اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إمام دار الهجرة للشيخ : سلمان العودة


إمام دار الهجرة - (للشيخ : سلمان العودة)
بدأ الشيخ حفظه الله المحاضرة بذكر مولد إمام المدينة النبوية، الإمام مالك رضي الله عنه، وذكر وفاته وفضله، وأقوال العلماء فيه، ثم تكلم عن طلبه للعلم، وبعد ذلك ذكر مواقفه المشرفة مع الخليفة، أي جعفر المنصور، كرفضه لرأيه من تعميم كتاب مالك على البلدان، وإلزامهم به، وموفقه من إعادة بناء الكعبة، ثم عرج الشيخ على ذكر أوصاف المفتي عند علماء السلف، مع إيراد لبعض اللقطات من مجلس الإمام مالك، ثم ذكر مواقفه من الخليفة المهدي، وبعد ذلك تكلم عن قصد مالك في طلب العلم.
وقفات مع إمام دار الهجرة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:-فهذه المحاضرة بعنوان "وقفات مع إمام المدينة النبوية".إن من السهل على كل إنسان أن يرجع إلى كتاب من الكتب المؤلفة في التراجم، ليقرأ سيرة الإمام الفذ الكبير الحجة، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، الذي ولد عام ثلاث وتسعين للهجرة. في تلك السنة التي مات فيها أنس بن مالك، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعوض الله تعالى الأمة بهذا الإمام خيراً، وقد روى هذا الإمام عن شيوخ كثيرين من التابعين، يعدون بالمئين، بل بما يزيد على ذلك.
 وفاته
عُمِّر مالك تسعاً وثمانين سنة، وكانت وفاته سنة مائة وتسع وسبعين للهجرة، وكان يقول عند موته:[[أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، لله الأمر من قبل ومن بعد]].ودفن رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه، بمقبرة البقيع الشهيرة بـالمدينة النبوية.لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه غداة ثوى الهادي لدى ملحد القبر إمام الهدى ما زال للعلم صائناً عليه سلام الله في آخر الدهر قال أسد بن موسى: [[رأيت مالكاً بعد موته، وعليه ثياب خضر، وهو على ناقة بين السماء والأرض، فقلت: أليس قد مت؟! قال: بلى، قلت: فإلى ماذا صرت؟ قال: قَدِمْتُ على ربي وكلمني كفاحاً وقال: يا أبا عبد الله سلني أعطك وتمنَّ عليَّ أرضك]] فنعم هذه الخاتمة، التي ختم الله تعالى له بها.قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه : {من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة} وكانت هذه الرؤيا الصالحة التي رآها بعض الصالحين، أمارة على حسن الختام لهذا الإمام، وأن الله تعالى قد أنـزله منـزل صدق، وبلغه منازل الصالحين في الجنة.وهذا الكلام تجده في كل كتاب، وفي كل مُصَنَف، ولم أكن لآتي فيه بجديد، ولا كان قصدي ووجدي ووكدي أن أجمعكم لأقول لكم: مات مالك عام كذا، وولد مالك عام كذا، وتوفي عام كذا، وتعلم من فلان وعلم فلان، فهذا تجدونه في الكتب، وإنما أتيت لأحدثكم عن وقفات خمس عظيمة في سيرة هذا الإمام الجليل العظيم.
متى طلب مالك العلم؟
لقد طلب العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا قبل بلوغه الثامنة عشرة، وجلس للإفادة في مجلس العلم وعمره إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه آنذاك جماعة وهو في مقتبل شبابه، وفي آخر خلافة أبي جعفر المنصور، رحل الناس إلى مالك من الآفاق، وازدحموا عليه حتى آخر عمره.إذًا: هذا يؤكد لنا البيئة التي تربى فيها شاب، مثل الإمام مالك في عهود السلف الصالحين، فأولاً: لم يكن القدوة في ذلك المجتمع إلا طالب العلم، فكان الشاب الصغير ينشأ وهو يرى الناس يشيرون إلى العالم بالبنان، فإذا أقبل أطرقوا رؤوسهم وطأطئوا، وأخلوا له الطريق، وسلموا عليه، وحيَّوه، ومسوه بالخير وصبحوه، وأجَلّوه وعظموه، لا لأنه يملك الأرصدة العظيمة، ولا لأنه يتربع على عرش وظيفة رسمية، ولا لأنهم يستفيدون منه مغنماً دنيوياً؛ لكن لأن هذا العالم يطوي بين جنبيه هداية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم الصالحين، فهم لذلك يُوَقِرونَه ويعظمونه، ويرون أن توقيره من توقير دين الله عز وجلّ وتعظيمه، فينشأ الصغير وهو يحمل الود والإجلال والإكبار لهذا العالم، وينظر إليه على أنه هو الأسوة والقدوة، وأنه يتمنى أن يكون في مثل مقامه ومنـزلته. وهكذا ينشأ الصغير، يتلقى عملياً دروس الإجلال والإكبار للعلماء والفقهاء، وأهل الدين والعلم والدعوة والجهاد.
 انتشار العلم في عهود السلف
لم يكن العلم إجبارياً كما هو اليوم، ولا شك أننا نعلم علم اليقين، أن الكثيرين من شباب السلف الصالح، انصرفوا للجهاد، وكانوا يذهبون وراء الرايات المعلنة للرباط على الثغور، ومقاومة أهل الكفر والإلحاد والفجور.ونعلم أن الكثيرين -أيضاً- انصرفوا للتجارة والبيع والشراء وأمور المعاش، التي لا قوام لحياتهم إلا بها، وأن الكثيرين أقبلوا على الزهد، وعلى أمور الآخرة، وعلى العبادة، وأعرضوا عن الناس، واعتزلوهم إلا فيما لابد لهم منه، هذا كله كان يقع. ليس صحيحاً أن كل شباب السلف الصالح، كانوا في مجالس العلم الشرعي، وإنما كان منهم من تقوم بهم الكفاية، ويتحقق بهم الأمر الرباني وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122].والإماممالك، يقف اليوم بين أيدينا نموذجاً لرجل متخصص، رأى أن مواهبه وإمكانياته ومَلَكَاتِه تمكنه أن يخدم الإسلام في مجال حفظ العلم، ونشره وتعليمه والعمل به. التقى الإمام مالك بالكثيرين من أصحاب الدنيا، فأغروه بترك العلم، فأشاح عنهم بوجهه، وأعرض، ورأى أن ما عند الله خير وأبقى، والتقى بالكثيرين الذين دعوه إلى أن يشتغل بالجهاد ويترك العلم، فرأى أن ما اشتغل به خير، وأن ما اشتغلوا به هم -أيضاً- خير، وأن فروض الكفايات لا يغني بعضها عن بعض، وكلٌ على ثغرة من ثغور الإسلام.والتقى بالزهاد، كما التقى بعبد الله بن عبد العزيز العمري، الذي كان إذا خلا بالإمام مالك حثه على الزهد والانقطاع والعزلة عن الناس، فكان مالك يصغي إليه ويدعو له، لكن لا يأخذ برأيه، واليوم أين عبد الله بن عبد العزيز العمري؟ من منا أو منكم يعرف هذا الرجل مع أنه كان إماماً في الزهد والتقوى والورع والعزلة والانقطاع عن الناس؟! لكن من منا بل من المسلمين كلهم من لا يعرف الإمام مالك إمام المدينة النبوية وإمام المسلمين؟!لقد نسي الناس العمري الزاهد، ولكن ما زالت الأمة كلها عبر ثلاثة عشر قرناً من الزمان تتذكر الإمام مالك، الذي حفظ على الأمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حجة من حجج الله تعالى على خلقه كما قال يحيى بن معين.فهذا هو العلم الشرعي الذي يحفظ الله تعالى به الدين على الناس، ويحفظ الله تعالى رموز هذا العلم، فلا يزال لهم لسان صدق في الآخرين.
موقف للإمام مالك مع أبي جعفر المنصور
يقول الإمام مالك كما في كتاب تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء للذهبي يقول: [[دخلت على أبي جعفر المنصور وقد جلس على فراش له -وكان الخليفة الذي يملك رقعة واسعة من الأرض- قال: فجاء صبي يدخل ثم يخرج، ثم يدخل ثم يخرج، فقال لي أبو جعفر: أتدري من هذا؟ قلت: لا، قال: هذا أحد أبنائي وإنما يفزع الآن من هيبتك، امتلأ قلبه تعظيماً وهيبةً لك، فأصبح يدخل ليجلس فإذا رآك هاب وخرج]].ثم سأل الخليفة أبو جعفر المنصور مالكاً عن أشياء، قال الإمام مالك: سألتني عن أشياء منها حلال ومنها حرام، فأفتاه مالك بما يسعه أمام الله تعالى، ثم قال الخليفة لـمالك: أنت والله أعقل الناس، وأعلم الناس. قال له مالك: لا، والله يا أمير المؤمنين، قال: بلى، ولكنك تكتم ذلك عني، ثم قال أبو جعفر: والله لئن بقيت لأكتبنّ قولك كما تكتب المصاحف -أكتب اجتهاداتك، وآراءك الفقهية، ومذهبك، كما يكتب القرآن- ولأبعثن به إلى الآفاق والأمصار فلأحملنهم عليه ولألزمن الناس به.
 مالك مع أبي جعفر حول بناء الكعبة
لقد هُدِمت الكعبة مرات، هدمها عبد الله بن الزبير لما تولى على مكة، وأقامها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلما تولى الحجاج هدمها مرة أخرى وأعادها كما كانت في زمن الجاهلية، ثم سمع الخليفة من مالك حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين، باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه} والحديث متفق عليه.فهمّ أبو جعفر أن يعيد بناء الكعبة مرة أخرى على قواعد إبراهيم، فقال له الإمام مالك: [[يا أمير المؤمنين لا تفعل]] قال: لماذا؟ قال: [[إني أخشى أن تكون الكعبة ملعبة للملوك، هذا يهدمها وهذا يبنيها]] وكلما جاء حاكم جديد رأى أنه لابد أن يغير سنة من قبله، ليثبت للناس أنه جدد وأصلح وغيّر وبدّل، وأن من قبله كانوا وكانوا وكانوا، أما هو فكان بخلاف ذلك كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] كما هو الواقع من الحكام الجاهليين في كل زمان ومكان، فلذلك سد الإمام مالك الطريق على هذا التلاعب، ورأى أن تبقى الكعبة كما كانت؛ دفعاً لأن تكون ملعبة للملوك، كما عبر رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه.
تصدر الإمام مالك للفتيا
الموقف الثاني:-جاء في حلية الأولياء لـأبي نعيم، والسير للذهبي، أن مالكاًـاً رحمه الله قال: [[ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني، هل تراني موضعاً لذلك؟ قال: سألت ربيعة بن عبد الرحمنو يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقال له قائل: فلو نهوك عن ذلك، هل كنت تنتهي؟ قال: نعم، كنت أنتهي، لا ينبغي للرجل أن يبذل نفسه، حتى يسأل من هو أعلم منه]].يعني: أن الإمام مالكاً لما بلغ عمره إحدى وعشرين سنة لم يستعجل في أن يجلس للتعليم، ولا أن يتصدر للفتيا حتى سأل الشيوخ، وقال لهم: أنا تلميذكم وأنتم تعرفونني، هل ترون أني أهل لأن أفتي وأتكلم وأعلم العلم الشرعي؟ قالوا له: نعم أنت أهل فاجلس وعلم، قيل له: لو منعوك تمتنع، قال: نعم أمتنع؛ لأنهم أعلم مني وأبصر مني، فلابد أن أتوقف حتى أسأل من هو أعلم مني. وكانت هذه عادة متبعة عند السلف، لم يجلس المزني -مثلاً- حتى سأل الإمام الشافعي وهو شيخه فقال له الشافعي: اجلس يا أبا عبد الله، فقد آن لك والله أن تجلس، والشافعي نفسه قال له أحد شيوخه: اجلس فقد آن لك أن تجلس، فحينئذٍ جلس للتعليم.وما زال العلماء يعرفون عبر التاريخ ما يعرف بالإجازة، أي: أن العالم كان يعطي تلميذه مثل الشهادة، على أنه تلقى منه كتاب كذا وكتاب كذا، وكتاب كذا، وأنه من الممكن أن هذا التلميذ يروي هذه الأحاديث، أو هذه الكتب للناس ويعلمهم إياها، وهي ما تشبه اليوم الشهادة.
 الجدل ليس من الدين في شيء
هذا شاب ثالث: تضطره مضايق الجدل والمناظرة، التي كان الإمام مالك رحمه الله يقول: [[ليس هذا الجدل من الدين في شيء]] وقد رأى أن بعض طلبة العلم يميلون إلى الجدل ويغرمون به، ويدندنون حوله، فكان ينهى عنه، ويقول: ليس هذا الجدل من الدين في شيء، فهذا شاب تضطره مضايق الجدل والمناظرة العقيمة المذمومة، والتعصب لهذه الراية أو تلك، أو هذه الطائفة أو تلك، أو لهذا الشخص أو العالم أو ذاك، أو لهذا المذهب أو ذاك، إلى أن يغير مواقع العلم، ويبدل ويقدم ويؤخر، ويرفع وينـزل، فتصبح الأصول عنده فروعاً؛ لأنه أهملها وغفل عنها، واشتغل بغيرها، ولم ير لها كبير قيمة أو فائدة، فإذا حدث عنها لم يتحرك قلبه، ولم ينشط ذهنه، وتصبح الفروع عنده أصولاً؛ لأنه اعتنى بها، وحرص عليها، وتحفظها وقدمها، وعدَّها أساساً للمخالفة مع فلان، والموافقة مع علان، لذلك أصبحت هذه الفروع عنده أصولاً يعظمها ويبني عليها، ويحاول أن يعطيها لوناً آخر غير اللون في شريعة الله، فيجعلها مرتبطة بأصل، أو مرتبطة بما يسميه منهجاً مثلاً، حتى يثبت أنه لابد من مخالفة فلان، ولابد من الرد على علان، وأن فلاناً من أهل الزيغ، وفلاناً من أهل الضلال، فلابد من الاشتغال بالرد عليه وبيان ما وقع فيه.وهذا شاب رابع: يرى حاجة الناس إلى علم الشريعة فيستعجل الخطوات، ويختصر المسافات، فيقرأ -مثلاً- كتاباً من كتب أهل العلم ككتاب المحلى للإمام العظيم ابن حزم، فيجد في هذا الكتاب من روعة الأسلوب وقوة الحجة، وبراعة الإحراج للخصوم بطريقة ابن حزم رحمه الله، ما يجعل هذا الشاب المقبل على العلم أسيراً لعقلية الإمام ابن حزم وعلم ابن حزم وحجة ابن حزم، فلا يخرج عن رأيه طرفة عين، ويفتي بمذهبه، ويقرأ على الناس في المحلى، ويركض وراءه؛ فإن رقى جبلاً رقى وراءه، أو هبط سهلاً أو وادياً، أو تجشم صعباً لا يلوي على شيء؛ وذلك لأنه لا يملك من العلم والتأصيل وقوة النظر، ما يجعله يميز بين الاجتهاد الذي أصاب، وبين الاجتهاد الذي لم يصب، ولو أن هذا الإنسان أو ذاك، أعطى نفسه بعض الوقت، وصبر وصابر، حتى ينضج على نار هادئة، ولو أنه لم يستجب لنوازع الشهوة الخفية في النفس، لنفع وانتفع، وكان شيئاً مذكوراً. إننا ونحن نعاني الخلاف المرير في أوساط أهل السنة، الذين هم أهل السنة، نرى أن معظم هذا الخلاف لم يصدر من العلماء الكبار، الذين تلتف الأمة حولهم وتأخذ بفقههم وعلمهم ورأيهم، ولكن غالبه إنما يكون من صغار الطلبة المغمورين، الذين لم يُعرَفُوا بكبير علم ولا جهاد ولا بلاء ولا عمل، هذا أمر.الأمر الثاني: مع أن الإمام مالكا -كما أسلفت- لم يتجرأ على الجلوس للتعليم، حتى أمره شيوخه بذلك وأفتوه به، إلا أنه مع هذا كله كان يرى أن العلم لا ينتهي، فظل مع جلوسه يأخذ العلم ممن جاء به، لا يفرق بين أحد، حتى إنه أخذ من بعض طلابه مسائل، وعلى سبيل المثال فإنه رجع إلى مذهب بعض طلابه، كما في ترجمة عبد الله بن وهب، ورجع إلى قوله في مسألة تخليل الأصابع في الوضوء، وكان الإمام أحمد يقول: وقد رئي معه كتاب، ومعه دواة الحبر ومعه القلم: فقيل إلى متى يا أحمد؟ قال: مع المحبرة إلى المقبرة، يعني: لا أتوقف عن طلب العلم حتى الموت، وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول:-سأطلب علماً أو أموت ببلدةٍ يقل بها سكب الدموع على قبري فإن نلت علماً عشت في الناس سيداً وإن مت قال الناس بالغ في العذر إذا ما مضى يوم ولم أكتسب هدى ولم أستفد علماً فما ذاك من عمري والإمام مالك مع أنه تأهل وترشح وطلب العلم، كان يقظاً حذراً عاقلاً، لا يتكلم فيما لا يحسن، ولا يهجم على كل شيء.
لقطات من مجلس الإمام مالك
أتريد أن أصف لك مجلس مالك كيف كان؟! هذا صعب! لكن هذه بعض اللقطات والصور العجيبة:-
 اللقطة الثالثة
قال الهيثم بن جميل: سمعت الإمام مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فأجاب عن اثنتين وثلاثين مسألة منها بقوله: لا أدري، وأجاب عن ست عشرة مسألة بما يعرف.وكان مالك نفسه يقول: جُنّة العالم لا أدري، فإذا أغفلها أصيبت مقاتله.قال الإمام ابن عبد البر المالكي: صح عن أبي الدرداء أن لا أدري نصف العلم.إذًا لم ير مالك أن تصدره معنى أنه قد بلغ الغاية والكمال، بل رأى أنه كما قيل:-فقل لمن يدعي في العلم معرفة حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ولهذا كان يعتصم بـ"لا أدري" ويقول: من تركها أصيبت مقاتله، ولا أدري نصف العلم، وربما سئل عن أربعين مسألة اعتذر عن أكثرها، فإذا قال له السائل: ماذا أقول لأهل البلد؟ قال: قل لهم يقول مالك: لا أدري.هذا هو العلم، وأحلف بالله أن ثمة مسائل، ربما من هذه المسائل الثمان والأربعين أو غيرها، لو عرضت على مالك لاعتذر عنها وقال: لا أدري، ولكنها لو عرضت اليوم عليّ أو على بعض طلبة العلم ممن هم أقل شأناً، وأقل علماً، لهجموا عليها دون تردد، وتسارعوا إلى الكلام فيها والفتيا.وربما مسألة لو عرضت على عمر، لجمع لها أهل بدر، لكن لو عرضت على واحد من صغار الطلبة، لرأى أن هذه المسألة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ولا تحتاج إلى كلام، وكما كان السلف الصالح يتدافعون الفتيا، وكل واحد يحيلها على الآخر، أصبح الكثيرون اليوم يتنازعون الكلام، وكل واحد منهم يحاول أن يقول ويتكلم، ويفتي قبل أن يسبقه غيره إلى ذلك.
موقف الإمام مالك من الأمراء
قدم المهدي وهو خليفة المسلمين، فبعث إلى مالك بألفي دينار أو ثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه بعد ذلك الوزير فقال: إن أمير المؤمنين يحب أن ترافقه إلى بغداد عاصمة الإسلام وقصبة الخلافة، فقال الإمام مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون} والمال عندي على حاله، يعني لا أذهب مع الخليفة إلى بغداد، فإنني أبقى في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِمَا ورد من الفضل في سكنى المدينة والموت بها، وأما إذا كان الخليفة أعطاني هذا المال حتى يشتري به ضميري وذمتي، ويضغط عليّ من أجل أن أتخذ قراراً في صالحه، فالمال عندي بِصُرَته وحاله، فبإمكاني أن أعيده إليه، هذا موقف عظيم. وله مواقف أخرى، قال الإمام مالك: [[والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه إلا نـزع الله هيبته من صدري]].عَظُمَ الله تعالى في قلب الإمام مالك، ورزقه الله تعالى هذا العلم العظيم الشريف النبيل، فهان عنده أهل الدنيا، فكان لا يراهم كما يراهم الناس، ولا يغتر وبهذا الصولجان وهذه المكانة، وإنما كان الله تعالى ينـزع هيبة أهل الدنيا من صدره، فيراهم كسائر الناس، بل ربما رآهم أقل من غيرهم شأناً، فلا يهابهم ولا يداهنهم في حق، ولا يجاملهم في دين.
 موقفه في مسألة طلاق المستكره مع أبي جعفر
الإمام مالك هذا الرجل القوي العزيز، الذي ما ذل ولا تنازل ولا أتى إلى البلاط، ولا رأى أن يقرأ على الخليفة ولا على أولاده ولا على مبعوثيه، هذا الإمام تعرض لفتنة عظيمة: كان يفتي في مجلس علمه أنه ليس على المستكره طلاق، فالإنسان أو الرجل إذا أكره على طلاق زوجته، فإن الطلاق لا يقع، هكذا كان يفتي الإمام مالك، وينقل في ذلك كلاماً عن الإمام علي بن أبي طالب وغيره، أنه قال: [[ليس على مستكره طلاق]]. فجاء بعض المنافسين من أهل السوء الذين استغلوا موقعهم السلطوي -كما ذكرت قبل قليل- في تشويه سمعة العلماء، وتشويه أقوالهم واتهام نياتهم ومقاصدهم، فقالوا لـأبي جعفر المنصور: هل تدري ماذا يقصد مالك بقوله: ليس على مستكره طلاق؟! قال: لا، قالوا: يعني: أن البيعة التي تأخذونها أنتم على شعبكم ورعيتكم بالقوة وبالإكراه، أنها لا تنفذ، وأنه لا يراها، فقاموا وأحضروا مالكاً وأركبوه وجلدوه أربعين جلدة، وضربوه حتى أصابه هذا الضرب في يده فكان يحمل إحدى يديه بالأخرى، قد ارتخت أعصابها من شدة الضرب والجلد.رجل عزيز منيع شريف كبير القدر عالم، مع ذلك رضي بالسجن وبالجلد وبالإهانة، ورضي بأن يبعد ويسخط عليه؛ لأنه لا محاباة ولا مجاملة في دين الله تعالى، وإذا فتحنا أبواب التأويل فإن هذا الباب لا يغلق أبداً، وما أفسد الدين -أصوله وفروعه عقائده وأحكامه- إلا كثرة التأويل في دين الله تعالى وصرف النصوص عن ظواهرها.دخل هؤلاء في تفسير نيات الإمام مالك ومقاصده، وماذا يقصد من وراء الكلام، فحاسبوه على كلام لم يقله، وغفلوا عن الكلام الذي قاله، مع أن شريعة الله تعالى لا حساب فيها، على الإنسان في هذه الدنيا إلا على ما قاله بلسانه، وتلفظ به أو فعله بنفسه، ولكن كثيراً من الظالمين والمتعجلين والحاسدين لا يعلمون.قال الإمام الواقدي: والله مازال مالك بعد في رفعة وعلو.هل ترى أن هذا الضرب أساء إلى مالك أو حط من قدره؟! كلا، بل كان هذا جزءاً من تاريخه، وأنت إذا قرأت سيرة عالم، فوجدت أنه ضرب وسجن وأوذي ومنع وحورب كبر في عينك، وعظم في نفسك، وعرفت أنه رجل مواقف ورجل مبادئ، ورجل صدق ورجل إخلاص، فكل هذه الأشياء تسجل في تاريخه، وتكتب في صحائفه، ولهذا قال الواقدي: والله مازال مالك بعد في رفعة وعلو.قال الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" قال: هذه والله ثمرة المحنة المحمودة، إنها ترفع العبد عند المؤمنين، نعم قيل لـالشافعي رحمه الله: أيهما أحسن للإنسان أن يمكَّن أو أن يبتلى؟ قال: [[لا يمكّن حتى يبتلى]] إنه جزء من تاريخ العالم الصادق، أن يصبر على دين الله، وعلى شريعة الله، ويقول ما يعتقد أنه الحق، ويصبر في سبيل ذلك.
مواقف للعلماء

 الأستاذ سيد قطب
وهذا رجل مثل الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، يكتب ما يرى ويعتقد ويدين في كتبه وعلومه، فيسجن ويؤذى ويعذب ويضيق عليه، ويطلب منه أن يقول كلمة واحدة يعتذر بها فيقول: إن السبابة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ترفض أن تكتب حرفاً واحداً تقر به حكم طاغية.يا شهيداً رفع الله به جبهة الحق على طول المدى سوف تبقى في الحنايا علماً هادياً للركب رمزاً للفدا ما نسينا أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى إننا حين نذكر الإمام مالك، أو الإمام أحمد، أو ابن تيمية، أو عبد العزيز البدري، أو سيد قطب أو غيرهم، لا نقصد أبداً أن نختصر تاريخ الإسلام العظيم، وتاريخ العلماء الأبطال في خمسة أو عشرة أو مائة أو ألف، والتاريخ حافل بهؤلاء، لكن هذه بعض الأمثلة والنماذج السريعة من أدنى الذهن، أما الأمثلة فهي كثيرة، وأما العلماء أصحاب المواقف الشامخة وأصحاب البطولات الراسخة فهم أكثر من أن يأتي عليهم العد والحصر في مثل هذا المقام، ولكن لا يخلو عصر ولا زمان ولا مكان من قائم لله تعالى بحجة يدعو إلى الله تعالى، وينفي عن دين الله تعالى تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ويصبر في ذلك حتى يلقى الله تعالى، فيحكم وهو أحكم الحاكمين.
لماذا تعلم مالك العلم؟
يقول مالك: [[ما تعلمت العلم إلا لنفسي]] ما تعلمته ليحتاج إليّ.إذاً: كانت نية الإمام مالك في العلم نية صالحة، ما تعلمه ليصرف وجوه الناس إليه، ولا ليلتف الناس حوله، ولا ليعمر به المجالس، إنما تعلمه لنفسه ليعمل به، ويدعو إليه، ويصبر عليه، وينور له طريقه إلى الله تعالى، وإلى الدار الآخرة، صبر في هذا الطريق وتعلم فاحتاج الناس إليه، وكثروا حوله، وكان الإمام مالك يقيم حلقة عامرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتيه الناس إليها، ويضربون أكباد الإبل من بلاد الأندلس، والمغرب والشام والعراق ومصر، وأنحاء الجزيرة العربية وغيرها، وكانت حلقته حلقة عظيمة.
 نظرة الإمام مالك إلى المسائل الاجتهادية
إن الإمام مالك كان يرى أن المسائل الفقهية والمسائل الاجتهادية، فيها مسرح واسع، ومجال عريض للاختلاف، وأن الأقوال فيها محتملة، والأدلة فيها متقاربة، وأحياناً متقابلة، ولا حرج عليّ أن أخالفك بمقتضى الدليل، ولا حرج عليك أن تخالفني، ولا مانع أن ترد علي بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا مانع أيضاً أن أرد عليك بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالأسلوب الطيب المناسب، ليس من همي أن أرد عليك حتى أسقطك، وأمرغك أمام الناس، وأجعلك في موقع غير محمود، أو أشوه صورتك أمام الناس! كلا، وإنما كان همي الوصول إلى الحق الذي تهتدي به أنت قبل غيرك، أو همك الوصول إلى الحق الذي أهتدي به أنا قبل غيري، هذا كان همنا، لذلك التزمنا بالأسلوب الحسن، والحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة؛ لأنني لا أريد أن أوحش صدرك فلا تقبل مني.قال الإمامأحمد: [[ما أغضبت أحداً قط فقبل منك] تغضبني وتشتمني وتسبني وتتهمني، ثم تريد مني أن أقبل منك! قد يكون هذا لو أنني صاحب خلق عظيم، وصاحب قدرة كبيرة على التحمل، وأنني تخلقت بالأخلاق التي ورثها الناس عن الأنبياء، فصرت صابراً مثابراً قوياً محتملاً، لا أغضب لنفسي، لكن من يملك مثل هذا؟! أكثر الناس لا يملكونه، ويتأثرون بالأسلوب والكلمة، ولهذا تجد أن أهل العلم الصادقين الغيورين المخلصين، وأضرب -مثلاً- منهم في هذا العصر بالإمام الكبير عبد العزيز بن باز، يخاطب حتى بعض الذين نسبت إليهم البدع، وبعض المخالفات الشرعية، وبعض الضلال في مسائل من الشريعة، فضلاً عن بعض المخالفات الفرعية الاجتهادية، يخاطبهم بالأسلوب الحسن.وقد وقفت بنفسي على رسالة بعث بها سماحته إلى رجل من أعلام الفكر والدعوة في هذا العصر، ولكن عليه ملاحظات وأسئلة، وحوله بعض الكلام، وله اجتهادات في مسائل عديدة، قد لا يوافق على جميعها، فكُتب إلى الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا الرجل، فماذا فعل؟! كَتَبَ إليه رسالة، وقد وقفت بنفسي على كل هذا، وبجله ومدحه وأثنى عليه، وقال: إلى فضيلة الأخ الداعية العالم الدكتور المفكر فلان بن فلان حفظه الله، ثم سلم عليه، وأثنى عليه، ودعا له وشكره على جهوده في خدمة الدين، وعلى بذله وبلائه وصبره وعلى وعلى... وبعدما هيأ نفسه للقبول، قال: بلغنا من بعض الناس كيت وكيت وكيت، ثم ذكر كل ما نسب، وقال: فأحببنا أن نتثبت وألا نقول إلا ببينة، ورأينا أنك أقرب من نخاطبه في ذلك ونسمع منه، فنحب أن تبين لنا في ذلك، فكتب هذا الرجل إلى الشيخ عبد العزيز بن باز ما كتب. فتشعر بأن الإمام عبد العزيز بن باز لم يكن همه أن يشهر بهذا الداعية، أو يحط من قدر ذاته، أو يشوه صورته؛ لأن العامة من المسلمين إلى أين يذهبون، إذا سقط هذا وسقط هذا، وسقط هذا، من بقي للناس؟! هب أنك أفلحت أن تقنع الناس، بأن (س، من الناس) غير مناسب، ولا جيد، وليس على الجادة، ولا على السنة، ولا على الطريق، ويجب أن يترك، و(ص، من الناس) مثله، و(ع، من الناس) كذلك، إذاً، من بقي للناس؟ المهم البناء وليس الهدم، والناس لا يتركون شيئاً إلا بشيء، وليست القضية قضية منافسة، فالساحة ملأى، ونحن نرى أن الأمة وقعت ضحية تضليل كثير من أهل الفساد، والإلحاد، والعلمانية، والزندقة، وأصبح يمثل الأمة أحياناً، في محافل دولية، وأدبية وفكرية ملاحدة، وزنادقة وأهل الإلحاد، وأهل الحداثة، وأهل الكفر، فضلاً عن أهل البدعة والضلالة، المعلنين المعروفين المشهورين. فلماذا نستغرب أن تقع الأمة ضحية، وهب أن الأمة اغترت بفلان، ولم يكن من هؤلاء ولا من أولئك، يجب عليك أن تسعى إلى إنقاذ الأمة من أن تغتر بهؤلاء الزنادقة، وتسعى إلى إنقاذها من أن تغتر بهؤلاء المبتدعة المعلنين بالبدعة، قبل أن تسعى إلى إنقاذ الأمة مما تظنه أنت اغتراراً بفلان في مسائل إن كان ما تعتقده أنت صواباً، فالخطب يسير، والأمر لا يدعو إلى كفر وإيمان، وليس هدىً أو ضلالاً، وإنما المسألة مسألة اجتهاد، يخطئ ويصيب، ومسألة قول راجح أو قول مرجوح.هذا بعض ما أحببت أن أقوله عن الإمام مالك، وفي سيرة الإمام مالك الكثير مما لا يتسع المجال لذكره.
الأسئـــلة

 نصيحة إلى صاحب الدش
السؤال: ما هي نصيحتكم إلى من أدخل الدش إلى منـزله؟ الجواب:هذه الأقمار الصناعية التي انتشرت اليوم في أسطح بيوتنا في كل مكان، ورأيناها في هذه البلاد، في طولها وعرضها، تنذر بشر خطير؛ لأنها قنوات ونوافذ تهب من خلالها رياح الكفر النصرانية، فإن مجلس الكنائس العالمي، ومن ورائه الفاتيكان، قد أستأجر عشرات المحطات الفضائية، فضلاً أنه يملك أصلاً محطات أخرى كثيرة، هدفها الوحيد هو تغيير عقائد المسلمين، وفيها محطات موجهة خصيصاً إلى منطقة الشرق الأوسط ذاتها؛ لأنها من أهم وأخطر المناطق في نظر مجلس الكنائس العالمي، أما اليهود فهم الآخرون قد وجهوا محطات مخصصة إلى البلاد العربية، وبعضها محطات تبث الجنس والدعارة الصريحة، تبث من إسرائيل نفسها، وتبث من بعض المواقع في إفريقيا التي استأجرتها إسرائيل، أو استولت عليها بطريقة أو أخرى، فضلاً عن الذين يتبعون الشهوات، والذين أخبر الله عنهم فقال:وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [النساء:27] فلذلك من الخطر الكبير الداهم أن يسمح المجتمع بسلطاته وعلمائه وأفراده، بوجود هذا الشر المستطير بين أظهرنا، إنه بلاء ووباء، هل تعتقد أن هناك أحداً وضع هذا من أجل أن يستمع الأخبار؟! أنا لا أحكم على ضمائر الناس، وقد يوجد من الناس، لكن هذا يشكل (1%) من الذين يعرفون اللغات المختلفة، ويستطيعون أن يفهموها، الذين يهتمون أصلاً بتتبع الأخبار والتحاليل ومعرفة أحدث التطورات وأدقها، أما جمهور الناس، فنحن نعلم أن الكثير منهم لا يسمع الأخبار في الراديوا مثلاً، لا يقرأ المجلات، ولا يتتبع الأخبار، ولا يهتم بها أصلاً، ومستوى الوعي والمتابعة الإخبارية عند الأمة، ما زال أقل بكثير، من أن نتصور أن الناس قد وضعوا هذا، ليتابعوا الأخبار، ثم هب أن هذا صحيح، أليس في البيت النساء والمراهقون؟ فتيات وشباب في سن المراهقة، والشهوة تتأجج في أعصابهم، دون أن يوجد ما يثيرها، أو بمثير سهل يسير، فما بالكم بهذه الفتاة، التي تقرأ في المقرر والمرأة كلها عورة، إلا وجهها في الصلاة، ثم تشاهد على الشاشة بنات جنسها، اللآتي خلقن كما خلقت هي، والطبيعة واحدة، والجبلة واحدة! تشاهدهن وهن بملابس السباحة! أو تشاهدهن وهن مع أصدقائهن في رحلة بالخلاء! أو تشاهدهن في بيوت الدعارة! وأماكن البغاء والرذيلة، أو تشاهدهن وهن يمارسن ألوان الرياضة! إلى غير ذلك من الصور والمشاهد، كيف سيكون وضعها وكيف سيكون مستقبلها وتفكيرها؟! أقل ما ستكون أنها فتاة متناقضة، لا تدري هل تقبل ما تقرأ، والمرأة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، أو تقبل هذا الأمر الذي يعرض عليها مطعماً بأحدث وسائل التكنولوجيا، وما تفتقت عنه العقلية الإنسانية في مجال الإعلام والإبداع، وفن التصوير والرسم، والنقل والإثارة، إلى غير ذلك، سنفاجأ على الأقل بجيل ممزق، لا يحمل مبدأ ولا عقيدة ولا ديناً، ولا يتحمس لشيء، ولا يأخذ أمور الحياة كلها بجدية، حتى أمور الدنيا، ليس عنده قدرة على التعلم، ولا على أن ينجح في الاقتصاد، ولا على أن ينجح في التصنيع، ولن يقدم الأمة والبلاد خطوة واحدة إلى الأمام، إذا نشأ بهذه الصورة، وقل مثل ذلك في الشاب، الذي يشاهد هذه المثيرات فتثور عاطفته، فيتجه إلى أن يشبع هذه العاطفة، فيكون مسماراً يدق في نعش المجتمع؛ لأن هذه الصورة التي شاهدها، فحركت عاطفته وجعلته يذهب كالمسعور، يبحث في المجتمع عن إشباع لهذه الغريزة، التي ثارت ولو بالحرام، خاصة إذا كانت أسباب الحلال مغلقة أو صعبة أحياناً، فعلينا أن نقوم بحملة صادقة في مقاومة مثل هذا الوباء والبلاء.هذا وأسأل الله أن يكون هذا الإجتماع، اجتماعاً طيباً مباركاً مرحوماً، إنه على كل شيء قدير، وأن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إمام دار الهجرة للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net