اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الثبات حتى الممات للشيخ : سلمان العودة


الثبات حتى الممات - (للشيخ : سلمان العودة)
بيَّن الشيخ أصناف الناس في معرفة الحق والالتزام به، موضحاً معنى الردة وأنها ليست بالأمر الغريب بل إنها صاحبت دعوة الرسل وعانى منها أتباع الرسل، ثم تحدث عن أنواع الردة وفصل فيها.
أصناف الناس في معرفة الحق
إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.أما بعـد:فيا أيها الأحبة -جميعاً-: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته: وإنني في مستهل هذه الكلمة أرحب بإخواني -جميعاً- الذين مشوا إلى هذا المكان المبارك، وأسأل الله تعالى أن يكتب لهم ذلك في ميزان حسناتهم، وأرحب بكم جميعاً وأشكركم على حرصكم على حضوري إلى هذا البلد الطيب، وإلحاحكم، وإن كنت لا أملك شيئاً كثيراً أقدمه لكم، ولكنني أجود بما أملك، ومن جاد بما يملك فإنه ما بخل. فإنني أشكركم كثيراً -أيها الأحبة- في هذا البلد الكريم، الحريص المضياف، وأسأل الله تعالى أن يجزيكم جميعاً خير الجزاء، ثم إنني أشكر -أيضاً- على وجه الخصوص أصحاب الفضيلة، والمشايخ، والعلماء، والدعاة، والقضاة، وأساتذة الجامعة الذين حضروا إلى هذا المكان... فجزاهم الله خيراً. أيها الأحبة هذه الليلة هي ليلة التاسع من رجب من سنة ألف وأربعمائة وثلاثة عشر للهجرة، وعنوان هذه المحاضرة هو: الثبات حتى الممات، وهذا هو جامع القرطبي في الخرج.إن الحديث عن موضوع الثبات لا يحتاج إلى مسوغ فإن الثبات على الحق لا يقل أهمية عن معرفة الحق ذاته، ولو تأملت أحوال الناس لوجدتهم أصنافاً شتى فهناك:
 من عرف الحق وعمل به واستمر عليه
الصنف الرابع: هم الذين يعرفون الحق ويتبعونه، ويعملون به، ويستمرون عليه، وأولئك هم المؤمنون المفلحون، قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27]. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى الثبات -كما سوف يأتي- ويقول: {يا مقلب القلوب؛ ثبت قلوبنا على دينك} ويقول: { يا مصرف القلوب؛ اصرف قلوبنا إلى طاعتك} وكان المؤمنون منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا يفرحون بالثبات، سواء كان الثبات في اليقظة بلزوم الطريق والاستمرار عليه، والصبر على الحق والتواصي به، وتحمل الأذى في سبيله، أم كان الثبات في المنام. فقد كان السلف رضي الله عنهم كـمحمد بن سيرين وغيره، كانوا يفسرون القيد في القدم في النوم -في الرؤيا- أنه: ثبات في الدين، فيقولون: القيد ثبات في الدين؛ بخلاف الغل في اليد فإن الغل في اليد وفي العنق مكروه -يعني في الرؤيا- أما القيد في الرجل فهو ثبات في الدين، وكانوا يحبون الثبات في الحياة، ويحبون الثبات عند الممات ويفرحون به، ويدعون لصاحبه، ويغتبطون بحاله!.
الهداية بعد الجهل
إن الذي لم يعرف الحق أصلاً ولم يدر به ربما يعود إلى الحق أو يتبعه إذا عرفه؛ لأن انحرافه ناتج عن جهل والجهل من السهل أن يدفع بالتعليم، فكم من إنسانٍ عاش زماناً في الظلمات؛ لأنه لم يعرف الحق فبمجرد ما سمع صوت الداعي إلى الله؛ أصغى له، وتقبله، وآمن به، واندفع إليه؛ لأن انحرافه كان ناتجاً عن جهل، وليس عن هوى.
 الهدى بعد الضلال
وإنه مما يؤثر في القلب! ولعله من أسباب طرح هذا الموضوع في مثل هذه المحاضرة، أن الإنسان يسمع بين الفينة والفينة على رغم الأخبار الكثيرة السارة؛ عن أفواج بعد أفواج ممن يقبلون على الله تعالى، ويودعون حياة الغواية وحياة الضلالة، ويلتزمون بالحق، والهدى، والعلم، والعمل، والدعوة، إلا أنك مع ذلك لا تعدم أن تسمع أخباراً هنا أو هناك، عن بعض قوم من رجالٍ أو نساءٍ كانوا زماناً على الطريق المستقيم، وكانوا محسوبين من أهل الخير وعلى الخير، بل وربما كان منهم الداعية، أو المتحدث، أو الواعظ، أو الإمام، أو كان منهم تلك الأخت التي كانت تقيم حلقة الذكر في المدرسة، أو تدعو إلى الله تعالى، أو تعلم الناس الخير، فإذا بك تسمع أخباراً خلاف ذلك، وإذا بالأمور تتحول، فنعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور! وإننا بقدر ما نفرح ونسر بأخبار هداية فلان وفلان، نحزن ونجزع لضلال من ضلوا بعد ما عرفوا الحق واتبعوه.
الردة ومصاحبتها للدعوات والرسالات
ثانياً: مسألة جديدة قديمة، إن الردة مصاحبة للدعوات والرسالات، ولهذا حذر الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منها فقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].
 مواضع الردة في القرآن والاستبدال
إذاً من الواجب علينا جميعاً أن نخاف على أنفسنا من أن نتحول إلى الضلال بعد الهدى، أو يخاف أحدنا على أمته، أو على بعض شعوبها، أو أممها أن يتحولوا إلى أعداء الدين، كما هو في خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما هو في واقع الحياة التي نشهدها ونراها اليوم، مع أن الله تعالى وعد بأنه في حالة التخلي، والفرار، والتراجع، والنكوص؛ بأنه سيقيض لهذا الدين من ينصره، ويقوم به، وهذا وعد من الله تعالى كريم عظيم، وكل ضعف معه لطف، فحينما توجد هذه الردة؛ يقيض الله تعالى لهذا الدين من ينصره، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] وكما قال سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].ولهذا لما حصلت الردة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، قيض الله تعالى للإسلام والمسلمين أهل اليمن كـأبي موسى الأشعري وأتباعه، وقيض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من القراء الذين نصروا الإسلام وأعزوا الملة، وقاوموا الكفار وحاربوا المرتدين حتى انتصر الإسلام ودانت الجزيرة العربية كلها للإسلام، وخضعت للحكومة الإسلامية التي كان يقف على رأسها أبو بكر الصديق رضي الله عنه تعالى وأرضاه.واليوم ونحن نجد مظاهر الردة تبين في العالم الإسلامي، من أقصاه إلى أقصاه، سواء في الذين يتركون الإسلام إلى دين آخر فيتنصرون -مثلاً- أو يأخذون بـالشيوعية، أم يأخذون بالأديان الأخرى المختلفة، أو في أولئك الذين يتخلون عن الدين ويتركونه إلى غير شيء، فيصبحون من الغافلين اللاهيين في دنياهم؛ فإننا نشاهد إلى جوار ذلك وعد الله تعالى يتحقق، فيظهر أولئك المؤمنون الأبرار الأخيار من رجال الصحوة، ومن العلماء، والدعاة، والمخلصين، والمجاهدين في سبيل الله، الذين لا يخلوا منهم مكان، ولا دولة، ولا قطر؛ بل إنك تجد أن تلك الجمهوريات التي عاشت تحت مطارق الشيوعية أكثر من سبعين سنة، وكانوا يستخدمون الحديد والنار في صرف الناس عن دينهم، ويقتلون الإنسان بمجرد الظنة، أو بمجرد وجود المصحف عنده، وكان علماؤهم لا يفرقون بين القرآن وبين الغناء وبين غيره من الكلام، ولا يفقهون في دين الله عز وجل، فما إن زال هذا الستار؛ حتى ظهر الإسلام من جديد، وظهرت بوادره وبشائره، تصديقاً لموعود الله تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:9] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة:54]. هذا هو أحد المواضع التي ذكرها الله تعالى في كتابه في شأن من يرتدون عن الإسلام، وهو يتعلق بالردة عن الإسلام كله، أو مايتعلق بالردة عن شعيرة الجهاد، ولهذا قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54]. أما الموضع الثاني: فهو قوله تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] وهذا -أيضاً- يشمل: الردة الكلية، فإن من ارتدوا ردة كلية يقال لهم: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] كما يشمل: الردة الجزئية، والمقصود بها في هذه الآية -والله تعالى أعلم-: التراجع عن الإنفاق في سبيل الله، وقبض اليد، والشح، والبخل، ولهذا قال:هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].
أنواع الردة
ثالثاًُ: أنواع الردة: إن السياق السابق يدل على أن التراجع والنقوص عن الإسلام يشمل صورتين، إحداهما تؤدي إلى الأخرى.
 الردة الجزئية سبيل إلى الردة الكلية
الصورة الثانية: هي سبيل إلى الأولى وذريعة إليها، وذلك أن الناس ربما لم يخرجوا من دينهم بالكلية، ولكن خرجوا من بعض الدين، فتركوا بعض شرائع الإسلام؛ كأن يتركوا الجهاد في سبيل الله، أو أن يتركوا الإنفاق في سبيل الله، أو أن يتركوا إقامة شريعة الله تعالى والحكم بما أنـزل سبحانه وتعالى وبسنة نبيه عليه الصلاة السلام وما أشبه ذلك. وهذه الصورة -وهذه لاشك- سبيل إلى الأولى؛ لأن الذي فرط في بعض الشيء قد يفرط فيه كله، هذا من جانب، والجانب الآخر: أنه ربما كان من أسباب ردة بعضهم عن دينهم أنهم تسلط الأعداء عليهم وفتنوهم عن دينهم، وألزموهم أو ضايقوهم حتى تركوا الإسلام، وهذه هي الفتنة التي سماها الله سبحانه وتعالى في كتابه: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل ِ ) [البقرة:191]. الفتنة: تعني فتنة الإنسان عن دينه وخروجه من الإسلام، وأن يفتن ويضيق عليه حتى يتراجع عن الدين، وهذه الفتنة لم تكن لتحصل على المسلمين لو أنهم كانوا يجاهدون في سبيل الله، ولو أنهم كانوا قائمين بما أوجب الله عليهم، وإنما تحصل في أزمنة الذل، وفي أزمنة التأخر، وفي أزمنة ترك شريعة الجهاد في سبيل الله تعالى.وربما ترك بعض المسلمين دينهم كلية بسبب الفقر أو الحاجة أو الطمع في متاع الدنيا: الطمع في مال، أو في لباس، أو على الأقل في غذاء يأكله ويسد جوعته، أو في ثوب يواري عورته، أو في علاج يداري به ألمه ومرضه، والفقر كاد أن يكون كفراً، ويلاحظ أن ترك الإنفاق في سبيل الله؛ قد يؤدي إلى الوقوع في الردة العظمى والخروج من الدين بالكلية بالنسبة لبعض المسلمين، وكما أن من الناس من دخل في الإسلام أول الأمر طمعاً وتأليفاً لقلبه، ثم أسلم صدقاً من قلبه وحسن إسلامه؛ فكذلك قد يوجد من المسلمين -في الأمس واليوم وغداً- من يخرج من الإسلام طمعاً في عاجل الدنيا.
أسباب النكوص
إن هذا الظاهرة تحتاج إلى رصد، ومعرفة الأسباب التي تكمن وراءها، وهذه الأسباب كثيرة جداً والحديث عنها يطول، لكن من هذه الأسباب ما يلي:
  الطبيعة المنقلبة غير المستقرة
السبب السابع والأخير: الطبيعة المتقلبة والمضطربة بالنسبة لبعض الناس، فبعض الناس من طبيعته: التقلب، فهو لا يستقر على حال من القلق، بل يغير رأيه، ومواقفه، ونظراته، واتجاهاته، وهو -دائماً- متحمس، فهو اليوم متحمس لهذا العمل، وغداً يتركه بالكلية ليتحمس لغيره، وبعد غداً يترك الاثنين ليتحمس لعمل ثالث، وربما تجده في الخير مقدماً إقداماً غريباً حتى تقول: لا يحجم أبداً! ثم إذا بك تفاجئ وتسمع خبراً أن هذا الإنسان انحرف -والعياذ بالله!- وأصبح إماماً في الفسق والانحراف. وهذا أحياناً قد يعود إلى طبيعةٍ في هذا الإنسان ورثها، أو كانت بسبب التربية في الصغر أو ما أشبه ذلك، وهي تحتاج إلى عناية وعلاج وحفاوة من المربين، ولهذا تجد أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم:الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً [النساء:137]. ومثل هؤلاء توعدهم الله بأنه لا يغفر لهم، لأن هذا الإنسان لا يعود للحق غالباً، ولو عاد لكان بعد عودته رجعةً أُخرى إلى الفساد، وهكذا، فهو لا تؤمن عواقبه قط.
أسباب الثبات
وهذا هو الأمر المهم، فإن العبد ينبغي أن يفهم معرفة الحق والثبات عليه، ولا ثبات للإنسان إلا أن يثبته الله تعالى كما قال الله تعال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27]. وأنا أعرض لك -الآن- أسباب الثبات لعل الله أن ينقذني وإياك بها من مهاوي الردى:
  السبب السادس : الثبات عند الممات
روى أبو اليسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو ويقول: {اللهم إني أعوذ بك من الغرق، والحرق، والهدم، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت} إنَّ من الملاحظ أن الإنسان يبكي عند ولادته، لماذا يبكي؟! لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاءُ الطفل ساعةَ يولدُ وإلا فـما يبكيه مـنها وإنها لأرحب من مما كان فيه وأرغد ثم يختم للإنسان - أيضاً - بحالةٍ من الضيق تشبه ما بدأَ له، وذلك إيذاناً بأن الدار الدنيا: دار جهاد، ودار بلاء، ودار صبر، ودار مقاومة، ودار منازلة قال تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].ولذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]. واليقين هو الموت، وليست العبادة مرهونة بغاية محددة، فلا حصول على شهادة، ولا مرتبة، ولا وظيفة، ولا درجة، ولا شيء غير ذلك، إنما حتى يأتيك اليقين. لقد خذل كثيرون عند الموت: فمنهم من شك، ومنهم من كفر، ومنهم من تسخط القضاء والقدر، قيل لرجلٍ عند موته: قل: لا إله إلا الله، فقال: هو كافر بها!! وقال أبو جعفر: دخلت على رجل بالضيعة، وهو في الموت، فقلت له: قل: لا اله إلا الله، فقال: هيهات حيل بيني وبينها!! وقال أبو الحسن الفقيه: نـزل الموت برجل كان عندنا، فقيل له: استغفر الله، قال: ما أريد! قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: لا أقول!!وكان سفيان الثوري رحمه الله يقول لـإبراهيم بن أدهم: [[يا إبراهيم اسأل الله تعالى أن يقبضنا على التوحيد] وكان يقول:[[أخاف أن يشتد عليَّ الأمر، فأسأل التخفيف عند الموت، فلا أجاب.. فأفتتن، وكان يقول:إني أخاف أن أُسلب الإيمان]].إنك تجد صوراً عجيبة عن الذين عرفوا الله في الرخاء فعرفهم في الشدة، صدقوا مع الله، صبروا مع الله، وآمنوا وجاهدوا في حال الرخاء، فلما كانت الشدة عند الموت، كان الله تعالى بكل خيرٍ أسرع، فحفظهم وألقى عليهم السكينة والإيمان واليقين، حتى كان المؤمن يموت بعرق الجبين، قال: الطبري وابن عساكر وابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير وغيرهم من المؤرخين:[[لما ثقل معاوية رضي الله عنه، قال: احشوا عيني بالإثمد، وأوسعوا رأسي دُهناً، ففعلوا، وبرق وجهه بالدهن، ثم مهد له، وأجلس، وأسند، ثم قال: ليدن الناس: فليسلموا عليّ قياماً، فكان الرجل يقوم فيسلم عليه، ثم يقول: يقولون معاوية مريض وما به شيء هو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده، قال: وتجلدي للشامتين أريهـم أني لريب الدهر لا أتزعزعُ وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفعُ أما أبو بكر رضي الله عنه لما حضره الموت، قال: كفنوني في ثوب خلق، فإن الحي أولى بالجديد من الميت، وإنما هذا الكفن للمهلة والصديق، فقالت عائشة رضي الله عنها: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر قال: [[يا عائشة، دعي هذا، وقولي كما قال الله تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].]]إن ساعة الموت ساعةَ يحضر الإنسان فيها ما كان يشغله في الدنيا من خيٍر أو شر، فالنحوي يفكر في النحو، فإذا قيل له شيء، قال: أموت وفي النفس شيءٌ من (حتى) والبياع يفكر في تجارته وبيعه فربما سام أو باع أو اشترى، وصاحب النساء والقيان والغناء ُيحضُر له ذلك، وصاحب الذكر، وصاحب الطاعة، وصاحب القرآن يختم له بذلك، حتى وهو في غيبوبته يقرأ من هذا القرآن وربما لا يتوقف أبداً حتى تخرج روحه، ولذلك يقال إن أبا طاهر القرمطي -وهو من القرامطة المعروفين -لما هجم على الكعبة، وقتل الحُجاج، وملأ بئر زمزم من هؤلاء، فلما قتل في الحجاج قتلاً ذريعاً وأتى إلى الطُّواف، فكان يقتلهم كان هناك رجل من الطائفين اسمه علي بن بابويه من العباد الطواف فكان يطوف، فضربوه حتى سقط، وكان يتمثل ويقول: ترى المحبين صرعى في ديارهم كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا يعني هو محب لله تعالى، ولذكره، ولبيته الحرام، ولعبادته، ولطاعته فلا يهمه ما أصابه، وأبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى، وهو من الحنابلة، من أذكياء العالم، ومن كبار العلماء والفقهاء، يقول: لي خمسون سنة، وأنا أوقع عنه- يعني عن الله تعالى- فدعوني أتهيأ لمقابلته جل وعلا.ويروى عنعبد الأول السجزي كما ذكر ذلك ابن الجوزي وغيره، أنه لما حضرته الوفاة، قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. اللهم ثبت قلوبنا على دينك، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك، اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار... يارب العالمين.
الأسئلة

 حكم حديث النفس وخواطرها المحرمة
السؤال: وهذا يقول: مسلم تجري في هواجسه ودواخل نفسه حب الشهوة، وتذكر بعض صورها، ولكن في دنيا الواقع يبتعد عن ذلك، ويخشى من ربه إذا ما وقع في شيء من ذلك، فهل يحاسب على تلك الهواجس دون التطلع إلى العمل بها؟ الجواب: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40]. فليس الإنسان مطالب أن لا يعتمل الهوى في قلبه، لكنه مطالب أن ينهى نفسه عن الهوى، وإلا فإن الإنسان ركبت فيه الغريزة، ولكن ينبغي أن يعمل على إشباعها بالطريق المباح، ولهذا الله تعالى حرم السفاح وهو الزنا، وشرع النكاح، وحرم الربا وأباح وأحل البيع، فما حرم الله تعالى أو أغلق باباً من الشر إلا وفتح بديلاً عنه باباً من الخير، فعلى الإنسان أن يعمل على إشباع الشهوات الفطرية الطبيعية بالأسلوب الشرعي المباح، ويبتعد عن المعاصي ولا يضره ما مر في خاطره وراء ذلك. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الثبات حتى الممات للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net