اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التربية الوجدانية وأثرها للشيخ : سلمان العودة


التربية الوجدانية وأثرها - (للشيخ : سلمان العودة)
في هذا الدرس تحدث الشيخ حفظه الله عن التربية الوجدانية وأثرها في الحد من انتشار الجرائم، كالمخدرات مبتدئاً بالحديث عن أقسام السموم باعتبار المخدرات منها، ثم تاريخها، وانتقالها من ظاهرة فردية إلى عامة عن طريق الحشاشين، وكيف استخدم الاستعمار هذه المخدرات كسلاح يُبَلِّد به الشعوب، ثم تحدث عن التربية الوجدانية ذاكراً في ذلك عدداً من القصص الصحيحة الواقعية، وحث على توظيف كافة الأجهزة والمؤسسات في المجتمع لمحاربة الرذيلة، ونشر الفضيلة، وحذر من التناقض الذي يعيشه الطفل في المجتمع بين منهج المدرسة وواقع الشارع والإعلام، وأن ذلك هو سبب الضياع والتميُّع في أبنائها.
أقسام السموم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم وسلم تسليماً كثيراً وبعد:يقسم العلماء السموم المعروفة عادة إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: هي تلك السموم القاتلة التي تمزق وتحرق الأجزاء التي تصل إليها من الجسم بمجرد تعاطيها أو تناولها، وذلك كالسم المعروف بالسليمانى.القسم الثاني: هي السموم المهيجة كالزرنيخ مثلاً، وهي ذات تأثير مهيج على المعدة والأمعاء.القسم الثالث: هي السموم المخدرة وهي ذات تأثير تخديري على المخ والأعصاب كالحشيش والأفيون وغيرها، وهي ما تعارف الناس اليوم - بل ومن قبل - على تسميتها بالمخدرات.
 

تاريخ المخدرات
ولم تكن هذه المخدرات وليدة اليوم وإن كان هذا العصر شهد تطوراً رهيباً مذهلاً في انتشارها وترويجها واستخدامها في كافة الأغراض، لم تكن المخدرات وليدة اليوم، بل لقد عرفها الإنسان منذ آلاف السنين، وقد ذكر المتحدثون عن المخدرات أن بعض شعوب الشرق الأدنى عرفوا الأفيون منذ نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة كما يقولون، وكانوا يسمونه نبات السعادة، ويستخدمونه في بعض الأغراض الصحية، أو يعطونه لأطفالهم لمنع إفراطهم في البكاء أو ما أشبه ذلك.
 المخدرات الصناعية
لقد كانت المخدرات المنتشرة بين الناس هي المخدرات الطبيعية، كالحشيش والأفيون والخشخاش والقات وغيرها، ومع أن هذه المخدرات ما زالت ذات انتشار بين الناس، إلا إنه قد نافستها في هذا العصر المخدرات الصناعية، كالمسهرات والمنومات والمهدءات والمنشطات، وعقاقير الهلوسة والمواد الطيارة التي تستخدم فيما يسمونه بالتشفيط، ومنها مثلاً المواد البترولية والغراء والأثير وغيرها، وكل هذه الأشياء لها رواج كبير وانتشار في أوساط متعاطي المخدرات.
استنتاجات من خلال تاريخ المخدرات
من خلال هذه المقدمة (البسيطة) السريعة - يقولون: (البسيطة) وهو استعمال لغوي غير صحيح؛ لأن (البسيطة) معناه المطوَّلة، وأنا أريد أن أقول المختصرة - فمن خلال هذه المقدمة المختصرة (غير البسيطة) نلاحظ أمرين:
 دور أعداء الأمة الإسلامية في ترويج المخدرات
الملاحظة الثانية في العرض السابق هو: ملاحظة الدور الخطير الذي يقوم به أعداء الأمة المسلمة من الداخل والخارج في ترويج المخدرات، فنحن لاحظنا دور الاستعمار - مثلاً - في نشر المخدرات في أصقاع العالم الإسلامي: وفي الجزيرة، وفي مصر، وفي الشام، في الهند وفي غيرها، وكان الاستعمار يضحي بالشيء الكثير في سبيل فرض هذه المخدرات ونشرها بين الناس؛ حتى إنه قامت بين بريطانيا والصين حرب مشهورة باسم حرب الأفيون، تحاول فيها بريطانيا بالقوة أن تفرض على الصينيين السماح بدخول هذه المخدرات إلى بلادهم! وفعلاً أذعنوا إلى بعض هذه المطالب...!وهذا يؤكد لنا أن قضية المخدرات ليست قضية محلية كما يحاول أن يفسرها بعض الناس، بل هي قضية عالمية، وما العصابات المشهورة في العالم والتي تتبنى ترويج المخدرات ونشرها كعصابات المافيا وغيرها عنا ببعيد، وفي جريدة المسلمون أيضاً الصادرة في يوم الجمعة القادم سوف ينشرون تحقيقاً كما ذكروا عن دور هذه العصابات في نشر ألوان المخدرات لشباب الجامعات في مصر وغيرها، وكذلك دور الأعداء الداخليين الممثلين في أوساط المجتمع الإسلامي، كما لاحظنا دور الحشاشين المتصوفة في نشر المخدر بين المسلمين، واستخدام ضحايا المخدر في أغراض أخرى: في أغراض سياسية وفي أغراض تخريبية، وفي إخلال بالأمن، وفي القتل وسفك الدماء وترويع الآمنين إلى غير ذلك.
التربية الوجدانية وأثرها في مقاومة المخدرات
وأنتقل بعد هذه المقدمة إلى الحديث عن التربية الوجدانية وأثرها في مقاومة المخدرات وحماية الفرد والمجتمع منها، وأستميحكم العذر لأعرض عليكم بعض القصص التي ذكرها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تدل عملياً على أثر التربية الوجدانية. وربما يكون الوقوف أمام قصة أو حادثة أبلغ من كلام طويل عريض في بيان أثر التربية الوجدانية على الفرد والمجتمع.
 قصة الصحابة وتحريم الخمر
وما دمنا بصدد الحديث عن المخدرات، فلنأخذ مثلاً آخر من الجيل الأول في قوة الوازع الإيماني عندهم، يتعلق بموضوع هذا الحديث، ألا وهو ما رواه البخاري ومسلم عن أنس - رضي الله عنه - أنه كان يسقي نفراً من الأنصار الخمر في بيت أبي طلحة - رضي الله عنه - وأبو طلحة هو زوج أم سليم وهي أم أنس بن مالك، فهو زوج أم أنس بن مالك، وكان أنس بن مالك شاباً صغيراً يخدمهم ويسقيهم الخمر قبل أن ينـزل تحريمها، وهم مجموعة من الأنصار في منـزل أبي طلحة، فبينما هم يتعاطون كئوس الخمر؛ إذا بهم يسمعون مناديا يصرخ في شوارع المدينة: ألا إن الخمر قد حرمت، ألا إن الخمر قد حرمت، حينئذ لم يحدث من هؤلاء أن قالوا: نريد أن نتأكد ونتثبت في صحة المعلومات، ولم يحدث من هؤلاء أن قالوا: هذا المجلس الآن مضى فنكمل ما فيه ثم نتوقف، بل أراقوا الخمور في الحال وأمروا أنساً فأراق الخمر حتى جرت سكك المدينة بالخمور، مجرد بيان يصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ إلى المسلمين كافة يحدث منهم أن يريقوا الخمور في ساعة واحدة، وفي لحظة واحدة، حتى تجرى بها شوارع المدينة من كثرة ما أريق! وهذا يدل على مدى انتشارها في ذلك المجتمع وتعاطيها عندهم بحيث تجرى منها الشوارع، ويدل على مدى تغلغله!وكلنا نعرف كيف كانت الخمر في حياة العرب في الجاهلية، وإذا كان الناس يقولون (الشعر ديوان العرب) فاقرأ أشعار الشعراء الجاهليين، وانظر كيف يتغنون بالخمر، بل اقرأ أشعار الشعراء الإسلاميين وانظر كيف كانوا يتغنون بالخمر في حال جاهليتهم، هذا حسان رضي الله عنه شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في همزيته عن الخمر حين كانوا يشربونها في الجاهلية:فنشربها فتجعلنا ملوكاً وأُسْداً لا يُنْهَنْهَهَا اللقاءُ وهذا أبو محجن الثقفي رضي الله عنه يقول عن الخمر -ولعل هذا كان في حال جاهليته-:إذا متُّ فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامى بعد موتى عروقُها ولا تَدْفنـنِّي بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها والشاعر الجاهلي يقول:فإذا سكرتُ فإنني ربُّ الخوَرْنَقِ والسديرِ وإذا صحوتُ فإننى ربُّ الشويهةِ والبعيرِ أي أنه يسكر فيعيش في أحلام وخيالات أنه رب الخوَرْنَق والسدير -وهى قصور معروفة لملوك العرب- فهو إذا سكر خُيِّل إليه أنه من الملوك، وأن الدنيا في يده كما قال حسان: فتجعلنا ملوكاً... وكل شعراء الجاهلية لهم قصائد خاصة تسمى الخمريات، أو غالبها فيها تَغَنٍّ بالخمر، وبيان مدى تغلغلها في المجتمع العربي آنذاك. مع هذا كله يأتي بيان يعلن من الرسول -عليه الصلاة والسلام- بأن الخمر قد حُرِّمَتْ فتراق في شوارع المدينة، حتى إنَّ من كان في يده الكأس منهم كان يريقه، وحتى إنهم لم يكتفوا بإراقة الخمر بل أمروا أنساً أن يكسِّر قنان الخمور وأوانيها، بل من كان الخمر في فمه فإنه يبزقه ولا يشربه، وأعجب في ذلك أنهم بدءوا يفكرون فيمن ماتوا والخمر في أجوافهم قبل أن ينـزل تحريمها، فقالوا: قد مات أقوام وهى في أجوافهم؛ فأنـزل الله عز وجل قوله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا [المائدة:93] فبين أنه لا جناح على هؤلاء الذين ماتوا، والخمر في أجوافهم؛ ما دام ذلك كان قبل منعها وتحريمها.. فمن خلال هذه الأمثلة يتبين لنا دور الوازع الإيماني وأثره، وأثر التربية الوجدانية على الفرد وعلى المجتمع في الوقاية من هذه المخدرات.
وسائل محاربة المخدرات
إننا نجد أن دول العالم اليوم وهى تتنادى لحرب المخدرات قد فشلت في ذلك فشلاً كبيراً إلى حد كبير! وبقدر ما تقدمت الوسائل في اكتشاف المخدرات تقدمت الوسائل في تهريبها أيضاً! وتفانى من يهربونها في هذا السبيل؛ حتى إنهم يبذلون مهجهم وأرواحهم من أجل تحصيل هذه المتعة، أو من أجل المكسب المادي، أو من أجل التقريب، أو غير ذلك، ونحن نجد أن في الإسلام للمسلمين إمكانية كبيرة جداً للقضاء على هذه المخدرات من خلال إثارة وإحياء التربية الوجدانية في نفوس الناس.
 استغلال مختلف المؤسسات في التوعية
الإعلام مثلاً له دور كبير في ذلك من خلال مؤسساته مِن: إذاعة، وصحافة، وتلفزة، وكتب، ووسائل مختلفة. التعليم: من خلال المؤسسات، والمدارس، والمعاهد، وغيرها. الصحة، رعاية الشباب، وغير ذلك من المؤسسات ذات العلاقة والارتباط بالمجتمع عموماً وبالشباب خصوصاً، لابد أن تُجَنَّد جميعُ هذه الأجهزة في هذه الحرب في إحياء الإيمان في النفوس وجعله هو الوازع الأكبر في وقاية الفرد والمجتمع من هذه المخدرات.
أسباب تعاطي المخدرات
دراسات عديدة ومن أجملها دراسة كتبها الدكتور عبد الرحمن مصيقر بعنوان (الشباب والمخدرات في الخليج العربي) وهى دراسة مفيدة ورائعة، ذكر أن من أسباب انتشار المخدرات وتعاطيها: الصراع والتناقض الذي يعيشه الشاب داخل المجتمع، جهة تبني، وجهة أخرى تهدم ما بنت تلك الجهة، نحن بحاجة إلى أن نربي الشباب على أن تكون اتجاهاتهم واحدة، بحيث إن كل وسيلة تؤثر في الشباب، في جرهم نحو إشباع غرائزهم بطريقة غير صحيحة -مثلاً- في إبعادهم عن معالي الأمور، وفي شغلهم بالتوافه من القضايا، في إضعاف الإيمان في نفوسهم، في تقوية دوافع المراهقة عندهم، إنها لابد أن تتوقف وتشترك جميع الأجهزة في بناء الشباب، وليس من مصلحة الأجيال أن يقرأ ويدرس -مثلاً- في المدارس عن تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، أو تدرس المرأة مثلاً تحريم كشف وجهها، ثم يجد أن المرأة مكشوفة أمامه؛ بل ومتبرجة؛ بل وبصورة مثيرة وفاتنة في وسائل ومجالات كثيرة...!فحينئذٍ يشعر الشاب بتناقض كبير بين ما يدرس ويسمع ويتعلم وبين ما يواجهه في الواقع، ويصعب على الشاب -بل حتى الكبير في كثير من الأحيان- أن يوفق بين هذا التناقض.وهذا قد يوجد للأمة الإسلامية أجيالاًََ الله أعلم بحالها، أجيالاً مهزوزة لا تنفع في دين ولا تنفع في دنيا، فلا بد من القضاء على التناقض الموجود في المجتمعات الإسلامية، وتوحيد الاتجاه في بناء أجيال إسلامية صالحة تخدم الأمة وتحمل راية الإسلام، وهذه الأجيال هي التي سوف تقوم بالتصنيع، هي التي سوف تقوم بخدمة المجتمعات، هي التي سوف تتحمل الأعباء والمسئوليات، وهي التي سوف تقود الأمة الإسلامية إلى الحضارة، والعز، والتقدم، والنصر، والتمكين.والحديث -كما يقولون- ذو شجون ولعل فيما ذكرت كفاية.والحمد لله رب العالمين.وأعتذر إليكم عن الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 استغلال مختلف المؤسسات في التوعية
الإعلام مثلاً له دور كبير في ذلك من خلال مؤسساته مِن: إذاعة، وصحافة، وتلفزة، وكتب، ووسائل مختلفة. التعليم: من خلال المؤسسات، والمدارس، والمعاهد، وغيرها. الصحة، رعاية الشباب، وغير ذلك من المؤسسات ذات العلاقة والارتباط بالمجتمع عموماً وبالشباب خصوصاً، لابد أن تُجَنَّد جميعُ هذه الأجهزة في هذه الحرب في إحياء الإيمان في النفوس وجعله هو الوازع الأكبر في وقاية الفرد والمجتمع من هذه المخدرات.
الأسئلة

 حكم مرتكب الكبيرة
السؤال: ذكرتم أن مرتكب الكبائر لا يكْفُر باتفاق العلماء أو أغلبهم، فما هو دليل ذلك؟الجواب: ليس أغلب العلماء؛ بل كل أهل السنة والجماعة لا يُخرجون فاعل المعصية من الإسلام، ولذلك يقول الإمام الطحاوي في عقيدته: وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن كانوا غير تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وفي ذلك يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:{من قال: (لا إله إلا الله) خالصاً من قلبه دخل الجنة} وفي حديث أبي ذر قال: {قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قال: قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر}. وقد أطبق وأجمع أهل السنة والجماعة على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإسلام بارتكاب هذه الكبيرة ما دام معترفاً بتحريمها. وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التربية الوجدانية وأثرها للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net