اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [6] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [6] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
الحكمة من فرض الصيام هي التقوى، فعلى الصائم أن يحرص على تحقيق التقوى حال صومه، ومن لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
شرح حديث: (من لم يدع قول الزور...)
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.وبعد:قال المصنف رحمه الله: [ وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري وأبو داود واللفظ له ]. ما مناسبة مجيء قول: (من لم يدع قول الزور) بعد النهي عن الوصال؟ لماذا ما أتى به في الأول حتى نحتاط لصيامنا؟ ولماذا جعله في الأخير؟ لماذا أتى به بعد حديث النهي عن الوصال؟ ما السر في هذا؟ أم هو مجرد رص؟في الحديث السابق، قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحدكم، لكنهم ما اكتفوا بهذا، وطمعوا ورغبوا أن يحصلوا الفضل، وما دام أنهم لا يستطيعون أن يواصلوا وهو يواصل فقالوا: دعنا نواصل، فأرشدهم ألا يواصلوا، ولا يكلفوا على أنفسهم، قالوا: لا، قال: (أنتم لستم مثلي) أي: أنا عندي استطاعة ليست لديكم. قالوا: لا. فواصل بهم يوماً، واليوم إذا أطلق يشمل الليل والنهار، ثم يوماً، فصارت ثمانية وأربعين ساعة، فرءوا الهلال، يعني: ربنا رحمهم، لما رءوا هلال شوال انتهى الصيام، ولم يعد هناك وصال، فقال لهم: (لو لم نر الهلال لواصلت بكم يوماً آخر) ، كان يقول لهم: لا تواصلوا، والآن يقول: أريد أن أواصل بكم، هذا الأسلوب ماذا نسميه؟ هذا تشديد أو تخفيف؟ تشديد، والتشديد من ورائه التنكيل، الراوي يقول: ينكل، أي: يشدد عليهم ويعزرهم حتى لا يعيدوا الكرة مرة أخرى، كما أنك تنهى إنساناً عن شيء مصلحةً له، ولكنه يتطلع ولا ينتهي، تقول له: تعال، -مثلاً-: تقول له: أنا ذاهب إلى قباء ماشياً. فقال: أمشي معك. قلت له: أنت لا تستطيع، أنا أقوى على المشي أما أنت لا تقوى. قال: لا، بل أقوى. فقلت له: هيا نمشي، وفي نصف الطريق قعد وأخذ يفرك رجليه. ماذا بك؟ قال: يكفي. قال: لا، لابد أن تواصل، لابد أن تمشي. قال: أنت قلت من قبل: لا تمشِ أنت لست تقوى، والآن تقول: لا، لابد أن تمشي!! لماذا؟ حتى لا يعود إلى هذا الإلحاح، كالمنكل بهم، والتنكيل: التعذيب، كأنه يحمل عليهم نتيجة لتشددهم وعدم قبولهم الرخصة في أول الأمر، ولم يقبلوا اللين.. فكأنه قال: تعالوا، تحملوا.ومن هذه الجزئية قال الشافعي : لو كان الوصال حراماً ما واصل بهم اليوم واليومين؛ لأنه لا يجوز التنكيل بمحرم. وإلى هنا عرفنا أنه مكروه، وأنه جائز لمن يستطيع.إذاً: لا ينبغي لإنسان أن تأتيه الرخصة في الإسلام ويرفضها، وهو في حاجة إليها، زيادة ورغبة في الخير، قبولك الرخصة رغبة في الخير، إلا إذا لم يكن هناك أية مشقة، وكان أمراً عادياً، وكان اتباعاً للأصل على ما سيأتي في الصوم والفطر في السفر إن شاء الله.إذاً: واصل بهم اليوم واليومين على غير ما كان يريد، كان لا يريد أن يواصل بهم، لكن فعل ذلك تأديباً، كما يقال: قسا ليزدجروا ومن يك حازماًفليقسُ أحياناً على من يرحملم جاء المؤلف بحديث: (من لم يدع) بعد حديث النهي عن الوصال، وجعلهما مقترنين؟ فما العلاقة بينهما؟ التأليف فن وحكمة، وأشرنا إلى ما قال ابن عبد البر في إيراد مالك لنصوص رؤية الهلال، حيث قدم حديث ابن عمر : (فاقدروا له)، ثم جاء بحديث ابن عباس : (فاقدروا له ثلاثين) ، وقال: حديث ابن عمر مجمل، وحديث ابن عباس يفسره، فأخر المفسر ليكون بياناً للمطلوب، يعني: أن العلماء حينما يوردون الأدلة في الأبواب يكون إيرادهم إياها عن حكمة وعن دلالة خاصة، وليست مجرد رصف أحاديث ونصوص، والله سبحانه وتعالى أعلم.كنا تساءلنا ما هي العلاقة بين مجيء هذا الحديث وبين النهي عن الوصال؟ وكما قال الأخ: لما نهاهم عن الوصال وهم يرغبون في الوصال زيادة في الخير، فكأنه يقول لهم: إذا كنتم تريدون الخير بزيادة فليس في نوعية زيادة العمل، ولكن في إحسانه وفي جودته، وهو أن تحافظوا على صوم النهار من الفجر إلى الليل، وأن تصوموا عما لا يليق بالصائم.
 تهذيب غريزة الغضب
يا إخوان! هل العالم كله معصوم من قول الزور أو العمل به أو الجهل؟ قد يأتي إنسان يمتحن الإنسان -كما يقولون- ويغضب عليه ويصيح، هذه جهالة، ولكن هل أحد يسلم من هذه؟ الرسول لما قال للرجل: (لا تغضب) هل معنى ذلك: أن تخلص من غريزة الغضب؟ لا يمكن، من تخلص من غريزة الغضب فلا خير فيه؛ لأن غريزة الغضب تحمي الإسلام؛ لأن من لا غضب عنده ولا غيرة يرى المنكر أمامه ولا يحس به ولا يتغير له، فإذا كانت الغيرة والغضب والحمية موجودة فإنه لحميته ولغضبه ولغريزته تلك يتحرك، حمزة رضي الله تعالى عنه أول إسلامه حمية لرسول الله، قالت له المرأة: انظر ماذا فعل فلان مع ابن أخيك! قالت: رأيت أبا جهل يسب ابن أخيك، وكان آت من القنص بأداة الصيد، فذهب إلى الكعبة ووجد أبا جهل في نادي القوم، فضربه بالقوس على رأسه فشجه، وقال: أتسب محمداً وأنا على دينه؟ منذ متى كنت على دينه؟ الآن فقط، فهذه حمية وغيرة حركته إلى الخير.وهكذا من فقد الغيرة وفقد غريزة الغضب فلا خير فيه، فهو ميت، لكن لا ينبغي التجاوز في ذلك؛ لأن التجاوز يأتي بضد النتيجة، يغضب لأقل شيء، يثور لأقل شيء، تأتيه الحمية لأبسط الأشياء.. لا، يجب أن يكون مع الاعتدال والوسطية، وكذلك المرأة إذا تسلطت عليها الغيرة من ضرتها أفسدت حياتها وحياة زوجها، لكن إذا كانت بقدر، وكانت بأمر في حدود الجبلة، فلا بأس، الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءته قصعة الطعام من عند حفصة في بيت عائشة ، وعائشة تعرف بأن حفصة كانت تحسن الطهي، فلما جاء الجارية بالقصعة ضربتها بيدها فسقطت القصعة فانكسرت، وتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: (غارت أمكم) . فهذه غيرة، لكن ما تجاوزت حدها، صبت غضبها على القصعة، وما لمست حفصة بشيء، ولا لمست جانباً آخر بشيء، ولكن موضوع الغيرة هو القصعة، فجمع الطعام وأخذ قصعة من بيت عائشة وقال: (قصعة بقصعة) . وتدارك المسألة.إذاً: الجهالة لا ينبغي أن تتجاوز حدها، ولا ينبغي أيضاً أن تُطفأ وتُخبأ نارها؛ لأن الإنسان إذا فقد الحمية والغضب يكون فاقد الدفاع أو فاقد الإحساس... إلخ.
شرح حديث: (كان النبي يقبل وهو صائم)
قال رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه) متفق عليه واللفظ لـمسلم ، وزاد في رواية: (في رمضان) ].المناسبة بين هذا الحديث والذي قبله، أنه لما نهى عن قول الزور والعمل به والجهالة ربما يظن بعض الناس بأن ملاطفة، ومداعبة الزوجة من هذا الباب، ويجب أن يترك، فجاء المؤلف بهذا الحديث ليبحث حكم ملاطفة الزوجة بصفة عامة، والملاطفة لا حد لها،ما دامت بعيدة عن علبة اللؤلؤ كما يقولون.والرسول صلى الله عليه وسلم كان وهو معتكف يقدم رأسه لـعائشة ، سريره في الروضة ورأسه في البيت، وتمشط شعره وتدهنه، وهذا العمل من أحسن المداعبة أو المؤانسة للزوجة، ويعجبها أن تجد فرصة مع زوجها بهذه الحالة.نأتي إلى حكم التقبيل، عن عائشة قالت: (كان صلى الله عليه وسلم يقبل بعض زوجاته وهو صائم) وضحكت، وما الذي يضحكك؟ كأنه من حلاوة النسبة إليها هي؛ لأن الحدث كان معها هي، وما كان أحد يراه يقبل زوجاته في بيوتهن، إذاً: أخبرت بما وقع معها، وكونه صائماً ويقبلها هذا معناه زيادة معزة ومحبة لها، لكن أم المؤمنين حكيمة، ما قالت: كان يقبل؛ لكي تتأسوا به، وتذهبون تقبلون ثم تزل قدم أحدكم، لا، بل نبهت بقولها: (وأيكم أملك لإربه)، والإرب الحاجة، وهي في هذا المقام معلومة، فكأنها تبين المشروع، وتنبه عن المحظور.
 اختلاف العلماء في حكم القُبلة للصائم
اختلف العلماء في القبلة للصائم، فهناك من منعها كلية، وقال: من قبل فقد بطل صومه وعليه القضاء مطلقاً، وهناك من قال: القبلة ليست ممنوعة لذاتها، لو أن امرأة قبلت يد زوجها أو رأس زوجها ماذا في هذا؟ ولا شيء، لكن القبلة في محل التقبيل هي محل التماس كما يقولون، ويقولون: القبلة من حيث هي ليست ممنوعة وليست محظورة، وليست مبطلة للصوم، ولكنها منعت من باب سد الذرائع، القبلة ماذا بعدها؟ وقد قال القائل: نظرة فابتسامة فكلام فموعد فلقاء، وأظن هذا من شعر شوقي ، يقول: نظرة فابتسامة فكلام فموعد فلقاء. وما بعد اللقاء؟ الالتقاء.فالأمور تأتي بالتدرج، وكما يقولون: بعضها يجر بعضاً، فقالوا: إن النهي عن التقبيل إنما هو من باب سد الذرائع. والآخرون قالوا: لا، نحن ننظر إلى هذا الشخص الذي يريد أن يقبل، إذا كانت حرارته زائدة، وبمجرد التقبيل يقع منه الخطأ، فهذا نقول له: ابتعد بعيداً جداً. ومن كانت حرارته منطفئة، وليس هناك إلا العاطفة، وليس هناك إلا المودة، فنقول: دونك! وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفاً ومرفوعاً، جاء عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان في مجلس أصحابه، فجاء رجل فسأله عن القبلة، فنهاه، ثم جاء آخر وسأله عن القبلة فرخص له) ، ولهذا مالك بوب في الموطأ: باب الرخصة في القبلة، ثم جاء بعده بباب آخر: باب التشديد في القبلة. الترخيص والتشديد! الترخيص لمن؟ والتشديد على من؟ على هذه الصورة التي ذكرها ابن عباس ، وهي أنه صلى الله عليه وسلم لما منع الأول وأباح للثاني، التفت لأصحابه وقال: (لكأنكم تعجبون أني منعت الأول وأجزت الثاني؟! قالوا: إي والله -يا رسول الله- نتعجب! قال: نظرت إلى الأول فإذا به شاب فخشيت عليه، وإلى الثاني فإذا به شيخ لا يخشى عليه) .ونقول: هذا التشريع يكون عاماً؛ لأن أحكام التشريع لا تنظر إلى الأفراد، تنظر إلى العمومات كما قال الشاطبي رحمه الله: تكون شاملة عامة، ولكن يختلف الأفراد في هذا الشمول، قد يكون شائباً ولكنه أنجح من الشباب، فإذا كان شخص في مشيبه، ولكنه في هذا الباب شباب، هل نقول: نرخص للشيوخ ونمنع الشباب على أنه شيخ وشاب أم ننظر إلى مظنة المنع في حالة الشباب؟قد يكون شاباً عنيناً لا يصلح للنساء، وقد يكون الشيخ منجباً، ونسمع قصصاً كثيرة عن أشخاص أنجبوا بعد المائة سنة! تزوج بعد المائة وجاء بأولاد!إذاً: المسألة شخصية، التشريع عام، والتطبيق خاص، أي: جزئي من هذا العموم، وأنت أعرف بنفسك، فإذا عرف الإنسان من نفسه أنه أملك لإربه فنقول: إنه جائز. وأبعد ابن حزم وقال: إنه مستحب؛ لأن الرسول قبل، لكن عائشة قالت: أيكم أملك لإربه؟ فلينظر الإنسان في خاصة نفسه.جاء في بعض الروايات أن (الرسول صلى الله عليه وسلم لم يلمس وجه عائشة وهي صائمة) ، إذاً: فمتى قبلها؟! هو يمكن وهو صائم وهي مفطرة؛ لأن عائشة تأتيها الدورة، وإذا جاءتها الدورة منعتها من الصيام، فيكون هو صائم وهي مفطرة، فلماذا لم يلمس وجهها وهي صائمة؟ هذا ينبغي أن يلاحظ، هي زوجة شابة، ومع المداعبة قد تغلبها نفسها، وكما قال صلى الله عليه وسلم لما سألته المرأة: (إن الله لا يستحيي من الحق يا رسول الله! فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم؛ إذا رأت الماء) إذاً: المرأة عندها ماء، وهو يأتي بالمداعبة أو باللقاء، وإذا خرج منها وهي نائمة فتكون قد احتلمت، وعليها الغسل.إذاً: في حالة اليقظة هي شابة، وكان الزوج يملك إربه وهي لا تملك، ويقولون في بعض كتب الأدب: الشهوة مائة جزء، تسع وتسعون للمرأة، وواحد للرجل، ولكن المرأة يمنعها حياؤها، فإذا كانت المرأة لا تستطيع مسايرة الزوج في المداعبة فيجب أن يعرف طاقتها، ويحجب عن ذلك؛ لئلا يفسد عليها صومها.إذاً: حكم القبلة للصائم هناك من يمنع مطلقاً، ويقول: من قبل فعليه القضاء، وهناك من يبيح مطلقاً دون أن ينظر إلى شيء، بل قال: إنه مستحب كما قال ابن حزم ، وهناك من يقول: ليس على الإطلاق، إنما ينظر الشخص في حالة نفسه، وكذلك المفتي يجيز للبعض بنظره واجتهاده، فتباح لمن يملك إربه، وتمنع لمن لا يملك إربه.والله تعالى أعلم، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.وبالمناسبة هذه يذكر الفقهاء أشياءً عميقة -لا أظن أن عندنا نسوة يسمعن هذا-، يذكرون تبعاً للقبلة: أنه من دواعي المؤانسة مع المرأة أن يمتص لسانها، فإذا امتص لسانها هل له أن يبتلع ريقه بعد هذا الامتصاص؟ قالوا: لا؛ لأن هذا إدخال شيء غريب إلى جوفه. إذاً: القبلة من الخارج ليس فيها ريق، وليس فيها سائل، وليس فيها شيء، لكن إذا امتص لسانها فيحتاط، ولا يبلع الريق في هذه الحالة.والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [6] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net