اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب العارية للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب البيوع - باب العارية - (للشيخ : عطية محمد سالم)
من سنن الله عز وجل في خلقه أنه جعلهم محتاجين إلى بعضهم البعض، فلا يستطيع أحد أن يعيش بمفرده دون الآخرين مهما كان، ولهذا شرع الله عز وجل للناس التعامل فيما بينهم البين، وبين لهم ما يحل من هذه المعاملات وما يحرم، ومن هذه المعاملات التي أباحها الله عز وجل للناس لحاجتهم إليها: العارية، بل إن الله عز وجل ندب إليها وتوعد من يمنع الماعون.
حديث: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه. أما بعد:فيقول المصنف رحمه الله: [ عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم ].هذا الحديث ليس فيه نص في ذكر العارية، ولكن فيه: (على اليد ما أخذت)، سبحان الله! هل اليد هي الآخذة أو الإنسان هو الذي يأخذ بيده؟! الجواب: هو الإنسان ولكن هذا من البلاغة؛ لأن اليد هي المباشرة، فأسند الفعل إليها، وأما حقيقة فليست هي الآخذة ولكنها آلة الأخذ، وهنا (اليد) (الـ) هنا للجنس أي: كل يد (عليها ما أخذت حتى تؤديه). (تؤديه) يعني: ترده من حيث أخذته، ومن أين أخذته؟أخذته من شخص جاز التصرف فيه.
  من فوائد حديث: (على اليد ما أخذت...)
ومن فوائد هذا الحديث: أنه إذا كان للعارية مئونة رد فهي على المستعير، فإذا استعرت سيارة من المدينة لتصل بها إلى آبار علي فوصلت، فليس من حقك أن ترجع إلى صاحبها وتقول له: سيارتك في آبار علي اذهب فخذها؛ لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديها. إذاً: عودتها من آبار علي إلى صاحبها بالمدينة على المستعير، ولو تلفت هناك أو تعطلت فالمسئول عن إعادتها هو المستعير، ثم ننظر هل هو ضامن للعطل فعليه أن يصلحه أو ليس بضامن، وهكذا إذا استعار شيئاً آخر فإن عليه أن يرده من حيث أخذه وأجرة الرد على المستعير.
حديث: (أدِ الأمانة إلى من ائتمنك...)
قال المؤلف رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه الترمذي وأبو داود وحسنه، وصححه الحاكم ، واستنكره أبو حاتم الرازي ، وأخرجه جماعة من الحفاظ. وهو شامل للعارية ].الحديث الثاني في هذا الباب أيضاً أعم من العارية، (أد الأمانة إلى من أئتمنك) انظر: (من ائتمنك): يعني: لا تخلف ظنه فيك، ائتمنك واعتبرك أميناً، فأمَّنك أمانة، والأمانة والأمن مأخوذان من لفظ واحد فكأنه آمن على سلعته عندك، وهي آمنة عندك من الضياع، وأنت أمين عليها، فيجب عليك أن تحفظها. (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك): إذا خان: فهل خيانته إياك عيب أو مدح؟ وهل فيها إثم أو أجر؟ الجواب: فيها إثم، فإذا كنت أنت تستنكر عليه أنه خانك فكيف ترتكب ما تنكره عليه؟! قال تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، فعليك أن تؤدي الأمانة إلى صاحبها، والأمانة: لفظ عام شامل سواءً كان في الحقيقة أو المجاز. أبو طلحة لما مرض ولده وكان شغوفاً به وكلما دخل سأل عنه زوجه أم سليم ، وفي يوم من الأيام توفي الطفل وأبو طلحة غير موجود، فقالت لأهله: لا يكلمه أحد قبلي، فلما جاء سأل عن الولد فقالت: إنه في غاية الراحة -ما كذبت ولكن ورّت- فهيأت له عشاءه ثم تهيأت له حتى قضى حاجته. وانظر إلى القدرة والتحمل عندها، فولدها مات ولم تنزل عليه دمعة عين، ولم يحصل منها ولولة ولا صياح ولا بكاء، واستقبلت زوجها بهذا الاستقبال، حتى في نفسها، فتجهيز الطعام أمره سهل، ولكن أن تتهيأ وتمكنه من نفسها، فأي نفس تقبل هذا الآن؟ ولكن هذا منها كان وفاءً بحق الزوج، وأين هذا الصنف يا إخوان؟! وأين هذه النوعية من النسوة؟ إنها نسوة الصدر الأول من السلف الصالح، فهذه هي الزوجة التي تعين زوجها على كل خير، وتكون فعلاً سكناً له. لما قضى حاجته قالت: يا أبا طلحة ! أرأيت لو كان لجيرانك أمانة عندك فطلبوها أتؤديها إليهم أم تمسكها عندك؟ قال: بل أؤديها.قالت: إذاً: إن الله قد أخذ ولدك، فقم فواره، فغضب وقال: سكتِ عليَّ حتى أكلت، ودنوت مني حتى اقترفت، ثم تقولين: وار ولدك، ثم غدا في الصباح يشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فتبسم وقال: أعرستما البارحة؟ قال: نعم، قال: بارك الله لكما في ليلتكما)، فأنجبت الولد المبارك وكان منه الخير الكثير. إذاً: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) أياً كان نوعها على سبيل المجاز أو على سبيل الحقيقة، والمراد هنا: الأمانة الحقيقية العينية، ائتمنك على كتاب، ائتمنك على أوراق، أئتمنك على نقد، على آلة، على أي شيء، فأي عين ائتمنك عليها فأدها إليه.
 حكم خيانة الخائن
قال: (ولا تخن من خانك) وفي هذه المسألة يقولون: لو أن الذي خانك وأخذ من مالك ولم يرده ولم تقدر على أخذه منه جهراً فظفرت له بمال سراً أو خفية أو دون علم منه، فهل تأخذ حقك مما ظفرت به من ماله أو تؤديه إليه كاملاً وتطالب بمالك الذي أخذه من قبل؟ للعلماء في هذه المسألة مباحث طويلة، وقد أطال ابن عبد البر في هذه المسألة وكذلك ابن رجب عند حديث : (لا ضرر ولا ضرار) لمناسبة عندهم فيه، وهذه المسألة تسمى عند المالكية في الفقه بالاعتصار: من العصر، أي أنه يعتصر حقه مما ظفر به من مال خصمه، ويقول ابن عبد البر : إنه إن أخذ حقه، أي: مقابل حقه لم تكن خيانة؛ لأن الخيانة هي: أخذ الشيء ظلماً، وهذا حينما أخذ هل اعتدى على صاحب المال وظلمه أو استرد حقه؟ استرد حقه. وابن حزم يقول: يتعين عليه أن يأخذ؛ لأن في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قيل: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: تردعه عن الظلم) فأنت حينما تأخذ حقك من ماله فقد ردعته عن الظلم ورفعت المظلمة التي كانت عنده لغيره، وتغيير المنكر واجب.والجمهور يختلفون، وابن عبد البر يجيب عن هذا الحديث: (ولا تخن من خانك)، ويستدل بجواز أخذ الحق بأدلة أخرى مع تفصيل إن كان المال الذي ظفرت به هو من عين مالك، فإذا كان قد اغتصب عليك صحوناً فضفرت بعشرة صحون له، وهو أخذ منك خمسة فخذ خمسة ورد له الخمسة، وكذلك إن كان المال الذي أخذه عليك دراهم وظفرت بدراهم له، أو دنانير فإن كان من غير عين ما خانك به فهل تأخذ مقدارها أم لا؟ إذا خانك في لباس، أو في ثياب، وظفرت له بمال فضة أو ذهباً وهذا المال من غير جنس ما أخذ منك فهل تأخذ قيمة ما خانك فيه؟على هذا الخلاف الذي يذكرونه عند هذا الحديث: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) ويقول ابن عبد البر : لا تخن من خانك. أي: بعد أن أدى إليك ما كان قد خانك فيه، فإذا كان قد خانك في مال ثم أداه إليك ثم ظفرت له بمال بعد ذلك فلا تأخذ من ماله وتقول: لأنه كان قد أخذ مني، وكان قد خانني، فالمعاملة قد ارتفعت ولم يعد الآن خائناً لك؛ لأنك قد استوفيت حقك منه. فقوله: (ولا تخن من خانك)، أي: بعد وفائه حقك، أما قبل وفاء الحق إذا أخذت حقك من ماله فلست بخائن، واستدلوا على ذلك بحديث هند مع أبي سفيان لما قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي عيالي أفآخذ من ماله ما يكفيني؟ قال: خذي من ماله ما يكفيكِ ويكفي عيالكِ بالمعروف)، فهو أمسك عنها وقصر عنها في النفقة وهذا يُعد خيانة، وهي ظفرت بماله تحت يدها فتأخذ من ماله ما يسد حاجتها، فهل هي خائنة؟قالوا: لا؛ لأن الخيانة تنتفي إذا كانت بالمعادلة، كما جاء في عموم قوله سبحانه: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، وقوله: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]، والمجازي على السيئة ليس مسيئاً والمعاقب على قدر ما عوقب به ليس معاقباً وإنما مسترد للحق.إذاً: (أد الأمانة إلى من ائتمنك)، هذا صفة عامة.و(ولا تخن من خانك)، أي: بعد وفاء الأمانة، وأما من أخذ حقه من الخائن فهو ليس بخائن. (لا تخن) أنا ما خنت ولكن أخذت حقي.
حديث: (إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً)
قال المؤلف رحمه الله: [ وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً، قلت: يا رسول الله! أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: بل عارية مؤداة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان .وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه دروعاً يوم حنين فقال: (أغصب يا محمد؟! قال: بل عارية مضمونة) رواه أبو داود وأحمد والنسائي وصححه الحاكم : وأخرج له شاهداً ضعيفاً عن ابن عباس رضي الله عنهما ].قوله: عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً قلت: يا رسول الله! أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: بل عارية مؤداة).يسوق لنا ابن حجر رحمه الله في نهاية باب العارية هذين الحديثين: حديث يعلى وحديث صفوان ، فـيعلى يقول: (قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً)، مبدئياً في هذا الجزء من الحديث ما يدل على أن للشخص أن يرسل رسولاً عنه في قضاء حاجته، ويكون بمثابة الوكيل في القبض، فإذا سلّم المرسل إليه الرسالة إلى هذا الرسول فكأنه سلمها إلى من أرسله. (إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً) الدرع هو: لباس من زرد الحديد، حلق صغيرة، فراغ الحلقة أقل من الـ(سم) ينظم بعضها في بعض حتى تكون كالثياب على صورة القميص، يلبسها الفارس ليتدرع بها من وقع السهام أو الرماح أو السيف، وتختلف جودةً ورداءةً وطولاً وقصراً إلى غير ذلك، وهي من أهم آلات الحرب.وفي هذا الحديث: الاستعانة في أداة الحرب بالعارية مع قوله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، ما يدل على أن استعداد المسلمين يكون بصنعهم وبملكهم وبالاستعارة من غيرهم، ومثل الإعارة الإجارة، ومثل الإجارة الشراء ولو من غير المسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إلى يعلى وقال له: (أعط رسلي ثلاثين درعاً).وهنا يستوضح يعلى : (أعارية مؤداة أم عارية مضمونة؟)، المؤداة هي: التي تبقى بعد استعمالها على ما كانت عليه فيؤديها للمعير، والمضمونة هي: التي إذا تلفت -وتحت كلمة تلفت ضع خطين- تلفت فيما استعيرت له أو تلفت بتعدٍ أو تقصير يضمنها المستعير، فقال له صلى الله عليه وسلم: (بل عارية مؤداة).وقوله: (مؤادة)، الفقهاء يتفقون ويقولون: إذا كانت العارية مؤداة فالتالف لا ضمان فيه، بخلاف العارية المضمونة، فما بقي على طبيعته رده بعينه وما تلف فيما استعير له أو بتعدٍ أو بتفريط فهو ضامن، وقوله: (مضمونة) يعني: يعوض عن التالف إن كان مثلياً فبمثله، وهذه الأدرع إذا تلفت فعليه أدرع مثلها من نوعها ومن مقاسها، وإن كان في الوقت الحاضر فهناك أواني معروفة الماركة، أو المساحة، أو المقياس، فعليه مثلها.وهذا الحديث نص في أن العارية مؤداة.ومعنى مؤداة: أن العين الباقية على ما هي عليه أولاً ترد، والتالفة لا ترد، ولا ضمان فيها، وفي حديث صفوان : (بل عارية مضمونة) وهذا من تعارض الأحاديث، وهي مهمة هذا الكتاب، بلوغ المرام لأدلة الأحكام.فالفقهاء مختلفون في العارية هل هي مؤداة أو مضمونة؟ فمن قال: مؤداة استدل بحديث يعلى .ومن قال: العارية مضمونة استدل بحديث صفوان .إذاً: إذا وقع الخلاف في الحديث وأخذ كل إمام برواية أو بحديث مغاير للآخر وكلا الحديثين صحيحان فهل يمكن أن يعيب من قال بأحد القولين على من قال بالقول الآخر؟ مثلما يقول الشناقطة: (ما بال بائك تجر وبائي لا تجر) فلا تعب عليَّ وأنا آخذ بحديث صحيح، كما أني لم أعب عليك حينما أخذت بحديث صحيح، فكلانا مستدل بدليل شرعي، ولكن هناك خطوة أرقى وهي: النظر في مختلف الحديث إلى ما هو الراجح وهل المسألة اتفاقية؟ وهل كل من الطرفين متساوٍ مع الآخر؟وهناك أشياء قال فيها ابن القيم رحمه الله: لا اعتراض على أحد إذا أخذ بأحد الأقوال فيها لصحة أسانيدها، وهي: ألفاظ الأذان، والصوم في السفر أو الفطر، والتيمم ضربتان أو ضربة واحدة، فالأذان هل يربع ويرجع فيه أم لا؟ وهل الإقامة مثل الأذان أم لا؟ ومن أخذ بتربيع التكبير أو بتثنيته وجعل الإقامة كالأذان أو أفردها فالكل صحيح، ومثل هذا أنواع المناسك في الحج: فمن أخذ بأحدها: أخذ بالإفراد، أو أخذ بالتمتع، أو أخذ بالقران فنسكه صحيح؛ لأن كل نسك فيه نصوص صحيحة، ولا ينبغي الخلاف فيها ولا الاعتراض على من خالف غيره؛ لأنه إن ذهب إلى واحد منها فبدليل صحيح والآخر إن ذهب إلى غيره فبدليل صحيح، فلا خلاف، وهذه المسألة قد أطالوا فيها القول.ونأخذ الكلام على حديث صفوان أولاً: عن موضوعه، ثم نرجع إلى القضية من صلبها لا من خارج عنها إن شاء الله.وصفوان يقول هذا بعد فتح مكة وكان صفوان لا زال على دين قومه، وكان هذا في غزوة حنين في عام الفتح، عند أن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن هوازن قد جمعت له، فبادرها قبل أن تبادره؛ لأنه كان يعلم قوة هوازن، وكان قد خرج معه من المدينة عشرة آلاف مقاتل وتهيأ معه من مكة ألفان فصاروا اثني عشر ألفاً والعشرة الذين جاءوا من المدينة جاءوا بسلاحهم وبكامل عدتهم، وأما الذين جاءوا معه من مكة فالبعض منهم ينقصه شيء؛ لأن البعض خرج لإسلامه، والبعض خرج حمية لقومه، والبعض خرج للنظر وللغنيمة.فاحتاج النبي صلى الله عليه وسلم دروعاً لهذا العدد الجديد، وهو يعلم أن صفوان عنده دروع عديدة، فأتاه وسأله، وصفوان ما زال على دين قومه لم يسلم حتى قيل: إنه هرب ثم رجع، فطلب منه مائتي درع، وقيل ثمانين، وقيل: مائة، وقال له: (وتوصلها إلينا إلى حنين)، أي: أعرنا إياها وعليك حملها تبرعاً من عندك، وهنا سأل كما سأل يعلى : هذه العارية على أي أساس على أنها مضمونة أو على أنها مؤداة؟ فكان جواب رسول الله لـصفوان : (بل مضمونة).
  حكم إعارة العارية وتأجيرها
وحكم رد العارية لصاحبها، فالكلام كله ينحصر في جزئية وهي: فيما إذا تلفت العين المعارة، وإذا لم تتلف، فإذا أخذها وانتفع بها ثم جاء بها وقال: جزاك الله خيراً، بارك الله لك في عين مالك، فهنا انتهت المسألة، لكن إذا تلفت في يد المستعير فهنا الخلاف، وإذا كانت في يد المستعير فليس له أن يعيرها، إلا ما جاء عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: له حق في أن يعيرها، والجمهور يقولون: ليس له حق في ذلك؛ لأن المعير ائتمن المستعير بذاته وأما غيره فلم يأذن له أن يعطيه، واتفقوا على أنه لا يؤجرها، فلو قال: أعرني إياها يومين، فقضى حاجته في يوم وأجرها في اليوم الثاني، فلا يحق له ذلك، وإن تلفت في يد المستعير الثاني أو المستأجر فصاحبها بالخيار إن شاء ضمن المستعير الثاني؛ لأنه لم يأذن له، وإن شاء ضمن المستأجر، وإذا ضمن المستأجر الذي كان قد استأجرها على أنها للمستعير ودفع له الأجرة فإنه يرجع على من أجرها عليه؛ لأنه أجر ما لا يملك.فإن تلفت تحت يده نظرنا: هل تلفت في استعمالها فيما استعيرت له أو خارجاً عنه، وقد نبهنا على قول الفقهاء: إن تلفت فيما استعيرت له بغير تعدٍ ولا تفريط فهنا محل البحث: هل يضمن أو لا يضمن، فإن كان استعارها لشيء فتعدى حدود الشيء المستعارة له إليه أو فرط في العين حين استعمالها فتعديه وتفريطه يقتضي الضمان، ولهذا كانت القاعدة في قانون الجنايات أن المسئولية تترتب على التعدي أو التفريط، هذا مناط المسئولية في الجنايات.فكذلك هنا، إذا استعارها إلى مسافة فتجاوزها، أو استعارها إلى نوع من العمل فتعدى إلى عمل آخر أو إلى نفس العمل ولكن تجاوز الحد. مثلاً: استعارها لينقل عليها أسمنت وحمولتها طن فذهب وحمل عليها طنين، فهذه استعيرت له ولكنه ليس في حدود طاقتها، فهو بهذا قد تجاوز وتعدى.وكذلك إذا تلف من العارية جزء يؤثر على المنفعة بباقيها فالحكم كما هو في تلف عين العارية فما استعملت له أو فيما استعيرت له بتعدٍ أو بتفريط فيكون الضمان في الجزء المفقود. والله تعالى أعلم.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب البيوع - باب العارية للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net