اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الحج - باب المواقيت للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الحج - باب المواقيت - (للشيخ : عطية محمد سالم)
إن لحج بيت الله الحرام مواقيت زمانية لا يصح الإتيان بالنسك إلا فيها وهي: شوال وذو القعدة وأول ذي الحجة، كما أن له مواقيت مكانية محيطة من كل الجهات ببيت الله الحرام، لا يجوز للحاج أن يتجاوزها إلا بإحرام، ومنها: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل، ويلملم، وذات عرق، ولها أحكام متعلقة بها ذكرها أهل العلم في المطولات.
شرح حديث ابن عباس في مواقيت الحج
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:فيقول المصنف رحمه الله: [عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) متفق عليه.].المؤلف رحمه الله بعد أن بيّن لنا فضل الحج: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ثم بيّن من يجب عليه الحج بالأصالة أو النيابة، ثم بيّن لنا شروط النيابة، ثم بيّن لنا أنه واجب في العمر مرة، فلكأننا رغبنا في الحج، ولكأننا اكتملت لنا الاستطاعة، ولكأننا عزمنا على الحج، ونريد البداية، فجاءنا بباب المواقيت؛ لأن المواقيت هي أول أبواب الدخول في الحج، ووقفنا على الأبواب فبين لنا مكان الميقات.
 الميقات لمن أتى عليه ولو لم يكن من أهله
ولما سمى تلك المواقيت لتلك البلاد قال: (هن لهن -يعني: لأهلهن- ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) يعني: لو أن إنساناً تركياً أو شامياً أو هندياً أو باكستانياً جاء إلى المدينة ولم يأت عن طريق البحر الأحمر، ولا عن طريق حوض البحر الأبيض، فما دام وصل إلى المدينة لا يكون ميقاته الجحفة بل ميقاته ميقات أهل المدينة لقوله: (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) وكل الحجاج الذين يجتمعون في المدينة من جميع الأقطار، ويريدون الخروج إلى مكة للحج، فميقاتهم ميقات أهل المدينة، وهكذا أهل المدينة إن جاءوا من الشام على الجحفة، أو جاءوا من اليمن على يلملم، أو جاءوا من نجد على قرن المنازل، لا يقولون: ميقاتنا المدينة ولابد من الرجوع إليه، فما دام أنه سيدخل من ذلك الميقات إلى مكة مباشرة فيحرم من هناك، وهذا هو الشمول والعموم، فلا تخصيص ولا عنصرية -كما يقال اليوم-، فالتوقيت عام لجميع الأجناس، والغرض أن من أراد النسك -حجاً أو عمرة- فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات الذي في طريقه إلا وهو محرم، سواءً كان من أهل هذا الميقات أو كان وافداً وماراً عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ومن كان دون ذلك) أي: داخل الدائرة، كالناس الذين بين الجحفة ومكة، والذين بين يلملم ومكة، والذين بين قرن المنازل ومكة ... إلخ، هل يرجعون إلى الميقات ليحرموا منه؟ قال: لا، ومن كان محله دون ذلك نحو مكة، فمن حيث أنشأ، فلو كان في منتصف الطريق بين يلملم ومكة، أي: على بعد مرحلة، فيحرم من مكانه ولا يرجع إلى الميقات. وهكذا كل من كان دون الميقات إلى مكة، فموقع إحرامه وميقاته: مكانه الذي هو فيه، حتى قالوا: لو أراد أهل عرفات العمرة أحرموا من عرفات، وجاءوا إلى البيت، ولو أرادوا الحج أحرموا من عرفات، ووقفوا الموقف، وأتموا حجهم. وأهل مكة إذا أرادوا الحج فمن مكة، وإن أرادوا العمرة فلابد من خروجهم إلى أدنى الحل ثم يدخلون الحرم محرمين، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمرها من التنعيم) لأن العمرة زيارة، والنسك لابد فيه من الجمع بين الحل والحرم، فما وراء التنعيم حل، فيحرم من الحل، ويدخل الحرم محرماً، أما القادم من خارج الحدود فهو بطبيعة الحال يجمع بين الحل والحرم، أما أهل مكة في الحج فإنهم بخروجهم إلى عرفات يكونون قد خرجوا من حدود الحرم، فبعد وقوفهم يرجعون إلى البيت محرمين، وهكذا، والله تعالى أعلم.
شرح حديث عائشة في ميقات أهل العراق
قال المؤلف رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (وقّت لأهل العراق ذات عرق)رواه أبو داود والنسائي ، وأصله عند مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، إلا أن راويه شك في رفعه. وفي صحيح البخاري: أن عمر هو الذي وقّت ذات عرق. وعند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (وقّت لأهل المشرق العقيق) ].
 حكم من جاوز الميقات من غير إحرام ناسياً أو جاهلاً
ترد هنا مسألة فقهية: لو أن إنساناً جهل الميقات، مثال ذلك: إنسان أتى من نجد، أو أتى من الشام، أو خرج من المدينة، ولا يعلم منطقة ذي الحليفة أين هي، ويظنها أمامه، فجاوز الميقات، ولما وصل إلى المركز هناك أخبروه، وقالوا له: كيف تذهب إلى الحج ولم تحرم؟! قال: سأحرم من ذي الحليفة، قالوا له: ذو الحليفة وراءك! فكان جاهلاً بها، أو كان يعرفها ولكنه نسي، وجاوز الميقات، ولم يحرم، فماذا يفعل؟ يقول الجمهور: النسيان لا يعفيه من الفدية، ولكن هل يُحرم من مكانه؟ أو يرجع إلى ميقاته، لأنه مر عليه جاهلاً ناسياً؟ وإذا رجع إلى الميقات هل يسقط عنه دم التجاوز للميقات، أو لا يسقط عنه؟ فالبعض يقول: لا يسقط عنه؛ لأن المجاوزة حصلت، والبعض يقول: إن رجع، وكان قد تجاوزه ناسياً أو جاهلاً سقط عنه الدم، أما إذا تعمد وهو يعلم فجاوزه ولم يحرم فلا يسقط عنه الدم ولو رجع، هذا ما يتعلق بقضية الميقات المكاني.
الميقات الزماني للحج والعمرة
وللحج ميقات زماني، وقد تقدمت الإشارة إلى أن العمرة لا زمن لها (العمرة إلى العمرة) مطلقاً، وإنما تكلم الفقهاء في الأيام التي لا يجوز له أن يأتي بعمرة فيها وهي: الأيام المختصة بالحج، كيوم عرفة، ويوم العيد، وأيام التشريق، فمنهم من يقول: يومان، ومنهم من يلحق اليوم الثالث بها، ومنهم من يفصل: إن كان قد تعجل في يومين فله أن يأتي بالعمرة في اليوم الثالث، وإن لم يكن تعجل فليس له أن يفعل ذلك، وبعضهم يقول: لا يجوز ولو تعجل؛ لأن اليوم الثالث من أيام الحج؛ ولأن جماعة آخرين تأخروا في منى يرمون الجمرات، إذن: جميع السنة وجميع الأيام وقت زمني للعمرة ما عدا يوم عرفة، ويوم العيد، وأيام التشريق الثلاثة على الاحتياط. أما الميقات الزماني للحج فكما بيّن سبحانه: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] وأجمعوا على أن الجمع هنا يطلق على الشهرين وبعض الثالث تغليباً، وهي: شوال، وذو القعدة، وبعضٌ من ذي الحجة، فإذا أنشأ الإحرام في الميقات الزماني وقع، وهل يجوز تقديم الإحرام عن الميقات المكاني، وعن الميقات الزماني أو لا يجوز؟ وإذا فعل ما هو الحكم؟ فلو أن إنساناً أحرم بالحج أو بالعمرة من المدينة، أو من المسجد النبوي أو من بيته، فـمالك رحمه الله أتاه شخص وقال: (أريد أن أحرم من هذا المسجد، قال: لا تفعل، قال: لماذا؟ قال: أخشى عليك الفتنة، قال: وأي فتنة تخشاها؟ قال: أخشى أن يخطر ببالك أنك أحرمت بخطوات أكثر من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من مكان أفضل من المكان الذي أحرم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخطر ببالك أنك فعلت خيراً مما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتهلك) والآخرون يقولون: إن كان من غير المدينة -وهذا الاحتمال ليس وارداً- قالوا: لا بأس، فيجوز أن يُقدم الإحرام عن المواقيت المسماة، واستدلوا بأمرين: الأمر الأول: جاء حديث: (من أحرم بعمرة من بيت المقدس كان له من الأجر كذا..) فقالوا: يُحرم من بيت المقدس، وقوم قالوا: هذا خاص ببيت المقدس؛ لأنه من حرم إلى حرم ولا يجوز ذلك من غيره، وقال الآخرون: جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، في قوله سبحانه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] قال رضي الله تعالى عنه: (إتمامهما إحرامك بهما من دويرية أهلك) فيجوز له أن يحرم من بلده من أي قطر من الأقطار، لكن العلماء كرهوا هذا؛ لأنه قد يطول عليه الوقت فيضيق عليه الحال فيكون ذلك مدعاة لأن يرتكب محظوراً من محظورات الإحرام لطول الزمن، فالأولى أن يجعلها من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يقولون: أقل الأدنى هي المواقيت، وما وراءها يصح، هذا في الميقات المكاني.إذاًً: حكم الميقات الزماني قالوا: الميقات الزماني ليس كالمكاني، فمن أحرم بالعمرة فلا زمان لها، ومن أحرم بالحج قبل التوقيت فله ذلك، وهناك من يقول: لا إحرام له ولا نسك، والشافعي رحمه الله يقول: (إن أحرم قبل ميقات الحج بحج انعقد إحرامه، وانصرف إلى ما يصح في ذلك الوقت)، فلو أحرم بالحج في رمضان على قول الجمهور: لا حج له، والشافعي يقول: (انعقد الإحرام وانقلب إلى عمرة) لأن العمرة تصح في رمضان، وعليه أن يجدد الإحرام بالحج في زمن الحج، والله تعالى أعلم.
 حكم من جاوز الميقات من غير إحرام ناسياً أو جاهلاً
ترد هنا مسألة فقهية: لو أن إنساناً جهل الميقات، مثال ذلك: إنسان أتى من نجد، أو أتى من الشام، أو خرج من المدينة، ولا يعلم منطقة ذي الحليفة أين هي، ويظنها أمامه، فجاوز الميقات، ولما وصل إلى المركز هناك أخبروه، وقالوا له: كيف تذهب إلى الحج ولم تحرم؟! قال: سأحرم من ذي الحليفة، قالوا له: ذو الحليفة وراءك! فكان جاهلاً بها، أو كان يعرفها ولكنه نسي، وجاوز الميقات، ولم يحرم، فماذا يفعل؟ يقول الجمهور: النسيان لا يعفيه من الفدية، ولكن هل يُحرم من مكانه؟ أو يرجع إلى ميقاته، لأنه مر عليه جاهلاً ناسياً؟ وإذا رجع إلى الميقات هل يسقط عنه دم التجاوز للميقات، أو لا يسقط عنه؟ فالبعض يقول: لا يسقط عنه؛ لأن المجاوزة حصلت، والبعض يقول: إن رجع، وكان قد تجاوزه ناسياً أو جاهلاً سقط عنه الدم، أما إذا تعمد وهو يعلم فجاوزه ولم يحرم فلا يسقط عنه الدم ولو رجع، هذا ما يتعلق بقضية الميقات المكاني.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الحج - باب المواقيت للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net