اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب الوقف للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب البيوع - باب الوقف - (للشيخ : عطية محمد سالم)
هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من خصال بينتها الشريعة؛ ليحرص الناس عليها، ومن ذلك الوقف، وفيه أحكام كثيرة، ومسائل عديدة، ينبغي الإلمام بها.
شرح حديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله...)

 الخلق الحسن سبب للدعاء لصاحبه بعد موته
الدعاء ينفع الميت من أخ صالح، أو من زوج صالح، أو من صديق صالح، ومن أي مسلم كان سواء كانت له صلة بالميت أو لا صلة له به إلا بالإسلام، وفي الحديث: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه)، فدعاء الولد لوالده من كسبه، فماذا عن الآخرين؟إذا مات شخص فإنه كان في الدنيا مع الناس على أحد رجلين: إما أنه كان محسناً معه إليه، فإنه سيدعو له بعد موته لإحسانه إليه في الدنيا، وما الموجب الذي سيجعله يدعو له؟ إحسانه إليه، وقد يموت إنسان فيدعو عليه آخر، فما السبب؟ إساءة معاملته، كما أن الذي يدعو له إنما هو بسبب حسن معاملته.إذاً: حسن معاملة الناس تستجلب دعاء الناس له بالخير، فحسن المعاملة للناس هي من كسبه في حياته، وقد ورّثت له دعوات صالحة ممن كان يحسن إليهم، فحسِّن معاملتك مع الناس لتستجلب منهم دعوات الخير بعد وفاتك، ولا تعاملهم بالإساءة والسوء.إذاً: هذا الحديث يضع لنا منهجاً في السلوك، وهو أن تعامل الناس بالحسنى، وأقل ما يعود عليك من حسن معاملتك للناس أنهم يدعون لك بعد موتك، وهذا يدخل في الصدقة الجارية، وكما تنتفع من الولد الذي من صلبك وهو من كسبك، فكذلك تنتفع بدعاء الناس لك بعد موتك، وذلك بسبب حسن معاملتك لهم، وهذا من كسبك أيضاً.إذاً: لينظر كل إنسان في معاملاته مع الناس عامة، ومع الرؤساء والمدراء خاصة، فينبغي لمن تحتهم أن يعاملهم بالحسنى، وبالكلمة الطيبة، فإذا لم ينجز له عمله فليسمعه كلمة طيبة، وليعده وعداً حسناً، لا أن يخاطبه بجفاء ويقول: مالك عندنا شيء أو لا أعرف شيئاً! فالمسألة ليست شخصية، والله سبحانه وتعالى أوصلك إلى هذا المكان لتخدم الناس، لا لتستخدمهم أو لتحجب حقوقهم عنهم، وهذا العمل ليس من شأنك ولا من رأس مالك ولا من كسبك، وإنما وليت عليه لتنفع الناس.وهذا الحديث شغل بالي فيه سبب انتفاع الميت بدعاء عامة أفراد المسلمين، فظهر لي -والله تعالى أعلم- أن دعوات عامة المسلمين للميت إنما هي من كسب الميت في حياته، بسبب حسن التعامل مع الناس.
شرح حديث: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها..)
قال رحمه الله: [ وعن ابن عمر قال: (أصاب عمر رضي الله عنه أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول مالاً). متفق عليه، واللفظ لـمسلم ، وفي رواية للبخاري : (تصدق بأصلها لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره). ].
 أمانة ناظر الوقف
وقوله: (ويطعم صديقاً غير متمول مالاً)، لو مر عليه صديق، وقدّم له من الرطب أو قدم له شيئاً من الفاكهة، فلا بأس أن يطعمه، ولكن بشرط (غير متمول مالاً).فهذا الذي يليها يأكل بالمعروف غير متمول مالاً، وهذا الصديق يأكل بالمعروف، وهذا الضيف يضيفه بالمعروف لا أن يتمول من هذا الوقف مالاً، بأن يقتطع جزءاً من الوقف لنفسه، فهذا لا يجوز، ومرت علينا قضايا في المحكمة تضحك وتبكي من أعمال نظار الوقف، وكذلك لا يتمول بأن يجمع من ثمار الوقف ما يبيعه ويختزن ثمنه حتى يتمول مالاً من وراء الوقف.وقد ورد الإذن لابن السبيل إذا مر على حائط، أن يسد جوعه غير متخذ خبنة، فلا يحمل معه من الثمرة ويذهب، بل كل ما يشبعك في مكانك، ولا تحمل معك شيئاً.قال رحمه الله: [وفي رواية للبخاري : (تصدَّقَ بأصلها: لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره)]ينفق ثمره على من تقدم من تلك الأصناف.وفي قضية عمر هذه، يقولون: إنه ولاها ابنته حفصة ، وكانت هي ناظرة هذا الوقف تقوم عليه، وهل يشترط في الوقف قبض الموقوف عليه أو من يليه باعتبار معنوي أم لا؟فالذين يشترطون ذلك يقولون: عمر أخرجها من ذمته، وولى عليها حفصة ، وهي تولّت القبول باسم الفقراء وباسم ابن السبيل، لأن هؤلاء الأصناف لا يتأتى منهم قبول لعدم إمكان حصرهم.والآخرون يقولون: ليس بلازم، وهو مذهب الحنابلة. ومباحث الوقف عديدة ومتوسعة، وما أكثر ما يكون فيها من مشاكل وإشكالات في الجهات الموقوف عليها، مثل أن يقف ويقول: على أولادي وأولاد أولادي، أو على أولاد الظهور دون أولاد البطون، وهذا من الخطأ الذي يرتكبه بعض الناس، أو أن يوقف المال مضارّة للورثة، عنده مال، فيوقف نصف المال ليحرم الورثة ميراثهم بهذا الوقف، فإذا فعل ذلك مضارّة بطل الوقف، وبعضهم يشترط فيه شروطاً لا تصح، مثل أنه يحق له أن يرجع في وقفه، ويحق له البيع والشراء، وأن يستبدل طائفة عن طائفة، والجمهور أن تلك الشروط باطلة.ويشترط في الوقف اتصال البداية واتصال النهاية، اتصال البداية مثل أن يقول: وقفت على بني فلان وهم موجودون، ولو قال: وقفت على أولادهم وذرياتهم وأعقابهم، فلم تتصل النهاية، فيكون باطلاً، لكن يقول: وقفت على كذا وعلى كذا وعلى كذا، فإذا انقرضوا فعلى المساكين أو فعلى طلبة العلم، فطلبة العلم والمساكين لا ينقطعون؛ لأنهم موجودون دائماً.
شرح حديث: (بعث رسول الله عمر على الصدقة ...)
قال رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة.. الحديث وفيه: (فأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله). متفق عليه]يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث ليبين أن العتاد والمحبّس في سبيل الله لا زكاة عليه، والحديث يورد في باب الزكاة؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ومعه آخر على الصدقة، فلما رجع قال: يا رسول الله! منع الصدقة خالد وابن جميل والعباس ، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي عليّ ومثلها معها. ثم قال: يا عمر ! أما شعرت أن عم الرجل صنوه أبيه ؟).هكذا الحديث مطولاً، ويورده العلماء في باب الزكاة على هذا الأصل، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تظلمون خالداً)، أي: تنسبون إليه منع الزكاة والصدقة وحاشاه من ذلك؛ لأنه يعلم أن الزكاة فرض، ولن يمنع خالد فرضاً، وبعض العلماء يقول: إن هذه الصدقة كانت صدقة تطوع، ولكن جمهور العلماء يرد ذلك؛ لأن صدقة التطوع ما كان صلى الله عليه وسلم يبعث أحداً ليجمعها، وإنما كان يبعث لجمع الزكاة المفروضة.
 هل يزكى مال الوقف؟
خالد رضي الله تعالى عنه أوقف ما يملك، ومن هنا قالوا: إن الوقف ينقسم إلى قسمين: وقف أهلي، ووقف تبرر، فالوقف الأهلي هو: أن يوقف العين على أهله، أو على أولاده وذويهم وذرياتهم، أي: على أشخاص إما معينين بالشخص مثل: (ولدي فلان) أو معينين بوصف مثل: (أولادي من صلبي)، فهؤلاء محصورون ومعينون، ثم قد ينقله إلى أولاد أخيه أو إلى جيرانه أو إلى جماعة معينة، أو ينقله إلى عموم مثل: إلى بني فلان وهم قبيلة عامة، وهذه لا يمكن حصر أفرادها ولكن مجموعها، أو وقف على أهل وصف مثل طلبة العلم ثم إلى وصف آخر كذا وكذا، فيكون حينئذٍ وقف على أعيان وأشخاص لهم صلاحية القبول والتملك، فهذا الوقف بالنسبة للزكاة إنما هو هبة وصدقة، فلا يطالب الموقوف عليه بالزكاة، ولكن الوقف على معيَّن ينظر: كم حصته من الوقف هذا العام؟ ويعامل معاملة من وجبت عليهم زكاة الأموال، فإن كان الوقف زرعاً أو ثمرة فجد، وكان نصيبه من الثمرة ما يجب في مثله الزكاة؛ زكّاه حالاً، ونصاب الزكاة في التمر والحبوب خمسة أوسق، فإذا أصاب أحد الموقوف عليهم خمسة أوسق فما فوق؛ زكاه عند استلامه، كما قال الله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، وإن نقص الفرد المستحق عن هذا المقدار فلا زكاة عليه، كما لو كان المال من نخله وبستانه وملكه.أما إذا كان الوقف على خير وعلى بر، كأن يقول: أوقفت هذا النخيل على طلبة العلم، فهو متصدق به على أشخاص غير معيّنين، ولا يمكن حصرهم، فمن حضر منهم في بلده استحق الوقف، فحينئذٍ يأخذه الطالب باسم الصدقة، وهو أوقفه وأخرجه عن ملكه باسم الصدقة، فإذا كانت عين الثمرة بكاملها صدقة لا نطلب الصدقة من صدقة على الآخرين، فهؤلاء الذين أخذوا بوصف العلم أو بوصف الفقر والمسكنة لا زكاة عليهم فيما أخذوه.يقول صلى الله عليه وسلم في حق خالد رضي الله تعالى عنه: (احتبس).وجاء في الخيل حديث: (الخيل لثلاثة: فهي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر)، وفسرها صلى الله عليه وسلم بقوله: (فأما الذي هي له أجر فالذي يحتبسها في سبيل الله)، أي: أعدها في سبيل الله ولم يخرجها عن يده وقفاً إنما أعدها لتكون مهيأة وجاهزة للقتال في سبيل الله، فالشخص الواحد يعد ويهيئ عتاده من سيف ورمح وخوذة على رأسه أو درع يلبسه أو.. أو.. إلى آخره. وفرساً يعده للجهاد، فهذه لم تخرج عن ماله، فإذا أراد الزكاة قومها وقدرها؛ لأنها ممتلكاته، وليست من عروض التجارة، فهي للقنية، لكن يطلق عليه أنه أعدّها في سبيل الله، فقالوا في قضية خالد : إنه حبس أدراعه، فحبس بمعنى: حبّس وأوقف فلا زكاة فيها، أو حبس بمعنى أعد؛ ولذا ليس لكم طريق إلى مطالبته، وهو يعرف ما يجب عليه من حق الله في الزكاة.لكن المؤلف يسوق هذا الحديث هنا ليبين أمرين: الأمر الأول: صحة الوقف في المنقول. الأمر الثاني: عدم وجوب الزكاة فيما أوقفه صاحبه تبرراً لوجه الله، والله تعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب الوقف للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net