اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب الغصب [2] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب البيوع - باب الغصب [2] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
لقد حرم الإسلام الغصب وحذر منه، ورتب عليه الوعيد الشديد، وضمن لمن غصبت أرضه حقوقه، وجعل بين الغاصب والمغصوب حقه سبلاً وطرقاً للصلح، فحكم على من غرس بقلع غرسه، وعلى من زرع بأخذ نفقته.
حكم من زرع في أرض بدون إذن مالكها
قال المصنف رحمه الله: [ وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله نفقته) رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه ].بالتأمل فيما ساقه المؤلف رحمه الله في باب الغصب، وما تقدم في اغتصاب شبر أو شيء من الأرض، والتحذير والوعيد الشديد من الظلم والاغتصاب، وجاء بحديث القصعة، وبيان أن الغصب معه قيمة المتلفات، ولهذا يقول ابن رشد : البحث في الغصب من عدة جهات، منها: من جهة أن المغصوب إذا وجد بعينه رد إلى صاحبه بتمامه بلا خلاف، أما الطوارئ فبخلاف ذلك، والطوارئ: هي المتغيرات التي تحدث في المغصوب، بأن غصب غزلاً فنسجه، أو شاة فذبحها... إلى غير ذلك مما يطرأ على المغصوب من زيادة أو نقص.ثم جاء المؤلف رحمه الله بهذين الحديثين، ويمكن أن يقال: إن أحد الحديثين يغني عن الآخر، كحديث: (من غرس النخل حكم بالأرض لصاحبها، ولصاحب النخل أن يرفع نخله)، ثم جاءت القضية العامة: (ليس لعرق ظالم حق)، لكنه جاء بالحديث الذي قبله فيما يتعلق بالزرع، فكان أحد الحديثين يتعلق بالزرع، والآخر بالغرس. وفرق بين الزرع والغرس: أن الزرع -كما يقولون- زراعة موسمية مؤقتة، وأقصى ما يكون مدته في الأرض ستة أشهر على حسب نوعية المزروع، وإن كان البعض قد يتجدد على جدات -وخاصة في الحجاز- إلى خمس سنوات، وهو نوع من البرسيم، وفي غير المدينة يسمى البرسيم الحجازي.فالزرع مهما كان له أمد، فهو بخلاف الغرس فإنه يعمر طويلاً، فالحديث الأول: (من زرع في أرض قوم)، ولم يقل: غرس، وللمغايرة بين الحديثين اختلف العلماء، ونحن نأخذ مدلول الحديثين كلاً على حدة، ثم نرجع بالنظر بين الحديثين، وخلاصة ما ذكره العلماء في هذه القضية المزدوجة.
  صورة الصلح بين المتنازعين على الأرض
في هذه المسألة الواردة في هذا الحديث وسع الفقهاء رحمهم الله التفصيل فيها، وقالوا: إذا لم يكن له من الزرع شيء فله النفقة، والزرع يرجع لصاحب الأرض.. فهل يلزم الزارع بأخذ النفقة فقط ويترك الزرع، وهل يلزم أصحاب الأرض بأن يدفعوا النفقة ويأخذوا الزرع؟ لو قالوا: لا نريد الزرع، ليأخذ زرعه، لن ندفع شيئاً.. ماذا يقال لهم؟في هذه الحالة يخير أصحاب الأرض: في أن تحسب عليه الأرض بالإيجار إلى أن تستحصد، ويكون كالمستأجر من غيره، وبهذا نكون قد جمعنا بين المصلحتين: (لا ضرر ولا ضرار)؛ صاحب الزرع يأخذ زرعه، وصاحب الأرض يأخذ أجرة مثلها، فنكون ضمنا لصاحب الأرض حقه وفائدته من أرضه، وحفظنا على الغاصب زرعه، وقد دفع أجرة الأرض.وابن حزم يشنع على الفقهاء في هذه القضية، ويقول: على هذا فكل من يريد أن يغصب أرضاً ما عليه إلا أن يذهب ويزرع فيها وسوف يدفع الأجرة ويأخذ الزرع، فهذا يمكن المعتدين من زيادة الاعتداء.ولكن الفقهاء يقولون: يجب مراعاة المصلحة، فقولنا له: خذ زرعك وهو إلى الآن لم يستحصده، ماذا سيفعل به؟ سيعدمه، ويتلفه، وإتلاف المال لا يجوز، فإذا أمكن الاستفادة من هذا المال في المستقبل نحافظ عليه، وأنت يا صاحب الأرض لما فاتت عليك مصلحة أرضك، نضمنها لك بالأجرة.
قضاء رسول الله في الغارس بدون إذن
[ وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: (قال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض، غرس أحدهما فيها نخلاً والأرض للآخر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخلة أن يخرج نخله، وقال: ليس لعرق ظالم حق) ]. قبل الكلام على هذا الحديث ننظر ما يقوله العلماء في شأن اختلاف الناس في أحكام الأراضي، وخاصة الإمام ابن تيمية رحمه الله: إن عمل أهل المدينة هو القدوة، وكما يذكر عن مالك أنه قال: إن العالم كله في الأراضي والمساقاة والمزارعة تبع لأهل المدينة؛ لأنهم كانوا يعملون فيما بينهم فيتفقون تارة ويختلفون أخرى، فإذا ما وقع خلاف بينهم كان مرده إلى رسول الله.إذاً: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يشرف على الخلافات التي تقع في الأراضي، وليس هذا في قطر من أقطار الدنيا، وكل العالم يتتبع ويسأل: ماذا فعل رسول الله في مثل ذلك؟ ماذا قضى في ذلك؟ وما ينقل عن أهل المدينة في مثل هذه القضايا فهو نقل لأصل عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.لو أن هذان الرجلان في الشام أو مصر أو اليمن ووقع النزاع بينهم، فإنهم سيختصمون للعلماء الذين سوف يبحثون عما فعل وقضى به رسول الله في هذه المسألة، وسيرجعون إلى عمل أهل المدينة في هذه المسألة.رجلان اختصما كل منهما خاصم الآخر، صاحب الأرض يخاصم في أرضه، وصاحب النخل يخاصم في نخله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.شخص غرس نخلاً في أرض قوم، فجاء أصحاب الأرض يخاصمون في أرضهم ويطلبونها فقضى رسول الله بأن الأرض لصاحبها.
  مبحث فيما يطرأ على العين المغصوبة
لقد فرع الفقهاء رحمهم الله على مسألة النخل -ولا يزال في كل ما يمكن أن يقال فيه: إنه غصب وطرأت عليه الطوارئ- مسألة ما يطرأ على المغصوب كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد: البحث في أصل الغصب وعين المغصوبة، والبحث في الطوارئ التي تطرأ على المغصوب.مثلاً: إنسان اغتصب سيارة، ثم مكثت عنده شهراً، ثم رأى إطاراتها قديمة، فذهب وغير لها الإطارات الأربعة، وجاء صاحبها يطلبها، هذه السيارة حصل فيها زيادة.إذاً: هناك طوارئ، ولنقل: لم يغير الإطارات ولكن أحد الإطارات تلف وتركه مركوناً بجانب الباب، فجاء صاحبها يطلبها. فهل بقيت على ما كانت عليه وقت الغصب أو نقصت؟ نقصت.إذاً: ينظر في هذه العين مع نقصها.وهناك من يقول: إذا حصلت هناك زيادة بفعل الغاصب دون مادة يضيفها؛ فلا شيء له في فعله، ويردها كما هي، وإذا حصل هناك نقص فهو ضامن لهذا النقص في تلك العين التي اغتصبها؛ لأنه مكلف بأن يردها كما هي. وتقدير هذا النقص يكون بحسب قيمتها يوم أن اغتصبها أو يوم أن يردها؟ نجد هناك الخلاف: من يراعي أصل السلعة يوم اغتصابها؛ قال: يرد قيمة الناقص يوم اغتصبها، والنقص؟كأن يكون اغتصبها قبل ستة أشهر، والنقص حصل بالأمس، فيقدر هذا النقص من يوم اغتصبها.والآخرون يقولون: يقدر حين يردها؛ لأنها تحت يده إلى أن تؤخذ منه.وهذا الخلاف موجود حتى في بعض المذاهب فيما بينهم، كما هو منصوص عند بعض المالكية، والباب -كما يقال- فروعه متعددة، وما وجدت تفريعات أكثر منها في المغني لـابن قدامة ، وكشاف القناع للحنابلة أيضاً.والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب الغصب [2] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net