اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب القراض للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب البيوع - باب القراض - (للشيخ : عطية محمد سالم)
لا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وهو عقد من عقود الشركة في الجاهلية وأقره الإسلام، ويعرف أيضاً باسم المضاربة، ويقوم هذا العقد على أن يأتي أحد الطرفين بالمال ويقوم الطرف الآخر بالعمل، وهو نوع من الإجارة، إلا أنه عفي فيها عن الجهالة في الأجر، ويحق لصاحب المال أن يشترط على العامل تجنب التعامل في أمور معينة أو مع أشخاص بعينهم، ولكنه يمنع من هذا الشرط إن كان فيه تحجير على العامل في عمله، وأما أرباح المال فعلى ما يتفق عليه الطرفان.ومن الأحكام المجمع عليها في القراض: أن الجهالة مغتفرة فيه، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد أو يفرط.
شرح حديث: (ثلاث فيهن البركة...)
[عن صهيب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع) رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف].إن الله سبحانه وتعالى جعل البركة مائة جزء، تسعة وتسعين منها في البيع والشراء، وواحد في بقية الأسباب الأخرى كلها: صناعة .. زراعة .. هكذا يقولون.وأعتقد أن هذه النسبة أمر نسبي وليس قطعياً، وكم من صانع يبارك الله له في صناعته، وكم من زارع يبارك الله له في زراعته، وكان بعض الصحابة يثمر بستانه في السنة مرتين ببركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهنا الحديث: (البركة في ثلاثة)، وفي غيرها أم فيها فقط؟كل شيء أراد الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيه حصلت فيه البركة، هذا صاحب الدينار والشاة قال له صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك في بيعك وشرائك)، فكان لو التمس تراباً بارك الله له فيه وربح، وكان الناس يأتونه بأموالهم ليضارب بها؛ التماساً لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالبركة. البركة: الزيادة والنماء، وحفظ الشيء والخير فيه، فهنا جعلها في ثلاث، وليس هذا من باب القصر الحقيقي، ولكنه قصر نسبي؛ لأن من أساليب البلاغة في القصر تعريف الطرفين، تقول: الشاعر زيد، مع أن أسلوب القصر: إنما الشاعر زيد؛ لأن (إنما) أداة حصر، و(ما وإلاّ) كذلك، ما الشاعر إلا زيد، ولذا نقول في كلمة الشهادة: (لا إله) نفي، (إلا الله)، وقالوا أيضاً: تقديم ما حقه التأخير: (إياك نعبد)، وأصل الترتيب العربي في غير القرآن: نعبدك، فكان الأولى أن كاف الخطاب تتأخر عن الفعل: (نعبدك ونستعينك ونستهديك ونستغفرك)، كما في الحديث، لكن لما قدم المفعول وكانت الكاف المتصلة انفصلت عن الفعل جيء لها (بإي) لتقوم عليها (إياك)، فتقديم ما حقه التأخير من أساليب الحصر، وتعريف الطرفين -أي: المبتدأ والخبر- من أدوات الحصر، فهنا (ال) أداة التعريف، (بركة) معرفة، ثم ذكر الثلاث وهي معارف كلها.إلا أن هذا الحصر نسبي -كما يقولون- وليس قطعياً، أو حقيقياً. يعني: إن كانت البركة في أمور فتلك الثلاث منها، أو أن الله خص هذه الثلاث ببركة زائدة عن عموم البركة في بقية الأشياء، فيكون لها فضل اختصاص.
 فوائد خلط الشعير بالبر
خلط الشعير بالبر لأمور: أولاً: تيسيراً على صاحب العيال؛ لأن قيمة الشعير أرخص من قيمة البر. ثانياً: تسهيلاً على أصحاب المعدة الضعيفة. ثالثاً: مساعدة للشيَّاب والعجائز؛ فإن لهم قدرة على خبز الشعير وليس لهم قدرة على خبز البر. فهنا يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خلط البر بالشعير فيه بركة. أولاً: زيادة في المئونة، ثانياً: قلة في الثمن والسعر في الشعير، ثالثاً: معالجة للذين من طبيعتهم الإمساك؛ فمن أكل خبز الشعير لا يحصل عنده إمساك قط، ومن داوم على خبز البر يحصل عنده الإمساك اليومين والثلاثة. إذاً: من لطف الله ومن الحكمة النبوية والإعجاز أن يجعل البركة في خلط الشعير مع البر للبيت للأكل لا للبيع؛ لأن في خلطه للبيع تدليس، فصاع البر بعشرة، فإذا كان فيه عشرة في المائة من الشعير فقد زاد تسعة، وصار بإحدى عشر. وعلى هذا يسوق المؤلف رحمه الله هذا الحديث في خصوص القراض؛ لأنه في باب القراض قال النبي صلى الله عليه وسلم كما يروي عن ربه: (أنا ثالث الشركاء؛ فإن صدقا وبينا كنت بينهما، وإن خان أحدهما الآخر خرجت من بينهما)؛ وهذا عام في الشراكة، أبدان.. أعيان.. وجوه، لكن المؤلف لدقته ساق هذا الحديث وإن كان إسناده ضعيفاً، لكنه مناسب لهذا الباب، وهو من باب الحث على الإرفاق بالناس في البيع إلى أجل، وفي تيسير المعيشة في خلط البر بالشعير. والله تعالى أعلم.
ما يجوز أن يشترطه رب المال على العامل
قال المصنف رحمه الله: [وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه: (أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالاً مقارضة: أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به بطن مسيل؛ فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه الدار قطني، ورجاله ثقات ].
 حكم ركوب البحر للتجارة في الحاضر والماضي
[ولا تحمله في بحر]. هنا نظر للمجتهد، ويجب على العلماء اتخاذ الاجتهاد والاستنباط والنظر، هل هذا الشرط يمكن أن يعمل به في الوقت الحاضر أم لا؟ لا تتسرع وتقول: نعم أو لا، يجب على طالب العلم الآن وعلى العلماء والهيئات العلمية التي تعقد الندوات أو المؤتمرات إذا نظرت في مثل هذا أن تكون ذا بصيرة.. هل استخدام البحر في ذاك الوقت هو عين استخدام البحر في هذا الوقت؟ هناك نصوص سابقة لمن كان ينهى عن ركوب البحر للحج لأنه مجازفة وخطورة، ونحن نقول: إن ركوب البحر ترجع طبيعته إلى الآلة التي تركب، فإنسان يأتي من السودان إلى جدة يعبر البحر عرضاً، بواسطة لنش، أو لنش شراعي، هل هو كمثل من يأتي في باخرة تمخر العباب؟ لا، يمكن هذا اللنش الصغير يأتيه سمك القرش ويأخذه من النصف، لكن من في باخرة كبيرة ينام ويلعب، وحتى لو أراد السباحة فهناك حوض سباحة في الباخرة... مدينة تتحرك، فهل خطورة البحر في ذاك التاريخ مع السفن الشراعية موجودة الآن مع البواخر الآلية التي تمشي بطاقة البخار أو الاحتراق الداخلي بالديزل أو غيرها، وهذا الجرم الكبير كالأعلام، أعتقد أن الخطورة ليست واحدة، والوضع يختلف، فإذا قال: لا تضع مالي في بحر، نقول: إن كنت تخاف عليه من السفينة الشراعية التي يقف عنها الهواء وتغرق، أم من القرصنة في البحار فهذا أمر انتهى. وهذه كانت مهمة البريطانيين، بريطانيا قبل أن تصبح دولة متحضرة كانوا قراصنة في البحار يقطعون الطريق على السفن، فإذا كان الطريق فيه القراصنة يأخذون البواخر قهراً ويسلبون ما فيها. فله حق، وإذا كانت هناك تأمينات بحرية؛ لأن الحاصل الآن: أنه لا تبحر سفينة من ميناء ببضاعة إلا وهي مؤمن عليها، وكيف يؤمن عليها؟ يقولون: أول عقود التأمين في العالم التأمين البحري، يأتي التاجر ويشتري السلعة من لندن، وتريد الجهة المصدرة تصدير البضاعة إلى جدة؛ لأن الشرط في عقد البيع: إما تسليم محلي أو تسليم إلى ميناء المشتري، فتتعهد الجهة البائعة بإيصال السلعة إلى ميناء المشتري، فإذا كان التوصيل على حساب المشتري فشركة التأمين البحري مهمتها أن تأخذ عقد الشراء وتذهب إلى المصنع الذي باع وتتابع تعبئة السلع في الصناديق، وهل هذه التعبئة سليمة أو ليست سليمة، فإن كانت البضاعة من زجاج لابد لها من تغليف ومحافظة... فتقف وتشرف على تعبئتها تعبئةً سليمة، فإذا انتهت من التعبئة وتريد أن تشحنها في الباخرة المبحرة إلى جدة، تنظر أي البواخر التي اختارها المصنع، وهل هي جديدة قوية تعبر المحيطات أم هي مخلخلة ليست قوية معرضة للانفصال أو الانكسار أو الانشطار، فإن كانت صالحة سمحت شركة التأمين بتعبئة البضاعة المعبأة من المصنع فيها، ثم تنظر متى ستبحر؟ وتذهب شركة التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل عن هذا اليوم؛ فإن قالوا: والله عندنا أخبار عن عاصفة قادمة من الجهة الفلانية وسرعتها كذا كما هو في النشرة الإخبارية، وليس كما يظن بعض الناس أن النشرة الجوية تكهنات، لا، بل هي مبنية حقائق ونظريات علمية واقعية. فمثلاً: المرصد الذي في جدة والذي في الهند ودونهما مراصد ما بين دلهي إلى جدة، فالمرصد الذي يلي الهند مباشرة يتلقى من المرصد الهندي أنه مرت بي عاصفة ورياح هوجاء سرعتها في الدقيقة كذا، وإذا استمرت في اتجاهها سوف تصلكم بعد كذا، فتصلهم على حسب التقدير، فيتصل هذا المركز بالذي بعده وهكذا إلى جدة مرت بنا عاصفة كذا سرعتها كذا، وإذا استمرت على هذا النحو سوف تصلكم وقت كذا، وهكذا يتناقلون الأخبار لا سلكياً، وعندما تنتهي إلى ما قبل جدة مركز جدة يعلن عنها. إذاً: النشرة الجوية ليست تكهناً، وإنما هي عبارة تناقل للمعلومات من المراكز بعضها إلى بعض، فيكون ذلك تحذير للذين يعملون في البحر .. حركة البحر هائج .. حالة البحر هادئ والموج فيه كذا، على أي أساس هو في مكتبه من أجل الإخباريات من المراكز التي مرت بها العاصفة وهي في طريقها إليه. فتأتي شركات التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل ماذا عندكم في طريق الإبحار من هنا إلى السعودية، فيعطونهم الأخبار، فإن وجدوا عواصف في هذا اليوم أو في ما بعده لمدة وصولها إلى جدة أوقفوا الرحلة، وإن وجدوا هدوءاً وأماناً أجازوا الرحلة، فتأتي الرحلة بسلامة الله وتأخذ شركة التأمين أجرتها، وكما يقول من كتب في عقود التأمين: أسلم وأول عقود التأمين هو التأمين البحري، كذلك تأمينها من القراصنة؟ هل هي سفينة محصنة قوية أو ضعيفة يمكن للقراصنة أن يأخذوها. إذاً: كل هذا فيما يتعلق بركوب البحر. فإذا قال رجل الآن لا تضع مالي في البحر، قال: البحر اليوم ليس مثل أمس مهلكة، البحر الآن أصبح مأموناً أكثر من البر؛ لأن قراصنة البحر تعجز عن السفينة الكبيرة، وقطاع الطريق في البر لا يعجزون عن القافلة بالإبل. إذاً: لو قال: لا تضع مالي في البحر، وقالها بناءً على ما سبق نقول: النظر يختلف، ونقول: واجب العلماء أن ينظروا في الواقع الماضي والواقع الحاضر.[(أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه الدارقطني ورجاله ثقات]. إن فعلت شيئاً من ذلك فقد أصبحت ضامناً بفعلك هذا، فإن وقعت هناك خسارة دفعتها، وإن لم تقع خسارة فأنت برضاك ضامن.
اقتسام الشركاء مال المضاربة
قال المصنف رحمه الله: [وقال مالك في الموطأ: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبيه، عن جده: (إنه عمل في مالٍ لـعثمان على أن الربح بينهما)، وهو موقوف صحيح]. هذا الأثر موقوف صحيح على عثمان ، وهو خبر واضح، وأوضح من هذا ما يذكره العلماء عن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم. أنهما كانا في الشام وكان أبو موسى الأشعري عامل هناك، وكانا في الثغر، فرغبا العودة إلى المدينة، فمرا بـأبي موسى ؛ ففي رواية أنه قال لهما: عندي مال أريد أن أبعثه إلى أمير المؤمنين عمر -أي: لبيت المال- أعطيكم إياه تشترون به تجارة وتبيعونها بالمدينة فتربحون وتسلموا رأس المال لـعمر : ففعلا، فربحا وجاءا إلى عمر ودفعا إليه المال بالقدر الذي أخذوه من أبي موسى ، فقال لهما: ما خبر هذا المال؟ فأخبراه بالخبر، فقال: ما الذي حمل أبو موسى على ذلك، وهل كل الجند أعطاهم مثل ما أعطاكما؟ قالا: لا. قال: إذاً: قال في نفسه أنكما ابنا أمير المؤمنين وصانعكما، ردا المال بربحه، فسكت عبد الله وكان حيياً، وقال عبيد الله : ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولم؟ قال: أرأيت لو هلك المال كنت ضمنتنا إياه أم لا؟ قال: بلى، قال: ما دمت كنت تضمننا إياه فالغرم بالغنم. أي: ما دمنا سوف نضمنه لك عند التلف فلنا حق الربح كاملاً. فقال أحد جلساء عمر رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين! اجعله بينك وبينهما قراضاً، يعني: مضاربة، ففعل وأخذ نصف الربح ورد عليهم نصف الربح. فهذا إقرار من أمير المؤمنين عمر على المضاربة في المال، والمال مع من؟ مع أفراد لبيت مال المسلمين -يعني: مع الدولة- فلو أن بيت مال المسلمين أو جانب وزارة المالية أقرضت مؤسسة أو جماعة مبلغاً من المال يعملون فيه ولهم جزء من الربح فلا مانع في ذلك. وكما أشرنا: إن مباحث شركة المضاربة فيها نواحٍ وجزئيات عديدة، ولعل هذا القدر يكفينا فيما أوردناه وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وأقول: إن فقه المعاملات يحتاج -في نظري- كل عشر سنوات إلى ندوة علمية، لينظر في تطوراته وحاجة الناس إلى ما استجد من أنواع التعامل، فمعاملات كثيرة عديدة موجودة في الأسواق لا تأخذ طريقها السليم ولا ينبه عليها أحد، وبالله التوفيق.
 حكم ركوب البحر للتجارة في الحاضر والماضي
[ولا تحمله في بحر]. هنا نظر للمجتهد، ويجب على العلماء اتخاذ الاجتهاد والاستنباط والنظر، هل هذا الشرط يمكن أن يعمل به في الوقت الحاضر أم لا؟ لا تتسرع وتقول: نعم أو لا، يجب على طالب العلم الآن وعلى العلماء والهيئات العلمية التي تعقد الندوات أو المؤتمرات إذا نظرت في مثل هذا أن تكون ذا بصيرة.. هل استخدام البحر في ذاك الوقت هو عين استخدام البحر في هذا الوقت؟ هناك نصوص سابقة لمن كان ينهى عن ركوب البحر للحج لأنه مجازفة وخطورة، ونحن نقول: إن ركوب البحر ترجع طبيعته إلى الآلة التي تركب، فإنسان يأتي من السودان إلى جدة يعبر البحر عرضاً، بواسطة لنش، أو لنش شراعي، هل هو كمثل من يأتي في باخرة تمخر العباب؟ لا، يمكن هذا اللنش الصغير يأتيه سمك القرش ويأخذه من النصف، لكن من في باخرة كبيرة ينام ويلعب، وحتى لو أراد السباحة فهناك حوض سباحة في الباخرة... مدينة تتحرك، فهل خطورة البحر في ذاك التاريخ مع السفن الشراعية موجودة الآن مع البواخر الآلية التي تمشي بطاقة البخار أو الاحتراق الداخلي بالديزل أو غيرها، وهذا الجرم الكبير كالأعلام، أعتقد أن الخطورة ليست واحدة، والوضع يختلف، فإذا قال: لا تضع مالي في بحر، نقول: إن كنت تخاف عليه من السفينة الشراعية التي يقف عنها الهواء وتغرق، أم من القرصنة في البحار فهذا أمر انتهى. وهذه كانت مهمة البريطانيين، بريطانيا قبل أن تصبح دولة متحضرة كانوا قراصنة في البحار يقطعون الطريق على السفن، فإذا كان الطريق فيه القراصنة يأخذون البواخر قهراً ويسلبون ما فيها. فله حق، وإذا كانت هناك تأمينات بحرية؛ لأن الحاصل الآن: أنه لا تبحر سفينة من ميناء ببضاعة إلا وهي مؤمن عليها، وكيف يؤمن عليها؟ يقولون: أول عقود التأمين في العالم التأمين البحري، يأتي التاجر ويشتري السلعة من لندن، وتريد الجهة المصدرة تصدير البضاعة إلى جدة؛ لأن الشرط في عقد البيع: إما تسليم محلي أو تسليم إلى ميناء المشتري، فتتعهد الجهة البائعة بإيصال السلعة إلى ميناء المشتري، فإذا كان التوصيل على حساب المشتري فشركة التأمين البحري مهمتها أن تأخذ عقد الشراء وتذهب إلى المصنع الذي باع وتتابع تعبئة السلع في الصناديق، وهل هذه التعبئة سليمة أو ليست سليمة، فإن كانت البضاعة من زجاج لابد لها من تغليف ومحافظة... فتقف وتشرف على تعبئتها تعبئةً سليمة، فإذا انتهت من التعبئة وتريد أن تشحنها في الباخرة المبحرة إلى جدة، تنظر أي البواخر التي اختارها المصنع، وهل هي جديدة قوية تعبر المحيطات أم هي مخلخلة ليست قوية معرضة للانفصال أو الانكسار أو الانشطار، فإن كانت صالحة سمحت شركة التأمين بتعبئة البضاعة المعبأة من المصنع فيها، ثم تنظر متى ستبحر؟ وتذهب شركة التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل عن هذا اليوم؛ فإن قالوا: والله عندنا أخبار عن عاصفة قادمة من الجهة الفلانية وسرعتها كذا كما هو في النشرة الإخبارية، وليس كما يظن بعض الناس أن النشرة الجوية تكهنات، لا، بل هي مبنية حقائق ونظريات علمية واقعية. فمثلاً: المرصد الذي في جدة والذي في الهند ودونهما مراصد ما بين دلهي إلى جدة، فالمرصد الذي يلي الهند مباشرة يتلقى من المرصد الهندي أنه مرت بي عاصفة ورياح هوجاء سرعتها في الدقيقة كذا، وإذا استمرت في اتجاهها سوف تصلكم بعد كذا، فتصلهم على حسب التقدير، فيتصل هذا المركز بالذي بعده وهكذا إلى جدة مرت بنا عاصفة كذا سرعتها كذا، وإذا استمرت على هذا النحو سوف تصلكم وقت كذا، وهكذا يتناقلون الأخبار لا سلكياً، وعندما تنتهي إلى ما قبل جدة مركز جدة يعلن عنها. إذاً: النشرة الجوية ليست تكهناً، وإنما هي عبارة تناقل للمعلومات من المراكز بعضها إلى بعض، فيكون ذلك تحذير للذين يعملون في البحر .. حركة البحر هائج .. حالة البحر هادئ والموج فيه كذا، على أي أساس هو في مكتبه من أجل الإخباريات من المراكز التي مرت بها العاصفة وهي في طريقها إليه. فتأتي شركات التأمين إلى مصلحة الأرصاد وتسأل ماذا عندكم في طريق الإبحار من هنا إلى السعودية، فيعطونهم الأخبار، فإن وجدوا عواصف في هذا اليوم أو في ما بعده لمدة وصولها إلى جدة أوقفوا الرحلة، وإن وجدوا هدوءاً وأماناً أجازوا الرحلة، فتأتي الرحلة بسلامة الله وتأخذ شركة التأمين أجرتها، وكما يقول من كتب في عقود التأمين: أسلم وأول عقود التأمين هو التأمين البحري، كذلك تأمينها من القراصنة؟ هل هي سفينة محصنة قوية أو ضعيفة يمكن للقراصنة أن يأخذوها. إذاً: كل هذا فيما يتعلق بركوب البحر. فإذا قال رجل الآن لا تضع مالي في البحر، قال: البحر اليوم ليس مثل أمس مهلكة، البحر الآن أصبح مأموناً أكثر من البر؛ لأن قراصنة البحر تعجز عن السفينة الكبيرة، وقطاع الطريق في البر لا يعجزون عن القافلة بالإبل. إذاً: لو قال: لا تضع مالي في البحر، وقالها بناءً على ما سبق نقول: النظر يختلف، ونقول: واجب العلماء أن ينظروا في الواقع الماضي والواقع الحاضر.[(أن لا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد ضمنت مالي) رواه الدارقطني ورجاله ثقات]. إن فعلت شيئاً من ذلك فقد أصبحت ضامناً بفعلك هذا، فإن وقعت هناك خسارة دفعتها، وإن لم تقع خسارة فأنت برضاك ضامن.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب القراض للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net