اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب اللقطة للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب البيوع - باب اللقطة - (للشيخ : عطية محمد سالم)
لقد عالج الشرع الكثير من الجوانب الاجتماعية بين الناس، ومن تلك الجوانب: اللقطة التي تضيع من الإنسان بسبب الزحام أو الذهول عنها لأمر ما، وقد قنن الشرع لتلك الحوادث أحكاماً، منها: جواز أخذ الحقير منها، وما لا تتبعه همة من أضاعه، وأما في الأمور العظيمة فقد ألزم الملتقط بأمور منها: أن يعرف أماراتها من عفاص ووكاء ونحوه، ثم يعرفها سنة، ويشهد ذوي عدل على أماراتها، وأما في ضالة الحيوان فقد قسمها إلى قسمين: قسم يعتدي عليها الذئاب فأجاز أخذها، وقسم تدافع عن نفسها، وتصبر على جوعها وعطشها فأمر بتركها، ومن أهم ما ينهى عنه من اللقطة: لقطة الحاج والمعاهد، فهي سواء في حكمها مع لقطة المسافر، ولا يجوز أخذها.
شرح حديث: (مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق...)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:فيقول المصنف رحمه الله: [ عن أنس قال : (مر النبي الله صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق فقال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) متفق عليه ] .
 حكم لقطة الأشياء المحتقرة
المؤلف رحمه الله صدَّر هذا الباب بحديث التمرة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق). أي: الطريق المعهود، وليست في خلاء ولا خراب، وقولنا: (في الطريق المعهود). أي: مظنة أنها وقعت من إنسان مر بهذا الطريق، فقال صلى الله عليه وسلم : (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها).بدأ المؤلف بهذا الحديث ليبين: أن الشيء التافه لا يدخل في حكم اللقطة.. في تعريفها وتملكها وغير ذلك، وأن التمرة لو سقطت من إنسان لن يعود ليبحث عنها ، فهي تمرة من ضمن التمر، وهذا أمر بسيط؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يقول معللاً ذلك بأمر خارجي: (لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها)، لماذا؟ لأن الصدقة محرمة عليه، فتورعاً وتخفظاً من المحرم عليه امتنع من أكلها، ولو علم أنها ليست صدقة لأكلها. وكيف يأكلها وهي ملك للغير؟ قالوا: يلتقطها؛ لأنها أمر تافه. إذاً: التافه ليس من باب اللقطة، ولا يحتاج إلى تعريف. ويذكرون عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أنها وجدت تمرة في الطريق، فأخذتها فأكلتها وقالت: (إن الله لا يحب الفساد)، يعني: لو تركتها لفسدت، ووطئها الناس، وجاء عليها الغبار وتلفت ولم يُستفد منها أحد، وهي لا تحرم عليها الصدقة. ومن ناحية أخرى: كونه صلى الله عليه وسلم يلتقط تمرة ويمتنع من أن يأكلها، فأين يذهب بها؟ قالوا: كما جرت العادة في أصغر طفل أو إنسان يواجهه -ممن لا تحرم عليه الصدقة- يعطيه إياها، كما كانوا في المدينة من عادتهم إذا جاءت باكورة الثمرة في أول مجيء الصيف ظهرت كالتين؛ والحماط نضجت حبة منه، يأتون بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحاً بوجودها، علماً منهم أنه يفرح بفرحهم، وليدعو لهم، وحينما يعطوه إياها هل يستأثر بها لنفسه؟ لا. أو يردها على من أتى بها؟ لا. بل ينظر إلى أصغر الموجودين في المجلس فيقدمها إليه. وكنت قد وقفت منذ زمن على خبر مثل هذا: (أن الحسن رضي الله تعالى عنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى تمرة في الأرض فالتقطها ليأكلها). وهذا شيء طبيعي؛ لأن الطفل لا يعرف إلا ما ألقت يده إلى فمه، سواء كان نافعاً أو غير نافع، (فأدخل صلى الله عليه وسلم إصبعه في فيه، وهو يقول: كخ كخ- لأن هذه لغة الطفل- ويخرج التمرة من فيه ويقول : أخشى أن تكون من تمر الصدقة) .إذاً: الصغير لا يقره وليه على التقاط ما لا يجوز أكله، أو على أكل ما لا يجوز له في حكمه شرعاً، وإن كان صغيراً ليس عليه تكليف، لأن وليه مسئول عنه. ومن هنا قالوا: من وجد شيئاً تافهاً لا تتبعه همة أصحابه فأخذه فلا مانع، وجاءت روايات بعض الأحاديث : (لقد أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا، وفي الحبل، وفي الشسع)، شسع النعل: هو الخيط الذي يأتي في مقدمة النعل، ويأتي في القدم بين أصبع الإبهام والتي تليها، ويربط على وسط الرجل، فهذا الشسع من التوافه، ومما لا يلتفت إليه. وكل زمن له مقاييسه، فإذا وجدنا من مستحدثات الأمور وتوابع الحياة أشياء لا يتبعها صاحبها ويرجع إذا افتقدها ليبحث عنها، اعتبرناها لقطة؛ مثلاً: الطلاب في المدارس يخرجون، يسقط منهم مرسام، يسقط منه ورقة، المساحة، فهو لا يرجع يبحث عنها؛ لأن أباه سوف يشتري له غيرها بدون عناء، فمثل هذه في عرف الطلاب لا يبحث عليها، لكن لو ضاع منه قلم(باركل) سيرجع إلى المدرسة ليفتش عنه؛ لأن قيمته غير المرسام، وكذلك لو سقط منه كشكول كبير؛ بخلاف ما إذا كانت ورقة عادية.إذاً: الأمور بالعادات وبحسب الوقت والعرف؛ فننظر في أي زمان ومكان وجد هذا الشيء، وما قيمته؛ فإن كان مما لا تتبعه همة الناس فيأخذه، وإن كان مما له قيمته وتتبعه همة الناس وتبحث عنه فهو في حكم اللقطة، والله تعالى أعلم.
شرح حديث: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة...)
قال المصنف رحمه الله: [ وعن زيد بن خالد الجهني قال : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة؟ فقال : اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة) ] .[ (جاء رجل.. ) ] .
 قاعدة: (كل شيء يحمي نفسه لا يلتقط)
نجد الفقهاء رحمهم الله قالوا: كل شيء يحمي نفسه لا يلتقط، فقالوا: الرحى الكبيرة، أو حجر الطاحون، أو الخشبة الكبيرة الضخمة، هذه تحمي نفسها، ولا يقدر على أخذها أحد، وقد وجدنا في نجران طاحوناً أو رحى؛ حجم القاعدة: متر ونصف، والسمك ثلاثين (سم)، فتصور قطعة حجر واحدة متر ونصف في متر ونصف بارتفاع ثلاثين (سم)، والطبق الذي فوقه مثله ما عدا عشرة (سم) من الجهات كلها، فمن سيأخذ هذه؟ وشاهدنا (هاوند)؛ عبارة عن قطعة حجر يمكن أن يقعد إنسان فيه، واليد التي تطحن بها فيه بسمك فخذ الرجل، بطول، وزايدة عن ارتفاعه حوالي ذراع. إذاً: تتركها، بمعنى: لو أنك مررت على مكان كان فيه سكان رحلوا عنه، ووجدت في مكانهم متاع، لا تقل: هذه لقطة آخذها؛ لأنهم سوف يرجعون إليها، إلا إذا علم الإنسان أن صاحبها تركها رغبة عنها، فلو وجد ناقة، وعلم من حالها أن صاحبها تركها عنوة رغبة عنها؛ تعب من علفها، ومن كونها عجفاء، وغير قادرة من أن تساير الإبل، فتركها تخففاً منها ومن مئونتها، فله أن يأخذها؛ لأن صاحبها قد عافت نفسه إياها؛ وتركها قصداً، وما دام أنه تركها قصداً فأنت إذا أخذتها كأنك أحييت أرضاً مواتاً، فهي لك بأخذك إياها.قالوا: وكذلك الأواني الكبيرة مثل القدور.والقاعدة العامة: كل ما كان يحمي نفسه من الغير لا يكون لقطة، ولا يحق لك أن تأخذه، وما لا يحمي نفسه من صغار السباع كما ذكروا في البقر والخيل والبغال، واختلفوا في الحمير في المذهب الحنبلي، وغيرهم يلحقها بها، فإذا كان الأمر كذلك فهي تابعة لضالة الإبل.
شرح حديث: (من آوى ضالة فهو ضال...)
[ وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها) رواه مسلم ].
 حكم كتمان الضالة
هذا الحديث تحذير لمن يجد ضالة فيأويها ويسكت عنها، سواء عرف مصدرها أو لم يعرف، جاءته إلى بيته كبقرة أو ناقة أو شاة، وسكت عنها ولم يعرف، يقول: أنا ما أخذتها، هي جاءتني. [ (فهو ضال) ] .الضلال ضد الهدى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فهو ضال بإيواء الضالة، وهذا من المجانسة، وهذا كما أشرت في أثر الرجل الذي رأى بقرة في بقرة فقال: من أين هذه البقرة؟ قالوا: تبعت البقر، فطردها وأبعدها حتى غابت، وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من آوى ضالة، فهو ضال) .
شرح حديث: (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل...)
[ وعن عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا يكتم ولا يغيب، فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي ، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان ] .تقدم الكلام على عموم اللقطة، وعلى شيء من الكلام على الضوال، ثم هنا يأتي المؤلف بهذا الحديث، وفيه عدة نقاط تستوقف الدارس عندها، نأخذ ذلك جزءاً جزءاً:
 معنى قوله: (وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء)
[ (وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) ].(وإلا) أي: بعد التعريف، فلم يأته أحد ولم يكتم، وانتظر سنة فلم يأت أحد فهي مال الله.جميع المال لله! وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33]، كل ما في يد الإنسان مسلم أو كافر فهو من مال الله، ولكن هنا إذا أطلق بصفة عامة يكون مال الله ما ليس بأيدي الناس، وفي الحقيقة المبدئية: الملك كله لله، ونفس اللاقط والملقوط له أنه أيضاً عبد لله، والمال في يد الناس عوارٍ مسترجعة، لكن حينما يقول: هو مال الله؛ يعني: رجع إلى الأصل، ليست هناك يد مخصصة من خلق الله لها عليه تملك، فيرجع إلى الأصل وهو لله سبحانه وتعالى.[ (مال الله يؤتيه من يشاء) ]أي: مال الله يؤتيه من يشاء بعمل وكسب، بهبة، بلقطة، بأي وجه من وجوه التمليك التي تئول إلى عبد من عباد الله، فهو مال الله يؤتيه من يشاء.
شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج)
قال المصنف رحمه الله: [ وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي رضي الله عنه : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج) رواه مسلم ]
 أحكام لقطة الحرم المكي
هذا جزء في باب اللقطة، وهو في الواقع محير. (نهى صلى الله عليه وسلم عن لقطة الحاج)، وفي بعض الروايات : (عن لقطة الحرم)والمعني بذلك: حرم مكة، فبعضهم يقول: لقطة الحرم تشمل الحاج والمكي المقيم، وقد توجد بعض العلامات على اللقطة تميزها، إن كانت لحاج أو لمكي، فإن تبين أنها لمكي فحكمها حكم لقطة أي بلد كان، وإن كانت أماراتها وعلاماتها تدل على أنها لقطة حاج فهي محل السؤال. وبعض العلماء يعمم لقطة الحاج في جميع مواطن الحجاج، فيشمل لقطة عرفة، ومزدلفة، ومنى.وبعضهم يقول: والمدينة؛ لأنها المواطن التي يتواجد فيها الحاج.ولكن النص هنا : (نهى عن لقطة الحاج).وفي بعض الأحاديث في فتح مكة وحرمتها : (لا يختلى خلاؤها، ولا تلقط لقطتها، إلا لمنشدها)فكذلك في هذا الحديث : (نهى عن لقطة الحاج)، إلا لمنشدها. جميع اللقط ستنشد، فما الذي خص مكة بهذا؟ لم كانت لها خصوصية في هذا زيادة عن لقطة جدة أو الطائف أو الرياض؟ قالوا: الغرض من هذا هو: المبالغة في الإنشاد عليها أو تعريفها، ولا تحدد ملكيتها بسنة أو سنتين أو أكثر، ولكن إن عجز وغلب الظن.وخصت لقطة الحاج؛ لأن من يريد أن يعرف اللقطة يتوقع مجيء صاحبها ويعرفها، والحاج قد سقطت منه اللقطة، وربما سافر إلى بلاده، فهو لا يدري عن تعريفها، ولا يدري متى سيعود.فقالوا: يعرفها عند أهل قطرها إن كانت معروفة، لأن اللقطة تميز أحياناً إن كانت لبعض الحجاج في بعض الأقطار؛ فهذه سلعة لحجاج هنود، أو شاميين أو مصريين، إن كانت متميزة تعمد تعريفها عند الوفود القادمة من تلك البلاد، لربما يكون صاحبها قد أوصى الوافدين أن ينشدوا عنها.إذاً: (نهى عن لقطة الحاج إلا لمنشدها)، ومعلوم أن كل لقطة سينشدها لاقطها، ولكن قالوا: هذا زيادة في تعريفها وإنشادها. ثم قالوا: كل لقطة في أي قرية أو في أي مكان يلتقطها الملتقط، فقد يلتقطها على نية التملك إن لم يجد صاحبها بعد الحول، لكن لقطة الحاج لا يلتقطها على نية أنه سيتملكها بعد تعريفها الحول، ولكن يلتقطها على نية التعريف المؤبد.وإذا لم يوجد لها من يعرفها، والبعض يقول: يسلمها للسلطان، والبعض يقول: هي مال الله، كما تقدم. هل هذه المكاتب المقامة لأخذ لقطة الحاج تجزئ؟ نقول: إنه ينبغي ترتيب وتنظيم ما يقال له: محل الضائعات، نعلم أن مكة بعض المراكز المخصصة محل للضائعات أو الضائعين عن مخيماتهم أو حجاجهم، والعاملين في الحكومة جزاهم الله خيراً يجعلون لهم مخيماً ويقومون عليهم حتى يوصلونهم إلى عرفات، والمناسك، ثم يقولون: ثم ينادى على رءوس الأشهاد: يوجد حاج صفته كذا وكذا، من عرفه يأتي يأخذه، هذا الحاج الضائع ليس بلقطة. فكذلك بعض الأماكن للضائعات؛ إنسان ضاعت له شنطة، أو كيس، أو أي شيء يروح في محل الضائعات، ويبحث، إن وجد ضالته أو ساقطته أخذها، وتنظيم مثل هذا المحل للضائعات يريح اللاقط. وبعضهم يقول: لا يلتقطها، ويتركها.والآخرون كما يؤكد ابن عبد البر : وإن لم يتعرض لقطة الحاج، إلا أنه قال في عموم أخذ اللقطة أو تركها: الأولى أخذها، حفظاً لمال أخيه المسلم.إذاً: لقطة الحاج تتميز عن لقطة غير الحاج: بأنه مظنة السفر عنها، ولربما في عام مقبل يأتي من جانبه من ينشد عنها، فإذا لم يأت هذه السنة يأت السنة التي بعدها. وتقدم بأن يكون في حالة ما إذا كانت مما يقبل البقاء كدراهم ودنانير، أو ملابس أو شيء من هذا. أما إذا كان طعاماً أو شراباً أو مما يسري إليه التلف فلا ينبغي أن يبقيها حتى تتلف في محلها، بل يستنفدها، أو يتصدق بها، ويحتفظ بقيمتها، إن أكلها قدّرها واحتفظ بالقيمة وعرّف، ومن جاء أخذ القيمة، وإن تصدق عرف قيمتها قبل أن يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها أخبره، فإن شاء نزل على الصدقة، وتكون باسمه، وإن شاء لم ينزل عليها، وطلب حقها يعطيه إياها.
شرح حديث: (ألا لا يحل ذو ناب... ولا اللقطة من مال معاهد...)
قال المصنف رحمه الله: [ وعن المقدام بن معد كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها) رواه أبو داود ].
 حكم لقطة الذمي والمعاهد
يأتي المؤلف رحمه الله بهذا الحديث ليبين: أن لقطة المعاهد ولقطة المسلم سواء، لا تتملك بلقطتها، بل عليه أن يعرفها كما يعرف لقطة المسلم.والمعاهد بخلاف الحربي فلو وجدت لقطة حربي تملكتها في الحال، بل الحربي بذاته لو وجد وقدر عليه أن استؤسر وكان أسيراً؛ لأنه حرباً على المسلمين، فإذا كان معاهِداً أو مُعاهَداً -أي: له عهد عند ولي أمر المسلمين- فماله وعرضه وكل ما يمتلكه حرام، ولا يجوز لمسلم أن يخفر ذمة ولي الأمر فيه، ولهذا قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله وإن كان انفرد بهذا القول: (من قتل معاهداً قتل به). والجمهور يقولون: لا يقتل مسلم بكافر.ولكنه يقول: هو أصبح في الأحكام الذاتية والمالية كحكم المسلم؛ لأن ولي أمر المسلمين أعطاه أماناً، وعاهده على الأمن والحفظ، فأصبح في ذمة ولي أمر المسلمين، فمن اعتدى على معاهد يكون قد خفر ذمة ولي أمر المسلمين.وأعتقد أننا في هذه الآونة ليس عندنا حربي ومعاهد، والعرف العام عند جميع الدول: من دخل دولة بتصريح من ولي أمرها فهو معاهد.والمسلم الآن يذهب إلى بلاد غير المسلمين، ولا يمكن أن يدخل في مطار أو ميناء إلا بتأشيرة من سفارة تلك البلدة أنه مأذون له في الدخول، وبالإذن له بالدخول لزم أمران: الأول: لزم عليه أن يلتزم بنظم تلك الدولة؛ لأنه دخل إليها ملتزماً بنظمها، ولهذا مدة وجوده فيها تسري عليه أحكام قوانينها. الثاني: هو مؤمن بتلك التأشيرة على ماله ونفسه وعرضه؛ لأنه دخل بإذن، فهذا الإذن يعتبر بمثابة المعاهدة، فكذلك الحال في البلاد الإسلامية، أي: شخص أوروبي أو آسيوي حصل على تأشيرة لدخوله بلدة إسلامية عريبة، فتلك التأشيرة بمثابة العهد، وأصبح في ذمة المسلمين عن طريق ولي الأمر عهد بالبقاء مدة هذا الإذن في تلك التأشيرة.إذاً: يعامل في بيعه وشرائه وهبته والهدية منه وإليه ، يعامل في اللقطة كما يعامل المسلم، وما ذكر مع هذا إنما جاء طردياً مع ذكر المعاهد؛ (لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي) وفي الحديث الآخر : (ولا ذو مخلب من الطير)، وكل هذه أكلها من المحرمات، ووالدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه توسع في بحث هذه المحرمات عند قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ... [الأنعام:145]، وقال : لا أجد وقت نزول تلك الآية، ولا يمنع أن يتجدد فيجد أحكام أشياء أخرى؛ منها: تحريم كل ذي ناب، وتحريم كل ذي ظفر -أي: من الطيور الجوارح-، والحمر الأهلية حرمت عام خيبر كما جاء في بعض النصوص، والبحث في تحريم الحمر الأهلية دون الحمر الوحشية بحث مطول، وإن كان جنس الحمار واحد، ولكن هذا يعيش عالة على الآدميين مستأنساً عندهم، وذاك يعيش مستقلاً بذاته مع الوحوش يدفع عن نفسه، وكل منهما له خصائص ذاتية. والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب اللقطة للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net