اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقياس الربح والخسارة للشيخ : سلمان العودة


مقياس الربح والخسارة - (للشيخ : سلمان العودة)
الحياة صورٌ يومية، ربحٌ وخسارة، أشكالٌ مختلفة من الآلام والآمال ولا يدري الإنسان ما هو الربح فيهما وما هي الخسارة، فرب محنة تحمل منحة، وليس ذلك إلا لأن الدنيا لا تصلح مقياساً لمعرفة الربح والخسارة، فتأمل في هذه الأشكال وتعرف على مواطن الربح بصبرك وامتثالك لأوامر الشرع ومرضاة الله سبحانه وتعالى.
صور من حياة الناس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]أما بعــــد:فيا أيها الأحبة..إنها لفرصةٌ طيبة أن ألتقي بوجوهكم المشرقة بنور الإيمان؛ وأن أتبوأ معكم هذا المجلس، الذي يتنسم منه الإنسان عبق الخير والتقوى، فأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المتحابين فيه، وأن يجعلنا من المتواصين بالحق والمتواصين بالصبر، وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى.عنوان هذه المحاضرة (مقياس الربح والخسارة) وهي تنعقد في هذه الليلة، ليلة الحادي عشر أو الثاني عشر من شهر شعبان لسنة 1413هـ في هذا المسجد العامر، جامع الإسكان بـجدة، وفي مقدمة هذا الحديث مجموعة من العناوين:
 طاغيةٌ مستبد
وأخيراً: ذلك الطاغية المتأله المستبد، الذي يقول: "أنا" ولو هلكت الأمة، والذي استأجر الكرسي من الأجنبي باقتصاد بلاده يضخه في بنوكهم، وأعرب عن صدق ولائه؛ بزج عشرات الألوف من المخلصين، والغيورين، والخبراء والعلماء في السجون والمعتقلات، وتعليق آخرين على أعواد المشانق، ومحاربة أي بادرة تغيير أو إصلاح، وتعهَّد بجعل بلاده بلاداً فقيرة متخلفة مستهلكة لضمان سيرها الدائم في ركاب الكافرين؛ فباع الآخرة واشترى الدنيا قال تعالى: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38] وباع الحرية واشترى الذل والعبودية، وقد تعس عبد الدرهم، وتعس عبد الدينار، وتعس عبد القطيفة، وتعس عبد الكرسي، أو المنصب، وباع الأمة بثمنٍ بخس دراهم معدودة، فصادر حريتها وكرامتها وإنسانيتها، وجعلها أشباحاً هائمة لا تدافع عن دين، ولا تنفع في دنيا، ولا تحسن إلا الأكل والشرب والجماع، حياةً كحياة البهائم.ثم يعيش حياته تلاحقه الأشباح؛ أشباح المنكوبين، وهب أنه عاش ما عاش، قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] أتراه ربح أم خسر؟ وما مقياس الربح والخسارة!!
قاعدة قرآنية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيموَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].
 التواصي بالصبر
ثم قال: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] والصبر من الحق، فالتواصي بالحق هو أيضاً تواصٍ بالصبر، ولكن الله تعالى نص على الصبر بالذات، لأن الإنسان يحتاج إلى الصبر، فهو قد يؤمن، لكن لا يصبر على الإيمان، فيضيع أو ينحرف بعد الهدى، أو يفتر بعد الإيمان، ولهذا استعاذ عليه السلام: {من الحور بعد الكور} وقال: {يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك} وكم من إنسانٍ عاش ردحاً من زمنه في بحبوحة من الإيمان والتقوى، والعلم النافع والعمل الصالح؛ ثم كان أمره كما ذكر الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:175-176] إذاً العبرة بالاستقامة قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [الأحقاف:13] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قل آمنت بالله ثم استقم} وقال تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] فالعبرة بالثبات، والعبرة بالخواتيم، والأعمال بالخواتيم.وقد يعمل الإنسان الصالحات لكنه لا يصبر عليها، فتثقل عليه ويعجز عنها، وينوء بحملها؛ فيتخلى عنها تدريجياً، حتى أنه ربما قصر في الفرائض، أو صار لا يأتي الصلاة إلا دبارا، ولا يقيم الفرائض إلا في تثاقلٍ عظيم، فهو يحتاج في الإيمان إلى الصبر، ويحتاج في عمل الصالحات إلى الصبر، ويحتاج في التواصي بالحق إلى الصبر؛ فربما أوصيت إنساناً بالحق فلم يقبل منك، فتعجز عند ذلك وتستيئس، وتترك أمره ونهيه لا! عليك أن توصيه بالصبر، وتوصي نفسك بالصبر أيضاً، فلا بد من الصبر في كل هذه الأمور كلها.وذكر الصبر هو إشعارٌ وإرهاص بأن الطريق طويلٌ وشاق، ومليء بالأشواك والعقبات والمصاعب، وإشعارٌ أن الإنسان لا يستطيع أن يجتاز هذه المراحل الطوال إلا بالصبر، قال تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46] وقال صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: {ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء أوسع من الصبر}. فهذه السورة العظيمة التي دلت على هذه المعاني، هي مقياس الربح والخسارة في الدنيا والآخرة.
وقفات سريعة

 كلمة في الدعوة ننتظرها منك
الوقفة الخامسة: الكلمة التي ننتظرها منك، أنت شخصياً، ليس شرطاً أن تكون جديدةً لم تسبق إليها، ولا ابتكاراً لم يتفطن لها أحد، ولا معنى غاب عن ذهن فلانٍ وفلان، هذا ليس بلازم؛ بل من الممكن أن تذكِّر أنت بالشيء المعروف، فتوصي العالم أو الداعية، أو المسلم العادي بالإيمان، أو بالتقوى أو بالصبر، أو بالإخلاص لله تعالى في عمله، أو تحذره من الظلم أو من الانحراف، أو من العجب أو من الغرور، أو من العجلة والطيش.. إن هذا هو الذي يصنع الرأي العام في الأمة حقاً، وما ظنك بإنسانٍ -أي إنسان- وصلته مائةُ رسالة كلها ليس فيها إلا: اتق الله ودع ما تصنع، وتذكر الإخلاص لله تعالى فيما تعمل، أو فيها انتقاد على قول أخطأ فيه، أو على فعلٍ أو موقف اتخذه، لابد أن يعرف هذا الإنسان عيوبه ويراجع موقفه؛ فإن كان فعله عن اجتهاد؛ محِّصِ الرأي من جديد، وإن كان فعله عن هوى، فربما ارتدع عن هواه.
متى بداية العلاج
رابعاً: متى نبدأ بالعلاج؟ إنني أعتقد أن الأمة الآن في مرحلة الشعور بالمرض، ولكنها لم تصل بعدُ إلى مرحلة معالجة هذا المرض، والبدء الحقيقي بإزالته.كتب إلي أحد الإخوة -بالأمس القريب- رسالةً يشكو فيها أنه في إحدى المحاضرات: خرج الرجال والنساء فاختلط بعضهم ببعض، وكان هناك بعض السفور، وبعض التجاوزات من بعض الأخوات الحاضرات، فينتقد الأخ الكريم أنه لم يسمع من أحدٍ من الشباب أمراً بالمعروف، ولا نهياً عن المنكر ولا حثاً على الحشمة، ولا نهياً عن السفور، نعم! هذا الأخ لعله -وليسامحني- واحدٌ من الذين مروا بالموقف، وما أمروا ولا نهوا، لكنه اكتفى بأن كتب سؤالاً في إحدى المحاضرات، وربما كان الشعور الذي عنده عند آخرين كثيرين، لكن لم يجرؤ أحدٌ على أن يقول: هذا حرام أو هذا لا يجوز، أو يأمر بمعروفٍ، أو ينهى عن منكر.إذاً: هذا شعورٌ بالمرض، وهو مرضُ السلبية -منا جميعاً- ولكن لم ينتقل الأمر إلى المعالجة، وربما كلٌ منا يقول -مع الأسف- لم أر أحداً أنكر، ولم أسمع أحداً تكلم، وهو المتحدث نفسه جزءٌ من المشكلة.والمشكلة لا تنحصر في هذا المثال الذي ضربته، فهذا مثالٌ وقع أمس، المشكلة أعوص من ذلك، وأهول وأطول.
 وجود رأي عام للمسلمين
إن مشكلة الأمة أمام هذه الملمات العظام، هي ذاتها مشكلة ذلك الأخ الذي يقول: لم يتكلم أحد ولم ينكر أحد، وكلنا نقول ذلك، لقد شعرنا بالمرض، ولكننا لم ننتقل بعد إلى العلاج، فلا بد من تكوين رأيٍ عامٍ في الأمة يتعاطف مع قضايا المسلمين جميعاً، ويحس بآلامهم، بل لا بد من رأي عامٍ يعرف المعروف ويأمر به، ولابد من رأيٍ عامٍ ينكر المنكر وينهى عنه، ولابد من رأيٍ عامٍ يقول للمحسن: أحسنت، ولابد من رأيٍ عامٍ يقول للمسيء: أسأت بغض النظر عمن يكون، وحينئذٍ تمتنع الأمة من الظلم فلا تقره ولا تقبله، وتمتنع من الاستبداد فلا ترضاه، وتمتنع من عدوها الكافر فلا تهادنه ولا تداهنه، ولهذا مدح عمرو بن العاص رضي الله عنه كما في صحيح مسلم لما ذكر له حديث النبي صلى الله عليه وسلم: {تقوم الساعة والروم أكثر الناس} قال: [[إن فيهم خمس خصال -ثم قال بعد ذكرها- وخامسة حسنة جميلة وهي: وأمنعهم من ظلم الملوك]] أي أنهم أمنع الأمم من ظلم الملوك، يمتنعون من الظلم والعدوان فلا يقرونه، ولا يقبلونه، ولا يطمع فيهم أحد، ولا يظن أحد أنه يملك قيادهم فيهجنهم ويدجنهم.إن الظلم الذي تعانيه الأمة الإسلامية اليوم ليس مسئولية الحاكم وحده، فهاهو فرعون استخف قومه فأطاعوه، ولكنه أيضاً مسئولية الشعوب التي استناخت لهم فركبوا، وسكتت فأمعنوا، قال الله تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِي * فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف:54-55] تأبى عقيدتنا تأبى أصالتنا أن يصبح العرب أجيالاً وقطعانا فلا لشرق ولا غرب نطأطؤها بل ترفض الجبهة الشماء إذعانا<
أرباحٌ أم خسائر؟!
والبعض جبلوا على أنهم يريدون الأشياء الطيبة ولكن دون عناء وكلفة، فهم يعيشون أحلاماً لا رصيد لها من الواقع، وأمنيات مجردة لا تشبع جائعاً ولا تروي عطشاناً.وإذا كنا نسلم بأن واقع الأمة واقعٌ مريض، لا أقول: منذ سنوات بل ربما منذ قرون، أفلا يحق لنا أن ندرك أن التغيير يتطلب كثيراً من التكاليف وكثيراً من الآلام؟حين قام الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته في أنحاء مكة، أما عد المشركون -عمله هذا ودعوته إلى التوحيد- تمزيقاً للوحدة الوطنية، وتشتيتاً لكلمة القبيلة، وتمهيداً لحرب أهليةٍ ضروس قامت فعلاً في بدر، فالتقى القرشي مع القرشي، بل التقى الأخ مع أخيه، والقريب مع قريبه، وابن العم مع ابن عمه، والأب مع ولده، نعم! هي حربٌ أهلية؛ لكن بين من ومن! بين الإسلام والكفر، بين التوحيد والشرك، بين الإيمان والجاهلية؟! أما قال المشركون: إن هذا سعيٌ في قطيعة الرحم، على الرغم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا بصلة الأرحام؟! أما اعتبروا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فتنةٌ تهدد سيادتهم على العرب وعلى الجزيرة العربية؟ بلى! لقد قالوا ذلك وأكثر منه، قالوا: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:30-34] ولا بأس أن نقضي بعض الوقت مع بعض الأمثلة المهمة:
 سقوط الشيوعية
المثال السادس: ولعله يبدو غريباً بعض الشيء، سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، يقول بعضهم ويتساءلون: ربما كان بقاء ذلك الاتحاد على الرغم -مما فيه- ضماناً للأمن في تلك الديار، وحفظاً للنظام العام، وسلامةً من الحروب المدمرة، وكلما حصلت مصيبةٌ من هذا القبيل، وانهدت مثل هذه الدولة العظيمة أو الإمبراطورية الواسعة؛ انتشرت الزعازع، واتسعت الحروب الأهلية، ودامت المصادمات بين الدول، بل وُجد ما يشبه التحضير لمعارك -طويلة الأجل- وطويلةَ المدى، وربما كانت في نظر بعضهم منطلقاً لشرارةٍ حربٍ واسعة النطاق، خاصةً مع ظهور نشاط ما يسمونهم هناك بالقوميين.فهل صحيح أن سقوط الشيوعية لم يكن خيراً؟لقد نسي هؤلاء أن الشيوعية أغلقت جميع الطرق في وجه الإسلام، جميع الطرق بلا استثناء، وأن الإسلام رابحٌ من سقوط الشيوعية بكل حال، لأنه لا يتصور للإسلام والمسلمين في روسيا، -بل ولا في البلاد التي تهيمن عليها- وضعٌ أسوء من الوضع الذي كان الإسلام والمسلمين فيه أيام الشيوعية، فكل وضعٍ بعده فهو خيرٌ منه، وأهون منه، وكل مصيبةٍ بعده فهي جلل أي: هينة، ففي ظل دكتاتورية الشيوعية وهيمنتها؛ فقد المسلمون كل شيء، فأي تغيير هو -والله تعالى أعلم- في صالح الإسلام، ثم هب أن حرباً واسعة النطاق شبت، ودخلت فيها أطراف دولية كما يقال، ألا تدري أن الإسلام هو أقل المتضررين من حرب كهذه، لأنه أيضاً هو أقل المنتفعين بإنجازات الحضارة المادية المعاصرة! وإذا لحق بالعدو ضررٌ جسيم عظيم؛ ولحق بي وبك ضرر قليل؛ فربما كانت النتيجة لمصلحتي ولمصلحتك، وليس الأمر كما يتوقع بعض الدارسين، أن سقوط الحضارة المادية الذي نتمناه ونبشر به، وننتظره وعداً من رب العالمين، ليس معنى ذلك التدمير الكامل للحضارة، والقضاء على كل التيسيرات المادية وكل الخدمات التي انتفع بها الإنسان، هذا ليس بلازم، ولكن الصورة المتوقعة -والله تعالى أعلم- هي أن تنكفئ تلك الدول الكبرى على نفسها، وتنشغل بهمومها وتنهمك بمعالجة اقتصادها أو أمنها، أو مشاكلها الداخلية عن التدخل الخارجي، وعن التدخل في بلاد الإسلام والمسلمين بالذات، هذا مع أن الأدلة القريبة والقرائن كلها، توحي -والله أعلم- بأن الحرب الأهم والأقوى سوف تكون حرباً اقتصادية.- انهيار الاقتصاد الأمريكي:إذا كان الاقتصاد هو أحد الأسباب المهمة التي عجلت بسقوط الاتحاد السوفيتي، فإن الدراسات الاقتصادية المتخصصة تبشر بانهيار الاقتصاد الأمريكي أيضاً، حيث بلغت مديونيته الآن ما يزيد على ثلاثة ونصف تريليون، وهذا رقم فلكي كبير، وتقول الدراسات إن من المتوقع أن تقفز هذه المديونية في نهاية القرن إلى ما يزيد على اثني عشر تريليوناً، وسيضطر الأمريكان إلى أحد ثلاثة حلول:الحل الأول: هو أن يعلنوا عجزهم وإفلاسهم، وهذا لن يتسبب في انهيار الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل سيتسبب في انهيار الاقتصاد الأمريكي، وانهيار اقتصاد جميع الدول التي ربطت نفسها بـأمريكا، وبالاقتصاد الأمريكي، وبعملة الدولار.الحل الثاني: هو أن يعالجوا الوقف؛ بطبع المزيد من الورق النقدي دون رصيد يغطيه، وذلك لتغطية العجز الحاصل، وهذا قد يؤخر علمية الانهيار؛ فبدلاً من أن تأتي بسرعة، فإنها تأتي بصورةٍ تدريجية.الحل الثالث: هو التدخل في المناطق الغنية من العالم كـأوروبا، ودول النفط الخليجية، وإيران، وبعض المناطق الإفريقية التي تدل التقارير على وجود النفط فيها، وتحذر تلك التقارير -وهي تقارير مهمةٌ وخطيرة- تحذر من الارتباط بالاقتصاد الأمريكي، كما هو الحاصل في الدول العربية الغنية، ومغبة ذلك على اقتصاد البلاد.إذاً: من الصعب ونحن نتحدث عن التجربة الشيوعية، وأنَّ سقوطها كان خيراً، بالرغم مما ولده ذلك من وجود حروب، ومشاكل بين الدول المتجاورة، واحتمال أن يحدث انفجارات متعددة وطويلة، على رغم ذلك كله فلا شك أن سقوط الشيوعية كان خيراً للإسلام، وكان خيراً للمسلمين، وقد تنفس المسلمون الصعداء على الرغم -أيضاً- أن ثمة مشاكل واجهوها -كما أسلفت- ففي طاجكستان قتل منهم قبل أيام ما يزيد على خمسة عشر ألف إنسان وجرى نهر جيحون لساعات دماً أحمر من دماء المسلمين، وفي الأنقوش حيث دفن منهم ما يزيد على ثلاثة آلاف من الكبار والصغار والنساء والأطفال، وفي أذربيجان وفي غيرها؛ لكن مع ذلك كله، فهذا الوضع بكله وبتناقضاته، وبسلبياته هو أفضل عشرات المرات من الوضع الذي كان يعيشه المسلمون في ظل جحيم الشيوعية في دائرة الستار الحديدي.إذاً: فمن الصعب أن يحكم الإنسان على تجربة ما من خلال النظر إلى فترة محدودة من الزمان ولا بد أن يستكمل الصورة من أولها إلى آخرها.إن استتاب الأوضاع واستقرارها في روسيا، أو في غيرها ليس هو المطلب الوحيد للإسلام، لا!.المطلوب أن تستتب الأوضاع في ظل نظام يحكم بالإسلام، أو على أقل تقدير أن تستتب الأوضاع في ظل نظامٍ يكون أفضل للإسلام مما عداه، وأي خير أصاب الإسلام والمسلمين من قوة القبضة البعثية في بلاد الإسلام المرتبطة بالشرق أو قوة القبضة العلمانية في البلاد الإسلامية المرتبطة بالغرب، سواى استخدام الآلة العسكرية، والآلة الأمنية والآلة الإعلامية في محاربة الإسلام والمسلمين.أيها الأحبة: إن الكثير من العقلاء يتطلعون إلى الإصلاح بألوانه، فيتطلعون إلى الإصلاح العلمي والتعليمي؛ ولكن لا قدرة لهم على تحمل الرد، والنقد والمناقشة والتخطئة، والكثيرون يتطلعون إلى الإصلاح الاجتماعي؛ ولكن لا قدرة لهم على تحمل قالة الناس، ونقد المجتمع، واستنكار القوم، والكثيرون يتطلعون إلى الإصلاح الدعوي، لكن لا قدرة لهم على الجهر بذلك، وتحمل تبعاته، والكثيرون يتطلعون إلى الإصلاح السياسي، ولكن لا قدرة لهم على تحمل الآلام والمتاعب التي سيلقونها، والكثيرون يتطلعون إلى الإصلاح الاقتصادي، والإداري وغير ذلك؛ ولكن أين المستعدون لتحمل التبعات؟ إنهم قليلون! إن المستعدين للصبر على التضحيات وتحمل الآلام أقل من القليل وأقل منهم -أيضاً- أولئك المستعدون لتحمل مسئولية الخطأ -إذا تبين أنه خطأ- وليس بد من أن يقع الخطأ مع الاجتهاد، ومع بذل الوسع والطاقة فإن الإنسان بشر {وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون} كما نطق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وكما قال تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].إذاً: فمقياس الربح والخسارة، ليس وجود ردة الفعل، أو الاستجابة العكسية، بل على قدر أهمية العمل وجديته وفاعليته وقوته وتأثيره تكون عداوته، والصراع أمرٌ فطري لابد منه، فإن كان ثمة حيلة في تأجيل الصراع، أو في تقصيد الصراع، فإنه لا حيلة أبداً في دفعه والله تعالى وحده هو المستعان.
الأسئــلة

  الشهادة العلمية ... ما جدواها؟
السؤال يقول: كثيرٌ من الشباب والشابات يعتقدون أن الربح في هذه الحياة الدنيا، هي الشهادة، والعلوم التي يدركونها في الوقت الحاضر، وينسون أن هذه قد تكون خسارة؛ لأنهم يبتعدون عن العلم الشرعي والدعوة إلى الله تعالى، فهل من كلمة توجيهية؟الجواب: إذا كانت هذه العلوم التي يدرسونها علوماً مباحة، وهم يتوصلون بها إلى أمرٍ مباح؛ فلا يمكن أن نصفها بأنها خسارة، لكن إن أحسنوا فيها النية والقصد، وعمدوا إلى خدمة الأمة، وسد الفراغ والمساهمة، والمشاركة والدعوة، فهم مأجورون، وإن كان الأمر خلاف ذلك، فاستغلوا ما وهبهم الله في المعصية والإثم، فهم على ذلك آثمون مأزورون.أما العلم الشرعي: فهو أفضل العلوم وتاجها ولبها، ومن يرد الله بها خيراً يفقه بالدين، فأي خير أعظم من هذا الخير.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقياس الربح والخسارة للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net