اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [3] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [3] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
إن للحج أهمية عظيمة، وقد رتب الله على أدائه الأجر الجزيل، ولما كان الإنسان لا يخلو من موانع تمنعه وتحول بينه وبين هذه العبادة العظيمة، كالعجز والموت، فقد كان من تيسير الله على عباده أن أجاز حج الولد عن والده، كما أجاز الحج عن الغير بشرط أن يكون الشخص قد حج عن نفسه.ويصح الحج من الصبي والمملوك، إلا أن حجهما لا يسقط عنهما حجة الإسلام بعد البلوغ والعتق.
شرح حديث ابن عباس في بيان حكم الحج عن الشيخ الكبير
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:قال المؤلف رحمه الله: [ وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان الفضل بن عباس رضي الله عنهما رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع) متفق عليه واللفظ للبخاري ].بعدما بين المؤلف رحمه الله تعالى حكم حج الصبي انتقل إلى بيان حكم الحج عن الغير، فجاء بهذا الحديث وهو المعروف عند العلماء بحديث الخثعمية.أورد المؤلف رحمه الله تعالى حديث ابن عباس وفيه: أن الفضل بن عباس ، أي: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم.والرديف: هو الذي يركب خلف صاحب الدابة. (فجاءت امرأة من خثعم) هنا تأتي عدة روايات يسوقها ابن حجر رحمه الله في الجزء الرابع من فتح الباري: تارةً (جاء رجل فسأل عن أمه)، وأخرى: (جاء رجل فسأل عن أبيه) وأخرى: (جاءت امرأة فسألت عن أمها) وكل ذلك وارد بأسانيد صحاح، فقيل: بتعدد السؤال، وتعدد الجواب.وفي بعض الروايات لهذه القصة: أن هذه الخثعمية معها أبوها، وجاء في بعض روايات الفضل : أن أباها أتى بها يعرضها على رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يتزوجها، أو أمرها بالسؤال ليسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثها، وقد جاء في وصفها أنها حسناء.
 حكم من أناب في الحج لعجزه ثم قوي بعد ذلك
بقيت مسألة واحدة وهي: إذا كان الإنسان لا يستطيع الحج لكبر سنه، وأناب في الحج عنه، ولكن مع الزمن قوي بدنه، وتيسرت له الوسائل التي بها يستطيع أن يحج، فهل نطالبه بحجة الإسلام؛ لأن الأولى كانت لعلة وقد زالت، أو يكتفى منه بما مضى في وقته بوجه شرعي؟ اختلف الأئمة في ذلك، فـمالك لا يرى أن يحج عنه أصلاً مادام حياً، وعلى هذا فيلزمه الحج، وأحمد يقول: لا يطالب بالحج؛ لأنه أُدِّيَ عنه بوجه مشروع، وأبو حنيفة والشافعي رحمهما الله يقولان: عليه أن يحج حجة أخرى، على ما سيأتي في حق الصبي والمملوك. والله تعالى أعلم.
شرح حديث ابن عباس في وجوب الوفاء بالنذر لمن نذر الحج
قال المؤلف رحمه الله: [ وعنه رضي الله عنه: (أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم. حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) رواه البخاري ].الحديث الأول: امرأة من خثعم، والحديث الثاني: امرأة من جهينة، وكونها من خثعم، أو من جهينة، أو من تميم، أو من مضر، أو من باهلة، أو من أي جنس من الأجناس لا علاقة له بالحكم، ولكن هذا من باب التوثيق في الخبر؛ لأنه متأكد أن المرأة معروفة بعينها وقبيلتها، وهذا مما يعطي السند قوة، والخبر أصالة.
 نيابة الأجنبي في الحج
وهنا يبحث العلماء في نيابة الأجنبي؛ لأن الوارد في السؤالين نيابة البنت أو الابن، وإذا كان النائب أجنبياً فهل يجزئ أم لا؟ يقول البعض: القياس لا يجزئ؛ لأن ولد الرجل من عمل أبيه، إذ الولد بضعة من أبيه ويقول صلى الله عليه وسلم: (أو ولد صالحٌ يدعو له) لأن عمل الولد تابع للوالد، فإذا كان أجنبياً عنه فلا توجد بينهما رابطة ولكن سيأتينا حديث شبرمة وفيه: (أخٌ لي، أو صاحب لي) أي: ليس بأبي ولا بأمي، فيدل هذا على صحة حج الإنسان عن غيره، والأولى أن يكون النائب من ولده، وإذا لم يكن من ولده ولا من أقربائه صح ذلك، على ما سيأتي الشرط فيه.
شرح حديث ابن عباس في حكم حج الصبي والمملوك
قال المؤلف رحمه الله: [ وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما صبي حج، ثم بلغ الحنث، فعليه أن يحج حجةً أخرى، وأيما عبد حج، ثم أعتق، فعليه أن يحج حجةً أخرى) روا ابن أبي شيبة والبيهقي ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف ].هذا الخبر جاء موقوفاً على صحابي، وجاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكن حكمه حكم الرفع؛ لأن حج الصبي، وإجزاؤه وعدم إجزائه تشريع، ولا يتأتى لإنسان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُشرع ويصدر مثل هذا الحكم، إذن: سواء ثبت في الصناعة الحديثية رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن جاء فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لم يصح أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت أنه موقوف على الصحابي، فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم جميعاً لا يملكون أن يقولوا مثل ذلك، والعلماء يقولون: الموقوف على الصحابي إذا لم يكن للرأي فيه مجال فهو مرفوع حكماً؛ لأنه لا يتكلم فيه بالرأي ولا بالعقل، ولكنه يكون قد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 حكم حج قاصر الأهلية
ثم يأتي بعد ذلك قاصر الأهلية وهو: المملوك، ومعنى قاصر الأهلية: أنه لا يتصرف بأهلية كاملة في نفسه وفي ماله، والصغير قاصر الأهلية، يحجر عليه في ماله، ولا يعطى المال في يده، وإنما يعطى بقدر ما يمتحن به؛ حتى يجرب: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا [النساء:6] أي: بعد بلوغ سن الرشد، أو بعد البلوغ مع الرشد في التصرف، وهل المراد الرشد في الدين أو الرشد في الدنيا؟ هذا بحث آخر.وفي حق المملوك: (أيما مملوك) أيما عبد.. أيما جارية -فالمملوك يصدق على العبد والجارية، وعلى الذكر والأنثى- كان قد حج مع مواليه وهو مملوك، ثم بعد ذلك أعتق أو كاتب على نفسه وصار حراً، كذلك إن استطاع سبيلاً للحج فعليه أن يحج حجة أخرى، وبهذا يستدل على أن العبد المملوك قاصر الأهلية لأنه في حكم سيده، وهناك تفريعات عديدة على هذا، في من سقطت عنه الجمعة، وسقطت عنه الزكاة في ماله، إلا بإذن سيده، إلى أشياء أخرى والله تعالى أعلم. وأيضاً يضاف إلى هذين الاثنين -كما تقدم- من المريض الذي لا يستطيع الحج، فحج عنه غيره، ثم تعافى، فيكون أيضاً مضافاً إلى الصغير وإلى المملوك، وكذلك من حج عنه لعجزه عن الركوب، ثم استطاع أن يركب بعد ذلك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [3] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net