اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [8] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [8] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
اتفق الأئمة الأربعة على وجوب الزكاة في الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر، واختلفوا فيما عدا ذلك كالخضروات والفواكه، وبعضهم قاس على الأصناف الأربعة ما شاركها في العلة والأوصاف كالأرز ونحوه، وقد فصل الشيخ سبب الخلاف وذكر الأدلة، كما تطرق إلى عملية الخرص وما فيها من حكم وفوائد للمالك والمسكين.
ما يزكى مما تنبت الأرض
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ عن أبي موسى الأشعري ومعاذ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: (لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر) رواه الطبراني والحاكم ].أيها الإخوة الكرام! إن مباحث الأموال الزكوية تتسع فروعها وجزئياتها في كتب الفقه ما لا تتسع في كتب الحديث.ونذكر الإخوة بما تقدم في أوائل هذا الباب المبارك: أن المسلمين أجمعوا على أجناس أربعة هي محل الزكاة: بهيمة الأنعام، والنقدان: الذهب والفضة، وعروض التجارة، وما تنبته الأرض، فهذه الأجناس الأربعة هي محل الزكاة، ثم اختلفوا في تلك الأصول الأربعة في بعض أفرادها، فمثلاً: بهيمة الأنعام اختلفوا منها في زكاة الخيل، فقال به الإمام أبو حنيفة رحمه الله، ولم يقل به الجمهور.وفي الذهب والفضة اختلفوا في الحلي، أي: المصنوع والمستعمل، فأوجبه فيه أبو حنيفة رحمه الله ولم يوجبه غيره على خلاف عند الشافعي وأحمد ، ولم يوجبها مالك قولاً واحداً.وعروض التجارة من قال بها قال بالعموم، ومن لم يقل بها فلا كلام معه.
 الدليل على سقوط الزكاة عن الخضروات ونحوها
قال المؤلف: [وللدارقطني عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: ( فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب، فقد عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وإسناده ضعيف].المؤلف رحمه الله يعلم بأن هذا الأثر ضعيف، فـمعاذ يأتي وكأنه يقول: أمرنا أن لا نأخذ الصدقة إلا من الأصناف الأربعة، وكأن هناك سؤالاً مقدراً: وما عدا تلك الأصناف مما تنبت الأرض ما حكمه؟ فقال: (أما القثاء والبطيخ والقصب..). فالقثاء يلحق به الخيار، والبطيخ يلحق به الشمام والدباء وقصب السكر. قوله: (فقد عفا عنه رسول الله) معاذ ذكر أنواع الخضروات وأن ما عدا الأصناف الأربعة فإنها لا زكاة فيها، فيكون هذا الخبر من معاذ رضي الله تعالى عنه موضحاً لمفهوم: (لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة) أي: وما عداها لا زكاة فيه، فالمفهوم أتى مصرحاً به هنا، ولكنه ضعيف.والخبر الضعيف إنما يبين مفهوم المخالفة فيتقوى في ذاته؛ لأنه لم يكن أصلاً في التشريع، وإنما جاء تابعاً لمفهوم مخالفة الصحيح، فهو يكفي إذا لم يعارضه غيره، وهنا جاء معاذ رضي الله تعالى عنه بالتنصيص على هذه الأصناف الأربعة من الخضروات. ويذكرون بأن البيهقي رحمه الله قال: وإن كان هذا الأثر ضعيفاً فإنه قد أيد بآثار أخرى عن السلف، وتقدم لنا قصة عثمان مع عامله في الطائف، وكذلك عمر بن عبد العزيز ، والخلاف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضاً.فعلى هذا ينتهي الأمر في البحث على أن الإجماع على الزكاة في الأربعة الأصناف، والخلاف فيما عدا ذلك، واتفق الأئمة الأربعة -دون النظر إلى مخالفة الشافعي وأحمد في قول آخر - على أن كل مكيل مدخر قوت فهو لاحق بتلك الأصناف الأربعة قياساً، وإذا كان هذا ما اتفق عليه الأئمة، فأعتقد أنه ليس هناك إنسان يجرؤ على أن يرد أمراً اتفق عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله، ومهما قدم من أدلة أو نصوص معارضة فلن يأتي بجديد؛ لأن تلك النصوص قد مرت على السلف، وعلموها وفهموها ودرسوها، وبعد هذا كله اتفقوا على إلحاق المكيل والقوت والمدخر بالأصناف الأربعة.وأما ما لم يكن قوتاً أولم يكن مكيلاً أو مدخراً، فهذا الخلاف فيه قوي، والله تعالى أعلم.
خرص الزروع والثمار عند بدو الصلاح
قال المؤلف :[ وعن سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)، رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم ].انتقل المؤلف رحمه الله إلى جزئية تابعة ومتممة لتشريع الصدقة في الحبوب والثمار. فقوله: (إذا خرصتم)، يفيد أن هناك خرصاً قبل إخراج الزكاة، فيكون سبقه تشريع للخرص ثم جاء ينبه لهم عن منهج الخرص كيف يكون. إذاً: الخرص مشروع، وأقوى دليل في ذلك قضية خيبر، لما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم ابن رواحة ليخرص عليهم النخيل.والخرص في اللغة: التخمين، قال تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات:10]، لكن قال الإمام أبو حنيفة وداود بن علي : لا خرص لأن الخرص ظن، والظن كما يقولون أصل الكذب، فقالوا: لا خرص، ولكن على صاحب النخل والعنب إذا يبس وأصبح عنده التمر أو الزبيب أن يكيل الذي حصل عنده، ثم يزكيه.
 كيفية الخرص وترك الربع أو الثلث للمالك
إذاً الحل الأمثل هو الخرص عندما تبدو الثمرة، فيكون الخارص من طرف ولي الأمر المسئول عن حق الفقراء؛ لأن الله كلف بها رسوله صلى الله عليه وسلم: (خذ) وهذا الأمر تكليف له مع أنه لا حظ له فيها، فهي محرمة عليه وعلى آل بيته، ولكن حفاظاً على حق المساكين وحفظاً لماء وجوههم حتى لا يذهبوا للغني يقولون: أعطنا، فيقول لهم: ائتوني في وقت لاحق عندما نجذ. فعالج الشرع ذلك بأن أوجب على ولي الأمر أن يأخذها قهراً على صاحبها: (من أداها طيبةً بها نفسه فبها ونعمت؛ وإلا أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء)، فإذا طابت الثمرة ذهب الخراص -اثنان أو ثلاثة على حسب رأي الإمام- وتمشوا في البستان لينظروا عدد ما فيه من النخل. فإذا كان فيه مائة نخلة بدأنا بنخلة رقم واحد فقلنا مثلاً: هذه تحمل قنوان والقنو أوقية أو كيلو أو كذا.. على حسب التقدير برؤية العين، فإذا جففت كم سيكون منها تمراً؟ فمثلاً: سيكون منها عشرون صاعاً، فنكتب ذلك. ثم النخلة الثانية.. الثالثة..، إلى المائة، فمجموع ما يتوقع منه من تمر لو بقي على تمامه عشرون وسقاً، فننظر: هل الثمرة على النخلة تبقى على تمامها أم أنها سيذهب منها شيء؟ سيذهب، وجاء بيان ذلك في بعض النصوص: ما تسقطه الريح، وما ينقره الطير، وما يأكله الضيف، وما تأكله الهوام والحيوانات التي تدخل النخيل وتأكل مما سقط. إذاً: هناك عوارض تعرض للثمرة المعلقة. وصاحب البستان يريد أن يأكل فلا نمنعه من حقه لأجل المساكين، بل حقه هو الأول، والضيف الذي يدخل عليه فلا نقول له: لا تعطه، فنعلمه البخل! وشر خصلة في الإنسان هي البخل، بل نقول: أطعم.. وأكرم ضيفك..إذاً: هناك عوامل تعرض للثمرة التي على النخلة، ونحن خرصناها على تقدير أنها كاملة، فلو قدرنا الصدقة على ما يوجد على أنها كاملة لأجحفنا بمالكها فيما له من حق التصرف فيه، فلذلك قال: (دعوا الثلث) أي لأجل هذه العوارض. فلو كانت مائة صاع، فإننا ننظر كم ثلث المائة بالتقريب والتقدير، فنقول: احسبوها سبعين بدل المائة. قال: (فإن لم تسقطوا الثلث فالربع)، أي أن العامل مخير بين الثلث والربع، أعتقد والله تعالى أعلم: بأن هذا يرجع إلى فطنة العامل الذي يخرص، فإذا كان النخيل في جهة بعيدة من البلد قل الوارد عليه، وكذلك إذا كان الجو معتدلاً، وكان عياله قلة، وضيفه قليلاً، وليس بمشهور عند الناس، فتكون الكلفة عليه قليلة؛ فهذا يكفي أن نترك له الربع. لكن إذا كان هناك بستان على قارعة الطريق، وصاحبه من أهل الوجاهة، وكل يوم والباب لا يغلق، فهذا ضيف طالع، وهذا ضيف داخل، فهل هذا يستوي مع الأول؟ أعتقد أنهما لا يستويان، وأن القول هنا: الثلث أو الربع ليس للتخيير، وإن كنت لم أجد من نبه على ذلك لكن هذا هو الواقع، فيسقط الثلث لمن كان طارقه كثيراً، ويكون الربع لمن كان طارقه قليلاً. وهذا هو الإرفاق والعدل، فلا نساوي بين رجل كثير الضيوف يمكن أن يأكلوا عليه النصف، وبين رجل قليل الضيوف، وبعض الروايات: (خذوا النصف، وأعطوهم من النصف وأعطونا النصف فإنهم يسرقون)، أي: غصباً عنه سيأكل. إذاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الذين يخرصون على الناس أن يدعوا الثلث، فإن لم يدعوا الثلث فالربع، والظاهر أن هذا يترك الخيار فيه للعامل، ولكن في نظري والله تعالى أعلم وأبرأ إلى الله من خطأ: أن ذلك ليس للتخيير وإنما هو للتنويع، والتنويع يكون بحسب حال صاحب البستان وموقعه الاجتماعي، فمن كان كثير الوارد والضيف والاستهلاك والعيال والعمال قلنا: يترك له الثلث؛ لأن الاستهلاك كثير، ومن كان إنما يذهب عنه القليل فإنه يترك له الربع، والله تعالى أعلم.وهنا قالوا: الخرص أيضاً ليس لمجرد معرفة هذا الموجود، وأنه يأكل أو يكرم ضيفه قالوا: بل يكون لصاحب الثمرة الخيار، فإن شاء أبقى الثمرة إلى أن يأتي الجذاذ فيجذ، ويوضع في الجرين ويجفف ويبيعه تمراً، وإن شاء باعه رطباًمبكراً في السوق يوماً بيوم ولو لم يبق في النخيل شيء.فإذا قيل: فأين زكاة الأوسق نصف العشر؟ لما خرصنا عليه أصبح مديناً للفقراء والمساكين بالمقدار الذي قيدناه عليه، ونحن قيدنا عليه سبعة أوسق صدقة، لكنه باعها كلها رطباً في الصناديق، أو باعها كلها عنباً في الصناديق، ولم يزبب كيلو ولا وسقاً ولا نصفاً.لكن هذا خرصنا عليه مثلاً: وسقاً ونصف وسق من الزبيب، فليس عنده شيء، لأنه قد باعه عنباً، فنقول: عليه أن يقدم للجهة التي تجمع الزكاة وتوزعها على أصحابها، فيأخذ من السوق المقدار من التمر الذي سجل عليه، ويأخذ كذلك المقدار من الزبيب الذي سجل عليه ويدفعه لأصاحب الحقوق في ماله من الفقراء والمساكين.. إلى آخره.إذاً: الخرص يعطي صاحب الثمرة الحرية في أن يستغلها رطباً ويحفظ الثمن، ويلتزم بما ألزمه به الخارصون ويقدمه عيناً، إلا إذا أراد ولي الأمر أن يستبدل بالأعيان نقداً، ويوزعه على الفقراء والمساكين، فهذا لا نعارض فيه. أما إذا ترك الأمر لصاحب النخل والعنب فله أن يتصرف كيف يشاء، وعليه أن يزكي هذه الثمار من تمر وعنب على قدر ما قدر عليه، فيشتريها من السوق من الشيء الوسط الذي لو كان حاضراً عنده لأخذ من وسط المال، ويقدمه إلى مستحقيه، والله تعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الزكاة - مقدمة كتاب الزكاة [8] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net