اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني والعشرون للشيخ : عطية محمد سالم


شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني والعشرون - (للشيخ : عطية محمد سالم)

الاقتصار على الفرائض يدخل الجنة
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:[ عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: نعم رواه مسلم ].هذا الحديث يأتي به النووي رحمه الله بعد حديث الاستقامة: قل: آمنت بالله، ثم استقم .وتقدم في معنى الاستقامة أنها أداء جميع الواجبات، واجتناب جميع المنهيات، وأنها أمر عظيم لا يطيقها إلا عظماء الرجال.وهنا كأن النووي رحمه الله قصد بإيراد هذا الحديث: أرأيتَ إن صليتُ المكتوبات، وصمت رمضان.. ولم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنة؟ قال: نعم ، كأنه رحمه الله يريد أن يقول: إذا كانت الاستقامة هي مهمة الشريعة الإسلامية كلها: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] ، فإن أقل ما ينبغي على المسلم إنما هو ما جاء في هذا الحديث: أداء الواجبات، وترك المحرمات.
 الفرض والنافلة في الحج
إذا جئنا إلى الحج:بين صلى الله عليه وسلم أنه يجب في العمر مرة، وجاء الحديث: (ما من حق امرئ مسلم عافيته في بدنه وأغنيته في ماله أن يهجر البيت فوق خمس).وأما العمرة فقال عليه الصلاة والسلام -فيها وفي الحج-: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).وهكذا -أيها الإخوة- جميع الفرائض لها نوافل، وتلك النوافل بمثابة الضمان لإكمال ما عساه أن يكون من نقص الفرائض.
العمل سبب في دخول الجنة
نرجع إلى الحديث: (أرأيتَ إن صليتُ المكتوبات، وصمت رمضان ...) والأحاديث الأخرى ذكرت الزكاة والحج، فاستكمل بذلك أركان الإسلام.هنا يقول الرجل: (أأدخل الجنة؟ قال: نعم).هنا يبحث العلماء مسألة مهمة وهي: هل بهذه الأعمال يدخل العبد الجنة؟ وحديث: (لن يَدخُل أحدُكم الجنة بعمله أو لن يُدخِل أحدَكم الجنة عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) ينص على خلافه.. فظاهر الحديثين التعارض.هناك أيضاً قوله سبحانه: أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43].فهنا: (أرأيت إن صليت المكتوبات و.. و.. أأدخل الجنة؟ قال: نعم). وقوله تعالى: بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]؛ ولكن الحديث: (لن يُدخِل أحدَكم الجنة عملُه).قال العلماء في ذلك: قوله: (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) هل قال: التي دخلتموها؛ أم قال: (أُورِثْتُمُوهَا)؟! قال: (أُورِثْتُمُوهَا)، فقالوا: فرق بين الدخول وبين التوريث، أما الدخول فهو فضل من الله؛ لأن العمل مهما كانت رتبة العامل ومهما كانت جسامة العمل؛ فإنه يتوقف على فضل الله في قبوله، ثم إن هذا العمل بأي جهد وبأية قوة وبأية إرادة أداه؟ إنها منحة من الله أن هداه لهذا العمل وأعانه عليه، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].فالفضل من الله.فقالوا: دخول الجنة بفضل من الله، فإذا ما دخل أهل الجنة الجنة هناك يأتي دور التوريث، وأي شيء يتوارثونه؟ قالوا: جاء في حديث القبر: (إن العبد إذا وضع في قبره -نسأل الله السلامة والعافية- إن كان مؤمناً فأول ما يُفتح له باب إلى النار ويقال له: ذاك مقعدك لو لم تؤمن، ثم يغلق عنه حالاً، ويُفتح له باب إلى الجنة ويقال: ذاك مقعدك يوم القيامة، فيقول: يا رب! أقم الساعة، أقم الساعة، وإذا كان كافراً -عياذاً بالله- فأول ما يُفتح له باب إلى الجنة، ويقال: ذاك كان مقعدك من الجنة لو آمنت، ثم يغلق عنه ويُفتح له باب إلى النار ويقال: ذاك مقعدك من النار يوم القيامة، فيقول: يا رب! لا تقم الساعة، يا رب! لا تقم الساعة).إذاً: كل إنسان له منزلان:منزل في الجنة.ومنزل في النار.فإذا كان يوم القيامة ودخل أهل الجنة في منازلهم ودخل أهل النار في منازلهم، خلت منازل أهل النار في الجنة، تلك المنازل التي خلت من أهلها يرثها المؤمنون، وبأي صفة؟ الربع والثمن والسدس كالفرائض؟ لا. بقدر أعمالهم، وبقدر درجاتهم وعلو منازلهم عند الله، يرثون تلك المنازل.إذاً: لا تعارض بين قوله سبحانه: أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43] ولا بين الحديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله).وعلى هذا يكون هذا الحديث مبيناً لعلة دخول الجنة، وعد من الله، والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد، والعَشَم في وجه الله عظيم، وكل مؤمن عند النزع يقدم الرجاء على الخوف.
 تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله في الحكم سواء
أما قوله رضي الله تعالى عنه: (وأحللت الحلال وحرمت الحرام) هذه المسألة تحتاج إلى وقفة طويلة! فإحلال الحلال وتحريم الحرام ينبغي أن يُعلم أنه ليس للعبد وليس للسائل، إنما هو لله، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40]، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يحله الحلال وهو الذي يحرم الحرام، ومن نصب نفسه محللاً أو محرِّماً فقد نصب نفسه نداً لله، ومن أطاع مخلوقاً في تحريم ما لم يحرمه الله، وفي تحليل ما لم يحلله الله، فقد اتخذ شريكاً مع الله، ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]. فقال عدي بن حاتم : (يا رسول الله! ما اتخذناهم أرباباً من دون الله.قال: ألم يكونوا يحرمون عليكم الحلال فتحرمونه، ويحلون لكم الحرام فتحلونه؟!قال: بلى.قال: فتلك عبادتكم إياهم).لما جاء الشيطان إلى أهل مكة وقال: (سلوا محمداً عن الشاة تصبح ميتة -بعدما حرم الله الميتة- قال: سلوه: الشاة تصبح ميتة مَن الذي أماتها؟ من الذي ذبحها -أو كما قيل- فإن قال لكم: الله، فقولوا له: ما ذبحتموه أنتم بأيديكم يكون حلالاً، وما ذبحه الله بشمروخ من ذهب يكون حراماً؟ فجاءوا وسألوا رسول الله، فأنزل الله: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]). أي: شرك طاعة.وهكذا يضع لنا هذا السائل الكريم تلك القاعدة: (أحللت الحلال) ولا ينبغي لمسلم أن يأتي بما أحله الله، فيقول: هذا حرام، فيقول: أحرمه على نفسي. (لقد جاء ثلاثة نفر إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن أعماله في بيته، فأخبرتهم أم المؤمنين عائشة عن قيامه ونومه، وعن صيامه وفطره، وعن إتيانه زوجاته، فكأنهم تقالوا هذا العمل، فتناجوا من وراء الحجاب وهي تسمع، فقال أحدهم: أما أنا -والله- أقوم الليل ولا أنام -حرم النوم على نفسه-، وقال الثاني: لأصومن الدهر ولا أفطر -حرم الفطر على نفسه-، وقال الثالث: لأعتزلن النساء ولا آتي النساء أبداً -حرم النساء على نفسه- فلما ذهبوا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أم المؤمنين بما سمعت، فبادر صلى الله عليه وسلم إلى المنبر وخطب وقال: ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا، أما أنا فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).ولهذا فإن أكبر خطأٍ على المسلم أن يأتي إلى شيء أحله الله فيحرمه، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32] إذا كنت تزهد فيه فاتركه، وإذا كنت تعافه فاتركه، أما أن تجعله حراماً، أو تحرمه على نفسك فلن تملك تحريم الحلال.ولعل قائلاً يقول: إن من تجرأ فحرم الحلال يكون كمن تجرأ فأحل الحرام؛ لأن كلاً منهما تعدٍّ على حكم الله، وكل منهما نصب نفسه مشرعاً من دون الله سبحانه وتعالى.وعلى هذا فإن (إحلال الحلال) أي: فعله معتقداً حله، و(تحريم الحرام) أي: تركه معتقداً حرمته.لأن الشخص إذا ترك الحرام وهو لا يعلم أنه حرام وتركه عفواً وتركه قلةً وعجزاً أله أجر في هذا الترك؟ لا.أما إذا عرف أنه حرام ومنع نفسه منه وجاهد نفسه في ذلك، فإنه لا يقدر قدره إلا الله.وفي قصة النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار فسقطت عليهم صخرة وسدت عليهم باب الغار، وتوسلوا بصالح أعمالهم، وتوسل أحدهم ببر الأبوين، وتوسل الآخر بحفظ حق الأجير، ويتوسل الثالث بالعفة عن الحرام، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الثالث أنه قال: (إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها أشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها فامتنعت، فأخذتها السنون والجدب وجاءت تطلب مالاً، فراودتها -فرضخت تحت الحاجة-.. فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة، غطت وجهها حياءً، وقالت: يا هذا! اتقِ الله! ولا تفضنَّ الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها وتركت لها المال، اللهم! إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانجابت الصخرة، وخرجوا يمشون في الخلاء).هذا ترك شيئاً حراماً يعلم أنه حرام وتركه لوجه الله.وهكذا فإن من اقتصر على المكتوبات، وأحل الحلال أي: اعتقد حله، وحرم الحرام أي: اعتقد حرْمَتَه وتجَنَّبَه فإن هذا أقل درجات الاستقامة.وبالله تعالى التوفيق.وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.وأسأل الله لي ولكم أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا وإياكم على الهداية والاستقامة حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.رحم الله والدينا ومشايخنا والمسلمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة

 حكم الامتناع عن لبس ثياب الإحرام أو لبس ثياب معها خوف البرد
السؤال: بعض المحرمين لحج أو عمرة يخاف البرد إن لبس الإحرام، فهل يجوز له ألا يلبس ثوب الإحرام أو يلبس معه ثياباً أخرى؟الجواب: الذي يريد الإحرام ويخشى البرد نقول: هذا جبان، والمسلم يجب أن يكون شجاعاً، كلمة: (أخاف البرد) نقول لصاحبها: اترك الخوف وتعلم الشجاعة، لستَ ذاهباً إلى الميدان أمام القنابل والصواريخ، وإن كنت مريضاً فكلمة (أخشى) اتركها عنك، إلا إذا قال لك طبيب عالم بحالتك: إن تجردت مرضت، ويكون هذا عن علم، أما مجرد تخوّف فنقول لك: لا. الذي يخاف من عفريت فإنه يظهر له، وأنت حين تخاف من مرض فسيأتيك ولو لم تكن مريضاً؛ لكن اترك عنك الخوف وتجرد وأنت في ضيافة الله.فإذا أخبرك طبيب أو مع التجربة السابقة في حياتك تعلم أنك إن تجردت مرضت فخذ من اللباس بقدر حاجتك، وتجرد من الباقي وعليك الفدية لِمَا لبست. والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني والعشرون للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net