحمل هَمَّ الإسلام، وهذا الذي يحمل هم الإسلام -أيها الأحبة- له مواصفات أو له شروط، سأتحدث عن شيءٍ أو جانبٍ يسير منها:
 أمثلة على محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم
ومن الأمثلة على ذلك محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي حل منهم محل الروح، فـعبيدة بن الحارث رضي الله عنه قام في معركة أحد وبارز بعض المشركين، وضُرب بالسيف وطعن وجرح ومات متأثراً بجراح، ومع ذلك كان يقول: [[يا رسول الله! لو رآني أبو طالب لعلم أنى أحق بما يقول]] ماذا كان يقول أبو طالب؟ كان يخاطب قريشاً في قصيدته اللامية المعروفة، التي يمدح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول فيها:كذبتم وبيت الله نبز محمدٍ ولما نُطاعن دونه ونُناضل ونُسلِمهُ حتى نُصرع دونهُ ونذهل عن أبنائنِا والحلائلِ فـعبيدة يقول: أنا أحق بهذا الكلام من أبي طالب، لأنه رضي الله عنه قتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مدافعاً عنه، حامياً لجنابه عليه الصلاة والسلام. وكذلك خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، لما قبض عليهم وأرادت قريش أن تقتلهم، كانوا يقولون له: هل تحب أن محمداً مكانك، وأنك سالم في أهلك؟ قال: والله ما أحب أني سالم في أهلي وأن محمداً صلى الله عليه وسلم، تصيبه شوكة في رجله.ولستُ أُبالي حين أقتل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يُبارك على أوصال شلو مُمــزع ولستُ بمبدي للعدوٍ تخشُعاً ولا جَزعـاً إني إلى الله مَرجعـيْ فقد تحولت وتوحدت الهموم عندهم في همٍ واحد، هو هَمُّ الإسلام، وكل ما يرتبط بالإسلام؛ رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم كتاب الإسلام، علماء الإسلام، دين الإسلام، مصلحة الإسلام، أصبح هذا هو الذي يشغل بالهم ويؤرق خواطرهم.
الهم يدل عليه العمل
أخيراً فإن هذا التوتر لقضية الإسلام، وهذا الهمُّ، لا بد أن يتمثل في شيء تقدمه للإسلام بعطاء، أو مشاركة، أو عمل قلَّ أو كثر، صغر أو كبر، تستطيع أن تقدمه للدين وتنفع به الإسلام والمسلمين، عطاءً يبدأ بالوعي والانتساب لهذا الدين حقيقةً، ولا ينتهي إلا بآخر نفس يخرج من الإنسان، فما دامت روح الإنسان في بدنه، فهو حريصُُ على أن يقدم العطاء.هذا العطاء الذي جعل عمر رضي الله عنه يقول فيما رواه البخاري تعليقاً، ورواه ابن حزم في المحلى وسنده صحيح يقول: [[والله إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة]] تزاحمت عنده الهموم والمشاعر، وكلها للدين، فيجهز الجيش وهو في الصلاة، ربما ضاق به الوقت، لم يتسع، والجيش على مشارف المدينة، فـعمر يفكر في الجيش، لو ولينا فلاناً، لو أمَّرنا فلاناً، لو أخرجنا فلاناً، لو وجهت الجيش كذا، وهو في الصلاة.هذا الهم هو الذي جعل الإمام الشافعي رضي الله عنه، يتقلب في فراشه حتى يبرق الفجر ما نام فيقول: [[إنه حل في تلك الليلة عشرين مسألة فقهية]].هذا الهم الذي جعل شاعراً من شعراء الإسلام، ورجلاً من رجالاته الكبار، يتكلم عن آلامه ومصائبه، وما يعانيه في عصرٍ كهذا العصر فيقول:قال الطبيب وقد أعيتهُ حالتنا ولم يُغادر لما يرجوه من سببِ كيف الشفاءُ بعيشٍ جد مُضطربِ والفكر في شغلٍ والقلبُ في تعبِ ما دُمت في بؤرة الأيامِ مُنتصباً للطعن والضرب لا رجوى لِمرتقبِ ولو ملكتُ خياري والدنا عرضت بِكل إغرائها في فنها العجبِ لما رأت غير إصراري على سنني وعادها اليأسُ بعد الهد والنصبِ قلبي خليٌ عن الدنيا ومُطَّلبي ربى فليس سرابُ العيشِ من أربِ هذا الشعور ربما أفلح واحد في التعبير عنه، لكنه شعور كثير من رجالات الإسلام ودعاته على مدار التاريخ، ويجب أن يكون هو شعوري وشعورك وشعورنا جميعاً.
 قصة ابن الزبير
وقل مثل ذلك في مثل آخر ربما يكون بعيداً، وهو أيضاً في صحيح البخاري عن وهبٍ أن أهل الشام عيروا عبد الله بن الزبير، وقالوا له: (يا ابن ذات النطاقين) فقالت له أمه: يعيرونك يقولون: يا ابن ذات النطاقين؟ قال: نعم! قالت: وهل تدري ما النطاقان؟ قال: لا، قالت: لما ذهب أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة شققت نطاقي -نطاق المرأة الذي تضعه في وسطها- فجعلته نصفين: أحدهما: لقربة رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني: لسفرته، ولذلك كانت ذات النطاقين، فتمثل ابن الزبير أو تمثلت أسماء بقول أبي ذؤيب الهذلي:وعيرني الواشون أنى أُحِبها وتلك شكاةُُ ظاهرٌ عنك عارُها هناك عيب أني ذات النطاقين، بل هذه محمدة وحسنة، وهذا البيت إنما تمثل به ابن الزبير رضي الله عنه أو تمثلت به أسماء، وإلا فالواقع أنه لـأبي ذؤيب الهذلي ضمن قصيدة يقول فيها:هل الدهر إلا ليلةُُ ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها أبى القلبُ إلا أم عمرو فأصبحت تحرَّق ناري بالشكاة ونارها وعيرنى الواشون أني أحبها وتلك شكاةُُ ظاهرٌ عنك عارُها فنحب منك يا أخي -جزاك الله خيراً، ونفع الله بك الإسلام والمسلمين- أن تعطي عطاء من لا ينتظر من أحد في الدنيا جزاءً ولا مثوبة، ولا ينتظر ثناءً من الناس، ولا مدحاً، ولا جاهاً، وإنما ينتظر الجزاء عند الله تعالى في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، نريد العطاء الذي ينبعث من ذاتك، غير مرتبط بزمان ولا بمكان ولا بظرف، فأنت تعمل على أن تقدم لدينك ما تستطيع في كافة الظروف، حتى وأنت على سرير الموت.
الأسئلــة

 تصور خاطئ لإقامة دولة الإسلام
السؤال يقول: إني أحبك في الله -جزاك الله خيراً- مشاعر وهموم، واهتمامات بالإسلام والمسلمين، أسأل الله أن يثيبنا وإياك ويقر عيوننا جميعاً بصلاح المسلمين، -اللهم آمين- يقول: إن هناك من يقول ويعتقد أنه ليس هناك من سبيل لرفع هذا الذل عن الأمة، وإقامة القرآن في الأرض من جديد، إلا أن يهبَّ أكثر الأمة الإسلامية إلى الجهاد في سبيل الله، على أرض يستطاع منها الجهاد -مثلاً- في أفغانستان، ومن هناك تقوم دولة الإسلام، ثم ينتشر جهاد الطلب لفتح البلاد وحكمها بالإسلام، ويقول: إن هذا هو الذي فعله صلاح الدين الأيوبي، أما غير ذلك كالتربية على الإسلام الصحيح بعد الدعوة إلى الله، فهذا أمرُُ لا يؤدي إلى شيء، بل قد يكون قعوداً عن دواعي النصر؟الجواب: بصراحة هذا موضوع سوف أخصص له درساً، مشكلتنا أن تفكيرنا غلط في كثير من الأحيان، ومشاعرنا أيضاً غلط في كثير من الأحيان لابد أن نصححه، ولا بد أن نكون شجعاناً وصرحاء مع أنفسنا، رأيت كثيراً من أحبتي الشباب اختصروا كل مشاكل المسلمين، وقضاياهم، ومآسيهم، ومصاعبهم، في شيء واحد اسمه "أفغانستان"، يا أخي أفغانستان على العين والرأس، وأفغانستان تعيش في قلوبنا، واثنتي عشرة سنة ونحن نعيش هماً اسمه أفغانستان، طالما عاش لها المسلمون وحزنوا، ورووها بدموعهم ودمائهم وأموالهم.لكن ليس صحيحاً أن ليس للمسلمين مشكلة سوى أفغانستان، وأن المسلمين يجب أن يهاجروا إلى أفغانستان، وأن الإسلام سوف ينطلق من أفغانستان.هذا التصور تصور فيه قدر كبير من السذاجة، المسلمون الآن عندهم عيوب في داخلهم، مستوى الوعي عند المسلمين ضعيف، ومستوى التفكير عند المسلمين ضعيف، وتقدم المسلمين في المجالات العلمية ضعيف، والتزام المسلمين بدينهم ضعيف، وعقائد المسلمين تحتاج إلى إصلاح، كثير منهم لم يفهموا عقيدتهم فهماً صحيحاً، فالحقيقة أن العناية بالمسلمين في كل مكان هو الواجب، وإذا لم تحدث تلك العناية، فقد تتحول كثير من بلاد المسلمين إلى أفغانستان أخرى.ثم نقول للإخوة: أفغانستان بلد أهله مسلمون، لكن في أفغانستان من السلبيات مثلما في البلاد الإسلامية الأخرى، الجهل، التعصب المذهبي، الضعف في العقائد، وجود خلل، وجود تناقض واختلافات، وجود مشاكل، هذا أمر موجود في أفغانستان كما هو موجود في أي بلد إسلامي آخر، فلماذا نتصور أن أفغانستان مجموعة من الصالحين، أو نصور هذا للناس؟ فإذا ذهب بعض الشباب بهذه النفسية وجدوا هناك بعض الانحرافات وبعض الأخطاء، وبعض الاختلافات، ووجدوا ووجدوا، أقول: ربما انصدم بعضهم، أو انكسروا، وربما رجعوا بغير الوجه الذي ذهبوا به، لماذا لا نكون صرحاء مع أنفسنا؟ لماذا لا نواجه واقعنا بوضوح؟ لماذا لا نكون واقعيين؟ لماذا لا نكون معتدلين في أحكامنا؟ كنت ولازلت مؤيداً لقضية أفغانستان، وأدعو إلى التبرع لـأفغانستان، وأقول: إن قضية أفغانستان هي من أهم قضايا المسلمين، وهي دليل على مدى صدق الإنسان في تبني قضايا المسلمين، فلا بد أن يهتم المسلم بقضية أفغانستان.لكن يهتم بها من كل وجه، يهتم بالإصلاح بين المجاهدين الأفغان، يهتم بتصحيح تصورات وعقائد وأفكار ونظرات المجاهدين، سواء كانوا من الأفغان، أم من العرب الذين يقيمون هناك، أما تصور بعض الشباب أنه بمجرد ما يحمل الإنسان السلاح، فقد زالت كل المشاكل، وانحلت كل الأمور، يا إخواني هذا تصور فيه كثير من السذاجة.وأرجو أن لا يفهم هذا الكلام المختصر خطأً.اللهم أصلحنا، وأصلح بنا يا حي يا قيوم، اللهم اهدنا سواء السبيل، رب إني لما أنـزلت إليّ من خير فقير، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , من يحمل هم الإسلام للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net