اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [2] للشيخ : عطية محمد سالم


شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [2] - (للشيخ : عطية محمد سالم)

أبواب الخير
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:فلا زلنا في حديث معاذ ، وقد وصلنا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على أبواب الخير، فبعد أن بين صلوات الله وسلامه عليه أركان الإسلام كلها، كأنه فيما سيأتي سيبين آثار تلك الأعمال على الفرد والجماعة. أما الأبواب فهي جمع باب، وهو في الأمور المعنوية كالأمور الحسية، إذا دخلت البيت وفي البيت غرف ومجالس، لكل غرفة باب، فإذا فتح هذا الباب اجتزت إلى الغرفة، ثم وجدت في الغرفة جزئيات، إن كانت للجلوس وجدت مقاعد، وإن كانت للنوم وجدت الفراش وما يتعلق به، وإن كانت للطعام وجدت أنواع الطعام، وهكذا، فداخل هذا الباب جزئيات.وكذلك أبواب كتب الفقه، تقول (باب الوضوء)، إذا فتحت هذا الباب وجدت كيفية الوضوء من بداية غسل الكفين إلى غسل الرجلين، كل ذلك داخل باب الوضوء، وكذلك باب الصلاة وباب الصيام، أو كتاب الصلاة، ويأتي تحت هذا الكتاب أبواب، باب وجوب الصلاة، باب حكم الجماعة، باب أوقات الصلاة، باب القراءة خلف الإمام، كل هذه أبواب داخل الكتاب، فالكتاب كله كالبيت والقصر الكبير، وداخل هذا القصر غرف، ولكل غرفة بابها، وداخل الغرف جزئيات، فداخل الباب فصول ومسائل ومباحث.وهنا بوجه صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى عناوين كلية، أو إلى أبواب إذا فُتح الباب منها وجدت فيه جزئيات عديدة، كأنه يقول: أعطيك رءوس أقلام. ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: بلى يا رسول الله، فقال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل.فذكر الصيام والزكاة والصلاة، وقد ذكرت من قبل في قوله: (تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان)، فعاد إليها مرة أخرى ولكن بوجه غير الوجه الأول، فالوجه الأول بيّن فيه أركان الإسلام، وهنا بين فيه النوافل التي هي من أبواب الخير الواسعة، فبدأ بالصوم وآدابه وأحكامه وعوامل حفظه وصيانته، وكأنه قال: أولاً تصوم رمضان ثم قال: أنت طلبت ما يدخلك الجنة، والصوم جزءٌ منها، ولكن كيف تصومه؟ كأنه يقول: إن الصوم الذي يؤتي ثماره ويظهر مفعوله، هذا هو الذي يكون لصاحبه جنَّة.
 

معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (الصوم جنة)
قوله عليه الصلاة والسلام: (الصوم جنة..) الجُنَّة: يقول علماء فقه اللغة: إذا اجتمعت الجيم والنون المضعَّفة جُنَّ، جَنَّة، جنين، جِنٌّ، كل هذه الألفاظ ترتبط في صلة قرابة في الدلالة بصفة عامة على شيءٍ مختفٍ مستتر، أو تدل على الخفاء والاستتار، فتقول: الجنين، هو موجود في بطن أمه مستتر عنا، تقول: الجن، نحن لا نراهم، والجُنَّة: هي ما تجِن الإنسان، أي: تقيه وتستره عن الضربات، والمِجَن: هو ما يتقي به الفارس ضربات عدوه.فكان مِجَنِّي دونَ مَنْ كنتُ أتَّقيثلاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ ومُعْصِرُ يعني: وقايتي من أعين الناس، وعلى هذا يتفق العلماء على أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبَّه الصوم بالجُنَّة، ولو جئنا بدل النون باء، وضعنا النقطة من تحت صارت جبَّة، فإذا لبست الجبة كانت ساترة لك عن أعين الناس، وإذا تلبَّست بالصوم كان جنة لك عن الشيطان، وجُنَّة لك عن المعاصي، ولهذا جاء الحديث: (والصوم جنة ما لم يخرقها، قالوا: بم يخرقها يا رسول الله، قال: بكذب أو غيبة أو سباب) أو نحو ذلك. أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
 الغلو في الدين وسبب الانحراف
والشيطان أوصل الناس إلى عبادة ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر من هذا الباب، وهو الغلو، فقد كان هؤلاء رجالاً صالحين قبل زمن نوح عليه السلام، ولما ذهب هؤلاء الناس جاء الشيطان لأولادهم، فقال: ما هذه العبادة التي لا تساوي شيئاً، آباؤكم وأجدادكم كانوا يقومون الليل ويصومون النهار، ويفعلون ويفعلون، اجتهدوا بالعبادة مثلهم.. سبحان الله، فهذا الشيطان يحث الناس على الاجتهاد في العبادة؟!وخالف النفس والشيطان فاعصهماوإن هما محضاك النصح فاتهمإذا كان بينك إنسان عداوة، وجاءك يوماً مبتسماً ويضحك، ونصحك فقال: اذهب من هذا الطريق فهو قريب؛ فاعرف أن في هذا الطريق مهلكة لك، لأن النصح لا يأتي من عدو، فالشيطان يأتي لهؤلاء ويحثهم على الزيادة في العبادة مع أنه يحترق من كثرة العبادة؛ لكن يرسم للخطوات نحو الكفر والوثنية بصبر وجلد.فقاموا واجتهدوا..ثم قال لهم: أنتم ما فعلتم شيئاً.قالوا: ماذا نفعل أكثر من هذا.قال: صوروا تماثيل للآباء في معابدهم، حتى كلما رأيتموهم نشطتم في العبادة! ، فأخذوا بالنصحية.ونام الشيطان على أعصابه، حتى ذهب هذا الجيل ولا يدري عن الأجداد شيئاً.ثم جاء للأبناء فقال: أين أنتم ضائعون?قالوا: ماذا؟قال: لماذا لم تأتوا عند هذه الصور، ولم تلتفتوا إليها، وتلتفوا حولها ولو مرة واحدة في السنة.قالوا: بماذا؟قال: واحدة من العبادات اجعلوها لها.قالوا: نعبد الله وحده.قال: لا مانع، لكن واحدة فقط لهؤلاء الآباء والأجداد.قالوا: واحدة لا بأس!وهكذا قليلاً قليلاً، وبدلوا الصور بالأصنام وعبدوها من دون الله عز وجل.ثم قال لهم: لا حاجة لأن تأتوا هنا، كل واحد يأخذ تمثاله أو معبوده، فيضعه في بيته يعبده.وانتقلت العبادة من الله إلى الأصنام، ومن المعابد إلى البيوت، وعندئذٍ استراح وبلع ريقه عن كل المدة التي حرقت أعصابه فيها.والسبب في هذا الغلو والمبالغات، ولذا فالرسول صلى الله عليه وسلم يحذر الأمة من الغلو، فنهى عن صيام الدهر، لأنه يأتي وقت ويعجز عنه، وربما كره هذه العبادة.إذاً: الصوم في النوافل له أقسام، فمنه ما يكون في أزمنة معينة، ومنه ما يكون مطلقاً، وكل إنسان يأخذ على قدر طاقته وهمته واجتهاده.
الصدقة برهان على صدق الإيمان
ثم نأتي إلى المال، هناك قال: (تؤتي الزكاة)، وهنا قال: (والصدقة)، لاحظ المغايرة في التعبير بين: الزكاة.. الصدقة، وكلاهما لفظ يستعمل مكان الآخر، بقول الله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103] ،والتي يأخذها الرسول صلى الله عليه وسلم من المال هي زكاة فريضة؛ لأن الصديق يقول: (والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه)، وإنما يقاتلهم على الفريضة لا على النافلة.ففي أول الحديث وضع أصول وقواعد ما يقرب إلى الله ويدخل الجنة من الفرائض وسماه زكاة، وهنا عند أبواب الخير فذكر الصدقة؛ ليؤكد أنها من النوافل وليست من الفرائض.فقال: (والصدقة تطفئ الخطيئة)، وإذا بحثنا عن العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي نجد أن بينهما ارتباطاً، فكلمة (صدقة) وكلمة (صدق) بينهما ارتباط في الصاد والدال والقاف، وهي الحروف الأصلية للكلمتين، أما التاء المربوطة فهي للتأنيث، إذاً: المادة الأساسية مشتركة بين صدقة المال وبين صدق القول، وحينما يقول القائل: أنا آمنت بالله وباليوم الآخر، يقول علماء البلاغة: هذه جملة خبرية، والجملة الخبرية هي ما تحتمل الصدق أو الكذب، فكل جملة تحتمل الصدق أو الكذب فهي جملة خبرية، وما لا تحتمل الصدق أو الكذب فهي جملة إنشائية كقول القائل: (قم يا زيد) فلا تحتمل صدقاً ولا كذباً، لأنها عبارة عن طلب قيام لم يكن موجوداً قبل الكلام، لكن (زيد قائم) يمكن يقول لك: لا، بل هو قاعد.فالذي يقول: آمنت بالله واليوم الآخر. هذا القول منه يحتاج إلى دليل على صدقه.وقد جاء من قوله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان)، والبرهان كما يقول علماء اللغة: الإشعاع الذي يكون أمام قرص الشمس، فكأنه نور يدل على حقيقة خفية، فالصدقة برهان على إيمان العبد بالله واليوم الآخر، لأن الأصل في تعامل الأفراد أن يكون على سبيل المعاوضة، تقدم له خدمة فيقدم لك مثلها، كأن تدفع له دراهم وتأخذ منه سلعة، فالبيع والشراء والإجارات.. كل هذا معاوضة.لكن في الصدقة تدفع مالاً لفقير.. فأين العوض؟ هل أنت أخذت عوضاً في دفعك الصدقة للمسكين؟ لا، لكن يقينك يقول لك: إن العوض لن يكون هنا في هذه الدار، إنما سيكون في الدار الأخرى، فلا يدفع المسلم صدقة إلا ليبرهن على الاعتقاد الذي وقر في قلبه، بل ويعتقد ويوقن بأنه سيلقى أكثر مما قدم؛ لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة:245] ، وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ [البقرة:261].
 الصدقة ليست حصراً على المال فحسب
(قوله: والصدقة تطفئ الخطيئة).والصدقة أوسع الأبواب؛ لأن الصدقة لا تتوقف على المال والغنى، بل الفقير له حظ في ذلك، وقد جاء أن فقراء المهاجرين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكوا له فقالوا: (ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليله صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة...) إلى آخره.والحديث الآخر: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة).إذاً: باب الصدقة واسع ولو بالشيء الحقير، قال عليه الصلاة والسلام: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تأكل عنباً، ويأتي سائل، فتأخذ حبة وتعطيه، فيأخذها المسكين ويقلبها يميناً وشمالاً، فهذه حبة عنب، لكن لا تستقلها، فإن الله تعالى يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه [الزلزلة:7]، انظر كم في الحبة من مثاقيل الذر!وفي يوم من الأيام كانت عائشة صائمة، وأتاها مسكين، فقالت: لـبريرة : أعطيه، قالت: ما عندي شيئاً، قالت فتشي، قالت: لا يوجد إلا قرص شعير تفطرين عليه في المغرب -وكان الوقت بعد العصر- قالت: أعطي المسكين وعند المغرب يرزق الله.تمشي بريرة متثاقلة.. فدفعت القرص للمسكين، وجاء المغرب وقامت أم المؤمنين عائشة تصلي، وقبل أن تختم صلاتها إذا بطارق يطرق الباب، وتنتهي أم المؤمنين من صلاتها وتلتفت فإذا شاة بقرامها، أي: شاة ناضجة بلوازمها، قالت: ما هذا يا بريرة ؟ قالت: رجل -والله ما قد رأيته أبداً- أهدى إلينا.قالت: كلي، فهذا خير من قرصك.ثم تقول بهذه القاعدة: لا يكمل إيمان العبد حتى يكون يقينه بما عند الله أقوى مما في قبضة يده.وكما يقول بعض العلماء، إذا كان الأجل محدوداً والرزق مضموناً، فهم تخاف؟ ولماذا تتعب نفسك؟ ما عليك إلا أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على الله سبحانه وتعالى.إذاً: الصدقة تكون بأي شيء ولو بكلمة طيبة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والعشرون [2] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net