اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التعامل بأخلاق الإسلام للشيخ : سلمان العودة


التعامل بأخلاق الإسلام - (للشيخ : سلمان العودة)
تحدث الشيخ -حفظه الله- عن أهمية الأخلاق للداعية، فبدأ الحديث عن خلق الصدق، وبين أن على الداعية أن يكون صادقاً في حمل الدين لأن ذلك أدعى لقبول العمل، ثم بين أن على الداعية أن يتحلى بخلق الصبر وألاَّ ييئس ولا يستعجل النتائج، ثم وضح أهمية التواضع وخطر الكبر وضرره على الداعية وبين أن على الداعية أن يتحلى بالتواضع في جميع الأحوال وأن يشعر بآلام المسلمين وأحاسيسهم وأن يعيش للأمة لا لنفسه ويكون قدوة لغيره في ترفعه عن الدنيا وفي مطابقة أفعاله لأقواله.
أهمية الأخلاق
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم لا سهل إلا ما سهلته، وأنت إذا شئت جعلت الحزن سهلاً، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أما بعــد:إخوتي الأحباب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكتب الله لنا ولكم هذه الخطوات التي نرجو أن تكون في سبيل الله جل وعلا، فما من خطوة يخطوها العبد إلى طلب علم، أو دعوة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، بنية صادقة، إلا وهي مكتوبة له، إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12].أيها الإخوة: الأخلاق في الإسلام تتبوأ أعظم المواقع، حتى أن نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام يقول: {إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق} وفي لفظ: {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق} والحديث رواه مالك في الموطأ، وابن سعد، وغيرهم وهو حديث حسن، فحصر النبي صلى الله عليه وسلم المهمة التي بعث بها في هذه الكلمات (لأتمم صالح الأخلاق) أو (مكارم الأخلاق).فإذا فهمنا أن المقصود بالأخلاق تعامل العبد مع الله، ومع الخلق، فلا إشكال في الحديث مطلقاً؛ لأن هذا هو الدين كله، أن يحسن الإنسان المعاملة مع ربه، ومع الخلق، وإذا فهمنا الأخلاق بالمعنى الأخص الذي هو: حسن المعاملة مع الناس، فحينئذٍ يكون الحديث لبيان عظيم قدر الأخلاق، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: {الحج عرفة} أو {الدين النصيحة}.ليس المقصود حصر الحج في مكان، أو حصر الدين في النصيحة، كلا؛ بل إشارة إلى عظيم مكانة عرفة، في الحج؛ لأنها أعظم ركن فيه، ولعظيم موقع النصيحة في الدين، والحديث -على أي المعنيين- فيه دلالة قوية جداً على عظمة الأخلاق في الإسلام، ومن هذا المنطلق فكل مسلم داعية كان أو غير داعية، ينبغي أن يلتزم بأخلاق الإسلام.لكن يكون الواجب على الداعية بصفة أخص أن يلتزم بهذه الأخلاق، فإذا كان المسلم العادي مطالباً بالتحلي بالأخلاق الفاضلة، فما بالك بمن يرفع لواء الدعوة إلى الله، ويكون مبلغاً لشريعة الله، ودينه إلى الناس، إن الأنظار إليه أكثر، والتطلع إليه أعظم، ونقده إن أخطأ أشد. ولذلك فالتزامه بالخلق الفاضل من ألزم اللوازم، وأكثر الأمور ضرورة.أيها الإخوة إنني لو تكلمت عن الأخلاق التي يجب أن يلتزم بها الداعية، فإن هذا الحديث يبدأ ولا يكاد ينتهي؛ ولهذا رأيت أن من المناسب في هذه المحاضرة أن أختار مجموعة من الأخلاق، التي هي من جانب مهم، وربما تكون أهم من غيرها، ومن جانب آخر يخطأ فيها الكثير من الناس، وخاصة من الدعاة، حتى تتركز هذه المحاضرة في مجموعة من الأخلاق التي يجب الالتفات إليها.
 

خلق الصدق
فالخلق الأول: هو خلق الصدق يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] وليس المقصود بالصدق هو الصدق في اللسان، بل الصدق أعم من ذلك، فالصدق منهج عام.
 أثر الصدق في القبول
إخواني الكرام إنَّ صدقنا في اعتقاد الإسلام، واعتقاد الحق فيه، هو الوسيلة الأولى لقبول الناس لديننا، فالإنسان الذي يمثل على الناس، لا يقبل الناس منه هذا التمثيل، بمعنى أن يكون مثل الممثل في المسرح يظهر للناس شيء، لكن حقيقته أمر آخر، فمثل هذا الإنسان سرعان ما ينكشف أمره للناس، ولا يتقبلون منه.ولذلك يقال: أن بعض السلف -نقلت عن أكثر من واحد من العلماء- كان إذا تحدث، ووعظ يتجمع الناس عنده، وتنهال الدموع، ويسمع البكاء والنحيب، وآخرون أقوى منه حجة، وأقوى منه بياناً، وأوسع منه علماً، لكن إذا تحدثوا لم يتأثر بكلامهم أحد.فقال له ولده: يا أبتِ، مالك إذا تحدثت بكى الناس وانتحبوا، وإذا تحدث غيرك لم يحرك للناس شعوراً، فقال يا بني: لا تستوي النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة، فالمرأة التي تبكي لموت ابنها، أو زوجها، تبكي بحرقة وحزن، فتُبكي من يسمعها، لكن إذا مات إنسان، ولم يوجد من يبكي له، فاستأجر أقاربه بالأجرة أناس يبكون الساعة بكذا، من يسمع هذا البكاء؟ لا يلتفت إليهم؛ بل يضحك عليهم، لأنه يعلم أن المسألة تمثيل، وأن هؤلاء المتباكيات لسن حزينات، وإنما يقمن بالبكاء بالنيابة عن غيرهن، فلا يتأثروا بهن.إذاً: صدقك في حمل الدعوة هو الوسيلة الأولى لتقبل الناس ما عندك، وليس المهم في الدعوة هو الألفاظ المنمقة، والعبارات المعسولة المحبوكة، والألفاظ الأدبية، وإن كانت هذه الأشياء كلها مطلوبة في الدعوة، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس بأبلغ بيان، وكان أفصح من نطق بالضاد عليه صلوات الله وسلامه، ولكن أهم من ذلك كله، وقبل ذلك كله، لا بد أن يكون حديث الإنسان منطلقاً من قلب صادق.كذلك الصدق في الأقوال: فإن الدعاة أحوج ما يكونون في هذا الزمن لأن يكونوا صادقين في أقوالهم وأعمالهم، وذلك لأنكم تعرفون -أيها الإخوة- أن الداعية اليوم يواجه حرباً من أطراف شتى؛ يواجه حرباً من الأبعدين -من أعداء الإسلام- وهذه حرب ضارية وشرسة وضروس لا يهدأ لها غوار، ويواجه أحياناً حرباً ممن يخالفونه في المنهج، وفي الطريقة، وفي أسلوب الدعوة حتى من الذين يذكرون من الدعاة إلى الإسلام. وربما يملك هؤلاء وأولئك من وسائل التشهير بهذا الداعية الشيء الكثير، فإذا وقع الداعية في مزلق كذب في القول، أو في الفعل، أو تورية يفهم الناس منها خلاف ما يريد، أو ما أشبه ذلك، فإنه حينئذ يكون فتح الباب على نفسه ليقول الناس فيه ما يشاءون؛ ولذلك فالداعية بأمس الحاجة إلى أن يكون صادقاً قدر الإمكان، ولا يضيره أن يبالغ في الصدق، حتى يفوت السبيل على من يريدون أن يسيئوا إليه، أو يفهموا أقواله للناس وأفعاله على غير ما هي عليه.
خلق الصبر
أما الخلق الآخر فهو خلق الصبر: والصبر قرين الإيمان، قرين اليقين وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].
 الصبر على الدعوة
كثيراً ما يقف الضالون في وجه الدعاة، فيقولون لهم: إنما تدعون إليه أمر لا يمكن أن يتحقق في الواقع، أنتم تدعون إلى أمور قد تعداها الزمن، ونسيها الناس، محالٌ أن يعود المجتمع إلى ما كان عليه، ولكن ينبغي أن ترضوا بما هو دون ذلك، أو ينبغي أن تعيدوا النظر في بعض آرائكم، فقد تجد من الدعاة من يستجيب لهذا المنطق، فربما بدأ يفكر مرة أخرى في فهمه للإسلام.الربا اليوم يضرب أطنابه بين الناس، ويمد رواقه، وقل من يسلم منه، حتى تحققت النبوءة التي وردت في حديثٍ رواه الإمام أحمد في مسنده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يأتي على الناس زمانٌ من لم يأكل الربا، أصابه من غباره} وهذا الحديث وإن كان فيه مقال، إلا أنه ورد في صحيح البخاري، ما يشهد له، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:{يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي المرء ما أكل من حلال أم من حرام}. فهذا الربا الذي استقر في نفوس كثير من الناس، وفي جيوبهم، وفي أموالهم، ومؤسساتهم، بدلاً من أن يسعى الداعية للقضاء عليه، وإقناع الناس بتحريمه يأتيه الذين لا يوقنون فيحاولون أن يستخفوه به ليعيد النظر في موضوع صورة من صور الربا، وأن هذه قد لا تكون من الربا؛ ولذلك أصبحنا نسمع من يحاول أن يحلل بعض أصناف الربا الصريح الذي لا كلام فيه، ولا لف، ولا مداورة، لكن على سبيل الاستجابة لاستخفاف الذين لا يوقنون.كذلك -أحياناً- يأتي بعض الناس إلى الداعية، فيقولون له: إنك تبذل جهود جبارة، وتتعب، وتسهر الليل، وتكد في النهار، وتواصل الجهود، لكن النهاية والنتيجة: قليلة، فأنت ترى الناس ينفضون من حولك، وترى وسائل الهدم والتخريب قد استحوذت على الكثيرين منهم، فلماذا لا تنعزل وتترك هذا الميدان، فربما جاء الوقت التي تشرع فيه العزلة؟!وهذا المنطق -أيضاً- قد يؤثر في نفوس كثير من الدعاة، خاصة المبتدئين الذين لم يتعودوا على تحمل عقبات الطريق، فهنا يأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري عن خباب بن الأرت، قال: {شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا يا رسول الله: ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد احمر وجهه، ثم قال: إن من كان قبلكم يؤتى بالواحد منهم فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ويشق إلى نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه من عصب لا يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون}.إذاً: العجلة في جني ثمار الدعوة ونتائجها لا تتناسب مع الصبر الذي يجب أن يتحلى به الداعية، أحياناً يكون الداعية في موقع من المواقع، يجاهد في مكان من الأمكنة في رد المنكرات، وفي التقليل منها، وفي نشر الدعوة، ويحدث له خيرٌ كثير، لكن لا يحس هو بهذا الخير الذي يقع؛ لأن الخير يقع تدريجياً، فلا يشعر به، كما أن الواحد منا حين يكون له ولد في بيته -طفله- يراه صباحاً ومساء، فهذا الطفل يكبر، لكن الأب لا يحس بنموه لأنه يراه باستمرار، والنمو تدريجي فلا يحس به الأب، كذلك الداعية -أيضاً- قد يكون في موقع له تأثير كبير، لكن لا يحس به، فلو تخلى عن هذا الموقع لظهر أثره، وكم من داعية تخلى عن موقعه ظاناً أنه ليس له أثر، فلما تخلى بان فقده، فكان شأنه كشأن الكسعي الذي يضرب به المثل في الندم، كما يقول الشاعر: ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار فـالكسعي، كان يصنع السهام -القسي- فيضرب بها، وصار يضرب في الليل، وظن أنه لم يصب، فكسر القوس الذي صنع، فلما أصبح ذهب فنظر، فوجد أنها قد أصابت الموضع الذي يريد! فندم ندماً شديداً على كسر هذا القوس. فعلى الداعية ألا يستعجل النتائج والثمرات؛ بل عليه أن يسعى، ويعتمد على الله عز وجل، ويدرك أنه بمنطق التجربة المقطوع بها، التي لا يشك فيها اثنان ممن لهم معرفة، وبصر بالواقع، أن أي جهد صحيح يبذل اليوم في الأمة الإسلامية، فهو جهد مثمر، وقد جرب الكثير من الناس ذلك.فمن يستطيع أن يقول: إن هناك داعية دعا فلم يستجاب له، أو عالم جلس للتعليم فلم يقعد إليه أحد، أو ناصح نصح فلم ينتصح أحد بأمره ونهيه، أبداً لا يوجد هذا، بل كل داع يجد من يستجيبون له.إذاً لم تصل الأحوال إلى حد ما أخبر عنه الرسول عليه السلام: {شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه} على مستوى الأمة كلها، هذا قد يوجد بالنسبة لأفراد، لكن الأمة كلها لا يزال فيها خير كثير، ولا يزال عند الناس استجابة، وقبول للدعوة، وسماع لصوت الناصح؛ بل إننا نجد في الأمم الكافرة اليوم في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وغيرها من بلاد العالم الكافر، أن من يحمل لواء الدعوة إلى الله تعالى، يجد من يستجيب له من أولئك الكفار.إذاً الدعوة تجد آذاناً صاغية لكن: (لكنكم تستعجلون) -كما قال صلى الله عليه وسلم-.
خلق التواضع
الخلق الثالث: هو خلق التواضع: والتواضع: هو معرفة الإنسان قدر نفسه، وتجنب الكبر.
 التواضع عند فعل الخير
كذلك من التواضع: أن تتواضع إذا عملت خيراً من طاعة أو قربة، ولا يدعوك هذا إلى العجب بهذا العمل، لماذا؟ لأنك تتذكر -كما أسلفت- أنه قد يكون هذا العمل غير مقبول، لسبب من الأسباب، فلا تستكبر به، ولا تمن به على الله جل وعلا.وكذلك تتواضع إذا نصحت، وأكثر ما يأتي الشيطان للإنسان ويأزه ويعظم عليه الأمر إذا نصح؛ لأن النصيحة معناها: أن فيك نقصاً، فأنا حين آتي إليك، وأقول لك: يا أخي أنت -جزاك الله خيراً- فيك وفيك، وأنت رجلٌُ، ورجلٌ، ورجلٌ، فتفرح بذلك، هذه فطرة عند الإنسان يفرح بالمدح -يحب المدح- لكن إذا قلت لك: ولكن.. هنا تمسك قلبك؛ لأنك تخشى مما بعد لكن؛ معناها لأنني سوف أرجع، وأنتقدك في بعض العيوب.وكل واحد منا ولا أعتقد أن واحداً منا إلا كذلك يكره كثرة الملاحظات، إلا أنه إن وجد أنها حق قهر نفسه، وتقبلها، ودعا لمن نبهه إليها، وشكره، لكن الضعيف ربما يستجمع قوته، ويستكبر عن قبول الحق؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: { الكبر بطر الحق} أي: رده، بمعنى أن ترد الحق، فإذا سمعت أحداً ينصح لك فتواضع -يا أخي- وتذكر أنك أهلٌ لكل خطأ، وعيب ونقص، وافرح بإنسان يهدي إليك عيبك.
خلق العدل
أما الخلق الرابع: وما أدراك ما الخلق الرابع! إنه خلق العدل: والكلام في خلق العدل يحتاج إلى جلسة خاصة؛ لأن هذا الخلق من الأخلاق النفيسة؛ بل هو من أنفس الأخلاق؛ بل لعله رأسها، والعدل: لفظ عام يشمل التوسط الذي هو سمة المسلم، وسمة أهل السنة والجماعة في كل أمر من الأمور دون استثناء.
 العدل في التعامل مع الخلاف
وهناك -في الحقيقة- ألوان أخرى من العدل لعلي أتركها، وأكتفي بالصورة الأخيرة من العدل، وهي: العدل في التعامل مع الخلاف، وهذه من أهم القضايا، فالخلاف واقع لا محالة؛ وبعض الناس نظراً لكثرة الخلاف، تجد بعض الدعاة إلى الله جل وعلا يقول لك: دع المسلمين مهما كانت ألوانهم، وعقائدهم، واتجاهاتهم، ومللهم، ونحلهم، يجتمعون على أمر واحد، ولا يعنينا اختلافهم، فيرضى بأن يجتمع أهل البدع، والضلالات، والانحرافات الغليظة والقريبة والبعيدة ليقوموا بعمل ما، وهذا في الواقع ليس من العدل؛ لأن من هؤلاء من يكونون مجرمين، والله تعالى يقول: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35] ومن هؤلاء مبتدعة، ومنهم غلاة، ومنهم من تصل الأحوال بهم إلى حد البدعة المكفرة.وفي مقابل ذلك قد تجد من الناس من يبالغ في قضية منع الخلاف، حتى يريد من الناس أن يجتمعوا ويوافقوه حتى في اجتهادات شخصية فردية له، ربما لم يوافقه عليها أحد، لكن يريد أن يوافقه الناس على ما يرى، وإلا لا يأبه بهم ولا يقيم لهم وزناً، والعدل في ذلك أن تقبل الخلاف فيما يجوز الخلاف فيه: في موضوع الوسائل، في موضوع الاجتهادات التي تحدث للدعوة، في الفرعيات وما يتعلق بالأحكام، في أمور اختلف فيها العلماء السابقون، يسع فيها الاختلاف ما دام فيها الاختلاف مبنياً على الدليل، وعلى الاجتهاد حسب ما فهم الإنسان من الكتاب والسنة، وليس لمجرد الهوى، والتشهي، والرغبة الشخصية.وإن خالفت هذا الإنسان، فإنني أقبل أن أتعاون معه على البر والتقوى، ولو كنت مختلفاً معه في بعض الأمور، فالعدل في التفاهم، والتعامل مع الخلاف هو من أهم وألزم الأشياء للدعاة.
العاطفة الحية
أنتقل إلى الخلق الخامس: وهو خلق: العاطفة الحية.
 الغيرة الحية
عاطفة تمثل الغيرة الحية عند الإنسان، هل نحن نملك الغيرة على أنفسنا إذا وقعنا قي أخطاء؟ غيرة على إخواننا تدعونا إلى مناصحتهم، وغيرة على أزواجنا، وزوجاتنا، وأولادنا بحيث نأمرهم بالمعروف، ننهاهم عن المنكر، نمنعهم إذا كنا نستطيع منعهم من ارتكاب ما يسخط الله، نأمرهم ونحملهم على طاعة الله جل وعلا، هذه العاطفة نحن بأمس الحاجة إليها.كثيرون يتحدثون عن الإسلام، لكن في الواقع قليل جداً من يملك عاطفة حقيقية، والعاطفة محلها القلب، فإذا تحرك قلب الإنسان بعاطفة حية تجاه الإسلام وأوضاع المسلمين، أثمرت دعوة، ونصيحة، ومساعدة، ومشاركة لآلام المسلمين في كل مكان.أما إذا فقد الإنسان هذه العاطفة صار يعيش لنفسه، ولأولاده، ولزوجته، يعيش ليستمتع ويتلذذ بما حوله، وينسى هموم المسلمين، ولا أريد أن أستشهد بحديث: { من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم } لأنه حديث ضعيف.
الطموح
ما قبل الأخير من الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها الداعية، وهو خلق الطموح.
 سعي الداعية للارتقاء في مراتب الدين
ولذلك أود أن أشير إلى حقيقة، وهي أن الإسلام درجات ومراتب، وهناك الإسلام والإيمان والإحسان كما في حديث جبريل، وهي مراتب يترقى فيها الإنسان من كونه مسلماً فقط إلى كونه مسلماً مؤمناً، ثم يرتقي بعد ذلك إلى كونه مسلماً مؤمناً محسناً، وهذه القسمة الثلاثية: إسلامٌ، ثم إيمان، ثم إحسان، يقابلها القسمة الواردة في الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32] فيحاول الإنسان أن يترقى من كونه ظالماً لنفسه إلى كونه مقتصداً إلى كونه سابقاً بالخيرات -بإذن الله-.وهذه القسمة الثلاثية -أيضاً- تناظر القسمة الثلاثية الواردة في السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الفرقة الناجية، فذكر أولاً الإسلام -كما هو معروف- وهو الضمانة الوحيدة للدخول في الجنة، فلا يدخل الجنة إلا مسلم، وداخل هذه الدائرة الكبرى -وهي دائرة الإسلام- هناك دائرة أضيق، وهي دائرة الفرقة الناجية، وهذه الدائرة تشمل من التزموا بالسلوك المستقيم، والعقيدة الصحيحة وإن لم يقيموا بما وراء ذلك، وهناك دائرة ثالثة أضيق وأضيق وأضيق، وهي أفضل، وأشرف، وأعظم، وهي دائرة الطائفة المنصورة الذين يذبون عن الدين، وينافحون عنه، ويتحملون الأذى، واللأواء في سبيله فينصرهم الله جل وعلا.فيسعى الإنسان إلى أن يرتقي في هذه الدرجات، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم: {أن ينظر الإنسان في الدنيا إلى من دونه فإنه أجدر ألا يزدري نعمة الله عليه} لكن مفهوم ذلك أن ينظر في الدين إلى من فوقه، فحاول أن تتشبه بالفضلاء، والعظماء، والمصلحين، والمجددين؛ حتى يتحقق لك بعض الخير في هذه الدنيا، فكن صاحب نفس طموحه لا ترضى بالوقوف عند حد معلوم.
خلق القدوة
أختم الحديث بالكلام عن وجوب أن يكون الداعية قدوة لغيره.
 مقابلة السيئة بالحسنة
أخيراً أقول: إن القدوة تقتضي أن الداعية لا يقابل السيئة بالسيئة؛ بل يقابل السيئة بالحسنة فيعفو، ويصفح، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وهذه هي أخلاق الأنبياء.حتى أننا نذكر قصة الإسرائيلي زيد بن سعنة أو غيره، -وهي قصة صحيحة- الذي جاء وآذى النبي صلى الله عليه وسلم بالقول، وأغلظ عليه، وكان يطالبه بدين، فهمّ به الصحابة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: {دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً} وأمر أن يعطى ويوفى له في العطاء، فقال الرجل: هذه أخلاق أنبياء، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة

  طريقة النهي عن المنكر
ِالسؤال يقول السائل: كثيرٌ ما نشاهد، ونسمع عن منكرات البيوت، كالموسيقى وآلات الطرب، ورفع صوت التلفاز من بعض الجيران، فما واجبي تجاه هذه المنكرات؟الجواب: أولاً: الصلة بالجار، لا ينبغي أن تكون معرفتك بالجار -فقط- حين تجد عليه خطأً أن تنبهه إليه، اتصل به، أقم معه علاقة حسنة، اكسب وده إن استطعت، أحسن إليه؛ لأن الإحسان إلى الناس من أعظم وسائل كسبهم، ثم حاول أن تدعوه، حتى قبل أن ترى عليه منكراً، اعطه الكتاب المناسب، والشريط الجيد، وادعه إلى المجالات الخيرية، والمناسبات العامة، وإذا رأيت عليه منكراً فحاول أن تنبهه على هذا المنكر إما بمخاطبته مشافهة، وإما بالهاتف، وإما بالرسالة، وإما بالأسلوب الذي تعتقد أنه مناسب.وقد تعطه شريطاً، أو كتاباً في موضوع المعصية التي رأيتها عليه، حتى يتنبه إلى ذلك، وكلما كان الإنسان ألطف، وأحسن خلقاً كان أدعى للقبول.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التعامل بأخلاق الإسلام للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net