اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع [1] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع [1] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) من أعظم المواعظ التي تحث على الخير، وقد شمل هذا الحديث الأمة من القاعدة الأساسية إلى القمة العالية، فشمل مجموع طبقات الأمة، وقد بسطه العلماء بالشرح، وبينوا فوائده وآثاره في صلاح الأمة والفرد.
مقدمة باب صدقة التطوع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:فيقول المؤلف رحمه الله: [باب صدقة التطوع].هذا الباب الجديد في صدقة التطوع، والذي قبله صدقة الإلزام، أي: ليس فيها تطوع ولا اختيار، لكن هنا يتطوع بها.وقبل الكلام على هذا الباب ننظر في معنى ومغزى هذا العنوان:فالإنسان من حيث هو يرغب في المال، ويحرص على جمعه: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:19-20] فالإنسان حريص شديد الحرص على الدأب في جمع المال، فإن كان يخاف الله تحرى الحلال، وإلا فلا يبالي من أين أتى، فعلى أنه يتحرى الحلال ويجمع المال (لو كان لابن آدم وادياً من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً )، فإذا ما حصل على المال وتوفر عنده يكون شحيحاً به، يضن بإخراجه، فجاءت الفريضة في زكاة المال وصدقة الفطر، وألزمته رغماً عن شحه، فإذا أدى الواجب عليه برئت ذمته وطهر ماله، ولكن هل الإنسان يقف عند أدنى الحد؟ الواجب هو أدنى الحد في بذل المال، لكن الإنسان يسمو ويتعاطف مع أوامر المولى سبحانه وتعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245]؛ فهنا تأتي صدقة التطوع لأنها من دافع الإنسان نفسه، أي: من دافع إيمانه ورغبته في الخير، وإيثاره الآخرة على الدنيا؛ لأنه يدفع هذه الصدقة متطوعاً.فالأولى أخرجها فريضة عليه: (فإن أداها طيبة بها نفسه فبها ونعمت! وإلا أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا) يعني: يخرجها غصباً عنه، لكن في صدقة التطوع ليس هناك جبر عليه ولا غصب له! هل هناك عقوبة على تركها وعدم فعلها؟ لا، لكن هناك الرغبة في الأجر، وإيثار الآخرة على الدنيا، والتعامل مع الله سبحانه وتعالى.وقدمنا مراراً بأن قانون الحياة يمشي على مبدأ المعاوضة: خذ وهات، ثمن وسلعة، فتتبادل مع غيرك وتتعاون معه، أما الصدقة إذا أخرجتها فأين العوض عنها؟قد يبلغ الأمر بالإنسان السوي المؤمن بالله أنه يخفي صدقته على المسكين، بل يخفيها على نفسه كما سيأتي في حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: وذكر منهم: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ) وهناك الآية: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271].
 صدقة التطوع دليل على صدق الإيمان
إذاً: صدقة التطوع عنوان على أن المتصدق موقن بالأجر من الله، وموقن بالعوض عند الله، وعلى قانون المعاوضة المادية كذلك؛ لأنه يدفع التمر أو يدفع الأرز ويحتسب الأجر عند الله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] فإنه يأخذ العوض هناك، فهو رصيد مضمون ينفعه يوم يفر المرء من أخيه، وأمه أبيه، فيجده عند المولى سبحانه مضاعفاً كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم ليتصدق بالصدقة فتقع في كف الرحمن فينميها له كما ينمي أحدكم فلوه -أي: ولد الفرس- حتى تكون مثل جبل أحد) . والصدقة والصدق مادتهما اللغوية واحدة: (صدقة، تصدق)، وتاء الافتعال هذه زائدة، فالصدقة في التطوع دليل صدق المسلم في إيمانه بالله؛ لأنه يدفع الثمن الآن ويترقب العوض فيما بعد، ولا ينتظر ممن أعطاه معاوضة، ولا ينتظر من أحد جزاءً ولا شكوراً: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً ولا شكورًا [الإنسان:9] أي: ولو جازيتمونا فإلى أي حد يكون الجزاء منكم؟ عبد الرحمن بن عوف لما جاءت تجارته ودقت طبولها، فجاء التجار وقالوا: نعطيك (10%) زيادة في الربح، فرفض! (50%) فرفض، (100%) فرفض وقال: أعطيت أكثر!! قالوا: نعطيك الضعف ضعفين، قال: أعطيت أكثر!! قالوا: نحن تجار المدينة، وليس في المدينة من يعطيك أكثر من ذلك، فمن الذي أعطاك أكثر من ذلك؟ قال: الله أعطاني الحسنة بعشر أمثالها، أعطاني عشرة أمثال قيمتها، فالعير وما تحمل في سبيل الله!!إذاً لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا [الإنسان:9] لأنكم لا تستطيعون أن تجازونا كما يجازي الله سبحانه.
شرح حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله)
قال المؤلف رحمه الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -فذكر الحديث وفيه-: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) متفق عليه ].تقدم التنبيه على منزلة الصدقة والتطوع بها، وأن ذلك من منطلق الإيمان واليقين بما عند الله، وأن المتصدق ينتظر العوض من الله سبحانه، ولا يرجو ممن يتصدق عليه جزاءً ولا شكوراً، كما نوه بذلك سبحانه بقوله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان:9] ؛ لأنه تصدق لوجه الله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة:245]، وجاءت الأحاديث متعددة في أن الصدقة تعود على المتصدق بأشياء عديدة: منها ما تقدم في زكاة الفطر أنها: (طهرة للصائم)، وكذلك ما جاء في الأحاديث الأخرى أن (صدقة السر تطفئ غضب الرب) .وجاءت أيضاً أحاديث أخرى تحث على الصدقة منها: (المرء في ظل صدقته يوم القيامة) ، والآثار في هذا الباب كثيرة.
 نموذج للعدالة الإسلامية
في الواقع أن الحديث عن جوانب عدالة الإمام والأمثلة على ذلك مما نقرؤه في التاريخ من بعد الخلفاء الراشدين رضوان الله تعالى عليهم، يضيق المقام عن أن نسرده في جلسة أو في ناحية، وقد أشرنا إلى ذلك بقدر ما توصلنا إليه في تلك الرسالة التي جمعناها بعنوان: من يظلهم الرحمن في ظل العرش.والعدالة التي قرأنا عنها في زمن الصحابة -خاصة في باب القضاء- فيها نماذج عجيبة، ومما يذكر وكيع في أخبار القضاة: أن شريحاً وكان قاضياً بالكوفة في خلافة علي رضي الله تعالى عنه؛ دخل عليه علي وهو الخليفة، ومعه يهودي يخاصمه في درعه، فقال القاضي: ما تقول يا يهودي؟! قال: هو درعي، وفي يدي، فقال شريح لـعلي : ما بينتك على أن هذا الدرع لك؟ قال: الحسن بن علي وقنبر ، قال: أما قنبر فنعم؛ لأنه مولاه، وأما الحسن فلا نقبل شهادته لك، قال: ويحك يا شريح ! أما سمعت أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: (سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين)؟ كيف ترفض شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ قال: لا أرفضها؛ لكنها تُرفض إذا كانت لك أنت؛ لأنه ولدك! انظروا إلى هذه المواجهة!ثم قال: هل لك شاهدٌ آخر؟ قال: لا، قال: إذاً: اذهب -يا يهودي- بدرعك، فخرج علي وحينما وصل إلى الباب استوقفه اليهودي، وقال: قف يا علي! والله إن الدرع لدرعك، كان على راحلتك فسقط فأخذته، وأنا أنكرتك فيه لتذهب بي إلى القاضي؛ لأنظر كيف يفعل قاضي المسلمين مع يهودي، أما والحال كذلك فخذ درعك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ففرح بذلك علي ؛ لأن دعواه كانت غير ثابتة، أما الآن فصدقه في دعواه، فقال: الدرع لك ومعه مائتا درهم! فأية عدالة بعد هذا؟!يوجد نماذج كثيرة -يا إخوان- ويكفي التنويه، ونحيلكم على بعض النماذج في تلك الرسالة التي أشرنا إليها، وبالله تعالى التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع [1] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net