اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [4] للشيخ : عطية محمد سالم


شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [4] - (للشيخ : عطية محمد سالم)

تيسير الخير لمن وفقه الله
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد:فلا زلنا عند حديث معاذ ، ولنا وقفة عند قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله)، قوله صلى الله عليه وسلم: (على من يسره الله)، فيها وقفة ضراعة وإنابة، ووقفة عودة العبد إلى ربه، وقفة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].لنعلم أيها الإخوة أن حقيقة التوفيق بيد الله، فكم من قوي في بدنه يشق عليه أن يركع وينحني لله، وكم من غني في ماله تشح نفسه أن تجود بدرهم في سبيل الله، وصدق الله العظيم: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، والخشوع عمل القلب، و(القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء) .قوله: (وإنه ليسير على من يسره الله): فمن وجد نفسه على طريق مستقيم وتيسرت له عبادة ربه فليحمد الله، ولا تغرنه نفسه، وليعلم أن هذا تيسير من الله له، وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه يقول: والله إني لا أهتم لإجابة الدعاء فقد وعد الله بها، ولكني أهتم للدعاء نفسه، فإذا وفقت للدعاء فقد استجاب الله لي.حتى الدعاء .. فإنك ترفع أكف الضراعة إلى المولى تسأله من خيري الدنيا والآخرة، فتلك نعمة من الله عليك.
 حكمة الله في تكليف عباده بما يطيقون وجوباً وبما زاد تطوعاً
وهنا نقطة أود أن تظهر وتنكشف لنا جلياً، وهي أن الإسلام يضع حداً أدنى يستوي فيه الجميع، ثم يترك المجال مفتوحاً، ويجعل سلَّم العروج إلى الملأ الأعلى مفتوحاً، وكل بحسب استطاعته وقدرته، كما جاء في قارئ القرآن أنه إذا جاء يوم القيامة يقال له: (اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)، فكل آية يقرؤها يصعد درجة، ويقف عند آخر آية يقرؤها، فكذلك أعمال الخير، يكون لها حد أدنى يستوي فيه التكليف للجميع، وأما الحد الأعلى فكل بحسبه، والتسابق والمنافسة في فضائل الأعمال باب مفتوح.نأتي أولاً إلى نص القرآن في الصوم، نعلم جميعاً بأن الله افترض الصوم بالتدريج، وكان فيه التخيير، ثم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:183-184]، كلمة (يطيقونه) ربما يجد طالب العلم في بعض التفاسير زيادة لفظة (لا) فيكون المعنى: (لا يطيقونه)، وقراءة علي رضي الله تعالى عنه تفسر المعنى: (يَطَّوَّقُونَه) بين قولهم: والشخص يَطَّوَّق الفعل، ويُطِيْق الفعل، فرق بعيد، فالذي يطيقه أي أنه في طاقته وحدود قدرته، لكن (يَطَّوَّقه) بوزن يتفعَّلهن، والمعنى: يستطيع أن يأتي به ولكن في أقصى درجات الطاقة، والمقصود من الآية: والذين يجهدهم الصوم مع القدرة عليه فعليهم فدية -هذا كان أولاً- فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، فهذا حد أدنى للجميع، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة:184]، أي: أطعم أكثر من مسكين بأن أطعم اثنين أو ثلاثة.. أو أكثر، على قدر جهده وطاقته، فذلك خير له. ثم رجع إلى الصوم، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:184]، فهذا في التطوع، لأن الصوم يرجع على النفس.نأتي في المعاملات وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ))[النحل:126]، ثم قال بعدها: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ [النحل:126-127]، فيعطيك حد المساواة الأدنى: من اعتدى عليك فلك الحق أن ترد بمثل ما اعتدي عليك، ولكن إن صبرت ولم ترد، ولم تجاز السيئة بسيئة مثلها فقد دخلت باب التسابق في الخيرات فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، ويأتي وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134].وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ.. [النحل:126]، أي إن عاقبتم فعاقبوا بالمثلية، ولكن إن صبرتم عن العقوبة لهو خير للصابرين، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ.. [النحل:127]، إذاً: هناك تدرج.وإذا جئنا في هذا المجال عند الأدباء أو عند علماء الاجتماع في المعاملة بالمعروف أو بالإحسان أو بالمقاصة في المعاملة، نجد الشاعر يقول:إذا كنت في كل الأمور معاتبـاًصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنـهمقارف ذنب تارة ومجانــبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذىظمئت وأي الناس تصفو مشاربه يقول لك: سامح واعف حتى لا تصير منعزلاً وتعيش وحيداً، يعني اشتر صديقك بأن تصفح عنه، ولكن القرآن يقول: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.. [النحل:126-127]، فيدعوك أن تصبر لوجه الله لا للمكافأة، ومن خير ما قيل في هذا عند الأدباء: وكنت إذا الصديق أراد غيظيوأشرقني على حنق بريقي غفرت ذنوبه وعفوت عنــهمخافة أن أعيش بلا صديق وهنا يقول تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126]، أي: هو خير لهم عند الله، فكأن المؤمن يتدرج في الكمال بالعفو والمسامحة لوجه الله لا لعوض يرجوه في المجتمع.وإذا جئنا إلى العبادات نجد جميع نوافل العبادات بابها مفتوح، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، والمرأة التي جعلت لها حبلاً في السقف، حتى إذا غلبها النوم كانت تمسك الحبل، فقال صلى الله عليه وسلم: (مه! ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد)، وقال أيضاً: (خذوا من الأعمال ما تطيقون) .
صلاة النافلة من أبواب الخير
قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ [السجدة:16] نص في قيام الليل، وهذا باب جديد من أبواب الخير بعنوان الصلاة، الأول كان بعنوان: الصوم، والثاني كان بعنوان: الصدقة، والثالث هنا بعنوان: الصلاة.
 حكم صلاة النافلة في السفر
بقي سؤال، وهو: إذا كان الإنسان مسافراً هل يصلي تلك النوافل أم لا؟ كثر السؤال في هذه المسألة، وبعض الأخوة يأخذ بحديث ابن عمر لو كنت متنفلاً في السفر لأتممت الفريضة، ويقول: ليس هناك نافلة في سفر.قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً) ، وقد ذكر الشوكاني ما استدل به المانعون كـابن عمر ومن وافقه، وذكر عن جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يصلون الرواتب في السفر، وذكر عن علي وعن عمر وعن أنس وعن ابن عباس وعن أبي ذر ونسيت اثنين آخرين، ذكر عن سبعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم منهم عمر وعلي من الخلفاء الراشدين، ومنهم أنس وابن عباس حبر هذه الأمة، وأبي ذر .. كل هؤلاء منقول عنهم بأنهم كانوا يصلون نافلة الرواتب في حالة السفر.ويناقش العلماء مقالة ابن عمر ، يقولون: إذا كانت الفريضة قد قصرت، فهذا تخفيف من الله على العبد، والنافلة متروكة لجهد الشخص، وإن كان يستطيع أن يصليها فأهلاً وسهلا، وإن لم يستطع فهذا أمر عائد له، وليس مكلفاً بها ولا يعاتب على تركها، بل إن كان عاجزاً فإن الله يأمر الملائكة أن تكتب له ما كان يفعل في حال قدرته واستطاعته.والخلاصة: أن صلاة راتبة الفريضة في السفر أمرها متروك للشخص نفسه، فإن شاء صلاها، وإن شاء تركها، والجمهور مع الأول. هذا هو الباب الأخير في أبواب الخير التي ذكرها صلى الله عليه وسلم.
الكلام على قوله عليه الصلاة والسلام: (رأس الأمر الإسلام...)
ولكن أليس هناك أبواب خير أخرى؟يذكرون الجهاد، ويذكرون الإصلاح بين الناس، ويذكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن الحديث اقتصر على تلك الأبواب لأنها في استطاعة كل إنسان.ثم يأتي بعد هذا ويقول صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه)، ما هذه التشبيهات؟
 مقصد النبي عليه الصلاة والسلام من تكرار الصلاة في الحديث ثلاث مرات
إذاً: عمود هذا البيت الذي أوى إليه المسلم وابتناه وسكن فيه يقيه حر الحيرة، ويقيه برد الشك، وهو بيت الإسلام، ولا يقوم هذا البناء إلا على الصلاة، ولهذا جاء في الحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). إذاً: يؤكد صلى الله عليه وسلم على أمر الصلاة ثلاث مرات، الأولى عند قوله: (تقيم الصلاة)، والثانية عند قوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) أي: من النوافل. والثالثة: )وعموده الصلاة) .ولذا جاء في الحديث أنه أول ما يُسأل عنه العبد الصلاة، فإن قبلت قبل معها سائر العمل.وليس هنا تعارض بين هذا الحديث وحديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)، فأول ما يسأل عنه العبد من حقوق الله عليه الصلاة، وأول ما يسأل عنه من حقوق الخلق الدماء، وهذا إن لم يقض فيها في الدنيا. ولذا يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: إن هناك قضايا، لن يقضى فيها إلا يوم القيامة، ربما تكون -كما يقولون- قيدت ضد مجهول، أي: أننا ما عرفنا الجاني، أو أنه تكون هناك ملابسات تجرم البريء وتعفي الجاني.وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى في باب الجنايات قصة نوردها هنا، قال: كان عند رجل جزار شاتان، وعند الفجر قام ليذبحهما، فذبح واحدة وشردت الأخرى فتبعها، فدخلت خربة، فدخل وراءها فأمسك بها، فإذا برجل يتشحط في دمه في تلك الخربة، ودخل الحرس فوجدوا الجزار والسكين في يده ملطخة بالدم، والرجل القتيل يتشحط في دمه، قالوا: أنت قتلت هذا؟ قال: نعم. فأخذوه وذهبوا به إلى الوالي، كان في زمن علي رضي الله تعالى عنه، قالوا: هذا ذبح هذا، والسكين في يده، قال: قتلته؟ قال: نعم، وحكم عليه بأن يقتل قصاصاً، وحدد اليوم والساعة لتنفيذ القصاص، وعندما حانت الساعة سيق إلى الميدان ليعدم، وجيء به، والناس مجتمعون، فإذا برجل من وسط الجموع يخرج ويقول: لا تقتلوه، أنا القاتل.وأُوقف القصاص وذهبوا به إلى الإمام علي ، فقال للجزار:: أنت القاتل؟ قال: لا، والله ما قتلته، القاتل جاءكم بنفسه، قال له: فلماذا قلت في المرة السابقة أنك القاتل؟ فقال الجزار: وجدت نفسي في موقف لا ينفع فيه الإنكار مهما أنكرت ومهما أقسمت، فهذا قتيل يتشحط في دمه، وهذه سكين في يدي بدمها، لو قلت دم الشاة أو دم غيرها من يصدقني، فأردت أن أختصر الطريق وأهون على نفسي التعذيب.قالوا للآخر: وأنت ما الذي جاء بك؟قال: والله تذكرت، وقلت: الذي قتلته عدو وخصم لي، وهذا المسكين البريء كيف أتسبب في قتله ولا ذنب له، فعظم علي في نفسي أن أتحمل نفسين في وقت واحد -فكأن بذرة الإيمان لا تزال فيه- فقال علي رضي الله تعالى عنه: لئن كنت قتلت نفساً فقد أحييت نفساً، وطلب من أولياء الدم العفو ودفع الدية من عنده.فالحديثان، (أول ما يحاسب به العبد الصلاة)، هذا في حق الله، و(أول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء)، هذا في حقوق العباد، وهي الدماء والأعراض والأموال، لكن الدماء قبل كل شيء. وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [4] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net