اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب تزكية النفس للشيخ : سعيد بن مسفر


أسباب تزكية النفس - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
النفس جزء من الأجزاء الرئيسية التي يتكون منها الإنسان، وهذه الأجزاء الخمسة هي: الجسد، والروح، والنفس، والعقل، والقلب، وقد اهتم الناس بالجزء غير المهم وهو الجسم، أما الأجزاء الرئيسية الأخرى فقد أهملوها، والنفس هي من الأجزاء التي يجب الاعتناء بها وتزكيتها، لأنه ورد في القرآن ذكر النفس وثواب من زكاها، وقد تكلم الشيخ عن الأسباب التي تعين على تزكية النفس.
مكانة الجسد في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الأحبة في الله: النفس جزء من الأجزاء الرئيسية في هذا الإنسان، والإنسان يتكون من خمسة أجزاء رئيسية، ومن المؤسف جداً أن الناس لا يفهمون إلا جزءاً واحداً، وهو الجزء الغير مهم، أما الأجزاء الرئيسية المهمة التي لها أثر في تسيير حياة الإنسان، إما إلى النار وإما إلى الجنة، وإما إلى الهلاك وإما إلى النجاة، وإما إلى السعادة وإما إلى الشقاء، فهي مهملة في حياة الإنسان، ولا يعرف الإنسان إلا الشيء الذي لا يقوم به مدح ولا ذم، ولا يتعلق به نجاة ولا يتعلق به هلاك.هذه الأجزاء الرئيسية الخمسة أول جزء منها: الجسد:وهذا هو المعروف عند الناس، ولذا يحرص الناس على الجسد حرصاً شديداً، إذا مرض عالجوه، وإذا جاع أطعموه، وإذا عطش سقوه، وإذا برد أدفئوه، وإذا شرب بالحرارة بردوه، وإذا تعب أراحوه، المهم لا يعرفون إلا هذا. يا خادم الجسم كم تسعى لخدمتـه أتعبت نفسك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان الجسد ما ورد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح لصاحبه، بل ورد العكس، ورد في مسلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم) هذه ليست محل نظر الرب، كون صورتك حسنة، وجسمك متين، أو قوي، أو كبير، أو أبيض، أو جميل، هذه لا تنفع عند الله (ولكن إلى قلوبكم وإلى أعمالكم).بل عاب الله عز وجل على المنافقين ضخامة أجسادهم قال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].وألغى الإسلام قضية الافتخار والاعتداد بالأجسام والألوان، والأعراق والأنساب، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] والتقوى عمل قلبي، وعمل نفسي، وليست عملاً جسدياً.ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء على مجتمع لا يقيم اعتباره إلا لهذه الأشياء، أعلن الوحدة للجنس البشري، وحطم هذه المعايير، وأقام المعيار الصحيح وهو التقوى، حتى انتشر هذا المفهوم في المجتمع الذي لم يكن يقبله ولا يمكن أن يقبله، لكن قوة التأثير -تأثير العقيدة- في تحويل النفوس البشرية أزاحته حتى جعلت عمر بن الخطاب وهو القرشي المخزومي يقول: [أبو بكر سيدنا أعتق بلالاً سيدنا] سيد من بلال وهو عبد حبشي؟! يباع بيع الرقيق، اشتراه أبو بكر وأعتقه، صار سيداً لـعمر، بِمَ ساده؟! بالجسد! باللون الأسود! بالشعر المحبب! لا. لكن بالإيمان العميق، بالنفس المشرقة، بالقلب المنير، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إيه يا بلال! والذي نفسي بيده، إني لأسمع قرع نعليك في الجنة- بلال عبد حبشي، لكن رسول الله يسمع قرع نعاله في الجنة، وهو في الدنيا حي- فماذا تصنع يا بلال؟ قال: لا شيء يا رسول الله غير أني كلما أحدثت توضأت، وكلما توضأت صليت لله ركعتين).عبد في الأرض، لكن له ذكر في السماء له عمل دائماً على طهارة، دائماً في نظافة وفي تزكية، وكلما تطهر، صلى ركعتين، يصل الأمر بالسماء في كل لحظة وفي كل حين.وابن مسعود الهذلي راع من رعاة مكة، وليس له قيمة عند الناس، أمسك بأذنه أبو جهل لما سمع أنه أسلم، وكاد أن يقطعها من رأسه، وقال: صبأت يا رويعي الغنم، يقول: [فما رددت عليه، لا أقدر أن أقول شيئاً، ولو قال شيئاً لقتله، يقول: ثم أخذني وسحبني إلى الجدار، وأخرج مسماراً من جيبه، ودق أذني في الجدار، وعلقني بمسمعي في الجدار.يقول: وسال الدم، ومر الصبيان يضحكون عليَّ ولا أحد يستطيع أن يفكني، حتى مر أبو بكر رضي الله عنه ففكني ونزع المسمار والدم يسيل من أذني]. وتمر الأيام، وفي المدينة يصعد ابن مسعود إلى شجرة من أجل أن يأخذ سواكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتهب الريح فتكشف عن ساقيه وكانتا دقيقتين، وكان جسمه قصيراً من أصغر الصحابة، فضحك بعض الصحابة وتبسم النبي صلى الله عليه وسلم من دقة ساقيه، وقال: (أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود ؟ والذي نفس محمد بيده لهما في الميزان عند الله أثقل من جبل أحد) هاتان ساقان دقيقتان، لكنهما تحملان قلباً قوياً.وبعض الناس ساقه مثل ساق الحمار لكنها لا تنفعه، وبعض الناس ساقه مثل ساق البغل لكنها لا توقظه للصلاة، يصول ويجول في الملعب وإذا جاء وقت الصلاة نام فلا يقوم، هاتان الساقان إلى النار، هذا جسم -والعياذ بالله- إلى جهنم، هذا نجم لكن حقه الرجم، هذا بطل لكنها بطل إلى النار.إن البطولة والنجومية والرفعة في أن تملأ هذا القلب بمفاهيم الكتاب والسنة، وتملأ هذا القلب بالإيمان، ثم تترجم هذه المفاهيم في سلوك وعمل واستقامة وعبادة ودعوة، وفي خير للناس وللأمة وللمجتمع. وتدور الأيام دورتها، وتأتي معركة بدر، ويخرج ابن مسعود مقاتلاً في جيش الإسلام، وما مر آخر اليوم إلا وأبو جهل يتشحط في دمه، قد ضربه معاذ ومعوذ ابني عفراء ، بضربتين مختلفتين، لكنه لم يمت، ما زال يلفظ أنفاسه، وإذا به يئن من الموت الذي في بطنه، فقد قطعوا بطنه بالسيوف، فقام ابن مسعود على صدره، وأخرج سيفه وأمسك بلحيته، فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم، يقول: صعدت على مكان لا أحد يصعد عليه -على صدره- قال: فإذا قطعت رأسي فأطل عنقي، أي: لا تقطعني من أعلى الرقبة، اقطعني من أسفل الرقبة، حتى يكون الرأس كبيراً بالرقبة يريد أن يكون رأسه كبيراً حتى وهو ميت، انظروا الكبرياء والأنفة -والعياذ بالله- الغطرسة حتى في الموت، فقام وجز رأسه ثم سحب رأسه يريد أن يذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بموت عدو الله -فرعون هذه الأمة- فما استطاع أن يحمله؛ لأن ابن مسعود رجل صغير، والرأس هذا رأس ثور -رأس كبير- لا يحمله إلا اثنان من الرجال، فقام وأخرج السيف وخرم في مسمع أبي جهل وربطه بحبل، وأخذ يدهد رأسه وراءه، حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في السقيفة في العريش، ولما رأى الرأس قال: (ما هذا يا ابن مسعود؟! قال: هذا رأس عدو الله أبو جهل، قال: يا ابن مسعود! الأذن بالأذن، والرأس زيادة).أي: مسمع في مكة بمسمع هنا، والرأس مكسب؟ خرم أذنك وأنت خرمت أذنه والله أعطاك رأسه فوق هذا، هذا ابن مسعود دقيق الساقين، والجسد لا يعمل على خدمته إلا بمقدار ضرورته، لا نقول: لا تخدم الجسم، لا. اخدم الجسم، أنت مأمور بهذا، أنك إذا مرضت تتعالج، وإذا جعت تأكل، هذا من الدين، لكن ركز على الأجزاء المهمة فيك.
 

أهمية الروح في الحياة
الجزء الثاني: الروح، والمقام ليس مقام تفصيل في هذه الأشياء؛ لأن الموضوع آخر، والروح هذه سر من أسرار الله لا يعلمه البشر: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] ولا تعرف البشرية من أمر الروح شيئاً، إلا أنها تصعد، قال عليه الصلاة والسلام: (أول ما يتبع الروح البصر).و لهذا ترى الميت إذا خرجت روحه يشخص بصره، فمن السنة أن تغمض بصره، هذه أوصاف ثبتت بالسنة، لكن كنه الروح وحقيقة الروح، إذا نمت أين تذهب روحك؟ الروح في جسدك ملازمة لك مثل الكهرباء في هذا الجهاز الذي تشغله، إذا لم توجد كهرباء لا يشتغل الجهاز.جسدك إذا لم تكن فيه روح لا يشتغل، الجهاز البصري موجود، لكن إذا خرجت الروح هل تشتغل العين، العين هي التي ترى، لكن المشغل للعين: والروح إذا مات الإنسان عينه موجودة لكنه لا يرى، وأذانه موجودة لكنه لا يسمع، وأنفه موجود -جهاز الشم- لكنه لا يشم، وقلبه موجود -جهاز ضخ الدم- لكنه لا يعمل.ولهذا الآن في عمليات زرع الأعضاء، إذا مات الإنسان أخذوا قلبه ووضعوه في وحدة ثانية، ويشتغل قلبه، لماذا يشتغل هنا ولا يشتغل هناك؟ لأن المشغل هناك موجود وهو الروح، إذاً الحياة أين هي؟ في القلب، أو في الرئة، أو في الكبد، أو في الكلى، أو في الجسد كله؟الحياة بالروح، ما هي الروح؟ سلوا البشر الآن في جامعات الطب، وفي أشهر مستشفيات الدنيا، وتحت المجاهر، تعرفون الروح؟ قالوا: لا. ولو أن الروح شيء يمكن الوصول إليه لكان الناس قد وصلوا إليه؛ لأنهم قد وصلوا إلى ما لا يمكن أن يوصل إليه، اكتشفوا الفيروسات والجراثيم عبر (مكرسكوب إلكتروني) وفيه راديو بالموجات، يكبر، أنا رأيت بعيني في أحد المستشفيات عبر مكبر يكبر ثلاثة مليون مرة، أي: الملي يجعله ثلاثة كيلو، ووضع أمامي الأخ شريحة عليها عينة بسيطة، وإذا بعالم من الجراثيم لا يعلمه إلا الله، فلو أن الروح يمكن أن ترى أو أن تكشف، لكان الإنسان قد اكتشفها، ولكن قال الله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85].وقد قرأت في بعض المجلات أن عالماً من علماء الغرب، أجرى تجربة على حياة إنسان يلفظ أنفاسه، ووضعه في صندوق زجاجي وأجرى له وسائل الحياة وجعل يرصد حركته بحيث يعرف أين تذهب الروح، والأجهزة تعمل، وتخرج الروح ولا يدري أين ذهبت، أنت الآن إذا أتيت تنام، تموت وتخرج روحك، لكنها موتة صغرى، يقول الله عز وجل: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42] أي: التي لم تمت يتوفاها وسمّاها الله وفاة، يتوفاها في منامها: فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى [الزمر:42].أي: التي في النوم إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [الزمر:42] ولهذا ورد في الحديث: (أنك إذا وضعت جنبك، تقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي - إن كانت آخر نومة- فارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وفي حديث آخر: (باسمك اللهم أموت وأحيا ) ، (الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور).فالنوم موت، لكنه موت أصغر، فما معنى موت أصغر؟ قالوا: تخرج الروح، لكنها لا تذهب بعيداً، بل تخرج خروجاً جزئياً قريباً من الجسد، ويبقى الجسد موجوداً، فأنت تضع أمام عين النائم ألواناً فلا يراها، وتضع عند أنف النائم عطراً فلا يشمه، تحدث أصواتاً بسيطة عند أذن النائم فلا يسمع، تتكلم عنده وهو نائم فلا يسمع، لماذا؟لأن الروح ليست موجودة؟ أينها؟ هي قريبة، فإذا كنتم تريدونها تأتي تقولون: فلان فلان انهض، فيستيقظ، ضع له رائحة يشم، ضع له منظراً يرى، وأين كان؟ كان موجوداً قريباً، وأنا أشبهها -وقد قلت هذا في مناسبة- مثل الإجازة القصيرة؛ الروح انفصالها عن الجسد في حالة النوم مثل الموظف الذي يعطى إجازة عن عمله لكنهم يأخذون رقم التليفون، إذا أرادوه قالوا: اتصلوا به. أما انفصال الروح عن الجسد بالموت مثل الفصل، فصل الروح عن الجسد لا تعود إلا يوم القيامة، هذا الجزء الثاني.
 

النفس وأهميتها
الجزء الثالث من الأجزاء الرئيسية: النفس:وهي موضوع المحاضرة: أسباب تزكية النفس.وأذكر الرابع: العقل، والخامس: القلب، ولسنا بصدد الحديث عنهما، ولكن الحديث سيكون فقط عن النفس.
 أمثلة من حياة السلف على مجاهدة النفس
أحد السلف، وهو صلة ابن أشيم العدوي ، الشهيد ابن الشهيد، كان في الجهاد، ومات شهيداً، وكان يقوم في الليل، ويجاهد في النهار، كانوا فرساناً في النهار رهباناً في الليل، يقال عنه: أنه كان إذا قام من الليل ثم فتر، أخذ السوط وقام يضرب رجليه، ويقول: والله إنك لأحق بالضرب من دابتي، تتعبين من الصلاة، فتقوم رجله تصلي، إما صلاة وإما ضرب.هؤلاء الرجال يا إخواني! وهؤلاء الأبطال، هم الذين عرفوا كيف يربون أنفسهم، يقول ثابت البناني: [جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت بها عشرين سنة أخرى].ويقول سعيد بن المسيب : [والله ما نظرت إلى ظهر مصلي أربعين سنة] في الصف الأول، لا يُعرف وجهه، ولا سمع الأذان من خارج المسجد أربعين سنة، ما يؤذن المؤذن إلا وهو في الروضة إلا ليلة واحدة سمع الأذان من خارج المسجد وهي ليلة زفاف ابنته على أبي وداعة ، وأبو وداعة تلميذ من تلاميذه، ماتت زوجته، ولما توفيت جلس في عزائها ثلاثة أيام فافتقده الشيخ سعيد بن المسيب إمام التابعين، فقال: [أين أنت؟ قال: توفيت زوجتي وجلست في عزائي والتجهيز لها، قال له: أتريد زوجة؟ قال: من أين؟ -فقير ما عنده شيء- قال: أزوجك ابنتي، ترضى؟ قال: نعم. أرضى] ومن الذي لا يرضى أن يتزوج بنت سعيد بن المسيب وقد خطبها أمير المؤمنين الخليفة الأموي لولده، وجاء بعشرات الجمال محملة بالذهب والفضة والملابس، ولما وصلت إلى المدينة ، ردها وقال: ابنتي مخطوبة، لا نريد أن نزوجها، ثم زوجها لـأبي وداعة ، وعقد له ذاك اليوم بعد العصر، وراح أبو وداعة إلى البيت، ولما جاء بعد المغرب، تذكر سعيد بن المسيب أن أبا وداعة، سينام هذه الليلة وليس عنده زوجته، وهذه زوجته عنده ولا يجوز أن يبقيها في بيته، فقال للبنت: انهضي، قالت: أين؟ قال: زوجتك بأحد التلاميذ، ولا بد أن تنامي هذه الليلة في بيته، قالت: حسناً.ما قال له: نريد قصر أفراح، ونريد شرعة باثني عشر ألفاً، ثم في النهاية يطلقها بعد شهر؛ لأنه زواج قام على غير طاعة الله، وما قال: نريد قصراً فخماً، وستين خروفاً، وأربعين أو خمسين سيارة، وسيارة مزينة يلبسونها بعشرة آلاف، زينة السيارة! أين هذه العقول الضالة؟انظروا هذا الرجل العظيم قال لابنته: انهضي، وذهبت معه في يده حتى وصل إلى باب أبي وداعة وطرق الباب وهو يؤذن للعشاء، قال: [من بالباب؟ قال: سعيد ، قال: من سعيد ؟ -يقول أبو وداعة : تصورت كل سعيد في الدنيا إلا ابن المسيب ؛ لأن هذا الوقت ما هو في البيت في المسجد- قال: سعيد بن المسيب ، قال: ففتحت الباب، يقول: فلما فتحت الباب، أخذ البنت ودفعها من ظهرها، وقال: هذه زوجتك، ذكرنا أنك تنام هذه الليلة عزباً فكرهنا، خذ بارك الله لك] فدخلت بنت سعيد بن المسيب ، وجلس معها أياماً، ولما أراد أن يذهب إلى بيت الشيخ سعيد من أجل أن يطلب العلم، قالت: إلى أين؟ قال: إلى الشيخ سعيد ؟ قالت: ولم؟ قال: أطلب العلم، قالت: اجلس فعندي علم سعيد . تقول: الذي عند سعيد هو في رأسي، كان يربيها على الدين، ما رباها على الفساد، ولا أحضر لها دشاً من أجل أن يمطرها بما في الأرض من فساد، كما يفعل بعض الآباء اليوم فيذهب يشتري دشاً بخمسة عشرة أو بعشرين ألفاً ويضعه فوق بيته من أجل أن يغرق زوجته ويغرق ابنته ويربيهم إلى آخر الليل وهم يطاردون الإذاعات والقنوات، من قناة إلى قناة، كلما أغلقت قناة حولوا قناة أخرى، حتى أن بعضهم إذا جاء ينام، لا يستطيع أن ينام، لا يستطيع أن يغمض عينه، قد يبست عينه، ثم يغمضها حتى تغمض وصلاة الفجر الله المستعان لا حول ولا قوة إلا بالله! فلا بد -يا إخوة- من مجاهدة النفس. الأنفس كما قلت ثلاثة:أولاً: أمّارة بالسوء: وهي نفس الإنسان في بداية الطريق، وبعد ذلك إذا رأت أنه رباها، اعتدلت وصارت تأمر بالخير، لكنها أحياناً تسقط وتأمر بالشر، لكن تلومك على فعل الشر، ثم بعد ذلك إذا ربيتها أكثر ترفعت، وصارت نفساً مطمئنة، وإذا أصبحت مطمئنة لم يكن لها مكان في الدنيا إلا الجنة، يقول الله: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].
أسباب تزكية النفوس
وموضوع الدرس هو (أسباب تزكية النفس) كيف تزكي هذه النفس؟ خذوا الأسباب:
 المحافظة على الطاعات والابتعاد عن المعاصي وقرناء السوء
الرابع: من وسائل وأسباب تزكية النفس، المحافظة على الطاعات كلها، وفي مقدمتها الصلوات الخمس.الخامس: البعد عن المعاصي والذنوب، صغيرها ودقيقها، وجليلها؛ لأن هذه حماية للنفس من المرض.السادس: الابتعاد عن قرناء السوء؛ لأن قرناء السوء، يدنسون النفس.السابع: الحرص على الرفقة الصالحة والزملاء الصالحين، الذين يعينونك على طاعة الله، ويذكرونك إذا غفلت، هؤلاء من أسباب علاج نفسك وتزكيتها.أعتذر أنني أوجزت في النهاية؛ لأن الوقت ضاق عليّ، ولعل فيما حصل كفاية وأسأل الله تبارك وتعالى أن يزكي نفوسنا، وأن يؤتيها تقواها.اللهم آتي نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وقبل الإجابة على الأسئلة وردني تصحيح من بعض الإخوة، يقول فيه: أنت قلت: إنه لم يرد في القرآن ثناء على الجسد، والله يقول: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247] وهذا الأخ الكريم معه حق ولكن ما فاتتني هذه، وقد اطلعت في التفسير على أن الثناء على الجسم في هذه الآية لطالوت كان تبعاً لنعمة العلم والنبوة والرسالة، فالجسم هنا مثنى عليه بالتبعية لا بالأصالة، وهذا ليس فيه شيء حتى في السنة، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) لكن الذي لم يرد عليه ثناء في القرآن ولا في السنة هو: الجسد المجرد من الدين ومن العلم، أما هنا الجسد جاء الثناء عليه بعد الثناء عليه بالعلم، فإذا آتاه الله العلم والنبوة وأعطاه جسداً قوياً يستعمله في طاعة الله، ويستعمله بالجهاد في سبيل الله، فهذا نعم الجسد، الذي يصرف في طاعة الله عز وجل.
الأسئلة
.
 كيفية التخلص من الهموم والغموم
السؤال: كيف يمكن القضاء على الهموم والغموم التي تأتينا، وأنا أحاول دفعها بأي شكل ولكنني لا أستطيع دفعها؟الجواب: الغموم والهموم هي داء العصر في هذا الزمن، والدواء والشفاء لما في الصدور هو القرآن، من جعل الهموم هماً واحداً وقاه الله شر كل هم، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أي واد هلك، إن كان همّ الرزق فالرزق على الله، يقول الله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2] وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3].إن كان همّ المرض، فالذي كتب المرض هو الذي يرفعه.إن كان همّ الدراسة فالذي ينجح ويسقط هو الله عز وجل، اجعل همّك همّاً واحداً وهو كيف ترضي الله عنك؟ فإذا جعلت همّك هذا، قضى الله كل همّك، أما إذا اهتميت بالذي في الأرض وتركت الهم الذي يأتيك من الله، ضعت وتضاعفت همومك وكثرت، وأنا أدل الإخوة على شريط محاضره قلتها في الرياض بعنوان: القلق -أي: الهم داء العصر- أسبابه وعلاجه، ذكرنا عشرة أسباب وعشرة أدوية لهذا، اسمع الشريط يا صاحب الهمّ، وأسأل الله أن يزيل همي وهمك، وأن يجعل همنا وهمك مرضاته تبارك وتعالى، والله أعلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب تزكية النفس للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net