اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [12] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الجنائز [12] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
إن القيام بحوائج المسلمين والسعي في مصالحهم مما أكد الإسلام على وجوبه وحث عليه، وما من أهل بيت من المسلمين إلا ويصابون في واحد منهم بمصيبة الموت، فيكون لهم بذلك شغل عما سواه، لذلك فقد شُرع في حقهم القيام على مصالحهم في تلك الأثناء من إصلاح الطعام لهم وغير ذلك من الأمور التي تعينهم على الصبر على مصابهم، ويأتي في هذا الباب عدم الإثقال عليهم بالزيارة وطول الإقامة مما يسبب لهم الحرج في ذلك.كما أن الشارع الحكيم دعا إلى الموالاة في زيارة المقابر والدعاء لموتى المسلمين بالأدعية المأثورة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم
صنع الطعام لأهل الميت

 صنع الطعام لأهل الميت هو المطلوب لا العكس
فهنا يقول صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم) وأقول أيضاً: نفس السؤال: لقد أصيب واستشهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم العديد من الشهداء، والكثير من القتلى، وما أوصى بهم كما أوصى بـجعفر وآل جعفر . والله تعالى أعلم.والحديث سيق هنا لما يتعلق بصنع أهل الميت طعاماً للمعزين، فيقال: لا، وإنما الذي ينبغي العكس، فعلى ذويهم وجيرانهم ومن يعرفهم أن يصنع طعاماً في بيته ويقدمه لأهل الميت؛ لأن أهل الميت أتاهم ما يشغلهم.
السلام على أهل القبور عند زيارتها والدعاء لهم
وعن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) رواه مسلم . قوله: (كان صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر) هذا الحديث يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم؛ لأن زيارة المقابر والسلام على الموتى عبادة وقربة، والعبادات توقيفية، ومن هنا كان يعلمهم صلى الله عليه وسلم ما يقولون.
 التوجه إلى القبور عند المرور عليها وذكر الدعاء
وعن ابن عباس قال (مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن الأثر) رواه الترمذي وقال: حسن. ذكر في الحديث السابق أنه كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، يعني: إذا أتوا إليها قصداً، فتلك زيارة مقصودة، وهي ليست من شد الرحال؛ لأن البقيع في طرف المدينة، بل أبعد منه قباء، والإتيان إلى قباء ليس شداً للرحال؛ لأنه لا يحتاج إلى طعام ولا إلى ماء وشراب للطريق، فهو في أطراف البلد.فإذا خرج الإنسان وقصد المقابر بذاتها فقد تقدم الكلام، وقد كانوا كثيراً ما يقصدونها يوم الجمعة ويوم العيد، فيسلمون على الموتى ويدعون لهم، والموتى يستأنسون بهم. فإذا لم يكن قاصداً، ولكنه مر فرأى في طريقه مر على مقبرة، فهل يمر بها وهو صامت؟ فالمؤلف بين لنا الحالة الأولى وهي: أن يعمد إلى المقابر زائراً.. فماذا يقول؟ يقول كما تقدم (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) فإذا مر مروراً عادياً؛ لكنه فوجئ ووجد نفسه يمر على المقبرة، فماذا يفعل؟قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه ...) لأن الإقبال بالوجه من أدب المحادثة والمخاطبة، فلا تسلم وأنت تمشي، بل يجب أن تحترم من تسلم عليهم، فتتوجه إليهم حيث يوجهك، سواء للقبلة أو للشمال أو للجنوب؛ لأنك تستقبل من تسلم عليه.قال: (فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم) في الحديث السابق قال: (دار قوم مؤمنين) وهنا قال: (يا أهل القبور)؛ لأنه مر على قبور، فنحن عندما نمر على القبور، سواء من الطرف أو من الوسط نقول: (السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر).السلف: هو الذي يتقدم، وسلف الأمة: الأجيال المتقدمة، (ونحن بالأثر) الأثر: الطريق الذي سلكه أهل القبور، وأولئك كل من على وجه الأرض سيسلكون على أثرهم، ولن يتخلف أحد يتخلف أبداً، ولا هناك أحد له طريق غير هذا الطريق.أنتم سلفنا، أي: تقدمتمونا، ونحن على أثركم نمشي، وسنلحق بكم إن شاء الله.والعاقل حينما يأتي إلى المقابر، ويتذكر هذه الدعوات فإنه يتصور مآل الإنسان، كما في الحديث السابق: (ألا فزوروها، فإنها تذكر بالآخرة، وتزهد في الدنيا)
باب النهي عن سب الأموات
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري .وروى الترمذي عن المغيرة رضي الله عنه نحوه، لكن قال: (فتؤذوا الأحياء) .
 التحذير من الكلام في أعراض العلماء
وهنا أُوجّه التحذير كل التحذير ممن يتناولون سلف الأمة في أي مجال كان: بذكر المثالب، وبذكر النواقص، مثل: فلان ركن في الكذب، فلان مبتدع، فلان .. فلان ..؛ فإن فلاناً قد أفضى إلى ما قدم، والطعن -كما يقولون- في مذهبه ومعتقده وطريقته، وهذا كله أشر ما يكون على الإنسان، والعلماء يقولون: لحوم العلماء مسمومة، يعني: من تناول العلماء بالسب والتنقيص لشيء عندهم، فإنما ذلك سم يتناوله.والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) فلا ينبغي طعن في ميت قط، وإذا كان من أهل العلم والفضل فله منهجه، فإذا كان قوله مخالفاً لإجماع المسلمين فتقول: هذه الطريقة فاسدة، هذه الطريقة باطلة، ولا تتناول صاحبها بالسب واللعن والتنقيص، كما إذا وجدت كتاباً لإنسان، ووجدت المكتوب فيه مغايراً لإجماع المسلمين، فليكن نقدك منصباً على المكتوب وليس على الكاتب؛ لأن المنصب على الكاتب لا قيمة له، وإنما التحذير من هذا المكتوب، وإذا نقضت المكتوب فإن ذلك يكفي.أرجو الله سبحانه وتعالى أن يطهر ألسنتنا من أعراض الناس أحياءً وأمواتاً، من سلف الأمة وخلفها، وأن يطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد، والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الجنائز [12] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net