اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [3] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [3] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة؛ لأنها هي الليلة التي أنزل الله عز وجل فيها القرآن إلى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك مجزأ على حسب الحوادث، ولهذا جعلها الله عز وجل خيراً من ألف شهر، وجعل العبادة فيها تعدل عبادة ألف شهر، وهو ما يساوي ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر.
تعيين ليلة القدر والخلاف في ذلك
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:قال المصنف رحمه الله: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)، متفق عليه.وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: (ليلة سبع وعشرين)، رواه أبو داود والراجح وقفه، وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولاً أوردتها في فتح الباري.وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (قلت يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني)، رواه الخمسة غير أبي داود وصححه الترمذي والحاكم ].إن هذا المبحث وهو مبحث ليلة القدر متعدد الجوانب، من ذلك تعريفها، ولماذا سميت ليلة القدر؟ ومن ذلك أيضاً تعيين وقتها ومتى تكون، هل هي في عموم السنة أو في خصوص رمضان أو في العشر الأواخر أو في الوتر منها؟ وهل هي ثابتة أو متنقلة؟ وهل هي باقية أو رفعت وماذا يقول من صادفها؟ وهل لها علامات؟ وما هو فضلها؟ كل ذلك يتناوله العلماء بتوسع.ومما توسعوا فيه موضوع تعيينها، وهذا الموضوع يهم الجميع، وقد ذكر لنا المؤلف أنه أورد أربعين قولاً في تعيينها في فتح الباري، ونقلها عنه الشوكاني وزاد عليها أربعة أقوال، فتحصل بذلك أربعة وأربعون قولاً في تعيينها.وفي الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله: (بأن رجالاً أروا في منامهم أن ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان -أي: السبع الأخيرة من العشر الأواخر من رمضان- وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: أرى -أي: أظن- أن رؤياكم قد تواطأت)، التواطؤ هو كما يقول العلماء: التطابق، كالوطي على الوطي تواطأت، تضع القدم على القدم تتابعه، فتواطأت رؤياكم أي: اتفقت رؤياكم، على أنها في السبع الأواخر من رمضان، فقال صلى الله عليه وسلم: (فالتمسوها في السبع الأواخر من رمضان).ففي رؤياهم إياها تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم لهم عليها، ثم أصدر التشريع من قوله لا من رؤياهم فقال: (التمسوها) ورؤيا المؤمن قد جاء في الحديث عنها: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، يراها الرجل الصالح أو ترى له) وقال العلماء: هذا العدد الذي هو جزء من ستة وأربعين، ليس من خمسة وليس من أربعة ولا من سبعة قالوا: لأن رسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه كانت مدتها ثلاثاً وعشرين سنة: منها ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنوات بالمدينة، وكانت مدة تحنثه في الغار قبل أن يأتيه الوحي بالرسالة ستة أشهر، فقالوا: إذا قسمنا الثلاث والعشرين سنة على نصف فسيكون فيها ستة وأربعون نصفاً؛ لأن الستة الأشهر نصف السنة، إذاً: نسبة مدة تحنثه صلوات الله وسلامه عليه من مدة الرسالة كاملة نسبة واحد من ستة وأربعين، وكان صلوات الله وسلامه عليه في مدة تحنثه -أي: تعبده وانقطاعه- في غار حراء يرى الرؤيا، فإذا رأى الرؤيا جاءت من الغد كفلق الصبح واقعية، فكانت الرؤيا تصدق في تلك المدة، فقال صلى الله عليه وسلم مبيناً: (إن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا صلى الصبح سأل أصحابه: (أيكم رأى رؤيا البارحة؟) فيقصون عليه ما رأوا ويعبرها لهم.
 هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة أم أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟
ثم يأتي البحث أيضاً: هل هذه الليلة خاصة بهذه الأمة أو أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟ فبعضهم يقول: هي خاصة بهذه الأمة، ويذكرون في ذلك ما رواه مالك رحمه الله بلاغاً، وهو من البلاغات الأربعة التي يقولون: لم يوجد لها سند، ولكن تتبعها أبو زرعة رحمه الله فوجدها مسندة بأسانيد تدور بين الحسن والضعف والصحة، هذا البلاغ الذي رواه مالك هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار أمته مع أعمار الأمم الماضية، فتقالها؛ لأنها ما بين الستين والسبعين، والذين قبلهم كانوا يعمرون المائة والمائتين، فلما تقالها عظم عليه أنهم لا يعملون زمناً بقدر زمن الأمم الماضية، فلا يحصلون من الجنة بقدر ما يحصل غيرهم؛ لأن الشخص الذي يعيش مائة سنةً في طاعة الله ليس كالذي يعيش ثلاثين سنةً أو أربعين سنةً كما في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) فأتي بليلة القدر، وجعلت لأمته تلك الليلة التي قال فيها: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما نقص من أعمارها، وفي الرواية الأخرى: أنه ذكر لهذه الأمة أنه كان في من قبلنا رجل كان يقوم الليل ويجاهد في النهار صائماً ثمانين سنةً أو مائة سنة، فتقال الصحابة أعمالهم وقالوا: من يستطيع أن يظل ثمانين سنة يقوم الليل، وثمانين سنة يجاهد العدو وهو صائم؟! فلما قارنوا أنفسهم بالنسبة لهذا النوع من البشر المتقدم عظم عليهم ذلك، فأنزل الله سورة القدر، وفيها: أن تلك الليلة خير من الألف الشهر؛ لأن الرجل لبس السلاح ألف شهر، والألف شهر في الحساب تساوي ثلاثة وثمانين سنة وكذا شهراً، يعني فوق الثمانين سنة، فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما فاتها من القدرة والاستطاعة على عمل الخير كذاك الرجل الذي عَبَدَ الله ألف شهر قياماً لليل وجهاداً في النهار.ومن هنا قالوا: إنها خاصة بهذه الأمة، والآخرون يقولون: بل هي موجودة في الأمم قبلنا؛ لما جاء في حديث أبي هريرة : (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل ليلة القدر كانت تكون في الأمم مع الأنبياء، فإذا مات النبي رفعت، أو هي باقية وخاصة بهذه الأمة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل كانت مع الأنبياء في الأمم الماضية) وسواء كانت في الأمم الأوائل، أم كانت جديدة في هذه الأمة فنحن يهمنا الاجتهاد فيها.
العلامات التي تعرف بها ليلة القدر
بقي هل هناك علامات لها في ليلتها؟العلامات التي وردت إنما تظهر في صبيحتها، وبعضهم يقول: من أكرمه الله فقد يرى بعض العلامات، وليست علاماتها عامة كالشمس والقمر، ولكن ربما يجد إنسانٌ شيئاً ما دون أن يراه الآخرون، ولكن العلامة العامة هي معنوية روحانية، يذكرونها عند قوله سبحانه: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ [القدر:4-5] فقالوا: (سَلامٌ هِيَ) أي أن الملائكة تسلم على كل من في الأرض، فيقولون: من صافحته الملائكة -وقد تصافح البعض- يشعر أن في قلبه رقة، وكأنه يميل إلى البكاء فرحاً أو خوفاً من الله، وهذه الحالة المعنوية قد تعتري بعض الناس إذا قرأ شيئاً من القرآن، فإن المولى يتجلى عليه بروحانية كتابه، فيحس طمأنينة وارتياحاً نفسياً لم يكن يحس به من قبل، وهي السكينة التي تنزل عند قراءة القرآن كما ذكر ذاك الصحابي لرسول الله أنه كان يقرأ القرآن بالليل والفرس في مربطها فإذا بها تجول، وعندها طفل فخاف عليه، وترك القراءة وذهب ليرى الطفل فوجد الفرس قد سكنت وهدأت فإذا عاد إلى صلاته وقرأ تحركت الفرس، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (تلك السكينة التي تنزل عند قراءة القرآن، فتراها الفرس فتتحرك) .وهكذا قد يرى أنواع وأشخاص وأفراد من الناس في تلك الليلة بعض تلك العلامات التي من يحسها يحس بانشراح صدره، وبخفة روحه، وبرفعة معنوياته، وبمحبته لذكر الله وما والاه.أما العلامات التي يشهدها الجميع ففي صبيحتها تشرق الشمس وليس لها شعاع كشعاع الأمس، بل تكون الشمس هادئة رائقة فيها شبه من ضوء القمر، يقولون في سبب ذلك: إن الملائكة حينما تنزلوا ليلة القدر لم يبق شبر في الأرض إلا وفيه ملك، فإذا صلى الناس الفجر بدأ الملائكة يصعدون إلى السماوات السبع، وإلى سدرة المنتهى، فيصعدون من بعد الفجر إلى طلوع الشمس وإلى الضحى فكثرة عددهم مع نورانيتهم -لأن الملائكة من نور- يختلط نور الملائكة مع شعاع الشمس، فيختلط النور والشعاع، فيتغير لون أشعة الشمس بسبب ذلك.ويقولون في علاماتها: إن ليلتها سلام، فلا يقع فيها من الأحداث العظام التي تفزع الأمم، لا يقع فيها خسف، ولا يقع فيها غرق، ولا يقع فيها إحراق، وكذلك نهارها يكون تابعاً لليلتها بسلام: سَلامٌ هِيَ [القدر:5] والواجب على العالم في هذا الوقت الحاضر -لو كانوا عقلاء- أن يجعلوا لهم فترة سلام يستريحون فيها ولو كانوا في حالة قتال وشحناء، ويعطون أنفسهم فرصة للمفاهمة، وللتوصل إلى السلام الحقيقي، وسابقاً جعلوا سويسرا بلداً بعيداً عن الحروب، يلتقي فيها المتحاربان، يتقاتلان في الميدان، ويجلسان على طاولة واحدة وعلى مائدة واحدة في سويسرا، وإذا خرجوا منها شهر كل منهما السلاح على الآخر، فجعلوها بلداً بعيداً عن الحروب، حتى إنه كان في الأول ليس لها جيش؛ لأنها لا تحارِب ولا تحارَب؛ لتكون موطناً لالتقاء الأعداء وفرصة للتفاهم، وقد سبق الإسلام ذلك قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة:36] يحرم على الإنسان أن يعتدي على الآخر ولو كان له دم عنده، فيتواصل الناس، وتسافر القبائل وتنتقل في مأمن أثناء هذه الأشهر الحرم.وكذلك قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125] فالمتقاتلان في غير مكة إذا التقيا في حرم مكة فهما أخوان، لا يهيج أحدهما الآخر، ولا يعتدي أحدهما على الآخر؛ لأنهما في مظلة أمن البيت الحرام كما قال تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] حتى الطير يأمن فيه، والوحش يأمن فيه فضلاً عن الإنسان، فالإسلام جعل مكاناً وزماناً للسلم والأمن وجعل فرصة للمتخاصمين أن يتصالحوا، وفرصة للمتخالفين أن يتفاهموا في ظل حرمة من حرمات الله قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].إذاً: نحن مقصرون في حق الإسلام، وكان علينا لزاماً أن نعلِّم العالم بأن السلام عندنا، ومن عندنا انطلق، سواء كان في المكان بمكة، أو في الزمان في الأشهر الحرم، والتشريع العام: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة:2] يا سبحان الله! يقول: لا تحلوهم، ولا تستحلوهم، وابقوا لهم الحرمة، من أمَّ البيت الحرام فهو آمن، وقد كانوا في الجاهلية من خرج من أمن الحرم وخاف على نفسه في غير الأشهر الحرم يأخذ لحاء شجرة ويجعله كالقلادة في عنقه، فإذا مر بأي قبيلة قالوا: تحرم بالحرم، فهذه القلادة، والقشرة من لحا الشجرة تحميه من أعدائه؛ لأنها من جوار البيت.والآن صار المسلمون لا يرقبون في بعضهم إلاً ولا ذمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالقوة للقاهر، والسلطة للقادر، ورجعت جاهلية من عز بز ومن غلب استلب، فلنرجع إلى الإسلام، إن لم نصدره للآخرين فليكن لنا فيما بيننا، لا أن نأتي في رمضان ونحشد الجيوش للقتال، الواجب على الجميع أن يكون رمضان أقل ما فيه هو السلم والسلام، نعم لأخذ الاحتياط! ونعم لأخذ الأهبة! ونعم لإعداد القوة! ولكن أن نقاتل! وأن يقاتل المسلمون بعضهم بعضاً في رمضان، وفيه ليلة السلم والسلام التي قال الله فيها: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:5]! فنسأل الله السلامة والعافية!أين المسلمون من هذا؟! أين أجهزة الإعلام من هذا التشريع الإلهي؟! إن الكلام على ليلة القدر لا يمكن أن يستوفيه إنسان في جلسة.
 هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة أم أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟
ثم يأتي البحث أيضاً: هل هذه الليلة خاصة بهذه الأمة أو أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟ فبعضهم يقول: هي خاصة بهذه الأمة، ويذكرون في ذلك ما رواه مالك رحمه الله بلاغاً، وهو من البلاغات الأربعة التي يقولون: لم يوجد لها سند، ولكن تتبعها أبو زرعة رحمه الله فوجدها مسندة بأسانيد تدور بين الحسن والضعف والصحة، هذا البلاغ الذي رواه مالك هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار أمته مع أعمار الأمم الماضية، فتقالها؛ لأنها ما بين الستين والسبعين، والذين قبلهم كانوا يعمرون المائة والمائتين، فلما تقالها عظم عليه أنهم لا يعملون زمناً بقدر زمن الأمم الماضية، فلا يحصلون من الجنة بقدر ما يحصل غيرهم؛ لأن الشخص الذي يعيش مائة سنةً في طاعة الله ليس كالذي يعيش ثلاثين سنةً أو أربعين سنةً كما في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) فأتي بليلة القدر، وجعلت لأمته تلك الليلة التي قال فيها: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما نقص من أعمارها، وفي الرواية الأخرى: أنه ذكر لهذه الأمة أنه كان في من قبلنا رجل كان يقوم الليل ويجاهد في النهار صائماً ثمانين سنةً أو مائة سنة، فتقال الصحابة أعمالهم وقالوا: من يستطيع أن يظل ثمانين سنة يقوم الليل، وثمانين سنة يجاهد العدو وهو صائم؟! فلما قارنوا أنفسهم بالنسبة لهذا النوع من البشر المتقدم عظم عليهم ذلك، فأنزل الله سورة القدر، وفيها: أن تلك الليلة خير من الألف الشهر؛ لأن الرجل لبس السلاح ألف شهر، والألف شهر في الحساب تساوي ثلاثة وثمانين سنة وكذا شهراً، يعني فوق الثمانين سنة، فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما فاتها من القدرة والاستطاعة على عمل الخير كذاك الرجل الذي عَبَدَ الله ألف شهر قياماً لليل وجهاداً في النهار.ومن هنا قالوا: إنها خاصة بهذه الأمة، والآخرون يقولون: بل هي موجودة في الأمم قبلنا؛ لما جاء في حديث أبي هريرة : (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل ليلة القدر كانت تكون في الأمم مع الأنبياء، فإذا مات النبي رفعت، أو هي باقية وخاصة بهذه الأمة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل كانت مع الأنبياء في الأمم الماضية) وسواء كانت في الأمم الأوائل، أم كانت جديدة في هذه الأمة فنحن يهمنا الاجتهاد فيها.
سبب تسمية ليلة القدر بهذا الاسم
وإذا جئنا إلى تسميتها قالوا: القدر: هو الشرف والرفعة، فهي ليلة رفيعة القدر، جليلة المكانة؛ لأنها شهدت عظيم القدر على عظيم الخلق في عظيم الأمم، شهدت أعظم ما شهدت ألا وهو إنزال القرآن الكريم على خير خلق الله في أمة هي خير الأمم، ومن هنا كانت ليلة القدر رفيعة الشأن. وقيل القدر: هو التقدير؛ لأن الله سبحانه يقدر فيها أحوال العالم الأرضي، وينزل ذلك التقدير إلى الملائكة ليطبقوا ذلك كما قال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ [القدر:4] من كل أمر من أمور الخلائق: من رزق ومن شقاء ومن سعادة ومن مولد ومن ممات ومن... إلخ، ولذا يؤكد العلماء على أن ليلة القدر هي في رمضان، وأن ما جاء في سورة الدخان في قوله تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا [الدخان:4-5] إنما هو في ليلة القدر؛ لأنه قال: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] وكان إنزال القرآن قطعاً في رمضان.إذاً: الليلة التي تقدر فيها الأمور، وتقدر فيها شئون الحياة إنما هي ليلة القدر، يقدر الله أو ينسخ من اللوح المحفوظ ما قدره طيلة العام، وينزّله إلى الملائكة الكرام، ثم بعد ذلك ينزل ويطبق وينفذ في العام كله.
 هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة أم أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟
ثم يأتي البحث أيضاً: هل هذه الليلة خاصة بهذه الأمة أو أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟ فبعضهم يقول: هي خاصة بهذه الأمة، ويذكرون في ذلك ما رواه مالك رحمه الله بلاغاً، وهو من البلاغات الأربعة التي يقولون: لم يوجد لها سند، ولكن تتبعها أبو زرعة رحمه الله فوجدها مسندة بأسانيد تدور بين الحسن والضعف والصحة، هذا البلاغ الذي رواه مالك هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار أمته مع أعمار الأمم الماضية، فتقالها؛ لأنها ما بين الستين والسبعين، والذين قبلهم كانوا يعمرون المائة والمائتين، فلما تقالها عظم عليه أنهم لا يعملون زمناً بقدر زمن الأمم الماضية، فلا يحصلون من الجنة بقدر ما يحصل غيرهم؛ لأن الشخص الذي يعيش مائة سنةً في طاعة الله ليس كالذي يعيش ثلاثين سنةً أو أربعين سنةً كما في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) فأتي بليلة القدر، وجعلت لأمته تلك الليلة التي قال فيها: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما نقص من أعمارها، وفي الرواية الأخرى: أنه ذكر لهذه الأمة أنه كان في من قبلنا رجل كان يقوم الليل ويجاهد في النهار صائماً ثمانين سنةً أو مائة سنة، فتقال الصحابة أعمالهم وقالوا: من يستطيع أن يظل ثمانين سنة يقوم الليل، وثمانين سنة يجاهد العدو وهو صائم؟! فلما قارنوا أنفسهم بالنسبة لهذا النوع من البشر المتقدم عظم عليهم ذلك، فأنزل الله سورة القدر، وفيها: أن تلك الليلة خير من الألف الشهر؛ لأن الرجل لبس السلاح ألف شهر، والألف شهر في الحساب تساوي ثلاثة وثمانين سنة وكذا شهراً، يعني فوق الثمانين سنة، فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما فاتها من القدرة والاستطاعة على عمل الخير كذاك الرجل الذي عَبَدَ الله ألف شهر قياماً لليل وجهاداً في النهار.ومن هنا قالوا: إنها خاصة بهذه الأمة، والآخرون يقولون: بل هي موجودة في الأمم قبلنا؛ لما جاء في حديث أبي هريرة : (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل ليلة القدر كانت تكون في الأمم مع الأنبياء، فإذا مات النبي رفعت، أو هي باقية وخاصة بهذه الأمة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل كانت مع الأنبياء في الأمم الماضية) وسواء كانت في الأمم الأوائل، أم كانت جديدة في هذه الأمة فنحن يهمنا الاجتهاد فيها.
الأدعية الواردة في ليلة القدر
أما ماذا يقول من صادفها؟فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (يا رسول الله! ماذا أقول إن أنا صادفت ليلة القدر؟ قال: قولي: اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإذا تأملنا في هذه الألفاظ وجوها: السائل عائشة ، وسألت رسول الله، ومن تكون عائشة من رسول الله؟ هي أحب الناس إليه بعد أبي بكر ، فأتاها بأحب النصح، يعني: أن جوابه لها هو نهاية النصح والمحبة، ولو أن هناك خيراً من ذلك لقاله لها.ويقول علماء اللغة: الميم في (اللهم) بدل (يا) النداء في (يا ألله) فتحذف ياء النداء في الأول، ويعوض عنها بميم في الأخير.قوله: (اللهم! إنك عفو) هذا وصف للمولى سبحانه أنه عفو، وكم من عفو لله على الخلق! وكم من ذنب يرتكبه الإنسان في خفاء أو علن والله يعفو عنه!إذاً: يمتدح الله بصفته أولاً؛ لقوله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35] أي: عند الدعاء قدم وسيلة لاستجابة دعائك، وهذا مبدئياً، فإذا قلت: (اللهم! إنك عفو) فقد أثنيت على الله، ومدحت الله بالصفة التي تتناسب مع حاجتك وسؤالك، ولو كنت تريد الرزق: فقل: اللهم! يا رزاق! يا رازق الطير! يا رازق النمل! يا رازق كذا في جحره ارزقني؛ لأنك تطلب رزقاً فتسأله بصفة الرزاق، وهنا تريد أن تسأله العفو، فتمتدحه سبحانه بصفة العفو.وقوله: (إنك عفو تحب العفو) قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] في قضية مسطح وغيره، وقوله: (إنك عفو تحب) أي: وأنا أسألك لأن من صفتك العفو وأنت تحبه أن تعفو عني.وإذا تأمل الإنسان في قوله: (فاعف عني) العفو -كما يقولون-: هو الإزالة، نحو: عفت الريح الأثر، إذا مرت قافلة في الصحراء ورسمت أخفافها وأقدامها في الطريق، فإذا جاءت ريح شديدة وحركت الرمل عفت أثر المسير في الصحراء ولم يبق للمسير أثر، فكذلك العفو عن الزلة يمحو أثرها من الصحيفة، فلا يبقى لها أثر مكتوب على الإنسان.قوله: (إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإذا نظرنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (من عوفي في بدنه، وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)، وقوله: (من عافاه الله في بدنه فهو سعيد)، وقوله: (من عافاه الله في دينه وسلم من الشرك، وسلم من الرياء، وسلم من كبائر الذنوب فهو سعيد)، وقوله: (من عافاه الله يوم القيامة من تلك المضايق فهو السعيد الناجي)، وقوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] علمنا أن أجمع دعاء يكون هو هذا الدعاء الموجز (فاعف عني) مع المقدمة التي يقدمها الإنسان إليه.ونحن نتوجه إلى الله العلي القدير بأنه عفو يحب العفو أن يعفو عنا، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة، اللهم! إنا نسألك أن تعافينا في أبداننا، وفي ديننا، وفي جميع أعمالنا، اللهم! إنا نسألك يا سلام! يا منزل السلام! أن تنزل السلام على الأمة الإسلامية، اللهم! خذ بنواصي ولاة أمور المسلمين إلى الحق وإلى العدل، اللهم! أنزل رحمتك علينا واجعلنا من عتقائك من النار، ومن المقبولين، اللهم! أوردنا حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم! وأسقنا منه وبيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم! أكرمنا بفضلك شفاعة نبيك صلى الله عليه وسلم.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة أم أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟
ثم يأتي البحث أيضاً: هل هذه الليلة خاصة بهذه الأمة أو أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟ فبعضهم يقول: هي خاصة بهذه الأمة، ويذكرون في ذلك ما رواه مالك رحمه الله بلاغاً، وهو من البلاغات الأربعة التي يقولون: لم يوجد لها سند، ولكن تتبعها أبو زرعة رحمه الله فوجدها مسندة بأسانيد تدور بين الحسن والضعف والصحة، هذا البلاغ الذي رواه مالك هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار أمته مع أعمار الأمم الماضية، فتقالها؛ لأنها ما بين الستين والسبعين، والذين قبلهم كانوا يعمرون المائة والمائتين، فلما تقالها عظم عليه أنهم لا يعملون زمناً بقدر زمن الأمم الماضية، فلا يحصلون من الجنة بقدر ما يحصل غيرهم؛ لأن الشخص الذي يعيش مائة سنةً في طاعة الله ليس كالذي يعيش ثلاثين سنةً أو أربعين سنةً كما في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) فأتي بليلة القدر، وجعلت لأمته تلك الليلة التي قال فيها: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما نقص من أعمارها، وفي الرواية الأخرى: أنه ذكر لهذه الأمة أنه كان في من قبلنا رجل كان يقوم الليل ويجاهد في النهار صائماً ثمانين سنةً أو مائة سنة، فتقال الصحابة أعمالهم وقالوا: من يستطيع أن يظل ثمانين سنة يقوم الليل، وثمانين سنة يجاهد العدو وهو صائم؟! فلما قارنوا أنفسهم بالنسبة لهذا النوع من البشر المتقدم عظم عليهم ذلك، فأنزل الله سورة القدر، وفيها: أن تلك الليلة خير من الألف الشهر؛ لأن الرجل لبس السلاح ألف شهر، والألف شهر في الحساب تساوي ثلاثة وثمانين سنة وكذا شهراً، يعني فوق الثمانين سنة، فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما فاتها من القدرة والاستطاعة على عمل الخير كذاك الرجل الذي عَبَدَ الله ألف شهر قياماً لليل وجهاداً في النهار.ومن هنا قالوا: إنها خاصة بهذه الأمة، والآخرون يقولون: بل هي موجودة في الأمم قبلنا؛ لما جاء في حديث أبي هريرة : (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل ليلة القدر كانت تكون في الأمم مع الأنبياء، فإذا مات النبي رفعت، أو هي باقية وخاصة بهذه الأمة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل كانت مع الأنبياء في الأمم الماضية) وسواء كانت في الأمم الأوائل، أم كانت جديدة في هذه الأمة فنحن يهمنا الاجتهاد فيها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [3] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net