اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [10] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [10] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
ثبت عن السلف الصالح أنه كان يقع بينهم خلاف في بعض المسائل الشرعية، مثل خلافهم في حكم الرجل يصبح جنباً ثم يصوم، وكان خلافهم بأدب وسعة صدر ورجوع إلى الحق إن اتضح، وهكذا ينبغي أن يكون طلاب العلم؛ ولذا فمن الضروري معرفة آداب الخلاف، فبالتأدب بها يحصل الائتلاف.
شرح حديث: (كان يصبح جنباً ثم يغتسل ويصوم)
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:قال المصنف رحمه الله: [ وعن عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع، ثم يغتسل ويصوم) متفق عليه، وزاد مسلم في حديث أم سلمة : (ولا يقضي) ].هذا الحديث تتمة لمبحث من واقع في نهار رمضان، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً فيغتسل ويصوم ولا يقضي، وذلك في رمضان.
 التشاور قبل الاجتهاد في معرفة الراجح من الأقوال
ينبغي لطالب العلم أو المسئول أو العالم إذا واجهته قضية ليس عنده فيها نص، وليس عنده فيها ما يعتمد عليه؛ أن يتوقف ويستشير، ويبحث ما استطاع ليصل إلى الحقيقة، فإن وجد من القواعد والنصوص والأصول ما يبني عليه قوله فالحمد لله، وإلا اجتهد طاقته والتوفيق من عند الله.فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سافر إلى الشام، وفي قرية بينه وبين الشام نزل، وجاءه القواد بالشام ليستقبلوه، ثم أخبر بأن الطاعون قد نزل بالشام، فماذا يفعل؟ أيقدم بالقوم على الطاعون فيهلكهم أم يرجع عن مسيره الذي خرج إليه؟ما استبد برأيه، مع أن عمر يسمى الملهم، إذا سار في طريق شرد الشيطان منه، وقد نزل الوحي موافقاً لرأيه في عدة مواطن، ماذا فعل؟دعا مشيخة المهاجرين، فجيء بمشيخة المهاجرين فسألهم فاختلفوا عليه، منهم من قال: امضِ إلى ما خرجت إليه، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء، قال: قوموا عني. ثم دعا مشيخة الأنصار فسألهم، فاختلفوا عليه، منهم من قال: امض إلى ما خرجت إليه متوكلاً على الله، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء. قال: قوموا عني. ثم طلب مشيخة قريش، فاجتمعوا عنده وسألهم، فما اختلف عليه واحد فيهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجع بمن معه، فلما كان الليل قال: إني مصبح على ظهر -يعني: راكب راجع- فجاء عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً من قبل، وسمع بالذي حدث، فقال: يا أمير المؤمنين! عندي في ذلك علم -إذاً: ظهر النور- قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا نزل الطاعون بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها)، فحمد الله عمر وكبر، وشرح الله صدره، وفرح بأن اجتهاده بأنه مصبح على ظهر راجعاً موافق لما جاءه من هذا العلم النبوي الشريف، وهو أننا إذا سمعنا به في أرض فلا ندخلها.أيها الإخوة! ليس هناك من يدعي علم عمر ، ولا خيال علم عمر ، وليس عندنا من يدعي ورع عمر ، إذاً: مع فضله وجلالة قدره، وهو الخليفة، وله الحق في أن يشرع ما لم يكن فيه نص (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)؛ ومع ذلك يستشير، ويبذل الجهد حتى يفرغ ما في وسعه، ثم يجتهد ويستقر رأيه على جهة، ثم يأتيه العلم مطابقاً لرأيه الذي استقر عليه.وقد سمعت والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في مسألة: والله! لقد مكثت عشر سنوات وأنا أبحث عنها حتى وجدتها في كتاب الله!إذاً: طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة أو واجهته مشكلة أو قضية لا يبادر، ولا يسارع، سواء كانت فتوى، أو كانت علماً، أو كان غير ذلك، بل يستشير ويبذل الوسع، ويراجع، ونحن في الوقت الحاضر أمامنا -ولله الحمد- مصادر التشريع من كتب التفسير ومن كتب الحديث.ابن تيمية رحمه الله الذي عاش ومات وحياته كلها في العلم، ويمكن أن تقول: قد عجن بماء العلم؛ يقول: كنت أقرأ للآية مائة تفسير، وأقول: اللهم! يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، لم يقتصر على تفسيرين أو على عشرة أو عشرين، يقرأ مائة تفسير في الآية الواحدة؛ ليطلع على آراء العلماء؛ ليستوعب الأقوال فيها، والشيء بالشيء يذكر، اليوم نكون في جولة في هذا الموضوع.
سبب اقتصار الشنقيطي على تدريس التفسير والأصول
سألت والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- في هذا المسجد، في رمضان، بعدما انتهى من الدرس، وقد ذهب الناس، تقدمت إليه وقلت له: يا شيخ! أنا لي سؤال من زمان يتردد على لساني ولم أستطع أن أقوله. قال: وما هو؟ وكان -رحمة الله تعالى علينا وعليه- يعطيني شيئاً من السعة قليلاً، قلت له: منذ أن جئتَ إلى هذه البلاد وأنت مقتصر على تدريس التفسير وأصول الفقه، ما غيرت، مع أنك بحر في علوم العربية: نحو، صرف، بلاغة، أدب، وكل ما يتعلق بها، والفقه ما أظن مسألة في مذهب مالك في تخوم وبطون الكتب إلا وهي في دماغك، والحديث ما أعتقد أنه يعجزك معرفة رواة الحديث ومعاني متون الحديث، والتوحيد نسمع منك فيه الشيء الكثير.. وهكذا.فقال لي: ما الذي حملك على هذا السؤال؟!قلت: الذي حملني عليه أن هذا السؤال ورد على الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فقرأت عنه أنه قيل له: يا أبا حنيفة ! أنت في زمن تدوين الحديث، وما رأيناك تشتغل بالرواية! وأنت في زمن اشتهر فيه علم الكلام، وما رأيناك تتكلم في علم الكلام -يعني: التوحيد والعقائد، ومعلوم أنه في ذاك الوقت كانت العلوم متوافرة من فقه وحديث وفقه وتوحيد وتفسير- ورأيناك تشتغل بالفقه فقط! قال: نعم، أما رواية الحديث فإن هناك رجالاً يتتبعون الرواة، وهم علماء الرجال، فيتتبعون أحوال كل راوٍ من مولده إلى موته، فإن وجدوا عليه هفوة تركوه، وصارت سبة فيه إلى الأبد، وأنا لست في حاجة إلى هذا.أما علم الكلام فلو أن شخصاً سمع منك هفوة بدون قصد في التوحيد رماك بالزندقة، وأنا في غنىً عن هذا.وأما التفسير فالقرآن ميسر، وعلماء التفسير كثيرون.أما الفقه فإني نظرت فإذا العامة والخاصة والغني والفقير والرجال والنساء في أمس الحاجة إليه؛ فاشتغلت به.فقال رحمه الله: والله! معه الحق في هذا.قلت: وأنت؟قال: أقول لك: أما علم العربية الذي ذكرت فهو وسيلة وليس بغاية. وفعلاً علوم العربية بأجمعها ليست غاية، فلا ينبغي لإنسان أن يضيع عمره كله في أن المبتدأ مرفوع، والخبر مرفوع، والجملة الفعلية والجملة الاسمية، ولكن تكون دراسة علم اللغة لمعاني كلمات القرآن، وللبلاغة، فهي وسيلة وليست بغاية.قال: وأما علم الكلام فليس علماً يثار على الحاضرين على اختلاف طبقات عقولهم وأفهامهم؛ لأن فيه من الشبهات وفيه من المزالق ما تزل فيه أقدام الفحول، فكيف يثار على عوام الناس! فليس عملياً.وأما علم الحديث فهو تتبع الرواة وعدالتهم وقبولهم وتصحيحهم، وتتبع المتن في فقهه ومعارضته، ومطلقه ومقيده، وعامه وخاصه، وناسخه ومنسوخه... إلخ.وأما الفقه فيحتاج إلى اجتهاد كثير، ولا يمكن أن تبحث مسألة؟ بجميع أطرافها هنا في المدينة، وكنا في بلادنا نقتصر على فقه مالك ، وهنا في المدينة يأتيها أناس من كل المذاهب، ولا يتأتى لإنسان أن يتعرض لمسألة فقهية خلافية إلا إذا استوعب أقوال الأئمة الأربعة فيها؛ من أجل أن الحاضرين من أهل المذاهب الأربعة، وإذا جمعت أقوال مسألة وغبت عنها مدة، ثم رجعت إليها احتجت إلى تجديد البحث فيها مرة أخرى، فهو متعب.أما التفسير -وهذا محل الشاهد عندي- فما من آية في كتاب الله إلا وعندي ما قيل فيها!ابن تيمية يقول: كنت أقرأ مائة تفسير، والشيخ الأمين يقول: ما من آية في كتاب الله إلا وعندي في حافظتي وفي ذاكرتي جميع ما قيل فيها من علماء التفسير جميعاً!قلت: إذا كان الأمر كذلك فلك الحق في اقتصارك على تدريس التفسير، والأصول ما هو السبب في تدريسه؟قال: نعم، أما الأصول فهو ضروري لطالب العلم؛ لأن العلماء يقولون: جهلة الأصول عوام العلماء، وقال: ثم اعلم أن التفسير يأتي فيه اللغة متناً وإعراباً وصرفاً وبلاغةً، ويأتي فيه التوحيد، فآيات التوحيد في كتاب الله كثيرة، ويأتي فيه الأحكام الفقهية، فالفقه أكثره يؤخذ من كتاب الله، ويأتي... ويأتي... وعدد كل العلوم التي تصب في كتاب الله.والذي يهمني من هذا أن طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة وأشكلت عليه، فلا يستنكف عن المشاورة والسؤال، بل يبحث ويجتهد، لعل الله أن يفتح عليه، فهو يقول: ما من آية في كتاب الله إلا وعندي ما قيل فيها، يعني: لو راجعنا جميع كتب التفاسير الموجودة، والخلافات عن أئمة التفسير لوجدناه محصلاً إياها!!وهكذا أقول: ينبغي لطالب العلم إذا تعرض لمسألة أن يجمع أكثر ما قيل فيها، ليكون على بينة من أمره.ولكن لو عمل الجميع بهذا لما وجدنا من يستطيع أن يجلس يدرس الناس، فإذا وجدنا عُشر ذلك ففيه البركة والخير.والله أسال أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.
 التشاور قبل الاجتهاد في معرفة الراجح من الأقوال
ينبغي لطالب العلم أو المسئول أو العالم إذا واجهته قضية ليس عنده فيها نص، وليس عنده فيها ما يعتمد عليه؛ أن يتوقف ويستشير، ويبحث ما استطاع ليصل إلى الحقيقة، فإن وجد من القواعد والنصوص والأصول ما يبني عليه قوله فالحمد لله، وإلا اجتهد طاقته والتوفيق من عند الله.فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سافر إلى الشام، وفي قرية بينه وبين الشام نزل، وجاءه القواد بالشام ليستقبلوه، ثم أخبر بأن الطاعون قد نزل بالشام، فماذا يفعل؟ أيقدم بالقوم على الطاعون فيهلكهم أم يرجع عن مسيره الذي خرج إليه؟ما استبد برأيه، مع أن عمر يسمى الملهم، إذا سار في طريق شرد الشيطان منه، وقد نزل الوحي موافقاً لرأيه في عدة مواطن، ماذا فعل؟دعا مشيخة المهاجرين، فجيء بمشيخة المهاجرين فسألهم فاختلفوا عليه، منهم من قال: امضِ إلى ما خرجت إليه، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء، قال: قوموا عني. ثم دعا مشيخة الأنصار فسألهم، فاختلفوا عليه، منهم من قال: امض إلى ما خرجت إليه متوكلاً على الله، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء. قال: قوموا عني. ثم طلب مشيخة قريش، فاجتمعوا عنده وسألهم، فما اختلف عليه واحد فيهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجع بمن معه، فلما كان الليل قال: إني مصبح على ظهر -يعني: راكب راجع- فجاء عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً من قبل، وسمع بالذي حدث، فقال: يا أمير المؤمنين! عندي في ذلك علم -إذاً: ظهر النور- قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا نزل الطاعون بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها)، فحمد الله عمر وكبر، وشرح الله صدره، وفرح بأن اجتهاده بأنه مصبح على ظهر راجعاً موافق لما جاءه من هذا العلم النبوي الشريف، وهو أننا إذا سمعنا به في أرض فلا ندخلها.أيها الإخوة! ليس هناك من يدعي علم عمر ، ولا خيال علم عمر ، وليس عندنا من يدعي ورع عمر ، إذاً: مع فضله وجلالة قدره، وهو الخليفة، وله الحق في أن يشرع ما لم يكن فيه نص (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)؛ ومع ذلك يستشير، ويبذل الجهد حتى يفرغ ما في وسعه، ثم يجتهد ويستقر رأيه على جهة، ثم يأتيه العلم مطابقاً لرأيه الذي استقر عليه.وقد سمعت والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في مسألة: والله! لقد مكثت عشر سنوات وأنا أبحث عنها حتى وجدتها في كتاب الله!إذاً: طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة أو واجهته مشكلة أو قضية لا يبادر، ولا يسارع، سواء كانت فتوى، أو كانت علماً، أو كان غير ذلك، بل يستشير ويبذل الوسع، ويراجع، ونحن في الوقت الحاضر أمامنا -ولله الحمد- مصادر التشريع من كتب التفسير ومن كتب الحديث.ابن تيمية رحمه الله الذي عاش ومات وحياته كلها في العلم، ويمكن أن تقول: قد عجن بماء العلم؛ يقول: كنت أقرأ للآية مائة تفسير، وأقول: اللهم! يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، لم يقتصر على تفسيرين أو على عشرة أو عشرين، يقرأ مائة تفسير في الآية الواحدة؛ ليطلع على آراء العلماء؛ ليستوعب الأقوال فيها، والشيء بالشيء يذكر، اليوم نكون في جولة في هذا الموضوع.
بركة طلب العلم في المسجد النبوي
أقول: يا إخوان! ما وجدنا أيسر تحصيلاً وأكثر بركة في طلب العلم من هذا المسجد النبوي الشريف، جئت إلى شيخنا الأمين مرة وقلت: يا شيخ! يطرأ لي أن أبحث عن مسألة في البيت، وأتطلبها في مظانها جميعاً، فيتعذر علي الوقوف عليها، فأصر على أني أتجاوزها، فيصادف بعض الأحيان حينما آتي إلى المسجد النبوي وأضع إحدى قدماي في المسجد، وقبل أن أدخل الثانية، إذا به يخطر على بالي حكم المسألة! فإذا به يقول: لست وحدك! قلت له: كيف لست وحدي؟! قال: وأنا يحصل هذا عندي، أستشكل الأمر، ويطول إشكاله عندي، فإذا ألقيت الدرس في المسجد النبوي ألهمني الله الجواب!ولهذا -أيها الإخوة- حث النبي صلى الله عليه وسلم على طلب العلم في هذا المسجد، فقال: (من راح أو غدا إلى مسجدي هذا لعلم يعلمه أو يتعلمه كان كمن غزا في سبيل الله) .والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، والله! الحديث ذو شجون!وبالمناسبة أيها الإخوة: أحمل طلبة العلم بالمدينة ما حملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما روي عنه أنه قال: (يا معشر أهل المدينة! إن الناس لكم تبع، وستفتح الأمصار، ويأتي رجال يطلبون العلم -أي: هنا- فآووهم وعلموهم)، وكان سعيد بن المسيب إذا جاء واحد من خارج المدينة لطلب العلم يقول: مرحباً بوصية رسول الله. وهذا هو الواجب على من أكرمه الله سبحانه بطلب العلم في المسجد النبوي، فإذا جاء طالب جديد فينبغي أن يشرح له صدره، وأن يوسع له باله، وأن ييسر له طريقه، وأن يبذل ما في وسعه لمساعدته لطلب العلم.والله الموفق.
 التشاور قبل الاجتهاد في معرفة الراجح من الأقوال
ينبغي لطالب العلم أو المسئول أو العالم إذا واجهته قضية ليس عنده فيها نص، وليس عنده فيها ما يعتمد عليه؛ أن يتوقف ويستشير، ويبحث ما استطاع ليصل إلى الحقيقة، فإن وجد من القواعد والنصوص والأصول ما يبني عليه قوله فالحمد لله، وإلا اجتهد طاقته والتوفيق من عند الله.فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سافر إلى الشام، وفي قرية بينه وبين الشام نزل، وجاءه القواد بالشام ليستقبلوه، ثم أخبر بأن الطاعون قد نزل بالشام، فماذا يفعل؟ أيقدم بالقوم على الطاعون فيهلكهم أم يرجع عن مسيره الذي خرج إليه؟ما استبد برأيه، مع أن عمر يسمى الملهم، إذا سار في طريق شرد الشيطان منه، وقد نزل الوحي موافقاً لرأيه في عدة مواطن، ماذا فعل؟دعا مشيخة المهاجرين، فجيء بمشيخة المهاجرين فسألهم فاختلفوا عليه، منهم من قال: امضِ إلى ما خرجت إليه، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء، قال: قوموا عني. ثم دعا مشيخة الأنصار فسألهم، فاختلفوا عليه، منهم من قال: امض إلى ما خرجت إليه متوكلاً على الله، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء. قال: قوموا عني. ثم طلب مشيخة قريش، فاجتمعوا عنده وسألهم، فما اختلف عليه واحد فيهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجع بمن معه، فلما كان الليل قال: إني مصبح على ظهر -يعني: راكب راجع- فجاء عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً من قبل، وسمع بالذي حدث، فقال: يا أمير المؤمنين! عندي في ذلك علم -إذاً: ظهر النور- قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا نزل الطاعون بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها)، فحمد الله عمر وكبر، وشرح الله صدره، وفرح بأن اجتهاده بأنه مصبح على ظهر راجعاً موافق لما جاءه من هذا العلم النبوي الشريف، وهو أننا إذا سمعنا به في أرض فلا ندخلها.أيها الإخوة! ليس هناك من يدعي علم عمر ، ولا خيال علم عمر ، وليس عندنا من يدعي ورع عمر ، إذاً: مع فضله وجلالة قدره، وهو الخليفة، وله الحق في أن يشرع ما لم يكن فيه نص (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء)؛ ومع ذلك يستشير، ويبذل الجهد حتى يفرغ ما في وسعه، ثم يجتهد ويستقر رأيه على جهة، ثم يأتيه العلم مطابقاً لرأيه الذي استقر عليه.وقد سمعت والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في مسألة: والله! لقد مكثت عشر سنوات وأنا أبحث عنها حتى وجدتها في كتاب الله!إذاً: طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة أو واجهته مشكلة أو قضية لا يبادر، ولا يسارع، سواء كانت فتوى، أو كانت علماً، أو كان غير ذلك، بل يستشير ويبذل الوسع، ويراجع، ونحن في الوقت الحاضر أمامنا -ولله الحمد- مصادر التشريع من كتب التفسير ومن كتب الحديث.ابن تيمية رحمه الله الذي عاش ومات وحياته كلها في العلم، ويمكن أن تقول: قد عجن بماء العلم؛ يقول: كنت أقرأ للآية مائة تفسير، وأقول: اللهم! يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، لم يقتصر على تفسيرين أو على عشرة أو عشرين، يقرأ مائة تفسير في الآية الواحدة؛ ليطلع على آراء العلماء؛ ليستوعب الأقوال فيها، والشيء بالشيء يذكر، اليوم نكون في جولة في هذا الموضوع.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [10] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net