اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [9] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [9] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
اختلف العلماء في زكاة الحلي الذي تتخذه المرأة للزينة، ويكاد الخلاف أن يكون متكافئاً لتكافؤ الأدلة، وقد بين الشيخ أدلة الطرفين، وأجوبة كل فريق على الآخر، ثم بين الأفضل للمرء في ذلك.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص التمر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد:فيقول المصنف رحمه الله: [ وعن عتاب بن أسيد رضي الله عنه قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً) رواه الخمسة وفيه انقطاع ].هذا الأثر وإن كان فيه انقطاع إلا أنه عليه العمل، فيخرص العنب وتؤدى زكاته زبيباً، كما يخرص الرطب وتؤدى زكاته تمراً، لكن يهمنا في هذا الأثر أن العنب يخرص كما يخرص النخل.فمن كان يعارض في خرص العنب يقول: لا يتأتى انضباط خرص العنب كانضباط خرص النخل، يقول: لأن النخلة مكشوفة أمام الخارص وأمام الجميع، أما العنب فقد يكون مختفياً بين الأوراق وقد يخفى على النظر، فلا يتمكن الخارص من رؤيته كما يتمكن في النخلة. ولكن كما جاء في هذا الأثر، وإن كان منقطعاً فقد يكفينا رأي من رواه، فالذين رووه على انقطاعه يقولون به؛ فيكفينا هذا فقهاً، وأنها الطريقة التي يمكن أن يساوى فيها العنب بالرطب.فهذا النص في العنب: أنه يخرص كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيباً، ولماذا لا تؤخذ عنباً؟ لأنه لا يدخر، فلو أعطينا للفقير خمسة صناديق عنباً، هل سيأكلها كلها؟ فلو أكثر من أكلها فإنه سيؤذيه، وهل إذا أكل صندوق عنب يغنيه عن لقمة عيش؟ فربما لا يغنيه، فالعنب ليس قوتاً ولا يدخر.وهذه الفكرة هي التي عارضنا بها اقتراح بعض الأعضاء في مؤتمر ماليزيا بتنفيذ مذهب أبي حنيفة رحمه الله في الخضروات، ولنسأل: ماذا سيصنع المسكين إذا أخذ قليلاً من الطماطم، أو قليلاً من الباميا، أو قليلاً من الفلفل، أو قليلاً من النعناع .. إلخ؟فإذا قلنا: يضعها في الثلاجة، فالفقير ليس عنده ثلاجة، ولو وضعها في الثلاجة فإلى متى؟ فسيأخذ منها كل يوم، فهل ستكون قوتاً أم فاكهة؟ طبعاً ستكون فاكهة، والخضروات مهما كان فلها أجل، سواءً كانت داخل الثلاجة أو خارجها.إذاً: لا ينتفع بها بقدر ما يمكن أن يبيعها صاحبها، ويجمع القيمة ويأتي بصدقة القيمة للمسكين فيتصرف فيها بما ينفعه. وقد أوقف القرار بعد ذلك.إذاً: انتهينا من موضوع زكاة ما تخرج الأرض، وكيفية زكاتها وهو الخرص.ونحن قلنا بالزكاة في الشعير والبر، فهل يخرص وهو في سنبله عندما يشتد الحب، أو يترك لصاحبه حتى يحصد ويصفى ويكال؟هناك من يقول بخرص الحب أيضاً، ولكن لماذا نخرصه؟ هل الريح تطيح به في الأرض؟ ليس هناك شيء يضيع منه أبداً.وهل يبيعه قبل أن يحصده؟لا. بخلاف العنب والرطب. إذاً: الخرص محصور على النخل والعنب، والحب الذي هو متفق عليه من الشعير والبر وما ألحقناه به لا دخل للخرص فيه، وإنما يترك لصاحبه حتى يحصده ويصفيه ويكيله، فهناك يجب عليه أن يزكي ما حصل عنده إن وصل خمسة أوسق فما فوق. والله أعلم.
 

زكاة الحلي من الذهب والفضة
قال المصنف رحمه الله: [ وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما: (أن امرأةً أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فألقتهما) رواه الثلاثة وإسناده قوي، وصححه الحاكم من حديث عائشة ].لما أنهى المصنف رحمه الله الكلام على زكاة بهيمة الأنعام، ثم ما يخرج من الأرض، جاء إلى زكاة الحلي، وتقدم أيضاً زكاة النقدين: الذهب والفضة، وأنه ليس فيما دون خمس أواقٍ من وَرِقٍ صدقة.وتقدم البحث في هذه الأصناف، وفي أنواع بهيمة الأنعام ما اتفق عليه وما اختلف فيه، ثم أنواع الزروع والثمار، وما اتفق عليه أيضاً وما اختلف فيه، ثم زكاة النقدين: الذهب والفضة، وبقي معنا عروض التجارة، وسيأتي في سياق هذا الحديث.فلما كان الذهب والفضة مجمعاً على زكاتهما نقداً؛ لأن كلمة (أواق) جمع (أوقية)، والأوقية وحدة وزنية، ووحدة نقدية أيضاً، فهذا يتعلق بالفضة، والدرهم وحدة وزنية، ووحدة عددية؛ فكان الحلي من جنس الذهب والفضة، ولكنه اختلف فيه كما اختلف في بعض أفراد الأجناس المتقدمة.فشرع المصنف يُفصِّل أو يسوق ما عنده من أدلة أو من أقوال العلماء فيما يتعلق بالذهب والفضة إن كان مصوغاً حلياً تلبسه النساء، فأتى بالحديث: أن امرأةً يمانية أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مسكتان -والمسكة هي ما يسمى الآن بـ(الأسور) أو بـ(بالخلخال) في الرِجِل من ذهب- فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم، سألها: أتؤدين زكاة هذا؟، فـ(هذا) اسم إشارة راجع لما فيه الحديث وهو المسكتان. وفي بعض الروايات: (غليظتان من ذهب، فقال لها: أتؤدين زكاة هذا الذهب الذي في يد ابنتك؟ قالت: لا. فقال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيام بسوارين من نار؟).أعتقد أن هذا أسلوب إثارة، أي: أتحبين أن تلبسي سوارين من نار يوم القيامة؟! ومن يحب هذا؟! ومن يسر بهذا؟! ففيه الإثارة إلى معرفة الواقع وبراءة الذمة حالاً، ولهذا كان الجواب أنها خلعتهما من يد ابنتها وألقت بهما، وفي تتمة الرواية: (قالت: هما لله ورسوله).هذا الحديث كما ساق المصنف تصحيحه هو الأصل في مبحث زكاة الحلي، وهو الأصل للاستدلال على أن الحلي المستعمل بالفعل فيه الزكاة؛ لأنه ملبوس في يد البنت. ثم ساق له المصنف شاهداً من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (اتخذتُ فتخات من وَرِق -الفتخات جمع فتخة وهي ما يسمى الآن بالخاتم- فنظر إليهما صلى الله عليه وسلم وقال: ما هذا يا عائشة ؟! قالت: صنعتهما أتزين لك بهما)؛ لأنه إذا كانت هذه الفتخات في الصندوق أو مرفوعة للحاجة لم تكن زينة، إنما رأى بعينه وسأل وأجابت: (أتزين لك بهما، فقال: أتؤدين زكاتهما؟ قالت: لا. قال: هما حَسبُكِ من النار).وسيأتي لـأم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها: (اتخذت أوضاحاً من ذهب)، الأوضاح من الوضاحة والظهور، والذهب له بريق ووضوح، ولو كان حتى من الفضة فلها أيضاً وضوحٌ وبريق، والأوضاح كانت في شعرها. تقول: (فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدتُ في وجهه الأثر) أي: أنه ليس براضٍ؛ فهي صنعتهما من أجله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يستقبل ذلك بابتسامة أو بشاشة، وإنما وجدت في وجهه الكراهية، ففطنت فقالت: (أكنزٌ هو يا رسول الله؟!) (هو) ضمير راجع إلى الأوضاح التي في شعرها. فلم يقل لها صلى الله عليه وسلم لا، أو نعم، وإنما قال: (إذا أديت زكاته فليس بكنز) يعني: وما لم تؤد زكاته فإنه كنز، والحكم على أنه كنز أو ليس بكنز إنما هو لمدلول الآية الكريمة: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ .... [التوبة:34].إذاً: فلما رأت الكراهية في وجهه صلى الله عليه وسلم فطنت فسألت: ولِمَ الكراهية وإنما هي زينة تتحلى بها لزوجها. إذاً: هذا القدر ليس فيه كراهية، ولكن الخوف من كونه دخل في معنى الكنز، ويكون هناك الوعيد. فلما سألت أجابها: (إن كنتِ تؤدين زكاتها فليس بكنز).هذه النصوص الثلاثة التي ساقها المصنف رحمه الله هي عمدة من يقول بوجوب الزكاة في الذهب والفضة حلياً كان أو غير حلي، ويضاف إلى هذا أيضاً ما تقدم في أول الباب من الحث على الصدقات والزكاة في جميع الأموال. وتقدم لنا ذكر الحديث الطويل: (ما من صاحب إبلٍ لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاعٍ قرقرٍ، تطؤه بخفافها وتعضه بأنيابها، فإذا انتهى أخراها أعيد عليه أولاها حتى يقضى بين الخلائق، فيرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار)، وكذلك ذكر صاحب البقر، ثم صاحب الغنم، ثم صاحب الذهب فقال: ( وما من صاحب ذهب -أتى باسم الجنس، ولم يفصِّل بين مصنوع حلي أو آنية مستعمل أو غير مستعمل لا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّح له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره حتى يفصل بين الخلائق، ويرى مصيره إما إلى جنة وإما إلى نار)، فأخذ البعض من هذا الحديث أن زكاة الذهب واجبة مطلقاً، مع النصوص الأخرى المجمع عليها في غير ما هو حليٌ مستعمل.والتفصيل في هذه المسألة يطول، وقد كتب والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه عند هذه الآية الكريمة: (َالَّذِينَ يَكْنِزُونَ..) فأطال البحث فيها على عادته في أضواء البيان، فذكر أقوال الموجبين للزكاة، وأقوال المانعين من الزكاة، وأخيراً قال: (والأولى الذي به براءة الذمة أن يزكى) ولم يقل: يجب أو لا يجب.وصنيع ابن رشد في البداية الذي هو مقرر في الجامعة ما تناول هذه المسألة إلا في سبعة أسطر -أي: نصف الصفحة فقط- وذكر مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله، ولم يذكر مذهب أحمد لا بقليل ولا بكثير، فاخترت هذه المسألة بالذات لأجعل فيها مبحثاً نموذجياً لدراسة بداية المجتهد، واستوفيت المذاهب الأربعة بما فيها أحمد ، وأخذت من كلام والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه، وما تيسر من المراجع الأخرى وجعلت فيه رسالة، وأخيراً طبعتها بعنوان: (زكاة الحلي).
 كيفية إخراج زكاة الحلي والذهب المعروض للتجارة
مسألة: كيف نزكي الحلي؟ قالوا: إنها في تقدير نصابها تقدر بالوزن، هل بلغت وزن العشرين مثقالاً أم لا؟ وفي زكاتها تقدر بالقيمة، وكذلك ما أعد للتجارة من الذهب والفضة، فهي عند التاجر يقدر نصابها بالوزن، وتخرج زكاتها بقيمتها في السوق؛ لأنها عروض تجارة، والنصاب قدره مائة جرام، والتاجر عنده مئات الآلاف، فينظر كم قيمتها تجارياً وكم تباع اليوم، ثم تزكى قيمتها على أنها عروض تجارة.وأجمعوا على أن حلي الذهب والفضة إذا لابسه جواهر أخرى: فصوص من الياقوت أو الفيروز أو الزمرد أو الماس، فتقدر الجواهر النفيسة على حدة، ويقدر وزن الذهب على حدة؛ حتى إذا استكمل وزنه نصاباً زكي، ويعمل في ذلك بالتحري؛ فإنه يزكى على أنه حلي مستعمل على قول من يقول بزكاته. وبالله تعالى التوفيق.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [9] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net