اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دلوني على سوق المدينة للشيخ : سلمان العودة


دلوني على سوق المدينة - (للشيخ : سلمان العودة)
التكسب وطلب الرزق الحلال وظيفة المؤمن أياً كان وله في ذلك وفي سبيله وسائل متعددة ومتنوعة يحدوه في ذلك إرضاء الله تعالى وأمله الاستغناء عن الناس والتوكل على الله شعاره، والإسلام لا يبيح العجز والكسل بل هو دعوة للعمل.
أهمية موضوع: دلوني على سوق المدينة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته،،،أيها الإخوةُ الأحبةُ الكرام: هذا الدرس الثامن والثمانون من سلسلة الدروس العلمية العامة، بالجامع الكبير بـبريدة، في هذه الليلة ليلة الإثنين (18 ذي القعدة، لسنة 1413هـ).وعنوانه: (دلوني على سوق المدينة).وقد كنت أعلنتُ عن هذا الدرس على مدى أسبوعين، ثم تأجل لأسبابٍ طارئة، وهذا أوان الوفاء بما كنت قد وعدتكم به، ومما هو جديرٌ بالذكر، أنني علمت بعد أن ذكرت لكم عنوان الدرس، أن أخي فضيلة الشيخ عبد الوهاب بن ناصر الطريري خطب خطبةً ووضع لها هذا العنوان وهو "دلوني على السوق".وحقاً لم أعلم بذلك إلا بعد أن غادرت المسجد، فكان هذا محض اتفاقٍ وقدر، والحمد لله على ذلك، فإنه يدل على أن هذه الفكرة التي نتحدث عنها، وندعو إليها، هي همٌ مشترك بين مجموعات من طلبة العلم.
 المال عصب الحياة
وأخيراً: فإن المال كما يُقال عصب الحياة، وهو سرٌ من أسرار النجاح، للفرد والجماعة والأمة، فالاقتصاد يجب أن يوظف لخدمة الدين، والدعوة إلى الله عز وجل، وإغناء المسلمين عن الكافرين، والإفادة مما وهب الله تعالى في هذه الدار، قال سفيان الثوري رحمه الله: ما كانت العِدة أو العُدة في زمانٍ أصلح منها في هذا الزمان، والأثر رواه أبو نعيم.ومعنى كلام سفيان -رحمه الله-: أن إعداد المال، واقتناءه ربما كان محتاجاً إليه في كلِّ وقت، لكن في زمانه على سبيل الخصوص زادت الحاجة!! لأن به يحفظ الإنسان عن إراقة ماء وجهه فيما لا يحل، أو التعرض للسؤال، أو الضعف، أو الحاجة إلى من بيدهم المال، فإذا كان هذا الكلام في زمان سفيان، فما بالكم بوقتنا هذا الذي يتنافس العالم فيه، في مجالِ الاقتصاد وفي مضماره.إننا محتاجون إلى أن نتحدث طويلاً عن هذا الهم؛ الهم الاقتصادي، وهذا الدرس هو الدرس الثاني بعد الدرس الأول، الذي كان بعنوان (دعوةٌ للإنفاق) وهناك إن شاء الله تعالى، مجموعةٌ أخرى أسأل الله تعالى أن يوفقنا إليها.
سُنةً مأثورة
ثانياً: سُنةٌ مأثورة:
 السلف الصالح والتجارة
بل قد كان المهاجرون والأنصار، يعملون في الزراعة، أوفي التجارة أو في الحطب، أو في الاستيراد، أو في غير ذلك، وكلهم كانوا مثل عبد الرحمن بن عوف، حتى نتج عن ذلك نشاطٌ اقتصاديٌ واسعُ النطاق، وكان الأنباط يتبادلون السلع والبضائع مع المدينة، كما هو معروفٌ في قصة كعب بن مالك وهي في الصحيحين، في قصة النبطي الذي كان يسأل عن كعب بن مالك.ولهذا كان أهل العلم، والجهاد، والدين، يتواصون بالعمل في التجارة، لا أقول أهل الدنيا، ولا أقول أهل المال، ولا أقول أهل السلطة، وإنما أقول أهل العلم، والدعوة، والجهاد، كانوا يتواصون بذلك.وهذا أبو قلابة رضي الله عنه يوصي أيوب السختياني، فيقول له: الزم السوق، فإن الغنى من العافية، وهذا الأثر رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم وسنده صحيح.وهذا إسحاق بن يسار يمر بالبزازين الذين يبيعون الثياب، فيقول لهم: يا معشر البزازين! الزموا تجارتكم.هل تراه وقف عليهم ليقول لهم: القوا ما أنتم فيه، واتركوا ذلك، واذهبوا إلى الكهوف والمغارات لتعتزلوا فيها؟! كلا بل يقول: يا معشر البزازين، الزموا تجارتكم فإن أباكم إبراهيم عليه السلام كان بزازاً، أي: يبيع الثياب، وهذا الأثر رواه أبو نعيم وسنده جيد.وشعبة رضي الله عنه وهو من أتباع التابعين، يقول لتلاميذه يربيهم على العلم، وعلى العبادة، وعلى الخير والجهاد، ومن ضمن كمال التربية أنه يعطيهم تعليماتٍ صريحة يقول لهم: الزموا السوق، وهذا الأثر مروي في الجعديات، وسنده صحيح.وقال رجلٌ للإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: إني رجل غني، وذو كفاية، فماذا ترى لي؟ قال له الإمام أحمد: الزم السوق، تصلُ به الرحم، وتعودُ به على عيالك، وهذا الأثر رواه الخلال وابن الجوزي، رحمه الله تعالى. أما سفيان الثوري -رحمه الله- فيقول لك: عليك بعمل الأبطال.ونحن نعرف أن الأبطال يخوضون المعارك، وأن الأبطال يقولون كلمة الحق، ونعرف أنهم يموتون في سبيل الله؛ ولكن سفيان يقدم لك تعريفاً جديداً للأبطال، وهو صحيحٌ أيضاً.(عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال).
الأثرياء من الصحابة
لعل من المناسب أن أعرض لكم كشفاً بحساب بعض العشرة المبشرين بالجنة، لتدرك أن جمع المال لا يناقض الزهد، ولا ينقض الطمع فيما عند الله عز وجل، فهؤلاء الذين منحهم النبي صلى الله عليه وسلم شهادةً صادقةً مصدقةً بدخول الجنة: {أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليٌ في الجنة}...الخ.فهؤلاء العشرة كان أكثرهم من أصحاب الأموال الضخمة، ومن أغنى أغنياء المسلمين، وقد رأيت أن أعرض لك بعضهم، لأن الوقت لا يتسع لجميعهم.
 عبد الرحمن بن عوف
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه باع على عثمان أرضاً له، بأربعين ألف دينار، وقسم ذلك بين فقراء بني زهرة، وفقراء المهاجرين، وأمهات المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه.قال ابن عبد البر رحمه الله: كان عبد الرحمن بن عوف، وهو صاحب "دلوني على سوق المدينة" قال ابن عبد البر: [[كان مجدوداً أي "محظوظاً" بالتجارة، خلَّف ألف بعير، وثلاثة آلاف شاه، ومائة فرس، وكان يزرع بالجرف -وهو موضع، على مسافة ثلاثة أميال من المدينة تقريباً إلى جهة الشام- وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضح]].وهكذا سعد بن أبي وقاص، كان من الأغنياء المشتغلين بالزراعة، ولما حصلت الفتنة، ترك البلاد، وذهب إلى مزرعته يشتغل فيها وأعرض عن الناس.
أين الزهد إذاً؟

 حقيقة الزهد
إن الزهد ليس هو الفقر، وليس هو أن تُعرض عنك الدنيا، فتعرض عنها؛ ولكن الزهد أن لا يكون المال في قلبك، ولو كان المال في يدك.ولهذا الإمام أحمد وغيره من السلف، قالوا في الزهد: أن يكون عندك المال، فلا يستبد بك الحزن إن نقص، ولا يستبد بك الفرح إن زاد، بل إن زاد المال أو نقص فالأمر عندك سواء، وهؤلاء هم كبار الزهاد من الصحابة رضي الله عنهم، قد رأيت أموالهم، فهل رأيتهم أنهم جزعوا على فائتٍ من الدنيا؟ كلا، بل كان الواحد منهم وهو على فراش الموت يقول: لا أفلح من ندم، غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه صلى الله عليه وسلم فهم ما أسفوا على الدنيا كلها يوم زالت، بل كانوا يخوضون المعارك، ويتعرضون للموت أو القتل، رجاءَ نيلِ الشهادةِ في سبيل الله، ما ألهتهم تلك الأموال عن المجاهدة، وهذا هو سر العظمة، والنبوغ والكمال، الذي وجد في ذلك الجيل، ولم يوجد فيما بعدهم إلاَّ قليلاً!، نعم وجدنا من بعدهم أناساً إما أن يكونوا أغنياء، معرضين عن الآخرة، أو أن يكونوا من أهل الآخرة؛ ولكنهم ليسوا من الدنيا في قليلٍ ولا كثير، ولا قبيلٍ ولا دبير.إذاً هذا الوضع الذي تعيشه أنت، في قلةِ ذات اليد، أتراه زهداً، أم أنه الكسل، وحب الراحة، والخرق كالعمل؟ سَمِّه أيَّ شيءٍ أحببت، بارك الله فيك؛ لكن إياك أن تسميه زهداً!!وكيف تسميه زهداً! وأنت تترك الكسب الحلال، وتذهب إلى مكاسب وطرق مذمومةً شرعاً.إن كون الإنسان يتعرض للتجارة والبيع والشراء، خير من أن يأخذ من الناس أُعطياتهم، أو أن يتعرض لسؤال واحدٍ منهم.
من فوائد التجارة

 تحقيق الأمن الاجتماعي للمسلمين
تحقيق الأمن الاجتماعي للمسلمين والاقتصادي والغذائي، كما أسلفت، وينبغي أن نعلم أيها الإخوة.. أن الأمة التي لا تملك اقتصادها، لا تملك قرارها، فالدول الغربية أحياناً تقع رهينةً للشركات الكبرى، حتى الولايات المتحدة وغيرها تقع رهينةً للشركات الكبرى، وقد تُصدر قرارات مراعاةً للشركات، فقد تصدر قراراً ببيع بعض الطائرات، مع أن هذا القرار لا يخدمها سياسياً؛ ولكنه لضغوطٍ من شركات تصنيع الطائرات، إلى غير ذلك.فتصبح القرارات السياسية رهينةً لإرادة ورغبة الشركات الكبرى، وهكذا الأمر بالنسبة لمجتمعات المسلمين، فالذي يملك التجارة يؤثر في الناس، ويضغط عليهم، ويستطيع أن يؤثر في اتجاهاتهم، ونحن جميعاً نذكر القصة التي رواها مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة، وهي قصة ثمامة بن آثال الحنفي رضي الله عنه الذي أسلم، وقال لقريش: [[والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم]].
قواعد عامة في التجارة

 لا تشغلك التجارة عن ذكر الله
وأخيراً: وهذه هي القاعدة الأخيرة، أتوج بها تلك القواعد، ألا تشغلك التجارة، ولا الصفق في الأسواق عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والدعوة، وطلب العلم، والجهاد، بل عليك بالاعتدال في ذلك كله، وأن تكون أسوةً حسنة، فإنه استقر في أذهان بعضهم، أن الاشتغال بالتجارة يعني الإعراض عن الآخرة، حتى لو رأينا واحداً من أصحابنا، وربعنا قلنا إنا لله وإنا إليه راجعون، فلانٌ قد تغير!! ما الخطب؟! قال: والله رأيته يتاجر، هذا عمل مباح، بل مشروع، إذا أراد به وجه الله عز وجل، ولا بد للأمة من مثل ذلك.أما تلك الأفكار المستقرة في نفوسنا، التي تجعل الواحد يتهيب، ويخجل، ويستحي، فينبغي أن نـزيلها، أما شدة الرقابة على النفس، والملاحظة، وألا يتحول الإنسان إلى عبدٍ في الدنيا يركض وراءها، فلا شك أن هذا من أهم ما ينبغي السعي إليه، والحرص عليه ومن الطريف أنني حينما أعلنت عن هذا الدرس، جاءتني عدد من القصاصات، من بعض الإخوة، يقولون: نخاف ونخشى أن يتحول الأمر!! على كل حالٍ يا أخي إلى الآن ما بدأنا حتى تخاف وتخشى، من المفروض أن ينـزل الناس إلى السوق، وإذا نـزلوا إلى السوق، نقول لهم بارك الله فيكم انتبهوا، لا تلهيكم التجارة والمال عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ولا تغفلوا عن حفظ القرآن، ولا عن حفظ السنة، ولا عن الجهاد، ولا....الخ، أما قبل ذلك، وأن يكون هذا الأمر حاجزاً لنا عن العمل، فلا ينبغي.
طرق الكسب
طرق الكسب كثيرة أيها الأحبة.. والمهم فيها هو المباح، والبعد عن الحرام، فبعضهم يعيشون كما عبرَّت قبل قليل، يعيشون حساسيةً من بعض الأعمال، وكراهيةً في نفوسهم بسبب الإرث الاجتماعي، أو التقليد الموروث، ويخجلون أن يراهم الناس على هذه الأعمال، وهذا ليس من الرجولة في شيء، ولا من الدين.قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: باب ما قيل في الصواغ، باب ذكر القين والحداد، باب الخياط، باب النساج، باب النجار، باب اللحام والجزار، باب العطار وبيع المسك، باب ذكر الحجام، ليس حسناً ولا جيداً أن تُلهي الشاب، نظرةٌ إلى هندامه، وتأملٌ في عطفيه، وعنايةً في ملبسه، وتكريسٌ لمكانته عند الناس، على حساب مصلحته الدينية والدنيوية، بل على حساب مصلحة الأمة كلها.وها أنا أذكر لك الآن بعض الأمثلة السريعة فيما يتعلق بالتجارة.
 الأشرطة الإسلامية
النموذج السابع: الأشرطة الإسلامية، والشريط اليوم أثره عظيمٌ، وفائدته جمة، وقد أصبح يحاصر في كل مكان، فما الذي يمنع أن يكون الإنسانُ نبيلاً، فيشتري جهازاً، لا يزيد على أربعة آلاف ريال، وهناك محلاتٌ يمكن أن تبيعه إليك بالتقسيط أيضاً، فتشتري هذا الجهاز، ثم تشتري أشرطة فارغة، فستجد أنك لو صرفت بعملية حسابية ساعتين ونصف يومياً في التسجيل، سواء سجلت ذلك بنفسك، أم أُمك، أم أختك، أم زوجتك، أم أحد من أهل البيت، لأن العملية سهلة، لو قاموا بتسجيل الأشرطة الإسلامية حينئذٍ لمدة ساعتين ونصف يومياً، لكان من جراء ذلك خمسين شريطاً يومياً، ويبيعها الإنسان بمبلغٍ ضخمٍ، يزيد على ثلاثمائة ريال يومياً، وربما حصل الإنسان على مبلغٍ يقارب أربعة آلاف ريال شهرياً، بل يزيدُ مقابل هذا العمل السهل اليسير ومع ذلك هو مساهمٌ في نشر الخير، وفي إزالة العقبات والضغوط، التي تفرض على الشريط الإسلامي، مع أنه لا يحتاج إلى كثيرٍ من الزبائن، لأنه يستطيع أن يجعل هذه المجموعة التي يقوم بإعدادها لزملائه في العمل، أو في الدراسة، أو جيرانه، أو أصدقائه، أو قرابته، ويستطيع أن يسجل هؤلاء في ورقةٍ بحيث يكونون معروفين، فهم الذين يتعاملون معه، ويتعامل معهم، وفي ذلك خيرٌ كثيرٌ ونشرٌ للدعوة، وكسبٌ للإنسان، بمالٍ لا يستطيع أن يكسبه من الوظيفة، فإن أربعة آلاف ريال وخمسمائة ريالٍ، يكسبها الإنسان شهرياً خلال ساعتين ونصف يوميا في العمل، إنه لا يستطيع أن يحصل عليها حتى في الوظيفة التي يجلس فيها سبع أو ثماني ساعات، ثم ينبغي أن يراعي في ذلك نشر المفيد النافع، الذي ينتفع الناس به، ويستفيدون منه في دينهم، مما يعرفهم دينهم، والحلال والحرام، أو يبين لهم واقعهم الذي يعيشونه، وما ينبغي عليهم إزاءه، أو أحوال المسلمين، أو واجبهم في الدعوة إلى الله، أو حقوق بعضهم على بعض، أو ما أشبه ذلك مما يحتاج إليه، وينتفع به ثم قد يقول بعضهم: ماذا بقي للتسجيلات الإسلامية؟ فأقوال: التسجيلات -إن شاء الله- على خيرٍ، وفيها خيرٌ كثير، وأمامها مضمارٌ واسعٌ للمنافسة، وأيضاً تستطيع التسجيلات الإسلامية نفسها أن تستخدم ذلك، أي أن تجعل مجموعة من الشباب، يقومون بهذا العمل، عن طريقها فتضع عند عشرةٍ من الشباب مثلاً، عند كل واحدٍ منهم جهازاً في بيته، هو للتسجيلات، ويقوم هذا الشاب بالتسجيل بالطريقة السابقة، ويقوم أيضاً بتسويق ما يسجل بالطريقة السابقة أيضاً، ويكون له جزء من الربح، وللمحلات جزءُ من الربح، بحيث يوفق في ذلك بين أهمية بقاء التسجيلات الإسلامية، ودعمها للمجهود الكبير، الذي تقوم به، وبين الفائدة للآخرين، وبين إمكانية نشر الأشرطة، دون وجود بعض القيود التي ما أنـزل الله بها من سلطان.ومن ذلك أيضاً قضية آلة التصوير، فقد تجد آلة تصوير بأربعة آلاف ريال، وهذه الآلة لو وضعتها في بيتك، مع الورق، ثم قمت بتصوير بعض الفتاوى المفيدة النافعة، التي لا توجد في الكتب، ولا يعلم الناس بها، ويحتاجون إليها، وقمت بتصوير بعض المذكرات، وبعض الكتيبات الصغيرة، التي قد تنفذ من الأسواق، أو لا توجد، أو قد تمنع بغير حقٍ أيضاً، ثم قمت بتصويرها وإيصالها إلى بعض الناس، فإنك تستفيد من ذلك فائدة دنيوية بالمال، وفائدة دينية بنشر الخير والدعوة، والمساهمة في ذلك.ولو أن كل إنسان، بل لو أن مجموعةً من الشباب نذروا أنفسهم لذلك لانتشر الخير، وعمَّ، وأصبحت محاصرته، أمراً في غاية الصعوبة، ومع ذلك استغنوا بحلال الله تعالى عن الحرام.ومن ذلك أيضاً أن يكون عند الإنسان سيارة للأجرة، وهذه السيارة لو فرضنا أنه قام بها فنفع نفسه، لاستفاد كثيراً، فهو يتعرف على الناس، ويعرف كيف يتعامل معهم، وكيف يخاطبهم، ويعرف أخبارهم وأحوالهم، يعظهم، وينصحهم، ويوصل إليهم الخير، ويعطي هذا كتاباً، وهذا شريطاً، ومع ذلك يستفيد فائدة دنيويةً ظاهرة، ونحن نرى اليوم أن محلات الليموزين، أساءت إساءةً كبيرةً لوجود بعض غير المسلمين فيها، وحمل النساء بلا محارم، بل وجود تجاوزاتٍ كثيرة، ليس هذا المجال مجال الحديث عنها، فنستطيع أن نغني المجتمع عن مثل ذلك.فهذه الأمثلة التسعة التي ذكرتها لا تعد أن تكون أمثلةً خفيفةً سريعةً للشاب المبتدئ، الذي يريد أن يضع قدمه في أول الطريق، وأمام دعاة الإسلام، والمفكرين، والخبراء، وأهل الاقتصاد، وأرباب التجارة وأنصارها، أمامهم مجالات واسعة جداً، لخدمة دينهم ودعوتهم، ويستفيدون منها ديناً ودنياً، أذكر هذه المجالات الآن لمجرد السرد تكاملاً للموضوع. من ذلك الإعلام الإسلامي بشكل عام، كالصحافة الإسلامية، وكذلك الإذاعة الإسلامية، فإن مثل هذه المجالات؛ مجالاتٌ خصبةٌ جداً من الناحية الاقتصادية، وهي مجالاتٌ ذات قيمة بالغة في إيصال الدعوة إلى الآلاف، بل إلى ملايين من الناس في أنحاء العالم. من ذلك أيضاً التصنيع؛ فالتفكير في الصناعات المختلفة وحاجة الناس إليها والقيام بها. ومن ذلك أيضاً خدمات الكمبيوتر، وهي خدمات جليلة متطورة يحتاج الناس إليها. ومن ذلك أيضاً الخدمات الصحية، بإيجاد المستشفيات والمستوصفات، خاصةً من ذلك التي تخص النساء دون غيرهن، ويكون كل الطاقم من النساء، ويراعى فيه جانب الأخلاق، وهذه أمورٌ ينبغي أن ندعمها ونشجعها ونحرض على إنجاحها بقدر المستطاع، أو غير ذلك من الخدمات الصحية التي يحتاج المجتمع المسلم إليها. والأمثلة في ذلك كثيرة أكتفي منها بما سبق. وسيكون هناك إن شاء الله دروسٌ أخرى، كما وعدت في هذا الموضوع.
الأسئلة

 طريق الدعوة صعب
مائة وخمسين سؤالاً، كلها تسأل عن حال الشيخ إبراهيم بن محمد الدبيان، نسأل الله تعالى أن يعجل فرجه، وأن يفك أسره، وعلينا بالصبر والاحتساب، وأن نعلم أن هذا طريقُ الدعوة، وأنه ليس مفروشاً بالورود والرياحين، بل هو مفروشٌ بالصعوبات والمتاعب، ولكن ليس عنه بديلٌ، وينبغي أن نردد:أخي أنت حرٌ وراء السدود أخي أنت حرٌ بتلك القيود إذا كنت بالله مستعصماً فماذا يضيرك كيد العبيد؟ أخي ستبيدُ جيوش الظلام ويشرق في الكون فجرٌ جديد فأطلق لروحك أشواقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد أخي هل تُراك سئمت الكفاح وألقيت عن كاهليك السلاح فمن للضحايا يواسي الجراح ويبعثُ رايتها من جديد أيها الإخوة، إنني أعجب مني ومنكم، هذا الطريق طريق الله عز وجل، طريقٌ فيه مصاعب، لقد سجن من الأنبياء من سجن!! سجن يوسف عليه الصلاة والسلام، بل لبث في السجن بضع سنين، وقتل من الأنبياء من قتل، وطرد منهم من طرد، وأخرج من بلده، وضرب منهم من ضُرب، وضرجوا بالدماء فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، حتى أتاهم نصرنا، فالذي يريد أن يدعو ولكنه لا يريد أن يقال له شيء، ولا أن تخدُش أذنه كلمةٌ خشنة، ولا أن يوقف ساعة أو ساعتين، ولا أن يسجن يوماً أو شهراً أو سنة، ولا أن يضيق عليه في رزقه، ولا أن يؤذى، ولا أن تحاصر كلمته.هذا الإنسان عليه أن يكبر الوسادة، ويجلس في عقر داره، فليس هذا طريق الدعوة؛ طريق الدعوة معروفٌ، والكلام الذي كنت تسمعه نظرياً بالأمس، ينبغي أن تطبقه عملياً اليوم، فلا يضر الإنسان أن يؤذى في ذات الله عز وجل، بل يكفي الإنسان شرفاً وفخراً أن يؤذى في الله، فإن الله عز وجل يصطفي الأخيار للابتلاء والاختبار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يبتلى الرجل على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه صلابة، زيد في بلائه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي في الأرض ما عليه خطيئة} كفى بالبلاء فخراً أن يصاب الإنسان فيدعو المؤمنون له، فتجد العجائز، والأطفال، والكبار، والصغار، والرجال، والنساء، كلهم على ما نعلمه ونراه، يدعون للشيخ إبراهيم بالفرج ويدعون له بالصبر، ويتحسبون الله تعالى على من اعتدى عليه أو آذاه، كفى بالأذى فخراً أنه يرفع درجات المسلم عند الله عز وجل، كفى به أنه يكفر عن المسلم سيئاته، كما أنه هو المحك الذي يبين عليه صدق الإنسان، كما قال الله عز وجل وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3].لقد ادعى أقوامٌ الإيمان، وأنهم أهل الإسلام، وحُراس الدين، ثم لم يبتلوا، فعبر هذا ودلَّ على أنهم ما صدقوا في تلك الدعوة، إنما نجد اليوم كثيراً من الإخوة في هذا البلاد قد أصابهم ما أصابهم، وفي الوقت الذي سجن فيه الشيخ، نسأل الله تعالى أن يعجل له بالفرج، وقد سجن قبلها مرات، نجد أن هناك مجموعة من الشباب في مناطق متعددة، قد تعرضوا لمثل هذا الأذى بغير حق، وبغير جرم ارتكبوه، ومثل هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه الأعمال، أو يحرضون عليها، أو يتسببون فيها، أو يكتبون التقرير، ويشوهون صورة المؤمنين، هم في الحقيقة من الذين في قلوبهم مرض، ويريدون أن يتمزق المجتمعُ شرَّ ممزق، وأن يتحول المجتمع إلى فئات يضرب بعضها بعضاً، ويحارب بعضها بعضاً. وهل تريد أشد مما وقع في بلادٍ إسلامية مجاورة، حيث أصبح المجتمع يُدمر بعضه بعضاً، وأصبحت طاقات الشباب البناءة التي كان من الممكن أن تبني دولةً من الدول الكبرى، وأن تضارع وتواجه أقوى دول العالم في الصناعة والاختراع والابتكار، أن تصبح تلك ضحيةً لمثل هذا الخصام النكد، نعم، أنتم تعرفون، وهذا جاء في بعض الأسئلة، وله علاقةٌ بالموضوع، أنه في مصر قامت شركات إسلامية كبيرة، كالريان مثلاً، أو سلسبيل وهي شركة للكمبيوتر، من أنجح الشركات، وأعظمها، ولها إبداعٌ وتفوقٌ عظيم، فلم يجد هؤلاء أمام نجاحها إلا أن يلصقوا بها تهمة الإرهاب والتطرف، ثم يصادروها ويقوموا بالقضاء عليها، ومثل ذلك كثيرٌ جداً، لقد أصبح التطرف اليوم ليس هو كما كان، ويقولون بالأمس الاعتداء على السائحين مثلاً، أو تفجير الممتلكات العامة والجسور وغيرها، كلا! أصبح التطرف اليوم هو تدريس القرآن الكريم! وأصبح التطرف هو توزيع الكتب والأشرطة الإسلامية! وأصبح التطرف أن تلبس البنات العباءة أو الحجاب!وعلى سبيل المثال هذه مقالةٌ كتبها أحمد الجار الله، بعنوان صوفيا لورين، تختار إنقاذ الإنسان، والمتطرفون يختارون قتل الإنسان، فهو يقارن بين ما يسميهم المتطرفين، الذين همهم القتل كما يزعم الكاتب، وبين صوفيا لورين، التي تُغني من أجل أطفال البوسنة، ويقول: أين هؤلاء؟!لقد رأينا النصارى ورأينا الغربيين يقدمون الخدمات للمسلمين في الصومال، وما رأينا هؤلاء المتطرفين، الذين نظرتهم إلى الدين أنهم اختاروا الهروب من الأجر.فأحدهم يقول: متى تنام؟ ومتى تستيقظ؟ وماذا يجب أن تشاهد؟ وماذا ينبغي أن تأكل في الفطور والغذاء والعشاء؟! فأنت كافرٌ، يقول: فأنت كافرٌ إذا لم تستغل يومك بثلاثِ بلحات، وأنت ملحدٌ إذا نمت في سريرك على الجانب الأيسر، وأنت زنديق إذا شاهدت الـ cnn، وأنت آثم إذا تم ضبطك متلبساً بالاستماع لـأم كلثوم، تشدو بالأطلال وأنت عمري.هذا هو منهج المتطرفين ومسلكهم، وأقول: قولوا كما تشاءون والدهر دول، والله تعالى ناصرٌ دينه، ومعلٍ كلمته، ولتعلمن نبأه بعد حين، وسوف تعلم هذه الأمة، بل قد علمت منهم المخلصون لها، الواقفون في المواقف معها، الذين يستميتون في الذب عنها وحمايتها، ويواجهون عدوها.لقد بَرِح الخفاء، وانكشف الأمر، حينما رأينا الغرب يحاربون الأصوليين كما يسميهم، عن قوسٍ واحدة، لأنه يعلم أنهم حربٌ على مصالحه، وأنهم هم المتدينون الحقيقيون، وهم الوطنيون الحقيقيون، ومصلحة الوطن هي في مصلحة الدين، والغرب يحارب الإسلام، لأنه دين الله، كما يحارب الإسلام أيضاً، لأنه يعلم أنه حربٌ على مصالحه في بلاد الإسلام. نسأل الله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمن سواه، وأن يغني المسلمين من فضله إنه على كل شيء قدير.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دلوني على سوق المدينة للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net